موسِمُ «أصيلة»... العنقود الخامس قد بدأ!

الثقافة ليست ترفاً أبداً ولا يمكن لها أن تكون كذلك

جانب من جداريات «أصيلة»
جانب من جداريات «أصيلة»
TT

موسِمُ «أصيلة»... العنقود الخامس قد بدأ!

جانب من جداريات «أصيلة»
جانب من جداريات «أصيلة»

لا أحد اليوم في عالم الثقافة الفسيح، لا يعرف منتدى أصيلة الثقافي... هذا الذي بلغ في هذه السنة ربيعه الواحد والأربعين. إنها رحلة طويلة من العطاء الجزل والإيمان الراسخ جسّدت على أرض الواقع مُنجزاً ثقافياً قلّ أن تعرف له البلاد العربية نظيراً من النجاح... والعجيب في ذلك كله هو أنه انبعث كطائر وحي من رحم مدينة صغيرة هامسة في شمال المغرب تُسمّى أصيلة، وهي كذلك فعلاً... «أصيلة».
لقد شكّلت هذه المدينة بمشروعها المتّقد منذ أربعين سنة، جسراً من حدائق الضوء ونبعاً لم يجفّ من الإبداع الممطر والأدب الشفيف والثقافة الممتدة فوق أفق من التاريخ يجمع بين محيط الأطلس وخليج العرب، منفتحاً في الوقت ذاته على آفاق العالم ومساحات وعيهِ الشاسعة... ولم يكن هذا التجسيد البليغ للاحتفاء بالثقافة من محض الصدف التي تؤلّفها الأقدار عادة دون أن يكون للبشر نصيبهم من هوامش الفكرة، بل أثبتَت التفاصيل مرّة أخرى - وهي كثيرة - أن كل انتصار للثقافة، لا سيما في هذا الزمن العربي الصعب وراءَهُ بالضرورة قلبٌ آمن بالثقافة وانتصر لها فاعلاً وراعياً، أو مثقفاً بالأحرى.
لقد أسهم نجاح منتدى أصيلة ببعده العربي والعالمي في دعم ذلك الفعل الثقافي الذي ظلّ يبحث عن نفسه في المغرب منذ سنوات، وشكلت هذه التجربة عاملاً مساعداً على ترسيخ مفهوم جديد للتنمية اعتمد في الأساس على المجهود الثقافي كلبنة أولى لخلق التنمية الشاملة، والتي يكون محورها الرئيسي هو العنصر البشري الفاعل، وهو أيضاً أول المعنيين بقطف ثمارها الحضارية اليانعة.
إنّنا لا نتحدث عن أفق نظري تغلّفه المشاعر الحالمة والعواطف التي تُغلّب دوماً مصلحة الفكرة وتغضّ الطرف عن سياق تنفيذها، فالواقع هو الذي يرافع اليوم بمعطياته الكثيرة عن هذا الطّرح، وهو الذي يُعوَّل عليه في إعطاء صورة شاملة عن هذا المشروع الذي نجح في نفي تُهمة الترّف عن العنصر الثقافي باعتباره مكوناً تكميلياً لا طائل منه، بل منح له شهادة النجاعة العليا في ورش البناء والتحديث والإقلاع، وكلها بالطبع أبعاد يسعى المغرب كغيره من بلدان العالم إلى بلوغ اليسير أو الوفير منها في طريقه نحو التغيير، من هذا المنطلق شكلت «أصيلة» مثالاً حياً لمعنى الانتصار للثقافة والانتصار بها في نفس الوقت.
وإذا كانَ استعراضُ المنجز الثقافي في «أصيلة» ينطلق من معطيات الرّاهن الكثيرة وأرقامها التي تدعو إلى الفخر، فإن الانطلاقة نفسها يُفترَض أن تبدأ بنا من الواقع الأول، أعني به ما كانت عليه «أصيلة» قبل بداية هذا المشروع، وما كان متاحاً حينها من الخيارات أمام الفاعلين من أبناء حُلمِها البِكر... حلمَ التغيير أعني. من هذا الباب، فإن تاريخ المنطقة يحكي عن مدينة صغيرة في شمال الأطلسي لا إمكانيات فيها كي تصنع بها مستقبلها التنموي ولا أملَ يلوح في الأفق لخلق دينامية تغيير تقفز بالمنطقة من واقع معاش إلى آخر تنتظره ساكنة الشمال، لا سيما في تلك الفترة الخاصة من التاريخ المغربي الحديث. لقد انطلق الرعيل الأول لهاته المدينة إذن من هامشٍ صغير أسمَوهُ الفكرة، جعلواْ فيه الثقافة شمعة تضيء عتمة الدرب وكهف الأمنيات، ومنذ أول خطوة... منذ أول همسة في أذن المستقبل كان جليّاً بأن هذا الرعيل الصادق نجح بالفعل في الإمساك بخيط الإبرة الذي يصنع المعجزات الجميلة، تلك التي قد لا تدوم دائماً... لقد كان محض خيط رقيق بألوان زاهية من لوحة الشمس وحبر اليقين، خيطٌ انطلقت منه «أصيلة» بمشروعها الثقافي الواعد نحو ساحات العالم.
