«داعشي» تونسي من سجنه شرق سوريا: التنظيم جنَّد المرضى النفسيين في العمليات الانتحارية

روى لـ «الشرق الأوسط» انتقاله من العمل الإداري إلى القتال

اسرى «دواعش» لدى «قوات سوريا الديمقراطية» شرق الفرات (الشرق الاوسط)
اسرى «دواعش» لدى «قوات سوريا الديمقراطية» شرق الفرات (الشرق الاوسط)
TT

«داعشي» تونسي من سجنه شرق سوريا: التنظيم جنَّد المرضى النفسيين في العمليات الانتحارية

اسرى «دواعش» لدى «قوات سوريا الديمقراطية» شرق الفرات (الشرق الاوسط)
اسرى «دواعش» لدى «قوات سوريا الديمقراطية» شرق الفرات (الشرق الاوسط)

جلس الشاب التونسي البالغ من العمر 28 سنة، وبدأت عيناه الفضوليتان النظر وتفحص المكان. يبدو أنه غير مألوف لديه، فقد أمضى أشهراً في زنزانة بالسجن دون معرفة مصيره، كباقي العناصر القادمين من مسافات بعيدة؛ والتحقوا بصفوف أخطر التنظيمات المتطرفة، وانتهى بهم المطاف محتجزين في هذه البقعة الجغرافية، وترفض دولهم استعادتهم.
في بداية حديثه، طلب «م.ن» عدم ذكر اسمه الصريح، حرصاً على عائلته ومستقبل إخوته الذين تركهم يدرسون، فعلى الرغم من صغر سنه فإن الشيب غزا شعره. وسمحت «قوات سوريا الديمقراطية» المدعومة من التحالف الدولي بقيادة أميركية بإجراء مقابلة مع المقاتل التونسي في أحد مقراتها الأمنية، ليروي قصة التحاقه بتنظيم «داعش» الإرهابي، والسنوات التي قضاها في سوريا، أكثر بلدان الشرق الأوسط سخونة منذ ربيع 2011.
أثناء حديثه، كنت أشاهد صور مئات الصحافيين والناشطين السوريين والأجانب، في عينيه، وكيف قُتلوا وفُصلت رؤوسهم عن أجسادهم على يد ثلة من هؤلاء القادمين من العصور الوسطى، حالمين بوهم العيش في كنف التنظيم وخلافته المزعومة. وعندما سألته عن الإيزيديات وسبيهم، وقتل العرب السُّنة، والأحكام التي نفذوها بحق كل من عارضهم، كان ينفي ويتهرب من المسؤولية، وحملها بدوره على حكامه وأمرائه.
«م.ن» تونسي من مواليد 1991. كان طالباً جامعياً أنهى المرحلة الأولى فرع الهندسة الميكانيكية في مسقط رأسه، وفي نهاية 2010 مع الاحتجاجات التي اندلعت في بلده وانتقالها إلى باقي البلدان العربية، ومنها سوريا، كان يشاهد عن كثب عبر صفحات التواصل الاجتماعي قيام نظام الحكم باضطهاد الشعب السوري وقمعهم عسكرياً، إذ عززت المشاهد المروعة المتتالية عن مجريات الحرب في سوريا مشاعر التعاطف والدعم؛ وأدى انتشارها كالنار في الهشيم على وسائل التواصل الاجتماعي إلى إثارة عواطف كثير من مواطني بلدان قريبة وبعيدة؛ لكنهم وقعوا في نهاية المطاف في شراك دعاية «داعش» الإعلامية، الذي عمل منذ نهاية 2013 من خلال شبكاته السرية على إدخال المقاتلين والنساء المهاجرات الأجانب إلى سوريا.
