قدم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في خطابه، أمس، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، رؤيته لبناء دولة مدنية ديمقراطية في مصر والنهوض بالاقتصاد المصري، داعيا المجتمع الدولي إلى مساندة مصر والمشاركة في المؤتمر الاقتصادي الذي سينعقد بمصر في فبراير (شباط) المقبل، كما دعا الدول إلى دعم ترشح بلاده للعضوية غير الدائمة لمجلس الأمن، مشددا على أن حل الأزمات التي تواجه دول المنطقة تتطلب تطبيق المواطنة والقانون والمواجهة الحاسمة للإرهاب.
وتعهد الرئيس المصري ببناء دولة مدنية ديمقراطية تحترم الحقوق والحريات، وتضمن العيش المشترك لمواطنيها دون إقصاء أو تمييز، مع احترام وفرض سلطة القانون، وضمان حرية الرأي للجميع وكفالة حرية العقيدة والسعي لتحقيق النمو والازدهار. وقال الرئيس السيسي بهذا الخصوص: «بدأت مصر تنفيذ برنامج طموح لدفع عملية التنمية حتى عام 2030، يستهدف الوصول إلى اقتصاد سوق حر، قادر على جذب الاستثمارات في بيئة أمنية مستقرة»، كما شدد على اتجاهه لتأسيس دولة المؤسسات وسيادة القانون، تحترم القضاء وتضمن استقلاله، وتفعيل مبدأ الفصل بين السلطات، دون تراجع أمام إرهاب يريد اختطاف الوطن وإرهابه.
وبخصوص آفة الإرهاب، هاجم الرئيس المصري جماعة الإخوان المسلمين وسياساتها الإقصائية، دون أن ينطق باسمها، واكتفى بالإشارة إليها وتوصيفها بقوى التطرف والظلام. وقال السيسي بهذا الشأن: «لقد بدأ العالم يدرك حقيقة ما جرى في مصر وطبيعة الأوضاع التي دفعت الشعب المصري للخروج ضد قوى التطرف والظلام، التي ما لبثت أن وصلت إلى الحكم حتى قوضت أسس العملية الديمقراطية ودولة المؤسسات وسعت إلى فرض حالة من الاستقطاب»، وأضاف أن ما تشهده المنطقة من تطرف وعنف باسم الدين هو دليل على أهداف تلك الجماعات التي تستغل الدين، مشددا على أن قيم العدل والمحبة التي جاءت في اليهودية والمسيحية والإسلام تحولت على يد تلك الجماعات إلى طائفية مقيتة وحرب أهلية وإقليمية مدمرة، وتابع موضحا: «هذا الإرهاب الذي عانت مصر ويلاته منذ عشرينات القرن الماضي حين بدأت إرهاصات هذا الفكر البغيض تبث سمومها، مستترة برداء الدين للوصول للحكم وتأسيس دولة الخلافة، اعتمادا على العنف المسلح والإرهاب كسبيل لتحقيق أغراضها، هو ما أفرز حفنة من المتطرفين ترتكب الفظائع باسم الدين». وفي هذا الإطار، طالب الرئيس المصري المسلمين حول العالم بمنع تلك الجماعات من الإساءة إلى الدين الإسلامي، والتعاون لتجفيف منابع الدعم الذي يتيح للمنظمات الإرهابية مواصلة جرائمها.
وحول الأزمات التي تواجه المنطقة، رسم السيسي ملامح أساسية لسياسته الخارجية، وتعامل إدارته مع الشأن الليبي والفلسطيني والسوري، حيث قال: «الأزمات التي تواجه بعض دول المنطقة يمكن أن تجد سبيلا لحلها، يستند على محورين: الأول تطبيق مبدأ المواطنة وسيادة القانون مع توفير الحقوق كافة، والثاني هو المواجهة الحاسمة لقوى التطرف والإرهاب ولمحاولات فرض الرأي بالترويع والعنف وإقصاء الآخرين بالتكفير»، وأضاف في هذا الشأن: «طرحت مصر بتوافق مع دول جوار ليبيا مبادرة ترسم خطوات محددة لإنهاء المحنة، ويمكن البناء عليها للوصول إلى حل سياسي يدعم المؤسسات الليبية المنتخبة، ويسمح بالوصول إلى حل سياسي شامل ووقف الاقتتال، وهو ما يتطلب وقف تهريب السلاح، وعدم التساهل مع التيارات المتطرفة التي ترفع السلاح وتلجأ للعنف، ولا تعترف بالعملية الديمقراطية».
وبخصوص الأزمة السورية، أبدى السيسي ثقته بإمكانية التوصل إلى إطار سياسي يحقق تطلعات الشعب السوري، ويدعم استقرار سوريا وسلامة ووحدة أراضيها، موضحا أن الحل يجب أن يكون «بلا مهادنة للإرهاب أو استنساخ لأوضاع تمرد عليها السوريون».
أما بخصوص الوضع في العراق، فقد أشاد الرئيس المصري بتشكيل الحكومة العراقية الجديدة، مبديا أمله في «تحسن الأوضاع في العراق واستعادة المناطق التي وقعت تحت سيطرة (داعش)، والحفاظ على وحدة الأراضي العراقية ووقف نزيف الدم».
