إذاعي مصري يروي أسرار «يوم النكسة» بعد 5 عقود

السيد الغضبان يتذكرها من كواليس الإعلام والسلطة

الإذاعي السيد الغضبان خلال برنامج «أثير العمر»
الإذاعي السيد الغضبان خلال برنامج «أثير العمر»
TT

إذاعي مصري يروي أسرار «يوم النكسة» بعد 5 عقود

الإذاعي السيد الغضبان خلال برنامج «أثير العمر»
الإذاعي السيد الغضبان خلال برنامج «أثير العمر»

لم يكن الإذاعي المصري السيد الغضبان يتصوّر وهو في طريق سيره المعتاد لمبنى «ماسبيرو» يوم الخامس من يونيو (حزيران)، أنه على مشارف ورطة تاريخية، ورطة بحجم الاتهام بتضليل الشعب في نكسة 1967.
فبعد استدعائه مبكراً في الصباح من قبل وزير الإعلام المصري آنذاك محمد فايق، قطع الغضبان الطريق من بيته إلى «ماسبيرو» سيراً على الأقدام، مُتشبثاً بالراديو «الترانزستور» الذي كان لا يفارقه، كما عموم المصريين آنذاك، فجاءته أصداء البيانات العسكرية عالية، فانتشى مُحدثاً نفسه بنبرة يقين بأنها لو كانت الحرب فستكون مصر هي صاحبة الانتصار الكاسح، فجميع المؤشرات الأولية تُفيد بجاهزية الجيش، مؤشرات تؤكد أن مصر ستُلقن إسرائيل درساً قاسياً.
ومضات صاخبة كما دراما الحروب، يستدعيها الإذاعي والكاتب المخضرم السيد الغضبان بعد أكثر من 50 عاماً على نكسة 1967، يتذكرها على الملأ عبر منصة موقع «أصوات أونلاين»، مُتحدثاً إلى الإعلامية المصرية منى سلمان في حلقات برنامج تفوح من عنوانه رائحة السيرة الذاتية «أثير العمر».
في حديثه لـ«الشرق الأوسط» اعتبر الغضبان أن قراره تسجيل هذا البرنامج لم يكن أمراً سهلاً، فقد حاولت الإعلاميتان منى سلمان ولينا الغضبان على مدار عامين إقناعي بالأمر، لكنني بعد أن تابعت ردود الفعل حول الحلقات المُذاعة، اكتشفت أن ترددي كان في غير محله، خاصة ردود أفعال الأجيال المُتعطشة لمعرفة حقائق خاصة بفترة النكسة، التي نُقل كثير منها مُشوهاً ومبتوراً.
في الحلقة الأولى مهدّت منى سلمان لهذا التردد، وتحدثت عن حرصها على إقناع الإذاعي القدير الغضبان منذ احتفاله بعيد ميلاده التسعين بأهمية مشاركة شهاداته بشكل واسع، لا سيما حول لحظات مفصلية في تاريخ الوطن والإذاعة، حيث كان الغضبان هو مسؤول التنظيم الطليعي للإذاعة المصرية وقت نكسة يونيو 1967، مما يجعله شاهداً رئيسياً على كواليس الإعلام والسلطة في هذه الفترة الحرجة، وعلى إلصاق اتهامات التضليل في هذا الوقت بالإذاعة، وغيرها العديد من رؤوس الموضوعات التي تُحاول كل حلقة التطرق لطرف منها، حيث كان الوطن والإذاعة والأحلام في خندق واحد.

بث مشترك
يُؤكد الغضبان أن انتماءه للتنظيم الطليعي الذي شُكل أيام عبد الناصر، استغرق منه تفكيراً طويلاً، وأن ما شجعه على الموافقة أنه كان آلية لإصلاح المؤسسات آنذاك، بعيداً عن استغلال النفوذ بالاقتراب من المسؤولين، حيث كان أعضاء التنظيم لا يُعلنون عن أنفسهم ويعملون سراً، وإن كانوا يعرفون بعضهم داخل دوائرهم النوعية، فكان بوصفه مسؤول التنظيم الطليعي داخل الإذاعة المصرية على تواصل دائم مع زملائه بالتنظيم في قطاع الإعلام وقت زلزال النكسة.
يسترسل الغضبان خلال البرنامج في تذكر اللقاء الذي دعاه إليه وزير الإعلام صباح الخامس من يونيو (حزيران)، ومعه عدد آخر على رأسهم رئيس الإذاعة المصرية آنذاك عبد الحميد الحديدي، حيث تقرر ضم جميع موجات الراديو في بث مشترك، ومنح جميع العاملين بمبنى الإذاعة والتلفزيون إجازة ما عدا العاملين بقسم الأخبار، والمذيعين، ومهندسي الصوت.
يروي الغضبان أنه تم تقسيم عمل المذيعين إلى خمس مجموعات، يقودها كل من الإذاعيين جلال معوض، وأحمد سعيد، وطاهر أبو زيد، وفاروق خورشيد، وأنا.
يقول: «كنا معزولين عن العالم، نتناوب قراءة البيانات العسكرية التي تصل إلينا والنشرات ونداءات الانتصار، كنا نتنافس من منا سيقرأ البيان الجديد»، ويتابع الغضبان: «أن تلك الحالة الحماسية ظلت هي المسيطرة، إلى أن غيّرت وكالات الأنباء العالمية دفة هذا الحماس، حتى أتاه رئيس قسم الأخبار آنذاك إسحق حنا، في يده نشرة الأخبار مصحوبة بانفجاره في البكاء.
«إسرائيل تقترب من شط القناة»، هكذا بدأت أخبار «النكسة» تتسرب، ومعها انقطاع التواصل مع القيادة السياسية، حتى وزير الإعلام ورئيس الإذاعة كانا تحت الصدمة، مما جعل الاجتهاد الشخصي هو سيد الموقف، فاقترح الغضبان أن يتم تخفيف نبرة الانتصار الزاعقة، فبدلاً من استخدام مصطلحات مثل «سننتصر» تُخفف لتصبح «ثابروا»، وهو قرار التزم به جميع المذيعين إلا الإذاعي الشهير أحمد سعيد الذي لم يُغير من نبرة حماسه، مُستنداً إلى موقف شخصي بأنه يدعم بصيص الأمل في تغير الموقف لصالح مصر.
يتذكر الغضبان: «كنا نقرأ بيانات الانتصار ونحن نعلم أننا مهزومون، كانت معاناة نفسية ضخمة، كنا نتمزق من الداخل»، مضيفاً: «البلد كانت في حالة حرب، لم يكن هناك مجال للتمرد، كنا نحن المذيعين كجنود مهزومين».

