لبنان: شُحّ الدولار يحرّك السوق السوداء... وإجماع سياسي على تثبيت الليرة

توقيف صرافين تلاعبوا بالسعر الرسمي

تسبب الطلب المرتفع على الدولار في لبنان إلى صعوده مقابل الليرة بشكل غير مسبوق منذ عام 2005 (رويترز)
تسبب الطلب المرتفع على الدولار في لبنان إلى صعوده مقابل الليرة بشكل غير مسبوق منذ عام 2005 (رويترز)
TT

لبنان: شُحّ الدولار يحرّك السوق السوداء... وإجماع سياسي على تثبيت الليرة

تسبب الطلب المرتفع على الدولار في لبنان إلى صعوده مقابل الليرة بشكل غير مسبوق منذ عام 2005 (رويترز)
تسبب الطلب المرتفع على الدولار في لبنان إلى صعوده مقابل الليرة بشكل غير مسبوق منذ عام 2005 (رويترز)

في 23 أغسطس (آب) الماضي، استفاق اللبنانيون على تغيير ملحوظ في سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار. فالسعر الذي تم تثبيته منذ عام 1999 على 1507.5 ليرة للدولار، شهد صعوداً ليلامس الـ1585 ليرة للدولار. وهو سعر صرف لم يبلغه حتى في أحلك الظروف الأمنية التي عصفت بالبلاد منذ عام 2005، عام اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري.
هذا المشهد أربك القيمين على الوضعين الاقتصادي والنقدي، وشرع باب التساؤلات حول الأسباب التي أوصلت الحال إلى ما هو عليه، وما إذا دخل لبنان مرحلة تحرير سعر صرف الليرة مقابل الدولار.
الخبير المالي والنقدي والاقتصادي مروان مخايل، يعلل في تصريح لـ«الشرق الأوسط» هذا التغير بأنه «جاء نتيجة طبيعية لزيادة الطلب على العملة الخضراء بفعل حالة الهلع والخوف والشائعات حول قرب انهيار الوضعين النقدي والمالي، والتي سبقت صدور التصنيف الائتماني للبنان («فيتش» خفّضت تصنيف لبنان السيادي إلى «CCC»، فيما أبقت «ستاندرد آند بورز» التصنيف على حاله دون تغيير على (B-)، وهو ما دفع بالمودعين إلى الطلب من مصارفهم تحويل موجوداتهم بالليرة إلى دولار، فيما قام بعضهم بتحويل ودائعه بالعملات إلى الخارج. وبالتالي، فإن زيادة الطلب على العرض تؤدي طبيعياً إلى ارتفاع سعر المعروض».
كان مصرف لبنان المركزي قد سمح للمصارف التجارية باعتماد سعر صرف تراوح بين 1517 و1518 ليرة للدولار، كي يبقى سعر الصرف الأعلى لدى المصارف، مقارنةً مع سعر صرف أدنى لدى محال الصيرفة، وذلك تجنباً للمضاربة في السوق.
ومن بين الأسباب الأخرى التي عززت زيادة سعر صرف الليرة، حسب مخايل، شُحّ الدولار في السوق المحلية نتيجة اعتماد مصرف لبنان سياسة نقدية تقشفية للحد من السيولة بالدولار، والتي تسبب حالة من المضاربة تكون تداعياتها غير محمودة على الاقتصاد وعلى البلد ككل. مع العلم أن مصرف لبنان يحتاج إلى الدولار لتمويل حاجات وديون لبنان الأجنبية.
وللسياسة النقدية التقشفية هذه هدف آخر أيضاً، هو حث الدولة اللبنانية على القيام بواجباتها وتنفيذ الإصلاحات اللازمة لاستعادة الثقة في الاقتصاد اللبناني، والتي هي حاجة أساسية في الوقت الراهن.
ومن التدابير التي اتخذها بعض المصارف (لا سيما المتوسطة والصغيرة منها) في اليوم المذكور، أنها حددت سقفاً لسحب المودعين من ودائعهم بالعملات الأجنبية. ويشرح مخايل هذه النقطة بالقول إن «المصارف لا تمنع السحوبات للمودعين؛ حتى لو كانت بالعملات الصعبة... إنما لجوء بعض المودعين إلى تحويل ودائعهم من الليرة إلى الدولار، ومن ثم طلب تحويله إلى مصرف آخر أو إلى الخارج، أمر لا تقبل به المصارف إلا بعد مرور ستة أشهر على عملية التحويل من الليرة إلى الدولار».