وفي سياق حديثه عن الوضع في فلسطين، وضع الرئيس المصري القضية الفلسطينية على رأس اهتمامات الدولة المصرية، مشيرا إلى مساندة مصر طموحات الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة، وعاصمتها القدس الشرقية، وقال بهذا الخصوص: «هذه المبادئ لا تخضع للمساومة وإلا تآكلت أسس السلام الشامل في المنطقة، وضاعت قيم العدل والإنسانية. وحرمان شعب فلسطين من حقوقه يوفر مدخلا لاستغلال قضيته لتأجيج أزمات أخرى، ولتحقيق البعض الأغراض الخفية واختلاق المحاور التي تفتت النسيج العربي، وفرض الوصاية على الفلسطينيين بحجة تحقيق تطلعاتهم».
كما أوضح الرئيس المصري أن رؤية مصر للعلاقات الدولية تقوم على احترام مبادئ القانون والمعاهدات الدولية القائمة على الاحترام المتبادل، ومراعاة المصالح المشتركة، وطالب المجتمع الدولي بدعم ترشح مصر للعضوية غير الدائمة بمجلس الأمن لعامي 2016 و2017.
وأشاد في هذا الصدد بثورة المصريين ضد الفساد وسلطة الفرد الواحد مرتين خلال السنوات الثلاث الماضية، من أجل المطالبة بحقهم في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، رافضين الرضوخ لطغيان فئة باسم الدين، وتفضيل مصالحهم على مصالح الشعب. وشدد على أن مصر استعادت ثقتها بنفسها وبهويتها العربية وجذورها الأفريقية كمهد لحضارة المتوسط، ومنارة للإسلام المعتدل، واختتم كلمته بتكرار شعاره الوطني (تحيا مصر).
ومن المقرر أن يلتقي الرئيس المصري اليوم لأول مرة الرئيس الأميركي باراك أوباما، بحضور وزير الخارجية المصري سامح شكري ونظيره الأميركي جون كيري. ويعد اللقاء المصري - الأميركي تطورا جديدا في العلاقات التي شهدت توترا وفتورا بين البلدين خلال العام الماضي.
وقد امتلأت أجندة الرئيس المصري خلال فترة إقامته بنيويورك بالكثير من اللقاءات السياسية والاقتصادية مع قادة الدول ومسؤولين أميركيين حاليين وسابقين، ورؤساء كبرى الشركات الأميركية، وباحثين بمراكز الأبحاث الأميركية، حيث عقد أكثر من 17 لقاء ثنائيا مع قادة وزعماء الدول، كان من أبرزها لقاؤه رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، والرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند الذي تركز على مناقشة ما تتعرض له منطقة الشرق الأوسط من تهديدات إرهابية من قبل تنظيمات تختلف في أسمائها، لكنها ترتبط بأفكار آيديولوجية واحدة. كما التقى صباح أمس الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وناقشا المطالب الفلسطينية التي يطالب بها الفلسطينيون لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي وإقامة الدولة الفلسطينية، علاوة على رئيس البنك الدولي جيم كيم، والرئيس العراقي فؤاد معصوم، ورئيس تنزانيا جاكايا كيوكوتي، ورئيس وزراء لبنان تمام سلام، ورئيسة تشيلي ميشيل باشليه، ورؤساء مقدونيا وتشيلي، وكوريا الجنوبية وبلغاريا، وقبرص وإثيوبيا، وصربيا وتشاد وغينيا الاستوائية، واليابان، إضافة إلى لقائه الأمين العام للجامعة العربية نبيل العربي.
وشدد السيسي، في عدة حوارات صحافية أجراها مع وسائل إعلام أميركية، أبرزها صحيفة «وول ستريت» ومحطة الإذاعة الأميركية، على دور مصر المحوري في منطقة الشرق الأوسط، والتزام بلاده مكافحة الإرهاب بأشكاله كافة، وتحقيق الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان والحفاظ على العلاقة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة.
وحول التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة مع الدول العربية ضد (داعش)، قال السيسي إن مصر جزء من هذا التحالف الدولي، مطالبا بمواجهة شاملة لمكافحة الإرهاب. وأشار الرئيس المصري إلى التهديدات التي تواجه المنطقة من خطر هذا التنظيم والتنظيمات التابعة له في ليبيا والسودان واليمن وشبه جزيرة سيناء. كما أوضح الرئيس المصري التحديات التي تواجه الاقتصاد المصري وبرنامجه لتحقيق انتعاش للاقتصاد، وجذب الاستثمارات الأجنبية وتذليل العقبات التي تعيق الاستثمار المحلي والأجنبي، وخطط إدارته لتنفيذ الخطوات المتبقية في خارطة الطريق وإجراء الانتخابات البرلمانية.
السيسي يهاجم الإرهاب.. ويطالب المجتمع الدولي بدعم ترشح مصر لعضوية مجلس الأمن
الرئيس المصري يعرض أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة رؤيته لجعل بلاده دولة ديمقراطية
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قبل إلقاء خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك أمس (أ.ف.ب)
السيسي يهاجم الإرهاب.. ويطالب المجتمع الدولي بدعم ترشح مصر لعضوية مجلس الأمن
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قبل إلقاء خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك أمس (أ.ف.ب)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة










