ماذا يمكن أن يتبقى من «ألف ليلة وليلة» إذا حذفنا السفر من متنها؟

من دون الارتحال يسقط العجائبي وتموت الحكمة

ماذا يمكن أن يتبقى من «ألف ليلة وليلة» إذا حذفنا السفر من متنها؟
TT

ماذا يمكن أن يتبقى من «ألف ليلة وليلة» إذا حذفنا السفر من متنها؟

ماذا يمكن أن يتبقى من «ألف ليلة وليلة» إذا حذفنا السفر من متنها؟

منذ ما لم أعد أتذكر من السنين، كنت أرى في قريتي شيوخاً، تقتصر حركتهم اليومية على بضع خطوات محفوظة، يمشيها المبصر ويمشيها الأعمى بأمان وروية.
كانوا يخرجون من دورهم، يجلسون أمام المسجد. ومع كل نداء للصلاة يدخلون لأداء الفرض، ثم يعودون إلى جلستهم، صامتين معظم الوقت، يتنقلون مع الظل حتى آذان الصلاة التالية، ثم يعودون إلى دورهم بعد الِعشاء؛ آخر صلوات اليوم.
لا يتغير هذا الروتين، إلى أن يسحب الموت أحدهم فيمشون في جنازته دون أسى، ويعودون إلى جلستهم التي سرعان ما يترقى إليها شخص جديد اكتشف أنه صار مُسناً، لأنه لم يعد يقدر على مواصلة العمل الزراعي الأكثر مشقة من أعمال السجناء.
ربما يسافر أحدهم في مناسبات محدودة إلى المدينة القريبة، عادة «المركز الإداري» لتسجيل قطعة أرض جديدة، أو مصاحباً لمريض إلى عيادة طبيب. ولأنهم أميون، فإنهم لم يسافروا في كتاب، باستثناء القرآن الكريم الذي يستمعون إلى تلاوته ويحفظ كل منهم فاتحته وبعض آياته للصلاة.
للمرأة، في هذه البيئة الضيقة، الرتابة ذاتها، باستثناء بعض الحيوية التي تضفيها المشعوذات وضاربات الرمل اللائي يزرن القرية بين حين وحين، ويُعدُّ الاتصال بهن حكراً على النساء.
كنت أفكر؛ بعطف في أولئك الرجال وتلك النساء، وبخوف على مصيري: ما معنى الثمانين عاماً التي يعيشها إنسان في مكان واحد، تمضي فيه وقائع أيامه بتطابق مطلق بين اليوم والذي يليه؟
من لا يُغير مكانه لن يعرف في حياته، مهما طالت، إلا القليل الذي يمكن أن يدهشه، ولن تكون حياته تلك مصدر دهشة لأحد إلا إذا قام بانقلاب جنوني، كأن يرتكب جريمة شنعاء أو يكون ضحية لجريمة.
ومن الصعب على من لا يسافر أن يُغيِّر الصورة المرسومة له سلفاً. لذلك كان لا بد لكل نبي من هجرة.
الطبيب المعالج يأتي من البعيد، بعد أن يعجز أطباء المملكة؛ فالبعيد موطن الحكمة. وهو موطن الغرائبي كذلك. لا يمكن أن نصدق أن بساطاً يطير أو عفريتاً يأتي في هيئة طائر يحمل البطل على جناحه أو بين مخالبه إلا أن يكون في مكان بعيد لا يبلغه مستمع أو قارئ الحكاية.
لنفكر: ماذا يمكن أن يتبقى من ألف ليلة وليلة إذا حذفنا السفر من متنها؟
تبدأ القصة الإطار بملك يطلع على خيانة زوجته، ولو قتلها أو طلَّقها لانتهت الليالي قبل أن تبدأ. لكن شاه زمان المفجوع في زوجته يترك مملكته ويسافر إلى أخيه، فيكتشف أن شقيقه ضحية المأساة ذاتها. يترك الأخوان مُلكيهما ويسيحان في الآفاق، فتتأكد عداوتهما للمرأة عندما صادفا امرأة تجبرهما على الاضطجاع معها، لتكمل بهما رقم مائة من رجال خانت معهم الجني الغيور بمجرد أن غفا، لمجرد أنه تركها لحظات خارج الصندوق ثقيل الأقفال الذي يحبسها فيه.
أن يكون العفريت بقدراته الأسطورية ضحية للخيانة؛ فهذا يقلل من فجيعتهما في الزوجتين، ويصلح لأن يكون موعظة «لو كُتبت بالإبر على آماق البشر لكانت عبرة لمن يعتبر». وبدا أن الأخ الكبير اقتنع بالموعظة، لأنه خرج من متن الليالي. ولن نعرف عنه شيئاً حتى الصفحات الأخيرة فنكتشف أنه ـ دون اتفاق مع أخيه ـ مارس السلوك الوحشي نفسه: الاستمتاع بامرأة كل ليلة وقتلها في الصباح!
توقف شهريار عن القتل لأنه كان محظوظاً بامرأة ذكية سافرت به في حكاياتها ليلة بعد ليلة لتريه المزيد من العبر وتسيح به في آفاق لم يرها.
استبدلت شهرزاد عذرية الأماكن بعذرية البنات، لترضي شهوته للافتضاض. وبعد سنوات ثلاث من الترحال في الحكايات، كانت قد استأنسته تماماً وأنجبت منه، وقرر الزواج منها، ودعا أخاه لحضور حفل عرسه؛ فإذا بنا نكتشف أن فاجعة الدم تواصلت في المملكة الأخرى!