ترانزستور وميكروفون
يقول الغضبان لـ«الشرق الأوسط»، إن «الصحف في هذا الوقت كانت مُضللة أيضاً؛ لكن أكبر أثر سلبي كان من الإذاعة، فالشعب في هذا الوقت كان شديد الارتباط بها، والراديو (الترانزستور) كان يصحب الكل، في المقاهي، في البيوت، في الشارع».
وصف الغضبان انفعال الجميع يوم التاسع من يونيو بـ«الـموكب الجنائزي»، وهو يوم خطاب التنحي الشهير لعبد الناصر، وضاعف البلبلة الإعلان عن رئيس جديد للبلاد، وهو زكريا محيي الدين، الذي حكى الغضبان عن وصول شريط مُسجل له لماسبيرو، يُعلن فيه رفضه تولي منصب رئيس الجمهورية إثر تنحي جمال عبد الناصر، وهو الشريط الذي قرر ومعه زملاؤه في التنظيم الطليعي عدم إذاعته خشية إثارة الفتنة السياسية، ما بين رئيس أعلن تنحيه ورئيس يرفض تولي السلطة، فيبدو المشهد وكأن مصر أصبحت بلا رئيس... أيضاً بدا المشهد وكأن المذيعين في هذه الفترة قد تحرروا من دورهم المنوط بهم أمام الميكروفون، وراحوا يتخذون مواقف جذرية كقرار عدم إذاعة خطاب محيي الدين، وكذلك قرار عدم إذاعة خطاب المشير عبد الحكيم عامر، خوفاً من محتواه، وحال عدم حضور المشير للمبنى دون تنفيذ قرارهم، إضافة لوقف إذاعة أي أغانٍ تُمجد في عبد الناصر، وإذاعة الأغاني الوطنية، وحتى اتخاذ قرار بتحديد ساعات الإرسال، يقول الغضبان: «لم نكن نعرف ماذا نقدم طوال تلك الساعات الطويلة»، يتحدث عن حالة السيولة السياسية التي عصفت بمصر وقتها.
يمر حديث الغضبان بالإجراءات التي سعت الإذاعة المصرية في اتخاذها لمواجهة أزمة الثقة لدى الجماهير التي تسببت فيها النكسة، بما فيها التعامل مع ترتيب نشرات الأخبار حسب أهمية الأخبار، وليست بأولوية جولات الرئيس، علاوة على خروج مجموعة من البرامج ذات نبرة نقدية أصبحت من كلاسيكيات الإذاعة، مثل «كلمتين وبس» الذي كان يقدمه الفنان الراحل فؤاد المهندس، و«همسة عتاب»، و«بعد التحية والسلام» للشاعر الراحل عبد الرحمن الأبنودي.
يقول الغضبان: «كان المحتوى الثقافي للإذاعة المصرية وقتها يتمتع بحرية كبيرة، حتى أنه تم تحويل رواية نجيب محفوظ (أولاد حارتنا) لمسلسل أذيع في (صوت العرب)، رغم ما أثاره نشرها في جريدة الأهرام وقتها من انتقادات وصلت حدتها لمنع طبعها في مصر، علاوة على استيعاب مختلف أطياف الفكر، فكانت هناك أحاديث لمحمد مندور ويوسف إدريس وأنيس منصور وغيرهم».

