«داعشي» تونسي من سجنه شرق سوريا: التنظيم جنَّد المرضى النفسيين في العمليات الانتحارية

روى لـ «الشرق الأوسط» انتقاله من العمل الإداري إلى القتال

اسرى «دواعش» لدى «قوات سوريا الديمقراطية» شرق الفرات (الشرق الاوسط)
اسرى «دواعش» لدى «قوات سوريا الديمقراطية» شرق الفرات (الشرق الاوسط)
TT

«داعشي» تونسي من سجنه شرق سوريا: التنظيم جنَّد المرضى النفسيين في العمليات الانتحارية

اسرى «دواعش» لدى «قوات سوريا الديمقراطية» شرق الفرات (الشرق الاوسط)
اسرى «دواعش» لدى «قوات سوريا الديمقراطية» شرق الفرات (الشرق الاوسط)

جلس الشاب التونسي البالغ من العمر 28 سنة، وبدأت عيناه الفضوليتان النظر وتفحص المكان. يبدو أنه غير مألوف لديه، فقد أمضى أشهراً في زنزانة بالسجن دون معرفة مصيره، كباقي العناصر القادمين من مسافات بعيدة؛ والتحقوا بصفوف أخطر التنظيمات المتطرفة، وانتهى بهم المطاف محتجزين في هذه البقعة الجغرافية، وترفض دولهم استعادتهم.
في بداية حديثه، طلب «م.ن» عدم ذكر اسمه الصريح، حرصاً على عائلته ومستقبل إخوته الذين تركهم يدرسون، فعلى الرغم من صغر سنه فإن الشيب غزا شعره. وسمحت «قوات سوريا الديمقراطية» المدعومة من التحالف الدولي بقيادة أميركية بإجراء مقابلة مع المقاتل التونسي في أحد مقراتها الأمنية، ليروي قصة التحاقه بتنظيم «داعش» الإرهابي، والسنوات التي قضاها في سوريا، أكثر بلدان الشرق الأوسط سخونة منذ ربيع 2011.
أثناء حديثه، كنت أشاهد صور مئات الصحافيين والناشطين السوريين والأجانب، في عينيه، وكيف قُتلوا وفُصلت رؤوسهم عن أجسادهم على يد ثلة من هؤلاء القادمين من العصور الوسطى، حالمين بوهم العيش في كنف التنظيم وخلافته المزعومة. وعندما سألته عن الإيزيديات وسبيهم، وقتل العرب السُّنة، والأحكام التي نفذوها بحق كل من عارضهم، كان ينفي ويتهرب من المسؤولية، وحملها بدوره على حكامه وأمرائه.
«م.ن» تونسي من مواليد 1991. كان طالباً جامعياً أنهى المرحلة الأولى فرع الهندسة الميكانيكية في مسقط رأسه، وفي نهاية 2010 مع الاحتجاجات التي اندلعت في بلده وانتقالها إلى باقي البلدان العربية، ومنها سوريا، كان يشاهد عن كثب عبر صفحات التواصل الاجتماعي قيام نظام الحكم باضطهاد الشعب السوري وقمعهم عسكرياً، إذ عززت المشاهد المروعة المتتالية عن مجريات الحرب في سوريا مشاعر التعاطف والدعم؛ وأدى انتشارها كالنار في الهشيم على وسائل التواصل الاجتماعي إلى إثارة عواطف كثير من مواطني بلدان قريبة وبعيدة؛ لكنهم وقعوا في نهاية المطاف في شراك دعاية «داعش» الإعلامية، الذي عمل منذ نهاية 2013 من خلال شبكاته السرية على إدخال المقاتلين والنساء المهاجرات الأجانب إلى سوريا.