لم يجد شاه زمان شهرزاداً أخرى تردعه عن القتل، وعاش السنوات الثلاث يمارس الوحشية التي مارسها شهريار في البداية. لكنه استقبل خبر زواج أخيه بسرور، وقرر الاقتران بدنيا زاد الصامتة التي لم تفارق مكمنها تحت سرير أختها طيلة السنوات الثلاث.
أنقذت شهرزاد بسفرها في الحكايات رجلين لا رجلاً واحداً من شهوة الدم. وتنازل شاه زمان عن مُلكه، مُفضلاً عليه البقاء لدى شقيقه، وتنتهي الليالي بصحبة الأخين والأختين، لم يفرق بينهم سوى هادم اللذات.
لو كان خروج شاه زمان المبكر من الليالي نهائياً، وظلت حياته مجهولة بالنسبة لنا لاعتبرنا انقطاع خطه سهواً من المؤلفين المجهولين، لكن عودته تعني أن حياة الإقامة غير جديرة بأن تُحكى، رغم الدراما العالية التي ينطوي عليها جز رقبة فتاة كل يوم.
يمكننا باطمئنان أن نعتبر ألف ليلة كتاباً في السفر. من دون الرحلة يسقط العجائبي؛ العمود الفقري لليالي. لهذا انحاز السرد في الليالي إلى الارتحال من قمة جبل إلى قاع بحر ومن حواري دمشق إلى جزائر الهند.
وتيمناً بالليالي، يظل السفر هو روح السرد في كل زمان، يمده بالدهشة، ويمهد للانطلاقات الكبرى في الحكاية من «دون كيخوتة» إلى «موبي ديك» إلى «مدن لا مرئية» لهذا يحب الروائيون السفر، باستثناءات نادرة بينها نجيب محفوظ، وأبطاله مثله لا يسافرون، وإذا سافروا فإننا نعرف بسفرهم أو بعودتهم كخبر في جملة.
«جلال ذو الجلالة» الفتوة الوحيد من سلالة عاشور الناجي الذي فتنته رغبة الخلود لم يسافر بحثاً عن عشبة تعفيه من الموت، لكنه استعاض عن ذلك بتغييب الشهود كي تحدث المعجزة، اعتكف حسب وصفة الدجال في غرفة مظلمة لمدة عام.
هذا الاعتكاف هو السفر الذي يناسب مخيلة كاتب مقيم. وكان في هذا الاختفاء الغامض ما يكفي من الفتنة لسكان الحارة؛ لأنهم عدوه سفراً. في اعتقادهم لا يمكن لأحد أن يبقى ساكناً طوال العام في ظلام غرفته؛ لا بد أنه قام بأسفار لا يعرفون طبيعتها خلال هذه الغيبة، ولا بد أنه عاد منها ليخلُد، وهو ما جعله مهاباً أكثر من أي فتوة آخر.
بسبب إجهاد الذاكرة، تصورت لسنوات طويلة أن حلم الكتابة كان حلمي الوحيد. نسيت أنني حلمت مبكراً جداً بالسفر، حتى التقيت في ميلانو بصديق طفولة يقيم بتلك المدينة الشمالية الإيطالية، دون أن أجرؤ على القول «يعيش هناك» فالإقامة غير العيش تماماً. لم يسافر إلا للضرورة. ولم ينسَ ذلك. كان يريد الستر الذي يجلبه العمل في الخارج، ولم يكن باحثاً عن المتعة، ولا عن مضاعفة العمر الذي يبتغيه الناس من السفر.
أبهجني لقاء صديق الصبا، وأدهشني صفاء ذاكرته، عندما سألني بغتة: «هل تتذكر حلمك بالعيش في الريف الإنجليزي؟».
ومضى السؤال كبرق أضاء منطقة معتمة في الذاكرة؛ وتذكرت فرحتي عندما تلقيت في البريد مجلة من القسم العربي للإذاعة البريطانية، فرحة لم تتكرر بتلقي شيء مطبوع بعد ذلك أبداً، لا عندما رأيت توقيعي للمرة الأولى في جريدة، ولا عندما تلقيت النسخة الأولى من أول كتبي.
قرأت في تلك المجلة أشياءً عن بريطانيا، لكن الذي سلب خيالي كان العشب الأخضر الزاهي الممتد بين بيوت أنيقة متناثرة بأسطح هرمية من القرميد ومداخن قصيرة. كانت الألوان مبهجة، وبدت لي حياة الريف الإنجليزي ناعمة ومصقولة كورق تلك المجلة. ومن حسن حظي أنني لم أرَ الريف الإنجليزي حتى الآن، ولا يبدو أنني سأسعى يوماً لزيارته حتى لا أجرح صورة الجنة التي حلمت بها!
طفلٌ في قرية مصرية يحلم بمكان بعيد، لم يحلم بمدينة، بل بريفٍ آخر بعيدٍ جداً؟
هل كانت المدينة شيئاً يتجاوز أحلامي؟ هل كان العالم بالنسبة لي مجرد ريف متعدد الأشكال؟ لا أذكر، حتى، هل المجلة هي التي خلقت حلمي، أم أنه كان موجوداً وأنه هو الذي دفعني إلى مراسلة الإذاعة بطلب المجلة لتعزيزه وتأكيده.
معرفة منطلقات حلمي ليست مهمة بذاتها، كما أن حلمي بالعيش في الريف الإنجليزي قد لا يراود الكثير من البشر، وما كنت لأرويه إلا لافتراضي أن الشوق إلى لقاء المختلف والمدهش الذي انطوى عليه حلمي يتطابق مع أحلام ملايين البشر.



العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.


رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية
TT

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي، التي أنجزها المترجم الفرنسي الدكتور لوك باربلسكو/Loic Barbulsco بعنوان «الرواية المستحيلة للفاضل السيد ك» (L’Impossible roman de l’honorable monsieur K).

صدرت رواية «الثوب» بطبعتها العربية عن «دار المدى» عام 2009.

وتعتمد الرواية تكنيك «التخييل الذاتي»، حيث يحضر الكاتب في أعماله الروائية باسمه الصريح وبسيرته الذاتية الحقيقية، مع عائلته وأصدقائه ومكان عمله، وحيثيات عيشه.

تتناول الرواية الجديدة التجربة التي عايشها المؤلف في كتابة السيرة الذاتية لأحد الأغنياء، وكيف تنكشف التجربة على فكرة تسليع الأدب وبيع جهد الكاتب للمليونير المشتري، وبروز سؤال الرواية الأهم: هل يمكن للمال شراء الإبداع الإنساني؟

الاتفاق الذي يُعقد بين الكاتب والمليونير يأتي عبر المرور على السيرة الذاتية الحقيقية للرفاعي، بموقفه من الاتفاق، وموقف المحيطين به من أفراد أسرته بأسمائهم الحقيقية، وكذلك موقف الروائي الراحل إسماعيل فهد إسماعيل، والمحامي الراحل محمد مساعد الصالح وغيرهما. ويكتب المؤلف أحداث الرواية بوصفه إحدى شخصياتها الروائية إلى جانب كونه المؤلف، وبما يقدّم مستوى ثانياً للنص، كون حبكة الرواية تقوم على كتابة الرواية داخل الرواية، وبذلك يكون القارئ شريكاً حاضراً في النص، وهو النهج نفسه الذي اتبعه الرفاعي في أعماله منذ صدور روايته الأولى «ظل الشمس» عام 1998، و«سمر كلمات»، و«الثوب»، و«في الهُنا»، ومجموعته القصصية «الدكتور نازل».

وسبق للدار نفسها «أكت سود» أن نشرت ترجمات لروايات الرفاعي، منها رواية «في الهُنا»، و«ظل الشمس»، و«النجدي»، و«حابي»، و«خطف الحبيب».

وحصل طالب الرفاعي على وسام الآداب والفنون برتبة فارس من الجمهورية الفرنسية عام 2022.