مفترق طرق
يعتبر الغضبان أن قرار عبد الناصر تأميم قناة السويس قاده لمفترق طرق شخصي، فقد كان الغضبان مُعتقلاً في السجن الحربي ضمن من اعتقلوا بعد محاولة اغتيال عبد الناصر في حادث المنشية 1954. علاوة على أنه كان في السابق مسؤول جماعة «الإخوان المسلمين» في جامعة الإسكندرية، مما جعله ناقماً على عبد الناصر وثورته، حتى كان قرار تأميم قناة السويس 1956 فتراجع الغضبان عن هذا السخط. ويقول: «شعرت بالألم في السجن الحربي، حتى سمعت خطاب عبد الناصر تأميم قناة السويس، شعرت وقتها بأن زلزالاً حقيقياً قد حدث داخلي»، مضيفاً: «عندما اتخذ عبد الناصر قرار التأميم أدركت عندها أنه يتحدى الغرب، وشعرت أنه موقف وطني يجب أن يُؤازر».
طلب الغضبان أن يُسمح له بالمشاركة في تغطية الإذاعة الخارجية لموكب الرئيس عبد الناصر إبان قرار التأميم، وكان وصفه لموكب عبد الناصر لافتاً، لدرجة أشاد بها عبد الناصر نفسه، الذي طلب بنفسه أن يُسافر الغضبان لتغطية ردود أفعال الجمهور في لبنان على التأميم، وهناك قضى شهراً ونصف الشهر، والتقى الفنان السوري الذي كتب قصيدة عن التأميم، غنتها الفنانة نجاح سلام، ومطلعها «اليوم اليوم يوم النصر» وأذاعتها الإذاعة المصرية، وهم يتقدمون مسيرة تأييد للتأميم في «المصيطبة» اللبنانية.
ويقول الغضبان: «عبد الناصر كان مثقفاً جداً، أذكر أننا توجهنا مرة لمكتبه لإذاعة بيان، وهناك لفتت نظري الكتب التي يبدو أنه كان يُسجل بها هوامشه، وكذلك أسطوانات الموسيقى التي شاغبنا وقتها بألا نقترب منها».
ويعتبر الغضبان أن ثمة موقفين يؤكدان أن عبد الناصر قد راجع موقفه من الحريات قبل النكسة، الأول هو عزمه افتتاح إذاعة جديدة وهي «إذاعة الطليعة»، وكان الافتتاح مُقرراً له يوم 23 يوليو (تموز) 1967. وحال وقوع النكسة دون افتتاحها، وكانت تضم مواد تنتقد سياسة عبد الناصر بشكل صريح، وكان عبد الناصر يُبارك هذا التوجه. أما الموقف الثاني فكان تكليف الغضبان بكتابة باب الحريات في حزب جديد كان يعتزم عبد الناصر إطلاقه.

كُتاب وبرنامج
استرسال الغضبان يحمل بوح السيرة، فسألناه إذا كان «أثير العمر» هو سيرته الذاتية؟. فأجاب: «هو فعلاً كذلك، لكن الحقيقة أنني بدأت منذ فترة تدوين سيرتي في كتاب، وعندما تحدثنا عن فكرة تسجيل الحلقات، طلبت أن أجعل هذا الأمر لاحقاً على تبويب الكتاب، حتى يتبلور أمامي على الورق ما أخطط أن أتحدث عنه، ثم اتفقنا أن نبدأ الحلقات بالتزامن مع ذكرى النكسة، فوجدنا أن نبدأ الحلقات من هذا الحدث، أما في الكتاب فسأبدأ من فترة التكوين المبكرة، وعلاقتي بأبي الذي علّم نفسه بنفسه حتى صار يقرض الشعر»، مضيفاً: «أذيعت إلى الآن 7 حلقات من البرنامج، وستستمر الحلقات المقبلة على محطات بارزة أخرى منها أسباب تركي لجماعة (الإخوان)، ونهاية عملي بالإذاعة، وحتى عملي لفترة سائق تاكسي وغيرها... ويجب أن يُراجع الإنسان نفسه باستمرار، يعترف أنه كان مُخطئاً، ويُعدّل مساره».



فضيحة بقناة ألمانية بسبب الذكاء الاصطناعي

لقطة من التقرير (زد دي إف)
لقطة من التقرير (زد دي إف)
TT

فضيحة بقناة ألمانية بسبب الذكاء الاصطناعي

لقطة من التقرير (زد دي إف)
لقطة من التقرير (زد دي إف)

وقعت قناة ألمانية في فخ الذكاء الاصطناعي؛ ما فتح الباب أمام موجة واسعة من الانتقادات والتساؤلات حول مصداقية الإعلام في ألمانيا، وكيفية التحقق من الأخبار قبل نشرها. وكانت القصة قد بدأت عندما نشرت القناة الألمانية الثانية «زد دي إف» ZDF، التي هي واحدة من أكبر القنوات العامة في البلاد، تقريراً في نشرتها الإخبارية المسائية الرئيسة، ظهر فيها فيديو من إنتاج الذكاء الاصطناعي.

يتكلم التقرير، الذي عُرض يوم 15 فبراير (شباط) عن حملة الاعتقالات التي تنفذها وكالة «إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك» ICE في الولايات المتحدة، وظهر فيه شريطان تبين لاحقاً أن الأول مزيف والآخر قديم ويعود إلى قصة مختلفة.