خلال حديثه، كشف المقاتل التونسي أنّ معرفته بسوريا كانت بسيطة، لم تتعدَّ وجودها كدولة عربية على الخريطة، إذ كان يجهل تنوعها الديني والقومي والعرقي. وأعرب قائلاً: «كرسوا صورة مفادها أن النصيرية – أي الطائفة العلوية الكريمة - تقتل العرب السنة، وأن الأكراد ملحدون، والدروز ملة خارجة عن الدين، وكل طائفة وقومية كانت هناك تهم ضدها».
فالشاب لم ينتسب إلى أي جماعة إسلامية أو حزب ديني في بلده تونس، ويعزو السبب إلى: «أيام الرئيس السابق بن علي، هذه الحركات كانت تغازل السلطة، وتعمل تحت إمرتها، لم تمتلك مشروعات وطنية وبرامج انتخابية تقنع التونسيين».
وشعر كثير من التونسيين بخيبة أمل من السياسات الحكومية التي أعقبت تغيير نظام الحكم السابق، وخصوصاً جيل الشباب المثقف الذي عانى من البطالة بمعدلات مرتفعة للغاية. وبحسب المقاتل التونسي فقد كان غير ملتزم بالصلاة؛ لكنه كان يصلي في الجامع أوقات خطب الجمعة، وذكر أن إمام مسجدهم: «كان يحضنا علانية على الجهاد والذهاب إلى سوريا، ويدعو لهجرة التونسيين لمناصرة المسلمين في كل دولة انتفضت على حكامها».
واعترف المقاتل التونسي بأنه عندما اتخذ قرار السفر للالتحاق بالتنظيم، لم يكن ناضجاً، وكان على علاقة حب بفتاة في فترة الجامعة، انقطعت بعد أن أخبرها نيته السفر إلى سوريا، وقال: «كان عمري 20 سنة فقط، وهكذا قرار يحتاج إلى وعي وعقلانية في التفكير. لم أخبر أحداً من عائلتي خشية من منعي أو إبلاغ الأجهزة الأمنية».
سافر إلى المغرب، ومنها إلى إسطنبول التركية، ومنها استقل حافلة حديثة وقصد مدينة أنطاكيا الحدودية مع سوريا، وقتذاك تحولت تركيا إلى «أوتوستراد دولي» لعبور «الجهاديين» إلى سوريا، وتمكن هذا الشاب من دخول الأراضي السورية في يناير (كانون الثاني) 2014، بعد سيطرة تنظيم «داعش» المتطرف على كامل مدينة الرقة. وكانت الجنسية التونسية الأكثر حضوراً في صفوف تنظيم «داعش» في سوريا وليبيا والعراق، وقدر فريق خبراء تابع للأمم المتحدة في يوليو (تموز) 2015 وجود 4000 مقاتل تونسي في كل من سوريا والعراق.
ويسرد المقاتل التونسي تلك اللحظات وكأنها حدثت معه قبل قليل، ليقول: «كانت الساعة جاوزت الثانية عشرة ليلاً، عندما خطوت أولى خطواتي في سوريا. كنت بحالة قلق وحيرة من أنني سأشاهد في اليوم التالي أناساً محتاجين ومحاصرين»؛ لكنه تفاجأ في اليوم التالي بأن الحياة شبه طبيعية، مع وجود معارك متقطعة قريبة، ويزيد: «تملكتني حالة من الندم وشعور بالخذلان. تركت أهلي ودراستي وأصدقائي لمساعدة الشعب السوري، وهم يعيشون حياة طبيعية، يبدو أنه تم تضخيم الصورة».
وأُخبِر بأنّ السلاح ستكون له الكلمة الفصل، رداً على الأنظمة التي استخدمت العنف المفرط لقمع مطالب الشعوب المحقة، الأمر الذي دفعه إلى أن يصبح مقاتلاً، وكان ينتظر بحرقة الانضمام إلى صفوف القتال. وتابع ليقول: «السلاح وسيلة لتحقيق الأهداف، فالدمار والدم لا يجلبان سوى العنف والعسكرة، وكنت على يقين بأن الانتصار لن يكون إلا عبر حمل البندقية».