خلال حديثه، كشف المقاتل التونسي أنّ معرفته بسوريا كانت بسيطة، لم تتعدَّ وجودها كدولة عربية على الخريطة، إذ كان يجهل تنوعها الديني والقومي والعرقي. وأعرب قائلاً: «كرسوا صورة مفادها أن النصيرية – أي الطائفة العلوية الكريمة - تقتل العرب السنة، وأن الأكراد ملحدون، والدروز ملة خارجة عن الدين، وكل طائفة وقومية كانت هناك تهم ضدها».
فالشاب لم ينتسب إلى أي جماعة إسلامية أو حزب ديني في بلده تونس، ويعزو السبب إلى: «أيام الرئيس السابق بن علي، هذه الحركات كانت تغازل السلطة، وتعمل تحت إمرتها، لم تمتلك مشروعات وطنية وبرامج انتخابية تقنع التونسيين».
وشعر كثير من التونسيين بخيبة أمل من السياسات الحكومية التي أعقبت تغيير نظام الحكم السابق، وخصوصاً جيل الشباب المثقف الذي عانى من البطالة بمعدلات مرتفعة للغاية. وبحسب المقاتل التونسي فقد كان غير ملتزم بالصلاة؛ لكنه كان يصلي في الجامع أوقات خطب الجمعة، وذكر أن إمام مسجدهم: «كان يحضنا علانية على الجهاد والذهاب إلى سوريا، ويدعو لهجرة التونسيين لمناصرة المسلمين في كل دولة انتفضت على حكامها».
واعترف المقاتل التونسي بأنه عندما اتخذ قرار السفر للالتحاق بالتنظيم، لم يكن ناضجاً، وكان على علاقة حب بفتاة في فترة الجامعة، انقطعت بعد أن أخبرها نيته السفر إلى سوريا، وقال: «كان عمري 20 سنة فقط، وهكذا قرار يحتاج إلى وعي وعقلانية في التفكير. لم أخبر أحداً من عائلتي خشية من منعي أو إبلاغ الأجهزة الأمنية».
سافر إلى المغرب، ومنها إلى إسطنبول التركية، ومنها استقل حافلة حديثة وقصد مدينة أنطاكيا الحدودية مع سوريا، وقتذاك تحولت تركيا إلى «أوتوستراد دولي» لعبور «الجهاديين» إلى سوريا، وتمكن هذا الشاب من دخول الأراضي السورية في يناير (كانون الثاني) 2014، بعد سيطرة تنظيم «داعش» المتطرف على كامل مدينة الرقة. وكانت الجنسية التونسية الأكثر حضوراً في صفوف تنظيم «داعش» في سوريا وليبيا والعراق، وقدر فريق خبراء تابع للأمم المتحدة في يوليو (تموز) 2015 وجود 4000 مقاتل تونسي في كل من سوريا والعراق.
ويسرد المقاتل التونسي تلك اللحظات وكأنها حدثت معه قبل قليل، ليقول: «كانت الساعة جاوزت الثانية عشرة ليلاً، عندما خطوت أولى خطواتي في سوريا. كنت بحالة قلق وحيرة من أنني سأشاهد في اليوم التالي أناساً محتاجين ومحاصرين»؛ لكنه تفاجأ في اليوم التالي بأن الحياة شبه طبيعية، مع وجود معارك متقطعة قريبة، ويزيد: «تملكتني حالة من الندم وشعور بالخذلان. تركت أهلي ودراستي وأصدقائي لمساعدة الشعب السوري، وهم يعيشون حياة طبيعية، يبدو أنه تم تضخيم الصورة».
وأُخبِر بأنّ السلاح ستكون له الكلمة الفصل، رداً على الأنظمة التي استخدمت العنف المفرط لقمع مطالب الشعوب المحقة، الأمر الذي دفعه إلى أن يصبح مقاتلاً، وكان ينتظر بحرقة الانضمام إلى صفوف القتال. وتابع ليقول: «السلاح وسيلة لتحقيق الأهداف، فالدمار والدم لا يجلبان سوى العنف والعسكرة، وكنت على يقين بأن الانتصار لن يكون إلا عبر حمل البندقية».
وبعد 8 أشهر من الرباط والقتال، نُقل إلى مدينة دير الزور شرق سوريا، لتسلم إدارة المصانع والشغل التابعة للتنظيم، بناءً على دراسته الهندسة الميكانيكية، والاستفادة من خبرته. وقال: «كانت عبارة عن مصانع مدنية، منها لصناعة المواد الغذائية، وأخرى معامل خاصة بتعليب وتغليف المصنوعات المحلية والثلج».
لم تنقطع اتصالاته مع أسرته، وكان يتحدث إلى والدته كثيراً، ورفض التحدث إلى والده، واتصل عدة مرات بأخيه وشقيقته، ينصحهم بمتابعة دراستهم. والجميع كان يتوسل إليه للعودة، وكان جوابه أنه وقع في الفخ وحدث ما حدث.
تزوج في بداية 2015 من مواطنة عراقية أنجبت له ابنتين، تعرف عليها من خلال عملها في أحد المصانع، وطلبها من والدها ليوافق على الفور. وزوجته وبناته يقمن في مخيم الهول. وعن حفلة زفافه يضيف: «لم تكن هناك حفلة أو موسيقى، فالتنظيم كان يمنع ذلك. كان عبارة عن (مولد). عزمت بعض الأصدقاء ومن كانوا يعملون معي».
وفي نهاية العام نفسه، قرر ترك التنظيم. وعن اتخاذ القرار بعد مضي ثلاث سنوات على انتسابه، قال: «كانوا يوزعون الأموال والغنائم على مقاتلي التنظيم فقط، ويفرضون قوانين لا تتناسب مع حياة الناس. والإعدامات الوحشية تركت أثراً عميقاً ورعباً لدى الجميع».
وكشف المقاتل التونسي أنه حاول الهرب مرتين؛ لكنه لم يفلح في مسعاه. وكان يتابع أخبار تقدم «قوات سوريا الديمقراطية» والتحالف الدولي، وتمكنهم من تحرير مدينة الرقة في شهر أكتوبر (تشرين الأول) 2017، وكانت أبرز معاقل التنظيم في سوريا، وعلى أثر ذلك قرر الهروب نهاية العام نفسه، وسلم نفسه إلى «القوات».
وكشف أن التنظيم استغل مواليه، وكان يبحث عن المرضى العقليين وضعفاء النفوس ليكونوا انتحاريين لتنفيذ عمليات إرهابية، وقال: «كانوا يبقونهم أسابيع وأشهراً لزرع الأفكار الخبيثة وتغيير الحقائق حتى يقتنعوا بمهامهم. للأسف كثير من الشباب الذين التقيتهم ذهبوا دون معرفة حقيقة الأمور».
وبحسب السلطات التونسية، فقد منعت 15 ألف شاب وفتاة من السفر إلى سوريا بهدف الالتحاق بمقاتلي تنظيم «داعش»، كما عاد أكثر من 500 مسلح كانوا يقاتلون في صفوف التنظيم إلى بلدهم، ويخضعون للقضاء محتجزين. غير أنّ الدكتور عبد الكريم عمر، رئيس «دائرة العلاقات الخارجية بالإدارة الذاتية» لشمال وشرق سوريا، كشف في حديثه لصحيفة «الشرق الأوسط»، أن ملف المحتجزين الأجانب وعائلاتهم يشكل عبئاً كبيراً على الإدارة الكردية، التي طالبت مراراً بلدانهم باستعادتهم ومحاكمتهم على أراضيها. وأخبر أن هناك نحو 6 آلاف مقاتل محتجز لدى «قوات سوريا الديمقراطية»، من بينهم ألف عنصر مهاجر يتحدرون من نحو 50 دولة غربية وعربية، وقال: «حكومات هذه الدول رفضت استقبال مواطنيها الجهاديين، لذلك طالبنا بإنشاء محكمة دولية خاصة، يكون مقرها هنا في مناطق الإدارة، نظراً لوجود كثير من الأدلة والوثائق والشهود التي تدين هؤلاء، وستتم محاكمتهم وفق القوانين والمعايير الدولية».