سيناريوهات متوقعة
ويشير مخايل إلى أن «تثبيت سعر صرف الليرة هو إجراء حرص مصرف لبنان على تطبيقه منذ عام 1999، وأن أي حديث عن تحرير سعر صرف الليرة بعيد كل البعد عن الحقيقة. لكن الحاجة إلى الدولار قد تؤدي إلى عودة لجوء محال الصيرفة، أو غيرها من المؤسسات المالية، إلى رفع سقف صرف الدولار مقابل الليرة إذا زاد الطلب عليه».
ويعدد مخايل «بعض الحلول» التي يمكنها أن تسهم في الحد من الأزمة الراهنة، من بينها الاستقرار السياسي والأمني، وإقدام الحكومة اللبنانية ومجلس النواب على إقرار موازنة عام 2020، وهو ما يعطي إشارة إيجابية إلى المجتمع الدولي، لا سيما الدول المانحة التي شاركت في مؤتمر «سيدر» لدعم اقتصاد لبنان، بأن الأخير جادٌّ في النهوض بالاقتصاد مجدداً. إضافة إلى تطبيق إصلاحات اقتصادية ومالية شاملة تعزز الثقة مجدداً بلبنان واقتصاده، وتعيد التدفقات المالية إليه، من استثمارات أجنبية، وتحويلات المغتربين، وإيداعات الأجانب لا سيما من القطاع الخاص الأجنبي والعربي. وكذلك حصول المصارف التجارية على جزء من ودائعها بالعملات الأجنبية المودعة في مصرف لبنان المركزي.

تداعيات تغير سعر الصرف
حسب تجار أعضاء في جمعية تجار بيروت، فإن تجارة التجزئة هي أكثر المتضررين جراء تغير سعر صرف الدولار، حيث إن التجار يبيعون السلع بالعملة المحلية فيما هم مضطرون إلى سداد ثمنها بالدولار الذي لا يحصلون عليه بسهولة من المصارف، مما ضيّق الخناق كثيراً على عملهم وفاقم الأزمة التي يواجهونها منذ أكثر من خمس سنوات. وقد علت صرخة هؤلاء حين اضطروا إلى اللجوء إلى محال الصيرفة لشراء الدولار لسداد مستحقاتهم، فكان أن اغتنم الصرافون الفرصة وقاموا برفع سعر الصرف ليصل في بعض الأحيان إلى نحو 1560 ليرة للدولار الواحد. فكان أن تدخلت وزارة الاقتصاد وحذّرت الصرافين من التلاعب بالسعر الرسمي، وأرسلت بعضاً منهم إلى التحقيق وتم توقيف ثمانية منهم.
وفي هذا الإطار، يشير المحامي زكريا الغول إلى أن القانون الجزائي تناول الأعمال المالية غير المشروعة في نظر القانون، وعاقب عليها بأشكال عدة. فمثلاً تطرق قانون أصول محاكمات جزائية في المادة 19 إلى تولي النائب العام المالي مهام الملاحقة في الجرائم الناشئة عن مخالفة القوانين المصرفية، والمؤسسات المالية والبورصة. كما نص قانون العقوبات في المواد 297 و319 و320 إلى مسألة التعرض لمكانة الدولة المالية وجرّم مَن يقوم بهذا الفعل، وما حدث مؤخراً من التلاعب بسعر صرف الدولار مقابل الليرة اللبنانية يطبَّق عليه قانون العقوبات بالمواد المذكورة أعلاه.
ويضيف الغول أن القانون رقم 347-2001، المتعلق بتنظيم مهنة الصيرفة، حدد في مواده 18 و19 و20 عقوبات وإجراءات يتخذها مصرف لبنان بحق المسيئين من الصرافين إلى سمعة لبنان المالية والسياحية. وتعد قرارات الهيئة المصرفية الخاصة المتخذة في هذا الإطار غير قابلة للمراجعة.
وفي هذا الإطار، جاء تحرك النيابة العامة المالية، التي طلبت من مكتب مكافحة الجرائم المالية التحقيق والملاحقة للأعمال التي حصلت يوم 23 أغسطس، حيث جاء توقيف الصرافين الثمانية. مع الإشارة إلى أن الملف لا يزال قيد المتابعة، ولم تنتهِ التحقيقات والملاحقات حتى اليوم، ولا تزال لجنة الرقابة على المصارف تتابع ما يجري مع الصرافين منعاً لتكرار ما حصل. في حين تكثفت التصريحات الرسمية في الأيام الأخيرة التي تؤكد الاستمرار في سياسة تثبيت سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار الأميركي.