وبعد 8 أشهر من الرباط والقتال، نُقل إلى مدينة دير الزور شرق سوريا، لتسلم إدارة المصانع والشغل التابعة للتنظيم، بناءً على دراسته الهندسة الميكانيكية، والاستفادة من خبرته. وقال: «كانت عبارة عن مصانع مدنية، منها لصناعة المواد الغذائية، وأخرى معامل خاصة بتعليب وتغليف المصنوعات المحلية والثلج».
لم تنقطع اتصالاته مع أسرته، وكان يتحدث إلى والدته كثيراً، ورفض التحدث إلى والده، واتصل عدة مرات بأخيه وشقيقته، ينصحهم بمتابعة دراستهم. والجميع كان يتوسل إليه للعودة، وكان جوابه أنه وقع في الفخ وحدث ما حدث.
تزوج في بداية 2015 من مواطنة عراقية أنجبت له ابنتين، تعرف عليها من خلال عملها في أحد المصانع، وطلبها من والدها ليوافق على الفور. وزوجته وبناته يقمن في مخيم الهول. وعن حفلة زفافه يضيف: «لم تكن هناك حفلة أو موسيقى، فالتنظيم كان يمنع ذلك. كان عبارة عن (مولد). عزمت بعض الأصدقاء ومن كانوا يعملون معي».
وفي نهاية العام نفسه، قرر ترك التنظيم. وعن اتخاذ القرار بعد مضي ثلاث سنوات على انتسابه، قال: «كانوا يوزعون الأموال والغنائم على مقاتلي التنظيم فقط، ويفرضون قوانين لا تتناسب مع حياة الناس. والإعدامات الوحشية تركت أثراً عميقاً ورعباً لدى الجميع».
وكشف المقاتل التونسي أنه حاول الهرب مرتين؛ لكنه لم يفلح في مسعاه. وكان يتابع أخبار تقدم «قوات سوريا الديمقراطية» والتحالف الدولي، وتمكنهم من تحرير مدينة الرقة في شهر أكتوبر (تشرين الأول) 2017، وكانت أبرز معاقل التنظيم في سوريا، وعلى أثر ذلك قرر الهروب نهاية العام نفسه، وسلم نفسه إلى «القوات».
وكشف أن التنظيم استغل مواليه، وكان يبحث عن المرضى العقليين وضعفاء النفوس ليكونوا انتحاريين لتنفيذ عمليات إرهابية، وقال: «كانوا يبقونهم أسابيع وأشهراً لزرع الأفكار الخبيثة وتغيير الحقائق حتى يقتنعوا بمهامهم. للأسف كثير من الشباب الذين التقيتهم ذهبوا دون معرفة حقيقة الأمور».
وبحسب السلطات التونسية، فقد منعت 15 ألف شاب وفتاة من السفر إلى سوريا بهدف الالتحاق بمقاتلي تنظيم «داعش»، كما عاد أكثر من 500 مسلح كانوا يقاتلون في صفوف التنظيم إلى بلدهم، ويخضعون للقضاء محتجزين. غير أنّ الدكتور عبد الكريم عمر، رئيس «دائرة العلاقات الخارجية بالإدارة الذاتية» لشمال وشرق سوريا، كشف في حديثه لصحيفة «الشرق الأوسط»، أن ملف المحتجزين الأجانب وعائلاتهم يشكل عبئاً كبيراً على الإدارة الكردية، التي طالبت مراراً بلدانهم باستعادتهم ومحاكمتهم على أراضيها. وأخبر أن هناك نحو 6 آلاف مقاتل محتجز لدى «قوات سوريا الديمقراطية»، من بينهم ألف عنصر مهاجر يتحدرون من نحو 50 دولة غربية وعربية، وقال: «حكومات هذه الدول رفضت استقبال مواطنيها الجهاديين، لذلك طالبنا بإنشاء محكمة دولية خاصة، يكون مقرها هنا في مناطق الإدارة، نظراً لوجود كثير من الأدلة والوثائق والشهود التي تدين هؤلاء، وستتم محاكمتهم وفق القوانين والمعايير الدولية».