الفيديو الأول ظهرت فيه امرأة آسيوية يقتادها عنصران من شرطة الهجرة وهي تبكي ويداها مكبلتان، بينما يتمسك ولداها بها وهما يبكيان ويتوسلان الشرطيين لإطلاق سراحها. وكان واضحاً في يسار الشريط المزيّف طبعة «سورا»، وهو البرنامج المعروف بإنتاج فيديوهات بالذكاء الاصطناعي، ومع ذلك نُشر في التقرير على أنه حقيقي، ولم تشر لا المقدمة ولا الصحافي إلى أن الشريط مزيف.

المراسلة نيكولا ألبريشت (زد دي إف)

أما الشريط الآخر، فكان لفتى يبلغ 11 سنة من العمر يقتاده رجل شرطة وهو مكبل اليدين. وظهر في التقرير صوت يقول إن دائرة الهجرة تعتقل الأطفال وترحّلهم. ولكن تبين لاحقاً أن الشريط قديم يعود إلى عام 2022، وأن الفتى إنما اعتُقل بعدما هدّد بإطلاق النار داخل مدرسة.

أما ما أثار ارتباكاً وتعجباً أكبر، فهو أن تمهيد التقرير، الذي قرأته المذيعة المعروفة دنيا هيالي، أشار إلى «وجود الكثير من الفيديوهات على وسائل التواصل الاجتماعي تظهر عمل وكالة الهجرة في الولايات المتحدة»، وأضاف أن «ليست كل الفيديوهات المنشورة حقيقية، ولكن الكثير منها حقيقي».

سحب واعتذار متأخران

القناة تأخرت يومين قبل تقديم اعتذار وسحب التقرير. ثم نشرت يوم الثلاثاء اعتذاراً تقول فيه إن التقرير الذي عُرض مساء الأحد تضمّن «أخطاءً في الوقائع»، وإن «القناة فتحت تحقيقاً في المسألة». ومن جهة أخرى، علقت نائبة رئيسة التحرير بالقول إن عرض التقرير «يتنافى مع جهود القناة بتأمين أخبار موثوق بها، وأنها أخفقت هذه المرة بذلك». وأردفت أن القناة «تقدم اعتذارها للمشاهدين؛ لأن التقرير لم يرقَ إلى معاييرنا المرتفعة».

ثم عادت القناة وأصدرت بيانين في اليومين التاليين، ذكرت فيهما أن الخطأ جاء من مكتب القناة في مدينة نيويورك، حيث أضيف الفيديوهان الخطأ من دون التأكد من مصدريهما ولا تاريخيهما. وأعلنت أيضاً، عن إعفاء مراسلتها في نيويورك نيكولا ألبريشت (50 سنة) من منصبها وعن استدعائها للعمل داخل القناة التي تتخذ من مدينة ماينز (غرب ألمانيا) مقراً لها، عوضاً عن طردها.

مقر المحطة والقناة (زد دي إف)

رئيسة تحرير القناة بتينا شاوستن برّرت الإحجام عن طرد المراسلة من القناة والاكتفاء باستدعائها، بالقول إنه كان يجب التنبّه للخطأ داخل مقر القناة بعدما أرسل التقرير، وكان واضحاً لأنه يحتوي على فيديوهات من الإنترنت. وتابعت شاوستن في مقابلة مع صحيفة «تسود دويتشه تزايتونغ» بأنه «يجب الآن بذل جهود إضافية في عملية التحقق قبل البث».

ولكن، راينر هاسلهوف، أحد أعضاء مجلس إدارة القناة، صرّح بأن طرد المراسلة «لا يمكن إلا أن يكون الخطوة الأولى لتحقيق منهجي في الذي حصل». وتابع إن الأمر يتعلق «بمصداقية القناة»، وشدد على أن للمواطنين «الحق في الحصول على المعلومة الصحيحة». وللعلم، يجري تمويل هذه القناة من أموال دافعي الضرائب عبر ضريبة خاصة يدفعها المواطنون تُعرَف بـ«ضريبة البث».

وفي اليوم الثاني، عادت القناة لتعلن إجراءات إضافية بعد الفضيحة، منها تطوير آليات عمل جديدة تلزم الصحافيين باعتمادها من أجل التأكد من صحة الفيديوهات قبل استخدامها. كذلك، أعلنت القناة عن إخضاع العاملين فيها لدورات تدريبية لتوعيتهم على المعايير الواجب اعتمادها لتفادي الوقوع في أفخاخ شبيهة في المستقبل.

مطالبات رسمية وتحذير

من جانب آخر، طالب نثانيل ليمنسكي، وزير الإعلام في ولاية شمال الراين-وستفاليا، بـ«بذل المزيد... ومنذ الآن، من الأساسي مراجعة وتطوير العمليات الداخلية وآليات الرقابة؛ كي لا يتكرر مثل هذا الخطأ الفادح في المستقبل». ثم أضاف «يجب التحقيق بشكل معمق في كيفية حدوث ذلك؛ لأن من يدفع ضريبة البث يجب أن يكون مطمئناً إلى وجود آليات رقابية وتصحيحية فعالة ضمن قطاع البث العام».