مقالات ذات صلة

بوركينا فاسو ستجنِّد 100 ألف مدني في الجيش احتياطياً

أفريقيا الكابتن إبراهيم تراوري قائد المجلس العسكري الحاكم في بوركينا فاسو وحوله عدد من الجنود (رويترز) p-circle

بوركينا فاسو ستجنِّد 100 ألف مدني في الجيش احتياطياً

أعلن وزير الحرب في بوركينا فاسو، السبت، أن بلاده ستجند 100 ألف مدني بحلول نهاية عام 2026، لتعزيز قواتها الاحتياطية، ودعم الجيش في حربه ضد الجماعات الإرهابية.

«الشرق الأوسط» (أبيدجان)
المشرق العربي 
نقل عائلات تنظيم «داعش» من الباغوز إلى مراكز احتجاز بإدارة «قسد» في 2019 (أ.ف.ب)

«داعش» يراهن على «تناقضات» في سوريا

باتت منطقة الجزيرة السورية بين دير الزور والرقة والحسكة، الساحة الرئيسية، لاختبار قدرات تنظيم «داعش»، في ظل تغيير أولوياته وسباقه غير المعلن مع الحكومة السورية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي لافتة لأهالي المعتقلين المرحّلين إلى سجون العراق في اعتصام وسط دمشق (متداولة)

وفد أممي يلتقي في الشدادي أهالي المرحلين من سجون «قسد» إلى العراق

يلتقي في الشدادي بالحسكة وفدٌ أممي أهاليَ المرحّلين من سجون «قسد» إلى العراق، ويطالب الأهالي بإعادتهم ومحاكمتهم في سوريا.

سعاد جرَوس (دمشق)
خاص صورة مقاتل من «داعش» وزعتها وكالة «أعماق» التابعة للتنظيم، في الباغوز السورية في 2019 (أ.ب) p-circle 03:03

خاص «داعش» يغيّر أولوياته ويسعى لرفع «تكلفة الحكم» في سوريا

تشكل الأشهر القادمة مرحلة مفصلية في رسم طبيعة التهديد الأمني في شمال ووسط سوريا، بما يحدد ملامح المواجهة القادمة بين الدولة وأجهزتها الأمنية وتنظيم «داعش».

سلطان الكنج
شؤون إقليمية أفراد من الشرطة يفتشون سيارة بموقع حادث بعد سماع دوي إطلاق نار بالقرب من مبنى القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول 7 أبريل 2026 (رويترز)

تركيا توقف 90 شخصاً تشتبه بارتباطهم بـ«داعش»

أعلنت وزارة الداخلية التركية، الاثنين، توقيف 90 شخصاً للاشتباه بارتباطهم بـ«داعش»، وذلك بعد أسبوعين من عملية إطلاق نار خارج القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)

هل يعزز حديث السيسي والشرع «الودي» في قبرص تقارب البلدين؟

السيسي خلال لقاء الشرع على هامش القمة العربية بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)
السيسي خلال لقاء الشرع على هامش القمة العربية بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)
TT

هل يعزز حديث السيسي والشرع «الودي» في قبرص تقارب البلدين؟

السيسي خلال لقاء الشرع على هامش القمة العربية بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)
السيسي خلال لقاء الشرع على هامش القمة العربية بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)

أعاد حديث وصفته وسائل إعلام مصرية وسورية بأنه «ودي» بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ونظيره السوري أحمد الشرع، مسار علاقات البلدين للواجهة مجدداً.

وبحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن «العلاقات التي شهدت تفاهمات اقتصادية ومساعي مصرية للمشاركة في إعادة إعمار سوريا، سيدفعها اللقاء (الودي) خطوة للأمام في مسار الشراكة، ويعزز فرص التقارب بصورة أكبر». وأشار الخبراء إلى «وجود تحديات يجب تجاوزها لتوسيع العلاقات».

وأفادت وسائل إعلام بالقاهرة ودمشق بأن «حديثاً ودياً» جرى بين الرئيس المصري ونظيره السوري، في «قمة قبرص»، الجمعة، لبحث تطورات المنطقة وتعزيز التعاون العربي الأوروبي.

وتقدم ذلك المشهد على لقطات أخرى حاولت حسابات بمنصات التواصل وصفها بأنها «تجاهل»، بعدما ادعت أنه «لم يبادر أي منهما بالتحدث إلى الآخر على الرغم من جلوسهما جنباً إلى جنب في الاجتماع».

في حين بادر الإعلامي المصري، عمرو أديب عبر برنامجه على قناة «إم بي سي مصر»، مساء الجمعة، بنفي «هذه الادعاءات حول التجاهل»، قائلاً: «جرت الأمور بشكل طبيعي، وتحدثا الرئيسان معاً، لا سيما عند التقاط الصورة التذكارية».

عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير محمد حجازي، يرى أنه «في لحظة إقليمية شديدة السيولة، لم يكن الحديث الودي الذي جمع بين الرئيس السيسي ونظيره السوري على هامش لقاء قبرص مجرد لقطة بروتوكولية عابرة، بل يمكن قراءته باعتباره تعبيراً دقيقاً عن دبلوماسية الإشارة الإيجابية التي تلجأ إليها الدول حين تكون المسارات مفتوحة، ولكنها لم تنضج بعد إلى مستوى التحولات الاستراتيجية الكاملة».

القادة عقب «الاجتماع التشاوري» في قبرص الجمعة (الرئاسة المصرية)

وبحسب حجازي، فإن «الانتقال من صورة يُفهم منها التباعد أو التجاهل إلى مشهد حوار مباشر وودي، يعكس وجود إرادة سياسية لتفادي أي انطباع عن العزلة أو القطيعة، ويؤكد أن قنوات الاتصال بين القاهرة ودمشق مفتوحة وتسير إيجاباً نحو الأمام، وأنها لم تنقطع يوماً، بل تعمل بهدوء وإيجابية بعيداً عن الأضواء».

ويتابع: «قد لا يكون الحديث الودي نهاية المطاف؛ لكنه بالتأكيد ليس تفصيلاً هامشياً، بل خطوة وإشارة إيجابية محسوبة في طريق طويل نحو إعادة صياغة علاقة تاريخية، تظل قابلة للتقدم؛ ولكن وفق إيقاع الحذر الاستراتيجي».

ووفق رأي أستاذ العلاقات الدولية السوري، عبد القادر عزوز، فإن «الحديث الودي الذي جرى في قبرص، كان تعبيراً عن إدراك ووعي كبيرين من القيادة السياسية في كلا البلدين بأهمية العلاقات السورية - المصرية المشتركة، خاصة أنها كانت، عبر التاريخ، بمثابة صمام أمان للأمن القومي العربي والأمن الإقليمي على حد سواء».

ويوضح أن «التنسيق السوري - المصري يلعب دوراً كبيراً في تحقيق استقرار المنطقة، خاصة في ظل ما تشهده الساحة الإقليمية حالياً»، ويتوقع أن «يؤدي ذلك إلى تعزيز التقارب والعمل على معالجة أي خلافات أو مشكلات قائمة بين البلدين».

ومنذ سقوط بشار الأسد، بدت العلاقات المصرية - السورية في التحرك نحو اتصالات ثنائية وتعاون اقتصادي في قطاع الغاز، قبل تفاعلات الحديث الودي في قبرص بين رئيسي البلدين.

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، استضافت دمشق «ملتقىً اقتصادياً واستثمارياً» مشتركاً بين البلدين، بعد أيام من توقيع البلدين مذكرتي تفاهم في مجال الطاقة، «للتعاون في توريد الغاز المصري إلى سوريا، بهدف توليد الكهرباء».

الرئيسان السيسي والشرع خلال لقاء بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)

كما التقى السيسي، الشرع، على هامش القمة العربية الطارئة بالقاهرة في مارس (آذار) 2025، بعد سلسلة خطوات اتخذتها القاهرة تجاه دمشق، أبرزها دعوة من الرئيس المصري لنظيره السوري لحضور القمة، عقب تهنئته بالمنصب الرئاسي في فبراير (شباط) 2025، بخلاف اتصالات ولقاءات متكررة بين وزيري خارجية البلدين.

ويرى حجازي أن «هذا التطور لا يأتي من فراغ، بل يندرج ضمن مسار تدريجي شهد خلال العامين الماضيين مؤشرات متراكمة على إعادة اختبار العلاقة بين البلدين، سواء عبر الاتصالات الرسمية أو بوادر التعاون الاقتصادي المحدود».