مقالات ذات صلة

بوركينا فاسو ستجنِّد 100 ألف مدني في الجيش احتياطياً

أفريقيا الكابتن إبراهيم تراوري قائد المجلس العسكري الحاكم في بوركينا فاسو وحوله عدد من الجنود (رويترز) p-circle

بوركينا فاسو ستجنِّد 100 ألف مدني في الجيش احتياطياً

أعلن وزير الحرب في بوركينا فاسو، السبت، أن بلاده ستجند 100 ألف مدني بحلول نهاية عام 2026، لتعزيز قواتها الاحتياطية، ودعم الجيش في حربه ضد الجماعات الإرهابية.

«الشرق الأوسط» (أبيدجان)
المشرق العربي 
نقل عائلات تنظيم «داعش» من الباغوز إلى مراكز احتجاز بإدارة «قسد» في 2019 (أ.ف.ب)

«داعش» يراهن على «تناقضات» في سوريا

باتت منطقة الجزيرة السورية بين دير الزور والرقة والحسكة، الساحة الرئيسية، لاختبار قدرات تنظيم «داعش»، في ظل تغيير أولوياته وسباقه غير المعلن مع الحكومة السورية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي لافتة لأهالي المعتقلين المرحّلين إلى سجون العراق في اعتصام وسط دمشق (متداولة)

وفد أممي يلتقي في الشدادي أهالي المرحلين من سجون «قسد» إلى العراق

يلتقي في الشدادي بالحسكة وفدٌ أممي أهاليَ المرحّلين من سجون «قسد» إلى العراق، ويطالب الأهالي بإعادتهم ومحاكمتهم في سوريا.

سعاد جرَوس (دمشق)
خاص صورة مقاتل من «داعش» وزعتها وكالة «أعماق» التابعة للتنظيم، في الباغوز السورية في 2019 (أ.ب) p-circle 03:03

خاص «داعش» يغيّر أولوياته ويسعى لرفع «تكلفة الحكم» في سوريا

تشكل الأشهر القادمة مرحلة مفصلية في رسم طبيعة التهديد الأمني في شمال ووسط سوريا، بما يحدد ملامح المواجهة القادمة بين الدولة وأجهزتها الأمنية وتنظيم «داعش».

سلطان الكنج
شؤون إقليمية أفراد من الشرطة يفتشون سيارة بموقع حادث بعد سماع دوي إطلاق نار بالقرب من مبنى القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول 7 أبريل 2026 (رويترز)

تركيا توقف 90 شخصاً تشتبه بارتباطهم بـ«داعش»

أعلنت وزارة الداخلية التركية، الاثنين، توقيف 90 شخصاً للاشتباه بارتباطهم بـ«داعش»، وذلك بعد أسبوعين من عملية إطلاق نار خارج القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)

«توترات هرمز» تنذر بعودة القرصنة في البحر الأحمر

زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
TT

«توترات هرمز» تنذر بعودة القرصنة في البحر الأحمر

زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)

مع اقتراب أزمة غلق مضيق هرمز، من يومها الـ60، تتصاعد أزمة أخرى في البحر الأحمر مع حادث اختطاف ناقلة من جانب قراصنة قبالة السواحل الصومالية التي لها تاريخ كبير مع مثل تلك العمليات، قبل أن تهدأ في السنوات الأخيرة مع تحركات دولية مناهضة.

هذه العودة، حسب خبير بالشأن الصومالي والأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، تعد اختباراً للممرات الملاحية، خصوصاً بالبحر الأحمر، لجس نبض إمكانية عودة نشاط القراصنة على نحو أوسع واستغلال الاهتمام الدولي بأزمة مضيق هرمز.

قرصنة جديدة

أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية (يو كاي إم تي أو) أن ناقلة نفط خُطفت، الثلاثاء الماضي، قبالة سواحل الصومال الذي يحده من الشمال خليج عدن ومن الشرق المحيط الهندي، وتلك المنطقة تقع عند مدخل مضيق باب المندب بين البحر الأحمر وخليج عدن على أحد أكثر الطرق التجارية استخداماً في العالم، والرابط بين المحيط الهندي وقناة السويس.