مجموعة العشرين تبحث عزل الاقتصاد الإيراني وسط تصاعد التوترات

أحد أفراد إنفاذ القانون يعمل عند نقطة تفتيش قبل اجتماع وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية من دول مجموعة العشرين في مدينة آشفيل (رويترز)
أحد أفراد إنفاذ القانون يعمل عند نقطة تفتيش قبل اجتماع وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية من دول مجموعة العشرين في مدينة آشفيل (رويترز)
TT

مجموعة العشرين تبحث عزل الاقتصاد الإيراني وسط تصاعد التوترات

أحد أفراد إنفاذ القانون يعمل عند نقطة تفتيش قبل اجتماع وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية من دول مجموعة العشرين في مدينة آشفيل (رويترز)
أحد أفراد إنفاذ القانون يعمل عند نقطة تفتيش قبل اجتماع وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية من دول مجموعة العشرين في مدينة آشفيل (رويترز)

تستضيف الولايات المتحدة وزراء مالية مجموعة العشرين ومحافظي البنوك المركزية في مدينة آشفيل بولاية نورث كارولاينا يومي الاثنين والثلاثاء، في اجتماع يبرز فيه مسعى واشنطن لحشد دعم دول المجموعة لتشديد الضغوط الاقتصادية على إيران وعزل اقتصادها عن مصادر التمويل والتجارة، إلى جانب بحث ملفات النمو والديون والاختلالات التجارية والاستقرار المالي.

ومن المنتظر أن يضغط وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت على نظرائه في اجتماعات ثنائية وعلى طاولة مجموعة العشرين للالتزام بالعقوبات الأميركية على إيران، في إطار حملة إدارة الرئيس دونالد ترمب لقطع شرايين طهران المالية والاقتصادية.

وقال مسؤول كبير في وزارة الخزانة الأميركية إن قضية إيران ستُطرح في الاجتماعات الثنائية التي يعقدها بيسنت مع نظرائه من دول مجموعة العشرين خلال الأيام المقبلة، مشيراً إلى أن واشنطن تريد ضمان قدر أكبر من التضامن الدولي في مواجهة ما تصفه بالشبكات المالية التي تدعم الاقتصاد الإيراني.

وتأتي الضغوط الأميركية في وقت تواجه فيه طهران تداعيات اقتصادية حادة جرَّاء الحرب، مع تراجع صادرات النفط إلى مستويات شديدة الانخفاض، وهبوط الريال أمام الدولار، وارتفاع التضخم إلى أكثر من 80 في المائة.

محتجون على طول شارع ميريمون قبل اجتماع وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية من دول مجموعة العشرين في مدينة آشفيل (رويترز)

الصين في قلب اختبار واشنطن

ويمثل حشد تأييد دول مجموعة العشرين لعزل الاقتصاد الإيراني تحدياً دبلوماسياً لواشنطن، خصوصاً في ظل العلاقات التجارية والاقتصادية التي تربط إيران بدول رئيسية في المجموعة، وفي مقدمتها الصين.

وتعد الصين المشتري الرئيسي للنفط الإيراني، مما يجعل مشاركتها في أي تحرك لتشديد الخناق الاقتصادي على طهران عاملاً حاسماً في مدى نجاح الحملة الأميركية.

وكانت وزارة الخزانة الأميركية قد فرضت مؤخراً عقوبات على شركات في هونغ كونغ والصين مرتبطة بنقل النفط الإيراني بصورة غير مشروعة ودعم البرنامج الصاروخي الإيراني، بينما قالت بكين إنها ستتخذ جميع الإجراءات اللازمة لحماية حقوقها ومصالحها.

ويأتي الضغط الأميركي على الصين قبل القمة المرتقبة بين الرئيس دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ في سبتمبر (أيلول)، ما يزيد حساسية الملف بالنسبة إلى واشنطن.

أجندة اقتصادية أوسع

وبعيداً عن إيران، تسعى الولايات المتحدة إلى دفع مجموعة العشرين نحو أجندة اقتصادية تركز على تعزيز النمو، والحد من الاختلالات الاقتصادية العالمية، ومعالجة تحديات الدين السيادي، ودعم سلاسل إمداد أكثر قدرة على الصمود للموارد الحيوية، ولا سيما الطاقة.

ومن المتوقع كذلك أن تناقش الاجتماعات الاستقرار المالي والتنظيم المصرفي، إلى جانب القدرة الإنتاجية الزائدة والتجارة والاستثمار والابتكار.

وقال جوش ليبسكي، رئيس قسم الاقتصاد الدولي في المجلس الأطلسي، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن واشنطن قد تدفع هذا العام نحو إعادة مجموعة العشرين إلى ما وصفه بـ«الأساسيات»، مع التركيز بصورة أكبر على الديون والتجارة والاستقرار المالي والتنظيم المصرفي.

ارتفاع تكاليف الاقتراض يضغط على الاقتصادات الكبرى

ويأتي الاجتماع في وقت تتزايد فيه الضغوط على المالية العامة للدول الكبرى نتيجة ارتفاع عوائد السندات وتكاليف الاقتراض. ووفق تحليل أجرته صحيفة «فاينانشال تايمز» لبيانات إصدارات السندات الحكومية، تحملت دول مجموعة السبع نحو 16 مليار دولار من تكاليف تمويل إضافية نتيجة ارتفاع عوائد السندات منذ اندلاع الحرب الأميركية على إيران في فبراير (شباط) الماضي.

وقد ترتفع هذه التكلفة إلى نحو 34 مليار دولار إضافية بحلول نهاية الربع الأول من عام 2027 إذا استمرت العوائد عند مستوياتها المرتفعة الحالية.

وتتحمل الولايات المتحدة الجزء الأكبر من هذه الزيادة، بنحو 10.6 مليار دولار حتى الآن، بينما قد تصل تكاليفها الإضافية إلى 21.7 مليار دولار بحلول نهاية الربع الأول من العام المقبل إذا استمرت العوائد المرتفعة.

وأدَّت المخاوف بشأن ارتفاع الدين العام الأميركي، واستمرار الضغوط التضخمية، إلى ارتفاع عوائد سندات الخزانة في الأسابيع الأخيرة، رغم تحركات وزارة الخزانة لزيادة عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل بهدف دعم السيولة والضغط على العوائد.

الحرب والطاقة تضيف ضغوطاً

وتواجه الاقتصادات الكبرى أيضاً تداعيات ارتفاع تكاليف الطاقة الناجمة عن الحرب وإغلاق مضيق هرمز، وهو ما عزَّز توقعات التضخم ودفع بعض البنوك المركزية إلى إعادة النظر في مسار خفض أسعار الفائدة.

ولا تقتصر آثار ارتفاع عوائد السندات على الحكومات، إذ يحذر اقتصاديون من أن استمرار صعود تكاليف التمويل قد يضغط على الاستثمار والنشاط الاقتصادي وأسواق الأسهم والائتمان.

وقال موهيت كومار، كبير الاقتصاديين الأوروبيين لدى «جيفريز»، إن ارتفاع أسعار الفائدة يمثل أحد أكبر المخاطر على أسواق الأسهم والائتمان، محذراً من أن مزيداً من الارتفاع قد يصبح سلبياً لكلتا السوقين.

وأضاف أن تجاوز عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات مستوى 5 في المائة قد يؤدي إلى رد فعل سلبي في أسواق الأسهم، مع تراجع جاذبية الأسهم وارتفاع تكاليف الاقتراض التي تضغط على أرباح الشركات.

رفع متظاهرون لافتات كُتب عليها «قوة الجماهير» على جسر علوي لطريق سريع قبيل انعقاد قمة وزراء مالية مجموعة العشرين في آشفيل (أ.ف.ب)

اختبار لقدرة مجموعة العشرين على التوافق

ويضع اجتماع آشفيل الولايات المتحدة أمام اختبار مزدوج: حشد دعم دولي لحملتها الرامية إلى عزل الاقتصاد الإيراني، وفي الوقت نفسه دفع الاقتصادات الكبرى إلى التوافق بشأن ملفات النمو والديون والتجارة والاستقرار المالي.

وقال ليبسكي إن اجتماع المجموعة يأتي في وقت تواجه فيه القيادة الأميركية العالمية اختباراً، مع تصاعد المخاوف بشأن مستويات الدين الأميركي، واستمرار التوترات التجارية التي أثارتها الرسوم الجمركية الأميركية، فضلاً عن تداعيات الحرب في الشرق الأوسط.

وأضاف أن مطالبة واشنطن أعضاء مجموعة العشرين بتشديد العقوبات على إيران، في الوقت الذي تفرض فيه رسوماً جمركية وتلوّح بعقوبات على دول أخرى، تثير تساؤلات بشأن قدرة المجموعة على الحفاظ على تماسكها.

ومن المقرر أن تمهد اجتماعات آشفيل لسلسلة من الاجتماعات الوزارية الأخرى خلال العام، وصولاً إلى قمة قادة مجموعة العشرين التي يستضيفها ترمب في ولاية فلوريدا في ديسمبر (كانون الأول).