بدورها، حذّرت وزيرة الدولة في المستشارية كريستيان شندرلاين، أيضاً، بأن «على البث العام أن يعمل وفقاً لأعلى معايير الجودة وأن يقيس نفسه بهذه المعايير».

وهذا، في حين علقت وسائل إعلام أخرى محذّرة من مخاطر الوقوع «في» فخ الذكاء الاصطناعي على مصداقية الإعلام. إذ نشرت صحيفة «تاغس شبيغل» اليومية الصادرة في برلين مقال رأي وصف القناة الألمانية الثانية بأنها «خانت أهم ركائز الصحافة، ألا وهي الصدقية». وأضاف المقال أن «مجرد الاعتذار والتصحيح لا يكفيان، وعلى مجلس البث - وهو الهيئة الرقابية للقناة - أن يجري دراسة نقدية لما حصل، كما يجب على المدير العام أن يصدر توجيهات لا لبس فيها لاتخاذ الإجراءات اللازمة على جميع مستويات صنع القرار» لمنع تكرار ما حدث.

وأشار كاتب المقال إلى أن ما يحصل في الولايات المتحدة مع وكالة «إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك» قد يكون أسوأ مما عُرض، ولكن «ليس من عمل برنامج إخباري أن يوجّه المشاهدين حول الظلم، بمشاهد متلاعب بها، ومن يفعل يقلل من قيمة المشاهدين».

القناة تأخرت يومين قبل تقديم اعتذار وسحب التقرير

أهمية الاعتراف بالخطأ

في السياق عينه، انتقد آخرون طريقة تعامل القناة مع الخطأ وتأخرها في الاعتذار وسحب التقرير، فكتب موقع «أوبر ميدين»، وهو موقع يراقب الإعلام الألماني، بعد أيام على رفض القناة الاعتراف بالخطأ: «لماذا لا تعترف القناة بأنها افتعلت خطأً سخيفاً؟ لماذا تحاول تبرير الأخطاء وجعل الأمور أسوأ؟ ما يحصل لا يساعد إلا الداعين لإغلاق القناتين الأولى والثانية، وبالنسبة للباقين فهي تضر بأي ثقة متبقية». ورأى الموقع أن «خطورة» استخدام صور وفيديوهات مصنَّعة بالذكاء الاصطناعي «ليس فقط أنها تنشر أكاذيب وواقعاً غير موجود، بل هي أيضاً تتسبب بشكوك حول مدى صحة الصور الحقيقية، وهذا أمر خطير».

كذلك، فور نشر التقرير وبدء الانتقادات، ذكر الموقع أنه تواصل مع المحطة، سائلاً عن آلية التحقق من الفيديوهات قبل نشرها، لكنه لم يحصل على جواب.

في أي حال، يوجّه إعلام أقصى اليمين في ألمانيا انتقادات للإعلام العام بأنه يعتمد «سياسة يسارية»، وأنه «ليس حيادياً في تغطياته»؛ ولذا يدعو كثيرون من هذا التيار إلى وقف تمويل الإعلام العام وإغلاق المحطتين بسبب «انحيازهما» في نقل الأخبار، كما يزعمون. لكم مما لا شك فيه أن أخطاءً كالتي وقعت فيها القناة الألمانية الثانية لا تساعد الإعلام الألماني العام الذي بات في حاجة ملحة إلى آليات للتعامل مع التحديات المتزايدة للذكاء الاصطناعي في عالم الإعلام.


اتهامات بانتهاك «الملكية الفكرية» تلاحق «تيك توك»

مكتب شركة "بيت دانس" في مدينة شنغهاي الصينية (آ ف ب)
مكتب شركة "بيت دانس" في مدينة شنغهاي الصينية (آ ف ب)
TT

اتهامات بانتهاك «الملكية الفكرية» تلاحق «تيك توك»

مكتب شركة "بيت دانس" في مدينة شنغهاي الصينية (آ ف ب)
مكتب شركة "بيت دانس" في مدينة شنغهاي الصينية (آ ف ب)

لاحقت اتهامات بانتهاك حقوق الملكية الفكرية شركة «بيت دانس» الصينية، مالكة منصة «تيك توك»، ما دفع الشركة لإعلان عزمها اتخاذ خطوات لتعزيز الحماية في هذا الصدد. وتوقّع خبراء التقتهم «الشرق الأوسط» أن تسهم مثل هذه الاتهامات «في تغيير طريقة التعامل مع المحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي»، مطالبين بوضع قواعد استخدام تحمي حقوق منتج المحتوى الأصلي.

شركة «بيت دانس» كانت قد طوَّرت، أخيراً، نموذجاً للذكاء الاصطناعي حمل اسم «سيدانس 2.0»، وأنتج النموذج عدداً من مقاطع الفيديو التي تحاكي في تفاصيلها مشاهد من أفلام هوليوود، حصدت ملايين المشاهدات على الإنترنت. وهو ما دفع الشركات المُنتَجة للمشاهد الأصلية لاتهام «بيت دانس» بانتهاك حقوق الملكية الفكرية الخاصة بهم. ولقد ذكرت «جمعية صناعة الأفلام الأميركية»، التي تمثّل شركات عدة منها «ديزني»، و«يونيفرسال»، و«وارنر»، و«نتفليكس»، في بيان لها، أخيراً، أن «نموذج سيدانس يستخدم على نطاق واسع أعمالاً محمية بحقوق الطبع والنشر الأميركية». وأضافت: «نموذج الذكاء الاصطناعي لبيت دانس يعمل من دون ضمانات فعّالة، ويجب إيقافه فوراً».