وازدادت أهمية هذا المضيق استراتيجياً منذ إغلاق مضيق هرمز الذي كان يمر عبره قبل اندلاع الحرب في الشرق الأوسط 20 في المائة من إنتاج النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم.

ووفقاً لما نقلته الهيئة السبت، جرى الإبلاغ عن «حادث» على بُعد نحو 90 كيلومتراً شمال شرقي ماريو، في شرق الصومال، لافتة إلى أن «أفراداً غير مصرح لهم سيطروا على الناقلة وقادوها لمسافة 77 ميلاً بحرياً جنوباً، داخل المياه الإقليمية الصومالية»، من دون ذكر مزيد من التفاصيل.

وأفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، الخميس أيضاً، باختطاف مسلح لسفينة صيد ترفع العلم الصومالي، لافتة إلى أن «هذه الأحداث مجتمعة تُشير إلى وجود تهديد حقيقي بالقرصنة».

أحد المسلحين خلال عملية اختطاف سفينة قبالة سواحل الصومال (رويترز)

وفي الأشهر الأخيرة، أثارت عدة حوادث مخاوف من عودة القرصنة قبالة سواحل القرن الأفريقي، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويرى المحلل السياسي في الشأن الصومالي والأفريقي، عبد الولي جامع بري، أن ذلك الحادث يأتي في سياق إقليمي أوسع مرتبط بالتوترات في البحر الأحمر ومضيق هرمز برغم أن حادث اختطاف السفن، ليس ظاهرة جديدة لكنه الآن ينذر بتداعيات.

ويُرجِع أسباب تلك العودة إلى ضعف الرقابة البحرية رغم تحسن الوضع الأمني في مقديشو، إلا أن السواحل الطويلة ما زالت صعبة على السيطرة الكاملة، بخلاف الفراغ الأمني الدولي النسبي مع تراجع الوجود البحري الدولي مقارنة بذروة مكافحة القرصنة بين 2010 - 2015.

وبرأي الباحث الاقتصادي والاستشاري في الاقتصاد والنقل الدولي، زياد الهاشمي، فإن «القراصنة الصوماليين يستغلون انشغال العالم بمضيق هرمز ويبدأون باختطاف السفن من جديد بالقرب من منطقة البحر الأحمر».

وهذا التطور حسبما ذكره الهاشمي في منشور عبر صفحته بـ«فيسبوك»، «يأتي وسط تصاعد ملحوظ في نشاط القرصنة في منطقة باب المندب، الذي كان يستهدف في الغالب السفن الأصغر حجماً، لكن اختطاف ناقلة منتجات نفطية كبيرة يُعد مؤشراً مقلقاً، خصوصاً أن المنطقة تعاني أصلاً من ضغوطات بحرية كبيرة بسبب مخاطر الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز».

تاريخ مظلم

وبلغت أعمال القرصنة ذروتها في الصومال عام 2011، قبل أن تنخفض بشكل ملحوظ مع نشر سفن حربية دولية (من الاتحاد الأوروبي والهند ودول أخرى)، وإنشاء قوة شرطة بونتلاند البحرية.

وفي ذروتها في عام 2011، وصلت حوادث القرصنة قبالة سواحل الصومال إلى مستوى قياسي بلغ 237، ما كلف الاقتصاد العالمي 7 مليارات دولار في ذلك العام، وتم إطلاق النار على أكثر من 3863 بحاراً ببنادق هجومية وقذائف صاروخية في تلك الفترة، حسب تقرير سابق لـ«سي إن إن» الأميركية.

ويعود ظهور القراصنة، إلى تسعينات القرن الماضي، مع معاناة الصيادين المحليين من الصيد التجاري غير المنظم ، وبدأ بوصفه احتجاجاً مسلحاً ضد سفن الصيد الأجنبية التي حرمتهم من مصدر رزقهم التقليدي، الذي لطالما وفرته المياه الصومالية الغنية بأنواع الأسماك المختلفة.

ويشير عبد الولي جامع بري، إلى أن أي حادثة جديدة لا تُعد عودة كاملة للقرصنة، لكنها مؤشر قابل للتصاعد إذا توفرت الظروف، مؤكداً أن المخاوف ستتسع بعد حادث الجمعة، لأسباب بينها أن تكرار الحوادث الصغيرة قد يشير إلى اختبار الممرات البحرية، وتحول الاهتمام الدولي مع تصاعد أزمة مضيق هرمز.

وعودة نشاط القرصنة البحرية في مضيق باب المندب، حسب زياد الهاشمي، يزيد من مستوى المخاطر المرتفعة، ويضغط على شركات الشحن البحري لاستخدام المسار الأطول والأكثر تكلفة عبر رأس الرجاء الصالح، ما يعمّق مشكلة ارتفاع الأسعار في مراكز الاستهلاك الغربية.


هزة بسيناء عقب واحدة في مرسى مطروح

منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)
منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)
TT

هزة بسيناء عقب واحدة في مرسى مطروح

منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)
منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)

تعرضت مدينة سانت كاترين بمحافظة جنوب سيناء المصرية، صباح الأحد، لهزة أرضية بلغت قوتها 4.3 درجة على مقياس ريختر، شعر بها عدد من المواطنين، دون تسجيل أي خسائر في الأرواح أو الممتلكات.

وجاءت هذه الهزة بعد يومين فقط من زلزال أقوى ضرب شمال مرسى مطروح بقوة 5.77 درجة صباح الجمعة، ما أثار تساؤلات حول أسباب وقوع هزتين أرضيتين في منطقتين مختلفتين داخل مصر.

وأوضح «المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية في مصر»، في بيان، أن محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت الهزة على بُعد 77.9 كلم من سانت كاترين، عند الساعة 3:13 صباحاً بالتوقيت المحلي، وعلى عمق 26.1 كلم ،من دون ورود بلاغات عن خسائر.

كانت محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت، الجمعة، هزة أرضية على بُعد نحو 412 كلم شمال مرسى مطروح في الساعة 5:18 صباحاً بالتوقيت المحلي وعلى عمق 26.85 كلم، وشعر بها بعض المواطنين بشكل خفيف دون تسجيل أي أضرار.

وفي التوقيت نفسه تقريباً، ضرب زلزال بقوة 5.7 درجة الساحل الجنوبي لجزيرة كريت في اليونان، حيث حُدد مركزه على بُعد نحو 23 كلم جنوب غربي مدينة لاسيثي وعلى عمق 9.7 كلم، من دون تقارير عن وقوع خسائر.

تفاصيل وموقع الهزة الأرضية الأخيرة بجنوب سيناء (المعهد القومي للبحوث الفلكية)

يقول الدكتور شريف الهادي، رئيس قسم الزلازل بـ«المعهد القومي للبحوث الفلكية»، إن مركز الهزة التي سجلت في جنوب سيناء، يقع في منطقة أبو زنيمة، وهي منطقة غير مأهولة نسبياً، لكن شعر بها بعض سكان المدن القريبة منها مثل رأس غارب وسانت كاترين.

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «هذه الهزة تُصنَّف ضمن الزلازل الأقل من المتوسطة، حيث يكون الإحساس بها محدوداً»، موضحاً أن الزلازل الضعيفة تقل قوتها عن 3 درجات، بينما تبدأ الزلازل المتوسطة من 5 درجات فأكثر.

وبيّن أن مصدر هذه الهزة يعود إلى النشاط الزلزالي في خليج السويس، وهي منطقة معروفة بتسجيل هزات خفيفة إلى متوسطة على فترات متباعدة.

ولفت إلى أن هذا النشاط يختلف تماماً عن زلزال مطروح الأخير، الذي ارتبط بتأثر منطقة شرق البحر المتوسط بنشاط زلزالي مصدره جزيرة كريت، الواقعة ضمن حزام «شرق المتوسط» الزلزالي النشط، ما يؤدي إلى تكرار حدوث الهزات الأرضية فيها.