غير أن هذا المسار، وفق حجازي، «يظل محكوماً بجملة من التحديات المعقدة، في مقدمتها طبيعة التحولات داخل سوريا نفسها، كما يظل ملف التنظيمات المسلحة والتوازنات الأمنية داخل سوريا عنصراً حاسماً في أي انفتاح مصري أعمق؛ إذ لا يمكن فصل التقارب السياسي عن ضمانات الاستقرار الأمني».

ورغم هذه التحديات، شدد حجازي على أن «معادلة الفرص تبدو حاضرة بقوة، مع إدراك متزايد بأن إعادة دمج سوريا في الإطار العربي تمثل مصلحة مشتركة، ليس فقط لسوريا، بل أيضاً لإعادة التوازن إلى الإقليم وتقليص أدوار القوى غير العربية، بخلاف ملف إعادة إعمار سوريا بوصفه مدخلاً عملياً للتعاون بما تمتلكه مصر من خبرات».

وبحسب عزوز، فإنه «لو لم يصل البلدان بعد إلى مرحلة تصفير المشكلات من خلال الحوار المباشر، فعلى الأقل يجب أن يكون هناك نوع من تحييد الخلافات، خاصة أنها ليست جوهرية في مسيرة العلاقات السورية - المصرية المشتركة، في ظل وجود فرص كبيرة للتطوير رغم التعقيدات الدولية بعد حرب إيران».

ودعا إلى «تجسير مزيد من التواصل بين أجهزة الدولة في كلا البلدين، بما يخدم الأمن والاستقرار في المنطقة ومصلحة الشعبين السوري والمصري، وتطوير هذه العلاقات في مختلف المجالات، سواء على الصعيد السياسي أو الاقتصادية».


مصر تُشدد على وقوفها مع دول الخليج لمواجهة أي تحديات تستهدف أمنها

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُشدد على وقوفها مع دول الخليج لمواجهة أي تحديات تستهدف أمنها

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

شدّدت مصر على وقوفها مع دول الخليج في مواجهة أي محاولات تستهدف أمنها، وأكدت تطلعها لأن تصل المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران إلى تفاهمات تراعي الشواغل الأمنية لدول المنطقة، وفي مقدمتها دول الخليج العربي.

جاء ذلك خلال اتصالات هاتفية أجراها وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظرائه في الكويت والبحرين وسلطنة عمان وباكستان، وفقاً لبيانات صادرة السبت، عن «الخارجية المصرية».

وتأتي الاتصالات المصرية بالتزامن مع بوادر لاستئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران في باكستان، وترقب لما ستؤول إليه المفاوضات، وفي ظل أوضاع مضطربة في المنطقة، وتهديدات متصاعدة للملاحة البحرية في مضيق هرمز.

وأجرى عبد العاطي اتصالاً هاتفياً مع الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح، وزير خارجية دولة الكويت الشقيقة، للتشاور حول التطورات في المنطقة، وتنسيق الجهود لخفض التصعيد.

تبادل الوزيران الآراء بشأن مستجدات المسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران، وأكدا أهمية عقد الجولة الثانية لتثبيت وقف إطلاق النار واستدامة التهدئة وإنهاء الحرب، لتجنيب المنطقة تداعيات خطيرة، وشدّد عبد العاطي في هذا السياق على ضرورة مراعاة الشواغل الأمنية لدول الخليج، وفقاً لبيان «الخارجية المصرية».

وجدد عبد العاطي إدانة مصر الهجوم الذي استهدف موقعين بالمراكز الحدودية البرية الشمالية الكويتية، الجمعة، باستخدام طائرات مسيّرة، مؤكداً «تضامن مصر الكامل مع حكومة الكويت وشعبها وسائر دول الخليج الشقيقة في مواجهة أي محاولات لزعزعة أمنها واستقرارها»، ومشدداً على دعم مصر لكل الإجراءات والتدابير التي تتخذها السلطات الكويتية لحماية حدودها وصون مقدراتها.

وكذلك أجرى اتصالاً هاتفياً مع وزير خارجية سلطنة عمان، بدر البوسعيدي، تناول التطورات المتسارعة في المنطقة وتنسيق الجهود المشتركة لخفض التصعيد.