بدورها، أقرَّت «بايت دانس» بما عدّتها «مخاوف بشأن برنامج سيدانس 2.0»، معلنة اعتزامها «اتخاذ خطوات لتعزيز إجراءات الحماية الحالية، ومنع الاستخدام غير المُصرَّح به للملكية الفكرية والصور من قبل المستخدمين»، وفق بيان نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

هذا، ويتوافر نموذج «سيدانس 2.0» حالياً بوصفه نسخةً تجريبيةً محدودةً في الصين فقط. وأفادت شركة الاستشارات السويسرية «سيتول ديجيتال سوليوشنز» بأنه «أكثر نماذج توليد الفيديو بالذكاء الاصطناعي تطوراً»، إذ يتفوَّق على نماذج أخرى طوَّرتها «غوغل» و«أوبن إيه آي».

يوشنا إكو، الباحث الإعلامي الأميركي، رئيس ومؤسس «مركز الإعلام ومبادرات السلام» في نيويورك، رأى في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن الاتهامات الموجّهة لنماذج الذكاء الاصطناعي بشأن انتهاكات حقوق الملكية الفكرية لن تتوقف. وتابع أن «نماذج الذكاء الاصطناعي تعتمد في الأساس على المحتوى المنشور (المقروء أو المرئي)، ما يجعلها بالتبعية تنتهك حقوق المنتج الأصلي عند توليد أي نوع من المحتوى». وأردف إكو: «إن التطورات المتسارعة لنماذج الذكاء الاصطناعي تحتم ضرورة العمل على حوكمتها، ووضع قواعد تحمي حقوق المنتج الأصلي، وهي قواعد تتضمَّن التفرقة بين معايير الاستخدام التجاري وغير التجاري، والإشارة بوضوح... إلى أن هذا المُنتَج مُولَّد بالذكاء الاصطناعي، والإشارة للعمل الأصلي الذي استُعين به في توليد هذا المحتوى».

من جهة ثانية، سبق أن أثارت نماذج الذكاء الاصطناعي جدلاً بشأن اعتدائها على حقوق الملكية الفكرية؛ ففي عام 2024 نُشرت مقالات على مدوّنة قديمة متخصصة في التكنولوجيا تابعة لشركة «أبل» تحمل اسم «تي يو إيه دبليو (TUAW)»، مع أنها مغلقة منذ عام 2011، وتبيَّن أن «المقالات الجديدة أنتِجت بواسطة الذكاء الاصطناعي، ونُشرت بأسماء كتاب وصحافيي المدونة السابقين، بعد استيلاء مالك جديد على المدوّنة المغلقة». وهو ما أثار تساؤلات في حينه عن كيفية حماية حقوق الملكية الفكرية لمنتجي المحتوى الأصليين.

في حوار مع «الشرق الأوسط»، صرَّح الصحافي المصري محمد فتحي، المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، بأن «اتهامات الشركات لبايت دانس وتيك توك بانتهاك حقوق الملكية الفكرية ستدفع إلى إعادة صياغة قواعد إنتاج الفيديو بالذكاء الاصطناعي» وأشار إلى أنه «من دون إطار تنظيمي واضح، يُشكِّل الذكاء الاصطناعي تهديداً مباشراً لحقوق المبدعين، مع استمرار ظهور منتجات تُعاد فيها تهيئة محتوى أصلي دون تعويض أو إذن».

ثم أضاف: «القوانين الحالية حول حقوق النشر لم تُصمَّم للتعامل مع نماذج الذكاء الاصطناعي، ما يؤكد الحاجة لإطار جديد... وهذا الإطار يشمل تحديد معنى الاستفادة المشروعة للبيانات، وأنواع البيانات، التي يمكن استعمالها لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، وكيف يمكن تعويض حقوق للمصادر الأصلية، مع وضع معايير واضحة للاستعمال التجاري، ومعايير يجري على أساسها تصنيف الفيديو المُولَّد بالذكاء الاصطناعي ليكون مستقلاً عن الأصل، أو متضمناً حقوقاً للمبدعين الأصليين».

ومن ثم، طالب فتحي بـ«تحديث القوانين لتشمل الذكاء الاصطناعي، ووضع تعريف قانوني لكيفية استخدام البيانات للتدريب، وإلزام الشركات باشتراطات شفافة حول مصادر البيانات، ووضع أنظمة ترخيص مرنة وعادلة». ودعا إلى «وجود اتفاقات تسمح باستخدام المحتوى مقابل تعويض، واستحداث تراخيص تشمل نظام مكافآت واضح للمطوّرين... إلى جانب وضع أنظمة تتبُّع وتحرّي محتوى الفيديو لحماية أصحاب الحقوق الأصلية، ووضع علامات مائية ذكية يمكن تمييزها حتى بعد إعادة استعمال المادة المُصوَّرة».