الفنادق تعيد رسم خريطة الاستثمار العقاري في مكة

صورة جوية للمسجد الحرام وجانب من مكة المكرمة (واس)
صورة جوية للمسجد الحرام وجانب من مكة المكرمة (واس)
TT

الفنادق تعيد رسم خريطة الاستثمار العقاري في مكة

صورة جوية للمسجد الحرام وجانب من مكة المكرمة (واس)
صورة جوية للمسجد الحرام وجانب من مكة المكرمة (واس)

تشهد سوق العقارات في مكة المكرمة تحولاً متزايداً نحو الاستثمار في الأصول الفندقية، مع تنامي أعداد الحجاج والمعتمرين وتوسُّع الطاقة الاستيعابية للمدينة، مما يعزز حضور الفنادق كمصدر رئيسي للإيرادات التشغيلية لدى عدد من المطورين العقاريين.

ويأتي ذلك في وقت انعكس فيه تحسن العوائد الفندقية بصورة أوضح على نتائج الشركات العقارية، مدفوعاً بتحسن معدلات الإشغال ومتوسط أسعار الغرف، خصوصاً خلال مواسم الحج والعمرة.

الطلب المستدام يدعم طفرة الضيافة

وفي هذا الإطار، قال المستشار المالي والاقتصادي الدكتور حسين العطاس، في تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط»، إن قطاع الضيافة في مكة المكرمة يعيش «واحدة من أقوى مراحله التاريخية»، مشيراً إلى أن النمو الذي يشهده القطاع يستند إلى عوامل هيكلية، في مقدمتها الزيادة المستمرة في أعداد المعتمرين والزوار، إلى جانب الزيادة التدريجية في الطاقة الاستيعابية للحج والمشاريع المرتبطة بـ«رؤية 2030».

وأضاف أن توسعة المسجد الحرام وتطوير شبكات النقل والطرق والقطارات وتحسين تجربة الزائر أسهمت في رفع كفاءة منظومة الضيافة، وانعكس ذلك على معدلات الإشغال ومتوسط أسعار الغرف، موضحاً أن الطلب على الفنادق في مكة أصبح أكثر استدامة على مدار العام مع تنامي برامج العمرة، ولم يعد مقتصراً على مواسم الذروة.

ويعكس هذا التحول أهمية متزايدة للنشاط الفندقي في نموذج أعمال الشركات العقارية العاملة في مكة، مع انتقال جزء من اهتمام المطورين من بيع الأراضي والوحدات إلى تطوير أصول مدرة للدخل يمكن الاحتفاظ بها وتشغيلها على المدى الطويل.

الفنادق تتحول إلى محرك للربحية

ويأتي أداء شركة «جبل عمر للتطوير» مثالاً على تنامي أهمية النشاط الفندقي في نتائج المطورين العقاريين في مكة. فقد عادت الشركة إلى تحقيق الأرباح خلال الربع الثاني من عام 2026، مسجِّلة صافي ربح عائد للمساهمين بلغ 158.1 مليون ريال، مقارنة بخسارة قدرها 42.1 مليون ريال في الربع المماثل من العام الماضي، بينما ارتفعت الإيرادات بنسبة 42.5 في المائة إلى 715.2 مليون ريال.

وأرجعت الشركة، في إفصاح نشرته على موقع السوق المالية السعودية (تداول)، ارتفاع الإيرادات بشكل رئيسي إلى استمرار تحسن أداء الفنادق، خصوصاً خلال موسم الحج، إلى جانب افتتاح فندق «روتانا» مطلع العام الحالي.

صورة لأبراج فنادق شركة جبل عمر بجوار المسجد الحرام (الشركة)

ويرى العطاس أن النشاط الفندقي أصبح المحرك الأساسي لربحية عدد من الشركات العقارية في مكة، بعدما كانت تعتمد بدرجة أكبر على بيع الأراضي أو تطوير المشروعات العقارية التقليدية.

وأوضح أن ارتفاع نسب الإشغال وتحسن متوسط أسعار الغرف يدعمان الإيرادات التشغيلية للفنادق، بينما تمنح طبيعة هذه الإيرادات المتكررة الشركات تدفقات نقدية أكثر استقراراً مقارنة بالعوائد الناتجة عن بيع الأصول.

من جانبه، قال خالد المبيض، الرئيس التنفيذي لشركة «منصات العقارية»، في تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط»، إن مكة تمتلك ميزة استثنائية تتمثل في الطلب المستدام على الضيافة، موضحاً أن استمرار تدفق الحجاج والمعتمرين، إلى جانب مستهدفات «رؤية 2030»، يمنح الاستثمار الفندقي جاذبية أكبر مقارنة بعدد من الأصول العقارية الأخرى، خصوصاً في المواقع القريبة من المسجد الحرام والمشروعات المرتبطة بالنقل والخدمات.