وتبادل الوزيران الرؤى حول أهمية دعم مسار التفاوض للتوصل إلى تفاهمات تُسهم في تثبيت وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب وإرساء دعائم الاستقرار بالمنطقة، وتعزيز الحلول السياسية بعيداً عن التصعيد العسكري.

وجدّد الوزير عبد العاطي التأكيد، خلال الاتصال، على تضامن مصر الكامل ودعمها لسلطنة عمان الشقيقة وسائر دول الخليج العربي، مشيراً إلى أن أمن الخليج يُمثل جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي المصري.

وأجرى عبد العاطي اتصالاً مع وزير خارجية مملكة البحرين، عبد اللطيف بن راشد الزياني، جدّد خلاله تضامن مصر الكامل مع البحرين في مواجهة أي تحديات تستهدف أمنها واستقرارها.

وسبق أن أدانت مصر مراراً الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وزار الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، عدداً من الدول الخليجية في رسالة دعم وتضامن.

وبالتزامن مع بوادر استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، أجرى عبد العاطي اتصالاً مع وزير خارجية باكستان، محمد إسحاق دار، أكد خلاله ضرورة الحفاظ على حرية الملاحة الدولية، ومراعاة الشواغل الأمنية لدول المنطقة، وفي مقدمتها دول الخليج العربي.


السيسي: مصر تدعم الحقوق العربية بلا مهادنة

الرئيس المصري خلال خطابه بمناسبة ذكرى تحرير سيناء (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري خلال خطابه بمناسبة ذكرى تحرير سيناء (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي: مصر تدعم الحقوق العربية بلا مهادنة

الرئيس المصري خلال خطابه بمناسبة ذكرى تحرير سيناء (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري خلال خطابه بمناسبة ذكرى تحرير سيناء (الرئاسة المصرية)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، السبت، أن بلاده تدعم «الحقوق العربية بلا مواربة أو مهادنة»، مؤكداً أن التضامن هو السبيل الوحيد لتجاوز المحن، وحذر «من مساعٍ مدبرة لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط»، ما عده خبراء بمثابة رسائل توضح استراتيجية القاهرة ورؤيتها بشأن مختلف الأزمات وسبل مواجهتها.

وقال السيسي، في كلمة مسجلة، السبت، بمناسبة الاحتفال بالذكرى الرابعة والأربعين لتحرير سيناء، إن «منطقة الشرق الأوسط تمر بظروف دقيقة ومصيرية، حيث تشهد مساعي مدبرة لإعادة رسم خريطتها، تحت دعاوى آيديولوجية متطرفة»، مؤكداً أن «الطريق الأمثل لمستقبل المنطقة لا يقوم على الاحتلال والتدمير وسفك الدماء، بل على التعاون والبناء والسلام».

وشدد السيسي على «ضرورة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها، ووقف محاولات تقسيم دول المنطقة وتفكيكها، والاستيلاء على مقدرات شعوبها، وإذكاء أسباب الاقتتال الداخلي والحروب الأهلية والدولية»، مؤكداً أن «الحلول السياسية والمفاوضات هي السبيل الأمثل لتجنيب المنطقة مزيداً من الكوارث والدماء والدمار».

وفي هذا الصدد، أشار السيسي إلى «إدانة مصر بكل وضوح وحزم الاعتداءات التي تعرضت لها بعض الدول العربية مؤخراً، ورفضها القاطع لأي مساس بسيادة تلك الدول، أو انتهاك سلامة أراضيها»، وقال: «تتخذ مصر مواقف سياسية مشهودة لدعم الحق العربي أمام المنظمات الدولية دون مواربة أو مهادنة». وأضاف الرئيس المصري أن «التضامن هو السبيل الأوحد لتجاوز المحن، وأن بلاده ستظل السند والركيزة لأمتها، تدافع عن قضاياها، وتعمل بإخلاص من أجل تحقيق مصالحها العليا».

وسبق وأدانت مصر مراراً الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وزار الرئيس المصري عدداً من الدول الخليجية في رسالة دعم وتضامن.

فيما أدان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، خلال اتصاله مع الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح، وزير خارجية دولة الكويت، الهجوم الذي استهدف موقعين بالمراكز الحدودية البرية الشمالية الكويتية، أمس، باستخدام طائرات مسيرة.

وأكد «تضامن مصر الكامل مع حكومة وشعب الكويت وسائر دول الخليج الشقيقة في مواجهة أي محاولات لزعزعة أمنها واستقرارها، مشدداً على دعم مصر لكافة الإجراءات والتدابير التي تتخذها السلطات الكويتية لحماية حدودها وصون مقدراتها».

وحدة الصف العربي

رأى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير رخا أحمد حسن، أن خطاب السيسي تضمن رسالة مهمة تضمنت التأكيد على «أهمية وحدة الصف العربي باعتباره السبيل لمواجهة التحديات»، وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الخطاب عبّر عن «موقف مصر المبدئي بعدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة، وأنه لا تنازل عن الحقوق العربية في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة».

وجدد السيسي خلال كلمته التي تطرقت لملفات عديدة، التأكيد على «أهمية التطبيق الكامل للمرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بما يشمل إدخال المساعدات الإنسانية دون معوقات، والشروع الفوري في إعادة إعمار القطاع»، مشدداً على «رفض مصر القاطع؛ الذي لا يقبل تأويلاً أو مساومة، لأي مسعى يرمى إلى تهجير الفلسطينيين، تحت أي ظرف كان»، ومؤكداً «ضرورة وقف الاعتداءات المتكررة، ضد أبناء الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية».

الرئيس المصري يؤكد الدفاع عن الحقوق العربية بلا مواربة (الرئاسة المصرية)

وأعاد السيسي التأكيد على أن «خيار مصر دائماً هو السلام». وقال إن هذا «خيار ينبع من قوة وحكمة وقناعة ثابتة، لا من ضعف أو تردد أو خوف»، مشدداً على أن «القوات المسلحة المصرية؛ بعقيدتها وجدارتها، قادرة على حماية الوطن والدفاع عنه، والتصدي لكل من يحاول المساس بأمنه القومي، أو تهديد استقراره».

طريق التنمية

وأشار إلى أن بلاده «اختارت، بإرادة صلبة وعزم لا يلين، أن تسلك طريق البناء والتنمية، دون توقف أو تأجيل، رغم ما واجهته من تحديات جسيمة خلال العقد الأخير»، لافتاً في هذا الصدد إلى «الحرب على الإرهاب، وجائحة (كورونا)، والحرب الروسية - الأوكرانية، وحرب غزة، وأخيراً الحرب الإيرانية»، وقال إن هذه التحديات «ترتب عليها تداعيات ثقيلة، منها خسارة مصر نحو عشرة مليارات دولار، من إيرادات قناة السويس... ولجوء نحو عشرة ملايين وافد إلى مصر... فضلاً عن الارتفاع العالمي في أسعار الغذاء والطاقة».

وسبق أن أشارت مصر مراراً لما تعرضت له من خسائر اقتصادية بسبب الاضطرابات الجيوسياسية، واتخذت أخيراً إجراءات تقشفية لترشيد الاستهلاك ومواجهة تداعيات أزمة الطاقة الناتجة عن الحرب الإيرانية.

وتضمن خطاب الرئيس المصري في ذكرى تحرير سيناء رسائل عدة؛ أبرزها بحسب الخبير العسكري اللواء سمير فرج «التأكيد على السلام باعتباره خياراً استراتيجياً»، وقال فرج لـ«الشرق الأوسط»، إنه في ظل تأكيد السيسي على خيار السلام، «تحتفظ مصر بالقوة العسكرية اللازمة للدفاع عن الوطن»، ما «يجعل الجيش قوة ردع لا هجوم واعتداء».

وأضاف فرج أن الرئيس المصري أكد «أهمية تنمية سيناء باعتبارها السبيل لتأمينها ضد أي محاولات اعتداء مستقبلية»، مشدداً على أن الرئيس المصري كان حريصاً على التحذير من محاولات تقسيم المنطقة، أو المساس بسيادة دولها، والتأكيد على رفض التهجير، وأن الخطاب في مجمله تضمن توضيحاً لرؤية مصر واستراتيجيتها في مواجهة الأزمات ودعم الحقوق العربية.