واختتم بالتأكيد على «أهمية تعزيز وعي المبدعين، بشأن كيفية حماية أعمالهم، مع وضع إرشادات حول حقوق الترخيص واستخداماتهم في الذكاء الاصطناعي».


قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
TT

قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)

نظَّم «اتحاد إذاعات الدول العربية»، في تونس أخيراً، وبحضور عشرات من كوادره ومن الإعلاميين والخبراء العرب، تظاهرة غير تقليدية للاحتفاء بإصدار كتاب جديد عن التحديات الجديدة التي تواجه «الميديا العربية» في عصر هيمنة الرقمنة والمواقع الاجتماعية والذكاء الاصطناعي.

وصرّح المهندس عبد الرحيم سليمان، مدير عام الاتحاد، بالمناسبة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» بأن الكتاب الذي ألفه وأصدره عبد الحفيظ الهرقام، المدير العام السابق لـ«اتحاد إذاعات الدول العربية»، والمدير العام الأسبق لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون التونسي، «جاء ليؤكد أهمية التحوّلات الرقمية وانعكاساتها على المتغيرات في ملامح المشهد الإعلامي العالمي والعربي».

وفي السياق نفسه، رأى عدد من الخبراء والإعلاميين العرب أن الكتاب، وعنوانه «الميديا العربية: بين الهيمنة الرقمية وسؤال المعنى» بمثابة «الشهادة الفكرية والمهنية على مرحلة مفصلية يعيشها الإعلام العربي اليوم». وصرح المؤلف لـ«الشرق الأوسط»، في لقاء معه، بأن كتابه «لا يندرج ضمن الكتب الأكاديمية البحتة، ولا يكتفي بسرد التجارب المهنية، بل يمثّل محاولة جادّة لفهم التحوّلات الكبرى التي أعادت رسم علاقة الإنسان بالإعلام، وغيّرت طبيعة السلطة الرمزية التي كانت تمارسها المؤسسات الإعلامية لعقود طويلة».

المهندس عبد الرحيم سليمان (الشرق الأوسط)

خبرة ميدانية

وحقاً، رأى عدد من الخبراء في تظاهرة «اتحاد إذاعات الدول العربية» أن كتاب الهرقام يأتي محمّلاًً بخبرة ميدانية ممتدة لسنوات طويلة داخل مؤسسات عربية كبرى... إذ واكب المؤلف عن قرب تحوّلات القطاع السمعي البصري، وتقلّباته المهنية والتنظيمية، والتحديات التي واجهت الإعلام التقليدي في زمن الانتقال الرقمي.

غير أنّ أهمية هذا العمل، وفق كثيرين، لا تكمن فقط في كونه شهادة من داخل المهنة، بل أيضاً في كونه قراءة نقدية معمّقة لواقع الإعلام العربي لدى وقوفه عند مفترق طرق حاسم: بين إرث ثقيل من التجارب التقليدية، وضغوط متزايدة تفرضها الثورة الرقمية، وبين دور قديم قائم على نقل الخبر، ودور جديد يتعلّق بصناعة المعنى وتشكيل الوعي.

من سؤال مهني إلى مشروع فكري

كتاب عبد الحفيظ الهرقام، يجسّد في الحقيقة تجربة مهنية ثرية امتدت لما يقارب من 15 سنة في قلب مؤسسات الإعلام العربي، حيث احتكّ المؤلف يومياً بإشكاليات الإدارة والإنتاج والبث. وشهد عن قرب تحوّلات البنية الإعلامية في المنطقة. وكانت فكرة هذا العمل قد انطلقت من سؤال مهني يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه عميق في دلالاته: هل من الأفضل الإبقاء على الإذاعة والتلفزيون ضمن مؤسسة واحدة أم الفصل بينهما؟

هذا التساؤل، الذي طُرح في سياق نقاش مهني، فتح أمام المؤلف أفقاً أوسع للتفكير في قضايا بنيوية تتجاوز التنظيم الإداري لتُلامس جوهر التحوّل الذي يعيشه الإعلام العربي. ومع مرور الوقت، تحوّل السؤال مشروعاً فكرياً متكاملاً يسعى إلى فهم موقع الإعلام العربي في عالم يتغيّر بسرعة، وإلى تحليل طبيعة التحديات التي تهدد مكانتها ودورها.

غلاف الكتاب (الشرق الأوسط)

الإعلام تحت ضغط الهيمنة الرقمية

أبرز ما يطرحه الكتاب، حسب مقدمته «تشخيص لحالة الإعلام العربي في ظل هيمنة المنصّات الرقمية العالمية، التي لم تعُد مجرّد وسائط لنشر المحتوى، بل تحوّلت قوى اقتصادية وثقافية كبرى تتحكّم في طرق الإنتاج والتوزيع وأنماط الاستهلاك».