وأشار المبيض إلى تحول توجهات المطورين من التركيز على بيع الوحدات العقارية إلى تطوير أصول مدرة للدخل، مثل الفنادق والشقق الفندقية، إلى جانب الاستعانة بالعلامات الفندقية العالمية. وقال إن اهتمام المطور لم يعد يقتصر على الإنشاء، بل امتد إلى جودة التشغيل وإدارة الأصول، بعدما أصبحت قيمة المشروع مرتبطة بأدائه التشغيلي وليس بتكلفة تطويره فقط.

زيادة المعروض تختبر قدرة السوق على استيعاب النمو

ويتزامن توسُّع الاستثمار الفندقي في مكة مع زيادة المعروض من الغرف، مما قد يرفع حدة المنافسة بين المشغلين، خصوصاً في الفئات التي تشهد دخول مشروعات جديدة.

ويرى العطاس أن هذه الزيادة قد تفرض، على المدى القصير، ضغوطاً محدودة على الأسعار في بعض الشرائح إذا تركزت الإضافات في الفئة الفندقية نفسها. لكنه يتوقع أن يكون الطلب قادراً، على المدى المتوسط والطويل، على استيعاب جزء كبير من التوسُّع، في ظل المستهدفات الحكومية لزيادة أعداد المعتمرين والزوار وتحوُّل مكة إلى وجهة تستقبل أعداداً متزايدة على مدار العام.

وبحسب العطاس، لن يكون حجم المعروض العامل الحاسم وحده، إذ ستلعب جودة المنتج الفندقي والموقع ومستوى الخدمات وكفاءة إدارة الإيرادات دوراً رئيسياً في قدرة الفنادق على الحفاظ على معدلات إشغال وعوائد مرتفعة.

ويشير المبيض بدوره إلى أن زيادة عدد الغرف لن تكون كافية لضمان ربحية المشروعات في ظل اشتداد المنافسة، مبيناً أن قدرة الفندق على تعظيم الإيراد من كل غرفة وتحقيق كفاءة تشغيلية ستصبح أكثر أهمية مع دخول مشروعات جديدة إلى السوق.

كفاءة التشغيل مفتاح الحفاظ على الهوامش

في المقابل، يواجه قطاع الضيافة في مكة مجموعة من التحديات التي قد تختبر هوامش ربحية المستثمرين خلال المرحلة المقبلة، في مقدمتها ارتفاع تكاليف الأراضي والإنشاء والتشغيل، إلى جانب الأجور والطاقة والصيانة وتكاليف التمويل، فضلاً عن الحاجة إلى كوادر مؤهلة لإدارة المنشآت الفندقية بكفاءة.

وفي هذا الإطار، قال العطاس إن ارتفاع تكاليف التشغيل واستمرار أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة قد يشكلان ضغطاً على الشركات، في وقت ستفرض فيه زيادة المنافسة على المشغلين التركيز بصورة أكبر على الكفاءة التشغيلية وتحسين تجربة النزيل للحفاظ على الهوامش الربحية.

كما يمثل الحفاظ على معدلات إشغال مرتفعة خارج مواسم الذروة تحدياً آخر أمام القطاع، مما يتطلب تنويع الأسواق المستهدفة وجذب شرائح جديدة من الزوار، بما ينسجم مع نمو برامج العمرة ومستهدفات «رؤية 2030».

ويرى المبيض أن الربحية مستقبلاً تعتمد على جودة المنتج وكفاءة التشغيل وتعظيم الإيراد من كل غرفة. ويشدد على أهمية تنويع الفئات الفندقية، والاستفادة من التقنيات الحديثة في إدارة الإيرادات، وخفض التكاليف التشغيلية، وتقديم تجربة ضيافة متميزة.

ومع استمرار توسُّع الطلب والمعروض في آنٍ واحد، يتجه مستقبل الاستثمار الفندقي في مكة إلى الاعتماد بدرجة أكبر على كفاءة تشغيل الأصول وجودة المنتج والموقع، وليس على زيادة الطاقة الفندقية وحدها، بما يجعل قدرة المطورين على إدارة الأصول وتحويل نمو أعداد الزوار إلى تدفقات نقدية مستدامة عاملاً حاسماً في المنافسة المقبلة.


البنوك المركزية الأوروبية تخشى مزيداً من الاضطرابات في العلاقات المتوترة مع واشنطن

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش برفقة محافظ بنك كندا تيف ماكليم ومحافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي خلال ندوة «جاكسون هول» (رويترز)
رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش برفقة محافظ بنك كندا تيف ماكليم ومحافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي خلال ندوة «جاكسون هول» (رويترز)
TT

البنوك المركزية الأوروبية تخشى مزيداً من الاضطرابات في العلاقات المتوترة مع واشنطن

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش برفقة محافظ بنك كندا تيف ماكليم ومحافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي خلال ندوة «جاكسون هول» (رويترز)
رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش برفقة محافظ بنك كندا تيف ماكليم ومحافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي خلال ندوة «جاكسون هول» (رويترز)

يغادر محافظو البنوك المركزية الأوروبية اجتماعهم السنوي مع نظرائهم الأميركيين وهم بعيدون عن الاطمئنان إلى استمرار القواعد الراسخة للتعاون العالمي، ويخشون مزيداً من الاضطرابات في علاقة متوترة بالفعل مع واشنطن، وفقاً لمصادر مطلعة على المناقشات.

وبذل مسؤولو مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي جهوداً كبيرة هذا الأسبوع لتهدئة مخاوف نظرائهم، مؤكدين التزامهم بجميع التعهدات التي قطعوها.

لكن، في ظل الفصل المؤسسي بين البنك المركزي والإدارة الأميركية، لم يتمكن المسؤولون من تقديم ضمانات تحول دون تغييرات مفاجئة في السياسة من جانب الرئيس دونالد ترمب، وفقاً لأكثر من نصف دزينة من المسؤولين الذين تحدثوا على هامش ندوة جاكسون هول الاقتصادية السنوية التي ينظمها بنك الاحتياطي الفيدرالي في كانساس سيتي.

وقال المسؤولون، الذين طلبوا عدم الكشف عن هوياتهم لـ«رويترز»، إن تدخلات وزارة الخزانة الأميركية الأخيرة لدعم الين الياباني وخفض تكاليف الاقتراض الأميركية طويلة الأجل أثارت قلقاً خاصاً، لأنها تنذر بمزيد من التدخلات والخروج على القواعد المتعارف عليها.

وبعد عملية التدخل في سوق الين في الأول من أغسطس (آب)، أكَّد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت أن الوزارة باعت اليورو مقابل العملة اليابانية، وقال إنه طمأن البنوك المركزية في المنطقة إلى أن الخطوة لم تكن سوى «إعادة تخصيص للموارد». وقال الجمعة إن أصول النقد الأجنبي المستخدمة لشراء الين جاءت من صندوق استقرار سعر الصرف التابع لوزارة الخزانة.

لكن المسؤولين الأوروبيين كانوا مستائين بصورة خاصة من عدم قيام الولايات المتحدة بإخطارهم مسبقاً، وفقاً للأعراف المتبعة، بأن بيع اليورو سيكون جزءاً من العملية.

وقال أحد المصادر: «كان ذلك مثيراً للغضب. فأنت دائماً ترفع الهاتف وتبلغهم مسبقاً».

وأضاف: «الرسالة بالنسبة لي هي أن الولايات المتحدة تفعل ما تريده».

وكان آخرون أكثر تسامحاً، وقالوا إن العملية كانت غير اعتيادية إلى درجة قد تجعل عدم الإخطار المسبق مجرد سهو غير مقصود.

ورفض متحدثون باسم البنك المركزي الأوروبي ومجلس «الاحتياطي الفيدرالي» التعليق.

وقال مسؤول أميركي إن التدخل الأميركي الياباني استهدف مواجهة التحركات غير المنظمة في سعر الين ودعم استقرار الأسواق المالية العالمية.

وأضاف المسؤول: «لم يكن موجهاً ضد أي طرف آخر»، مشيراً إلى أن وزارة الخزانة تحافظ على اتصالات وثيقة ومستمرة مع نظرائها الدوليين، لكنها لا تعلق على التفاصيل التشغيلية لتلك المناقشات.

مخاوف بشأن إعادة شراء السندات

وقالت المصادر إن خطة بيسنت لزيادة عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل، وهي معاملات قد تحتاج إلى تمويل من خلال إصدار مزيد من أدوات الدين قصيرة الأجل، أثارت أيضاً قلق محافظي البنوك المركزية الأوروبية، لأنها، على غرار شراء الين، تشير إلى استعداد الإدارة الأميركية لاتخاذ إجراءات غير تقليدية للحد من تكاليف الاقتراض.

وقال مصدر ثانٍ: «عادة ما توفر هذه التدخلات انفراجاً مؤقتاً فقط. لكنهم قلقون بوضوح. فما الخطوة التالية؟ هل سيمارسون ضغوطاً على «الاحتياطي الفيدرالي» لبدء شراء السندات من السوق؟».

ومع أن «الاحتياطي الفيدرالي» هو الجهة الوحيدة المسؤولة عن وضع السياسة النقدية الأميركية، وقد صُمم استقلاله عن الإدارة المنتخبة لهذا الغرض، قالت المصادر إن ترمب أظهر استعداده للذهاب إلى أبعد الحدود لتحقيق أهدافه.

ويتمثل القلق في أن يؤدي ذلك إلى اضطرابات في الأسواق تتجاوز الولايات المتحدة بكثير.

ورد المسؤول الأميركي بالتأكيد على تصريحات سابقة مفادها أن زيادة عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل تستهدف توفير سيولة أكبر في القطاعات الأطول أجلاً، حيث تتلقى وزارة الخزانة عروضاً عالية الجودة لإعادة الشراء.

وقال المسؤول: «إنها ليست سياسة نقدية، وليست محاولة لفرض سقف على أسعار الفائدة».

لكن مسؤولاً في وزارة الخزانة الأميركية قال للصحافيين الخميس إن الوزارة «تركز فعلاً على خفض عوائد السندات طويلة الأجل»، بعدما ارتفعت إلى مستويات تعتبرها الوزارة أعلى من «القيمة العادلة».

هل تتعرض خطوط مبادلة العملات للخطر؟

تتمثل إحدى المخاوف الأخرى لدى الأوروبيين في احتمال أن يمتد التدخل السياسي مستقبلاً إلى خطوط مبادلة السيولة بالدولار، التي يوفرها «الاحتياطي الفيدرالي» لأكبر البنوك المركزية في العالم، والتي تُعد أحد أعمدة الاستقرار المالي العالمي، وفقاً لبعض المصادر.

وتضمن خطوط المبادلة هذه استمرار حصول البنوك التجارية حول العالم على الدولار الأميركي، خصوصاً في أوقات الضغوط المالية.

ويجدد «الاحتياطي الفيدرالي» هذه التسهيلات عاماً بعد عام، انطلاقاً من أنها تحمي المصالح والأسواق الأميركية، إذ إن البنوك الأجنبية قد تضطر، خلال اضطرابات الأسواق العالمية، إلى بيع السندات الأميركية بكثافة إذا لم تتوفر لها السيولة بالدولار.

وقال مصدر ثالث: «لكن العقلانية لا تسود دائماً مع هذه الإدارة. فعندما تنتهج سياسات تجارية انتقامية مع أقرب حلفائها، قد يقول ترمب ببساطة: قد يستغلوننا، ويمكن أن تختفي خطوط المبادلة بين عشية وضحاها».

وأكدت المصادر أنه لا توجد حتى الآن أي إشارة إلى أن هذه التسهيلات مهددة، وأنها لا تزال تتوقع استمرارها من دون تغيير.

وتخضع خطوط المبادلة لموافقة اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة نفسها، وتدار حصراً من جانب «الاحتياطي الفيدرالي»، وليس من جانب الإدارة الأميركية.

وقال مسؤول وزارة الخزانة: «القرارات المتعلقة بتسهيلات (الاحتياطي الفيدرالي) وترتيبات خطوط المبادلة تقع ضمن اختصاص (الاحتياطي الفيدرالي). ولا يشير أي شيء أعلنته وزارة الخزانة بشأن عمليات الين أو إعادة شراء السندات إلى خلاف ذلك».

وأضاف المسؤول أن بيسنت يتطلع إلى مناقشة قضايا الاستقرار المالي مع وزراء مالية مجموعة العشرين ومحافظي البنوك المركزية خلال الأيام المقبلة في أشفيل بولاية نورث كارولاينا، في إطار السعي إلى دفع أجندة الإدارة الأميركية المتعلقة بعزل إيران، وتعزيز النمو، وخفض الاختلالات العالمية.

وارش يسعى إلى تعزيز العلاقات مع أوروبا

وسافر رئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش إلى أوروبا بعد أكثر بقليل من شهر على توليه منصبه، وبذل جهوداً واضحة لتعزيز العلاقات مع المسؤولين الأوروبيين، تاركاً انطباعاً إيجابياً إلى حد كبير، وفقاً للمصادر.

وفي أول مشاركة له في ندوة «جاكسون هول» بصفته رئيساً لـ«الاحتياطي الفيدرالي»، ظهر وارش أيضاً في الصورة التقليدية للمؤتمر إلى جانب محافظ بنك كندا تيف ماكليم، في لفتة صغيرة لكنها تظل ذات دلالة، خصوصاً في ظل انخراط ترمب حالياً في حرب تجارية متصاعدة وحادة مع كندا.