إن انطلاقة الموسم الثقافي لـ«أصيلة» قبل أكثر من أربعين سنة (عام 1978)، كانت في حد ذاتها قفزة سابقة لأوانها بقياس المنطق والمعقول، فقد جعلت بجرأة لا حدود لروعتها ذلك المكون الثقافي المهمش شيئاً مركزياً يمكن الاعتماد عليه من أجل خلق جملة من الامتيازات الجميلة والمختلفة في سياق صعب ووسط مجال جغرافي بسيط ومحدود. من هنا كان الإيمان بالثقافة وسط شحوب المعطيات أمراً ضرورياً كي يتسنى لمشروع «أصيلة» الثقافي أن يكون حقاً ورشاً كبيراً تنتقل به المدينة من واقع محلي معزول إلى أفق دولي بعيدِ الأفق وعميق الرؤية.
وهكذا بعد عقود وسنوات، وبفضل ذلك الرعيل الأول وبفضل من آمن بهذا الحلم من صفوة الخيّرين... أصبح للمغرب لا لـ«أصيلة» فقط نافذة حوار فكري يطل منها على سماء العالم الفسيح بكثير من الحرية والتحضر وبكثير من الحلم والأمل... إنه مشروع حمل اسم المغرب إلى ساحة الأمم كإحدى الوجهات المميزة للحوار والنقاش الحضاري والتبادل الثقافي والفكري الواسع بين النخب العربية، خصوصاً وبين عقول الدول المختلفة حول قضايا العالم والمنطقة... لذلك ربما كان الملك الراحل الحسن الثاني يرى فيه مشروعاً سيجعل من أصيلة «هايد بارك» جديدة بخصوصية مغربية متفردة.
لسنا اليوم بصدد التعريف بموسم أصيلة أو تقديم شكل جديد من أشكال الترويج والدعاية لمحتواه السابق واللاحق، بل ما يهمنا هو أن نقف على باب الأفكار المميزة محتفيين بها ومتسائلين في نفس الوقت - وبكل تجرّد - عن واقع الحال حاضراً ومستقبلاً في ظل هذا الانكماش الثقافي الحاد الذي بات يحدق بالمغرب وبالمنطقة من حوله، وفي ظل تصاعد الألوان الداكنة... تلك التي ترى الأشياء من زاوية واحدة وبمنظور نمطي.
أين مشروع أصيلة إذن مما يجري اليوم في المنطقة العربية؟ لماذا يظل صوت المدنية والتحضر خافتاً إلى هذا الحد رغم كل الجهود؟ ولماذا يا ترى لم تولد مواسم أخرى مشابهة لهذا الأفق الحر في المغرب، خصوصاً وفي محيطه العام؟ لقد حدّثنا التاريخ في صفحاته المعاصرة على الأقل عن أن المغرب ظل على اختلاف الظروف والمتغيرات سقفاً عالياً للاعتدال والتسامح بعيداً عن الانفعالية وبعيداً عن التشرذم... فلماذا يا ترى انحصرت مياه المظاهرات ذات الزخم الثقافي رغم تزايد الأنشطة المدرجة ضمن خانة الترفيه والإشعاع رسمياً ومدنياً... لماذا بقيت «أصيلة» دون أخواتها في الحلم...؟ لماذا لم تولد أخوات «أصيلة» إذن ولماذا غاب الحلم؟
في الواقع، يصعب علينا أن نسمي الكثير من الأشياء بأسمائها المباشرة، خشية خدش زجاج المجاز بما لا يستقيم قوله في هذا المقام، لكن تغليب البهرجة وألوان النشاز على حساب الثقافة الهادفة والحوار المتزن هو تكريسٌ فعلي للجمود والتراجع ووأدٌ خفي لحلم الإقلاع ولدينامية الفعل المتحضر في ظل معطيات أكدت وتؤكد باستمرار أنه لا تنمية من دون معرفة ولا مشروع معرفي بمعزل عن الثقافة وحوار الأفكار، لهذا كان الاقتصادي العالمي أمارتيا سن يقول دائماً: «إن التنمية حُرّية قبل أن تكون أي شيء آخر».