وأكد الهادي، أن الطبيعة التكتونية لخليج السويس تختلف جذرياً عن منطقة شرق المتوسط، التي تقع ضمن حزام زلزالي نشط، ما يفسر تكرار الهزات فيها، خصوصاً ما يقع في جزيرة كريت، كما شدّد على أن تزامن وقوع الهزتين خلال يومين جاء بـ«محض الصدفة، ولا يعد مؤشراً على زيادة النشاط الزلزالي في مصر، بل يأتي في إطار النشاط الطبيعي المعتاد».

وأضاف أن منطقة خليج السويس شهدت هدوءاً سريعاً عقب الهزة، مع تسجيل توابع ضعيفة لم تتجاوز 1.5 درجة، وهو ما يشير إلى استقرار الوضع، وأرجع النشاط الزلزالي المحدود في هذه المنطقة، إلى الطبيعة الجيولوجية للصخور وتاريخها الجيولوجي الطويل الذي يسمح بحدوث هزات خفيفة من حين لآخر.

وأوضح محمد عز العرب، الأستاذ المساعد في الشبكة القومية لرصد الزلازل التابعة لـ«المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية»، أن ما شهدته منطقة جنوب سيناء يختلف كلياً عن زلزال مرسى مطروح، نظراً لاختلاف البيئة التكتونية بين المنطقتين.

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن مطروح تقع جيولوجياً على كتلة مستقرة نسبياً ضمن اللوح الأفريقي، وأن ما يشعر به السكان من هزات هناك لا يعود إلى وجود صدوع نشطة داخل المدينة، بل إلى تأثرها بالموجات الزلزالية المقبلة من مناطق النشاط التكتوني على حدود التقاء اللوح الأفريقي مع اللوح الأوراسي الذي يضم قارتي أوروبا وآسيا، في شرق البحر المتوسط، خصوصاً قرب جزيرة كريت وقبرص. وفي هذه المنطقة، تنشط آلية الاندساس، حيث ينغمس جزء من اللوح الأفريقي أسفل الأوراسي، ما يولد زلازل قد تمتد تأثيراتها إلى السواحل المصرية، بوصفها صدى للطاقة المنبعثة من نطاق التصادم.

وأشار عز العرب، إلى أن منطقة كريت تشهد نشاطاً زلزالياً مرتفعاً وبوتيرة أكبر بكثير مقارنة بمنطقة خليج السويس، التي تسجل هزات أقل تكراراً.

ولفت في المقابل، إلى أن الهزات في خليج السويس تكون غالباً خفيفة أو متوسطة القوة وغير منتظمة الحدوث، إذ قد تُسجَّل عدة مرات خلال سنوات متفرقة، وقد تمر فترات دون نشاط يُذكر.

وبيّن عز العرب أن سبب وقوع زلازل في خليج السويس من الناحية الجيولوجية يعود إلى أن هذه المنطقة ترتبط بحركة الفوالق المكونة لخليج السويس، وبالتباعد التكتوني بين اللوحين الأفريقي والعربي، ويُعد الخليج جزءاً من امتداد نظام الأخدود الأفريقي العظيم، وهو شق جيولوجي واسع في القشرة الأرضية بدأ تشكله منذ ملايين السنين، ويتسبب في تباعد كتل اليابسة تدريجياً، ما يجعل المنطقة نشطة تكتونياً.


موريتانيا: النقاش يحتدم حول تفشي الفساد وآليات محاربته

سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)
سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)
TT

موريتانيا: النقاش يحتدم حول تفشي الفساد وآليات محاربته

سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)
سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)

بعد أيام من محاكمة رئيس «منظمة الشفافية الشاملة» في موريتانيا وعضو مجلس الشيوخ السابق، محمد ولد غده، في قضية «تشهير» إثر كشفه عن وثائق زعم أنها تثبت حدوث «فساد» في صفقة شراء مختبر للشرطة، تصدر الحديث عن «ملفات الفساد» الساحة السياسية بالبلاد.