وفعلاً، غيّرت هذه المنصّات قواعد اللعبة بالكامل. إذ تراجعت مكانة الوسائل التقليدية مثل الإذاعة والتلفزيون والصحافة المطبوعة، وتحوّلت المنافسة سباقاً غير متكافئ بين مؤسسات إعلامية وطنية محدودة الموارد وشركات تكنولوجية عملاقة تمتلك الخوارزميات والبيانات ورؤوس الأموال الضخمة.

بيد أن التحدّي، كما يلفت المؤلف الانتباه، لا يقتصر على الجانب الاقتصادي أو التكنولوجي، بل بات يمتدّ إلى عمق المسألة الثقافية والمعرفية. وحين تنتقل السيطرة من غُرف التحرير إلى الخوارزميات، ومن الصحافي إلى المنصّة، يغدو السؤال الأهم: مَن يملك اليوم سلطة تعريف الواقع؟ ومَن يقرّر ما يُرى وما يُهمَل؟ ومَن يصوغ الروايات التي تشكّل وعي الجمهور؟

«سوق المعنى»... المعركة الجديدة

من أبرز المفاهيم التي يقدّمها الكتاب مفهوم «سوق المعنى»، حيث لم يعُد الصراع الإعلامي مقتصراً على نقل الخبر أو تحقيق السبق الصحافي، بل بات صراعاً حول تفسير الواقع وصياغة السرديات الكبرى. ففي الفضاء الاتصالي المعَولم، تتداخل السياسة بالإعلام، وتتقاطع المصالح الاقتصادية مع الخطابات الآيديولوجية، وتتنافس الروايات على كسب ثقة الجمهور. وفي هذا السياق، ما عادت قيمة المحتوى تُقاس بعمقه أو دقته، بل بعدد المشاهدات والتفاعلات؛ ما أدى إلى صعود أنماط جديدة من الخطاب السريع والسطحي في كثير من الأحيان، مقابل تراجع التحليل الرصين والمعالجة المهنية المتأنية.

وهذا التحوّل، الذي يبدو تقنياً في ظاهره، يخفي في جوهره أزمة معنى حقيقية. إذ يصبح الإعلام مهدّداً بفقدان دوره الثقافي والتنويري، ويتحوّل مجرّد وسيط في سوق ضخمة تحكمها قوانين الانتشار والربح والتأثير اللحظي.

تحوّل جذري

في صناعة الخبر

من جهة أخرى، يلفت الكتاب الانتباه إلى تحوّل عميق في بنية الإعلام، يتمثّل في انتقال مركز إنتاج المعنى من المؤسسات إلى الأفراد. فمع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعُد الجمهور متلقياً سلبياً، بل صار فاعلاً مشاركاً في صناعة المحتوى وتداوله. وفتح هذا التحوّل مساحات جديدة للتعبير وكشف الحقائق، وبرزت ظاهرة «المواطن الصحافي» بوصفها عنصراً مؤثراً في المشهد الإعلامي. لكن هذا التحوّل حمل، في المقابل، مخاطر كبيرة، من بينها انتشار الأخبار الزائفة، وتضخّم الخطاب الانفعالي، وتراجع المعايير المهنية.

كتاب جديد لاتحاد إذاعات الدول العربية يدعو إلى مراجعة الأولويات

وهنا يطرح المؤلف سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للمؤسّسات الإعلامية أن تحافظ على دورها ومصداقيتها في عالم لم تعد فيه المصدر الوحيد للمعلومة؟

دعوة إلى إعلام منتج للمعنى

في قلب هذا العمل يدعو عبد الحفيظ الهرقام إلى «ضرورة إعادة تعريف دور الميديا العربية، بحيث لا تظلّ فاعلاً تابعاً في النظام الإعلامي العالمي، بل تتحوّل فاعلاً منتجاً للمعنى، قادراً على الدفاع عن خصوصيته الثقافية وصياغة خطابه الخاص». ويتطلّب ذلك، في نظره، جملة من الشروط الأساسية، من بينها تعزيز الاستقلالية التحريرية، وتطوير الكفاءات المهنية، والاستثمار في التربية الإعلامية، ومدّ جسور التعاون بين الجامعات ومؤسّسات الإعلام كي لا تبقى المعرفة النظرية منفصلة عن الواقع العملي.

أسئلة وأجوبةً

ختاماً، لا يدّعي هذا الكتاب تقديم حلول جاهزة بقدر ما يسعى إلى إثارة الأسئلة الكبرى التي تفرضها المرحلة الراهنة. فهو محاولة جادة لقراءة واقع الإعلام العربي في «زمن ما بعد الحقيقة»، حيث تتراجع الثقة في المصادر التقليدية، وتتضخّم سلطة الصورة، وتتزاحم الروايات على تشكيل الإدراك العام.

ومن خلال هذا الجهد الفكري، يطرح الهرقام سؤالاً مركزياً يظلّ مفتوحاً أمام المهنيين والباحثين وصنّاع القرار: كيف يمكن للإعلام العربي أن يستعيد دوره الثقافي والتنويري في عالم تهيمن عليه السرعة والربح والتأثير اللحظي؟ وكيف يستطيع أن يظلّ وفياً لمهمته الأساسية في البحث عن الحقيقة وبناء الوعي؟