إن الثقافة ليست ترفاً أبداً ولا يمكن لها أن تكون كذلك، ففي مراحل الثورة الصناعية الأولى في العالم كانت شواهد الأدب تخبرنا عن تلك النظرة الدونية التي كان يُنظر بها لأهل الفنون وللكتاب خصوصاً... كان ذلك في سياق عالم ميكانيكي انبهر بالآلة ممعناً في عبادة إنتاجها المادي حتى توهّم لبرهة من الزمن بأنه قد أحكم قبضته من خلالها على كل مفاتيح الحضارة، لكن مراحل أخرى متواترة من صفحات الزمن قد فنّدت هذا الطرح القاصر وفنّدت معه الثقافة والأدب وسائر فنون الإنسان أركانَ تلك النظرية الإطلاقية الداكنة، منتصرة لنسبية الإنسان التي تؤمن بأنّ حدود الحضارة هي نفسها حدود العقل البشري... من هنا كانت الآلة نتاجاً من أشياء كثيرة جاد بها العقل البشري ليظل المحرّك الأساسي لهذا العقل الخّلاق المبتكِر هو الإبداع... وإلى اليوم، ما يزال هذا الإبداع في تعبيره الحر هو جوهر الفعل التنموي والإنتاجي وما تزال الثقافة هي المرآة التي يرى فيها العقل رؤاه وأفكاره وتنظر من خلالها الأمم الحيّة إلى ملامح حضارتها وإقلاعها... استحضر هذه الأشياء كلها وأنا أستغرب من سطوة هذا الجزر الثقافي والفكري الذي تشهده بلداننا العربية ويشهده المغرب بالذات، وأقف مندهشاً أمام عبقرية من فكّر بموسم «أصيلة» كطوق نجاة للمدينة في تلك الفترة المبكّرة، إنها نبوءة لا حدود لشجاعتها.
من يزور «أصيلة»، قد لا يفهم كيف تحمل هذه المدينة بيدها الصغيرة مشعل الثقافة والفكر بتراكماته الكونية، وكيف أنها نجحت في ذلك وأورثت عمقها الجغرافي إشعاعَ الفن ونور الفكرة... بين أزقّتها النظيفة تبتسم أجيال من القراء والكتاب والفنانين، وفي ساحاتها التي حملت أسماء مبدعي أفريقيا والعالم العربي وفي حدائقها التي لم تهجرها طيور الأدب... يرقص الإبداع رقصة فالس أنيقة على إيقاعٍ من نور، فعند أول زهرة تصادفها في حديقة الطيب صالح التي صلى فيها الروائي السوداني الفذ صلاة عيد الأضحى عام 1981 مبتهلاً للجمال، ستقرأ لا محالة سطوراً من تلك المواسم التي رسمت فصول هجرته للشمال، وعند ذلك النُّصب المهيب في حديقة محمود درويش ستشم برفق رائحة الطفولة التي ظل الشاعر العظيم يكرسها في روح قصائده الخالدة خلُودَ الشعر وخلودَ فلسطين وخلود ذكراه في «أصيلة» منذ زيارته الأولى لها عام 1979. ويمرُّ بنا طيف الذكريات سريعاً ليأخذنا صوب نُصب الشاعر الكونغولي تشيكايا أوتامسي الذي خلّد في روحه وشعره حبّاً منقطع النظير لهذه المدينة الحُلُم «هي مدينة... الفنُّ سيدُ مصيرها، وسيّدُ شارعها»... قال تشيكايا أوتامسي ثم أدركه الرحيل فرثاه يومها شاعر العراق بلند الحيدري بقصيدة عارمة الروح لم تغب عنها «أصيلة»... وفي «أصيلة» نصبٌ خلّد ذكرى الشاعر العراقي الكبير بلند في قلب حديقة من الورد... وسط هذه الحدائق التي تعانق بعضها بعضاً كان لأبناء الدار نصيبهم من باقاتِ العرفان... حديقتان من نور واحدة لعرّاب الفكر محمد عابد الجابري والأخرى لشاعر من شعراء المدينة هو أحمد عبد السلام البقالي... فما أجمل «أصيلة» وهي تغدو حدائق من ربيع الرؤى التي لا تعِدُ سوى بالفجر ولا تلد سوى الشمس... وها هو عنقودها الذهبي الخامس قد بدأ، ستظل «أصيلة» إذن تعلّمنا حكمة الشمس في كل صيفٍ من عيدها السنوي البهيج، كي نؤمن مثلها بالنور والرؤى والشمس وكي لا نكفر بالثقافة مهما كانت الظروف.
-كاتب وشاعر مغربي