وتزامن الجدل مع هدم السلطات منازل في أحد أحياء العاصمة نواكشوط، بسبب عمليات فساد شابت الحصول على قطع الأراضي التي بُنيت عليها، مما ألقى الضوء على مزاعم الفساد في قطاع العقارات.

وفي هذا السياق، نظم حزب «الإصلاح» الداعم للحكومة، السبت، جلسة نقاش تحت عنوان «الإصلاح في مواجهة الفساد»، ودعا لها عدداً من الشخصيات السياسية والإعلامية والمجتمع المدني.

وخلال الجلسة، قال رئيس الحزب، محمد ولد طالبن، إن الفساد من منظور حزبه «لا يقتصر على الفساد المالي، ولا على سوء التسيير، وإنما الفساد بالمفهوم الشامل».

كما وصف محمد السالك ولد إبراهيم، وهو مستشار سابق في رئاسة الجمهورية، الفساد بأنه «ظاهرة» تؤثر بشكل عميق على الدولة والمجتمع، وقال: «ظاهرة الفساد بمختلف أبعادها تمثل تحدياً كبيراً أمام أي جهود للتحول الديمقراطي، وتحقيق الاستقرار، وبناء دولة قوية».

مصدر التربح الأول

وفي سياق متصل، نظم «الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد» جلسة نقاش، يوم الجمعة، طرح فيها موضوع «الفساد في القطاع العقاري وآليات محاربته».

وقال الوالي السابق، صيدو حسن صال، إن الفساد العقاري «يشكل نحو 80 في المائة من مصادر الثراء في موريتانيا»، كما أكد أن ما يقارب 70 في المائة من النزاعات المعروضة أمام القضاء تعود إلى إشكالات مرتبطة بالفساد العقاري.

وخلال النقاش، قال الصحافي، الهيبة الشيخ سيداتي، إن الفساد العقاري «يرتبط بشبكة واسعة ومتجذرة في الدولة والمجتمع»، ولكنه شدّد على أن «المسؤولية الأكبر تقع على عاتق الحكومة».

وأكد سيداتي في مداخلته أن «تفشي الفساد في موريتانيا لا يعود إلى غياب القوانين، بل إلى ضعف تطبيقها، وغياب الصرامة في تنفيذ الأحكام القضائية».

تفشٍ «غير مسبوق»

ومنذ وصوله إلى سدة الحكم في موريتانيا عام 2019، أعلن الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني الحرب على الفساد.

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

وفتح ولد الغزواني ملفات الفساد في عهد الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، الذي أودع السجن منذ خمس سنوات بتهم تتعلق بالفساد، بعد صدور حكم عليه بالحبس 15 عاماً.

ومع ذلك تقول أطراف معارضة إن الفساد تفشى بشكل غير مسبوق خلال سنوات حكم ولد الغزواني، رغم ما تعلن عنه الحكومة من إجراءات وأدوات لمحاربة الفساد في الصفقات العمومية والتعيينات.

وأسس ولد غده منذ سنوات «منظمة الشفافية الشاملة» التي أعلنت حينها أن هدفها هو مساعدة الحكومة في الكشف عن الفساد، وكشفت من وقتها عن عدة ملفات انتهى أغلبها في أروقة القضاء.

وتعرض ولد غده للسجن أكثر من مرة. وكان قد خرج لتوه من السجن في أبريل (نيسان) الحالي، بعد أن اتهمته النيابة العامة بالتشهير ونشر معلومات مغلوطة على الإنترنت، خلال حديثه عن شبهات فساد في صفقة لاقتناء مختبر للشرطة الوطنية.

ومَثُل ولد غده الأسبوع الماضي أمام محكمة الاستئناف، التي أكدت براءته من ثلاث تهم، هي إعاقة سير العدالة، وإهانة موظفي وأعوان القوة العمومية، ونشر معلومات كاذبة عبر شبكة الإنترنت، فيما أدانته بتهمة التقليل من أهمية القرارات القضائية، وحكمت عليه بالسجن ثلاثة أشهر مع وقف التنفيذ.