أفضل قصائد الشعر الأميركي لعام 2025

أفضل قصائد الشعر الأميركي لعام 2025
TT

أفضل قصائد الشعر الأميركي لعام 2025

أفضل قصائد الشعر الأميركي لعام 2025

بعد أن انغمستُ في قراءة مجلدات «أفضل قصائد الشعر الأميركي» في وقت سابق من العام الجاري، تعهدت بألا أبدأ أبداً أياً من مقالاتي بالتساؤل عن معنى كلمة «الأفضل»، وهي كلمة أزعجت محرري تلك السلسلة أكثر بكثير من كلمتي «أميركي» أو «شعر». كنت أرغب في الابتعاد عن ذلك أيضاً، ما أسمته لويز غلوك «استبداد صناعة الذوق». أنا أكتب هذه القوائم لصحيفة «التايمز» منذ خمس سنوات الآن؛ وأنا على ثقة من أن قرائي يعرفون أن كل ما تعنيه كلمة «الأفضل» في عالم الفنون هو ما تحبه فئة بعينها من الناس.

قصيدة «إنقاذ» هيدجي تشوي

بعض القصائد التي أثَّرت فيَّ بشدة هذا العام تعكس قسوة معينة. خذ على سبيل المثال الأسطر الأولى من قصيدة تشوي «الهلع»: «أعلم أن الآخرين حقيقيون، لا تُذكرني بذلك». أنا نفسي نطقت عبارة «الآخرون حقيقيون»، لذا شعرت أنها بمنزلة مواجهة مباشرة معهم. وضحكت بصوت مرتفع مرات عدة في أثناء قراءة قصيدة «إنقاذ»، أول عمل لتشوي، وهو عمل مفعم بالحقد والسخرية القاسية -بل ربما هو أقرب إلى الوحشية!

ينمُّ صوت تشوي عن ثقة الشباب المتحدية، التي نحتاج جميعاً إلى التعرض لها. القصائد مسيئة بعض الشيء («ألا يمكن أن تكون، مثل مملكة السماء، فالصور/ للخاسرين والمختلين؟») بطريقة جذابة للغاية، مثل جدال يُغير رأيك بالفعل. «هل من المهم معرفة الحقائق؟»، تسأل قصيدة «مراحل»؛ «لأنني بدأت أعتقد/ ربما لا». لا يمكن للقصائد أن تؤذيني إلا قليلاً، ويمكن أن تبدو قسوتها حقيقية للغاية: «في النهاية/ أنا/ شخص جاد للغاية/ لكننا لم نصل إلى النهاية بعد».

«أعرف بعض الأشياء» لريتشارد سايكن

كان هذا كتاباً آخر منحني متعة شبه مازوخية. في خروج رسمي عن مجموعة سايكن بعنوان «صراع الثعالب» (2015)، ومجموعته الأولى المؤثرة بعنوان «انكسار» (2005)، تأتي هذه القصائد في صورة نثرية. كُتبت جميع القصائد الـ77 (والرقم تكريم، على ما أعتقد، لمؤلفة بيريمان «أغاني الحلم 77») بعد إصابة سايكن بالسكتة الدماغية وخلالها، وتُشكل في حد ذاتها سيرة ذاتية موجزة: «إنها نافذة صغيرة، تلك الفترة الزمنية التي نستطيع فيها أن نقول ما نعرفه».

هذا عمل قاسٍ، ومخيف أحياناً في تعامله مع الشيخوخة والموت -الحياة بوصفها ضرراً- والصراع من أجل استعادة الجسد والعقل والذات بعد الأزمة. كما يستجوب سايكن أيضاً مفهوم الذاتية بوصفها مشروعاً طويلاً، وطريقة للدفاع، وفعلاً من أفعال المخاتلة: «قلت كذبة وتحولت إلى حقيقة». تَظهر كلمة «يحدث» كعبارة مخفَّفة مخيفة؛ ما يحدث قد يحطم حياتك: «كان من الواضح أن شيئاً ما قد حدث ولن يتراجع» («الرصيف»). «أنا أنتظر أن يخبرني أن هذا لن يحدث مرة أخرى. إنه لا يقول ذلك» («خريطة حرارية»). «عليك أن تكون حذراً، فالأشياء ترغب أن تحدث» («غابة ديفون»).

قد يكون هذا الكتاب قاتماً، ولكنه ساحر أيضاً («تحت السرير الأرضية، ثم الأرض، ثم الجانب الآخر والنجوم. سقطت في كل الاتجاهات») ومضحك بطريقة غريبة -ضحكة من مقطع واحد في وجه الشيطان، يكتب قائلاً: «إذا كان في ذلك أي عزاء، فلن أسامحك أبداً».

قصيدة «رحمة الدم» لآي. إس. جونز

تُعيد هذه القصائد في هذا العمل الأول المثير للإعجاب، تفسير قصة قابيل وهابيل على أنهما أختان، وهي تتمتع بقوة الأسطورة المخيفة والعنيفة والموسيقية. «معظم الألم منعدم الفائدة»، كما تكتب جونز في القصيدة الافتتاحية، «لكنه أقدم أغنية للجسد». تشكل هذه القصائد سلسلة من التفاعل المستمر مع فكرة القوة -القوة التي نستسلم لها والقوة التي نطالب بها- وتجسد نوعاً من الفضاء الهجين الحقيقي والرمزي، والحاضر والأبديّ في آن واحد.

تكتب جونز في قصيدة «قابيل»: «كنتُ أسطورة ذات يوم، وأنا الآن فتاة». وفي قصيدة «حواء ليليث» تكتب: «يكسر/ السماء فوق جمجمتي ويُظلم العالم. أختي، يستمر الأمر هكذا/ .../ الأيام لا تُعدّ».

يتحقق تماسك مذهل بصفة جزئية من خلال تكرار رمزيات الدم والشفرات والماعز القربانية والشمس: «أنا الفأس التي تحلم بشق طريقها عبر حلق آدم». وفي قصيدة «تاريخ موجز للعالم حسب الماعز»، تكتب جونز: «يولد الماعز برؤية بانورامية ليرى الموت/ الماعز يخطط للحرب مثل أي حيوان آخر/ هذه قصيدة عن التعفن». وفي النهاية الرائعة لقصيدة «قطعة موسيقية حالمة»: «تجسيد حُلم معاناتي/ الشمس تجر جسدها مقطوعة الرأس عبر السماء كنصب تذكاري/ للحرب».

قصيدة «غزة: القصيدة قالت ما لديها» لناصر رباح

يعلق مترجمو كتاب «غزة»، الذي يضم مختارات من قصائد الشاعر الفلسطيني ناصر رباح، في خاتمة الكتاب على الصعوبات التي واجهتهم في نقل هذه القصائد إلى الإنجليزية الأميركية، التي تلعب دوراً في تمكين الكثير من التشويهات في طريقة تصوير فلسطين على الساحة العالمية. وسعى المترجمون إلى تجنب «الإفراط في الترجمة»، مُفسحين النطاق لقَدرٍ من الغرابة و«الغموض وحتى عدم الفهم». أدى ذلك إلى ظهور سطور تُسبب أحياناً ارتباكاً نحوياً، غير أن الاغتراب والغرابة أمران مألوفان في هذه المناطق السريالية الشبيهة بالأحلام، حيث يتصادم الرعب والدمار مع الجمال والموسيقى والجنس، وحيث تتعايش الروتينية اليومية والملل مع الجنون واللا معقول.

وفي حين أن الصوت قد لا يُترجم دائماً، فإن الصورة تُترجَم، وأعمال رباح مليئة بالصور التي لا تُنسى: «أنا لست جندياً، لكن/ في أثناء الحرب أرى نفسي شرفة معلَّقة في السماء/ بعد أن هدموا المبنى... أنا لست جندياً، لكنني أرى نفسي في أثناء الحرب أرتِّب/ مشهد الموت الأخير، لإرضاء الأحياء بموتي». في القصيدة الطويلة «ما لم أقله لنفسي»، يكتب رباح: «كن مملاً... كن توم هانكس وقل: يا إلهي! كل شيء رائع يا رفاق. كن أي شيء، فقط لوِّح لموتك الجميل في المرآة»، و«لمرة واحدة، كن برتقالياً يا بحر، وأنتِ يا سماء، أمطري لمرة واحدة في اتجاهك».

قصيدة «ابنة المينوتور» لإيفا لوكا

أحياناً بعد سطر أو سطرين فقط تعرف أن الشاعر يتحدث إليك -كما لو أن الحساسية تتبدى في أصغر الكلمات. كانت هذه تجربتي مع لوكا وقصيدة «ابنة المينوتور»، المترجَمة عن السلوفاكية بواسطة جيمس ساذرلاند-سميث. أحب هذه القصائد السحرية عن الأماكن الحدودية والمخلوقات الهجينة، والرجال-الوحوش والأسماك-الطيور والكائنات الحية-الميتة: «مكسوة-مكشوفة/ في فمها تبكي وتغني/ تعود إلى أسفل المنحدر/ إلى المنزل الذي ليس منزلاً»، تكتب لوكا في قصيدة «الأخت البرية». «لا ماشية على الأقدام ولا راكبة في عربة/ على كتفها بومة، في يدها/ تفاحة، في تفاحتها/ حب، في حبها/ سُمّ».

انجذبتُ بصورة خاصة إلى سلسلة القصائد المستوحاة من لوحات ليونورا كارينغتون، مثل «لوحة السيدة بارتردج الراحلة» (هذه المرأة تبدو كأنها تجسيد للبرق) و«دجاجة أختي غير الشقيقة»: «لكن الآن هو أوان التمرد. الدجاجة تكشر عن أنيابها/ .../ انتظري فقط، تقول الدجاجة/ يوماً ما ستقيَّدين في طوق، كما يحدث بين المالكين/ والمملوكين... يوماً ما سنتبادل الأدوار». هذا كتاب ينبض بظلامية حكايات القصص الخيالية القديمة.

قصيدة «نوبات غضب في الهواء» لإميلي سكيلينغز

بناءً على مجموعتها الثانية، «نوبات غضب في الهواء»، أرى أن سكيلينغز زميلة لي في محبة الفراغ -نحن الذين نحب أن نجمل الفراغ. عن «زهرة الجزرة، أو دانتيل الملكة آن»، تكتب سكيلينغز في إحدى قصائدها: «أحبها عندما تكون كبيرة/ وبيضاء مثل صحن خزفي/ النقطة في المنتصف/ إيماءة صغيرة للتركيز/ رشفة من الظلام، ثقب/ ينزلق فيه كل/ تطريز السماء».

تُذكرنا قصائد سكيلينغز بمدرسة «غورلسك» (مصطلح أرييل غرينبرغ للإشارة إلى «دمج النسوية للغريب والقاسي مع البراق والحالم»)، قصائد سكيلينغز تبدو أشبه ما تكون بمسرح عبثي في بيت دمى مسكون. فكرة استعارتها من إيلين مايلز -أن الشعراء ليسوا أذكياء، بل «شيء آخر»- تتكرر طوال القصائد في شكل إصرار على نوع من الذكاء الخارجي، سبيل سلبي: «نصف تفكير، نصف لا شيء».

القصيدة الأخيرة آسرة، بسطورها الطويلة لدرجة أنها مطبوعة بشكل أفقي: «أوه، لقد لاحظت الفئران، لا تهتم بها/... / بدأت أعتقد أنها توسِّع الفجوات بين الأشياء: الكلمات، الأيام/.../ هذه مجرد غرفة واحدة في مؤامرة واسعة من الفضاء».

* تشمل مجموعات إليسا غابرت الشعرية والقصصية، في الآونة الأخيرة، «المسافة الطبيعية»، و«أي شخص هو النفس الوحيدة». تُنشر مقالاتها في دورية «حول الشعر» أربع مرات في السنة.

* خدمة: «نيويورك تايمز»


شهادات من نزلاء سجون الأسدين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

شهادات من نزلاء سجون الأسدين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

عن دار كنعان للنشر (دمشق - 2026) صدر كتاب «صيدنايا... من مدونة سجون الأسد - شهادات». وتكشف الشهادات مدى العنف والقسوة وانتهاك حقوق الإنسان في زمن نظام الأسد، الأب والابن...، على لسان بعض من عاش تلك التجربة، أي تجربة السجن السوري، سواء كان سجن صيدنايا أو غيره، «أولاً، للتذكُّر، لأن التذكُّر هو دليل عافية، وخطوة أولى للاعتراف بحق هؤلاء الذي اختبروا تلك التجربة الفظيعة، وكمساهمة في التأسيس للعدالة الانتقالية، وأيضاً التذكُّر للحؤول دون تكرار هذه التجربة الرهيبة».

وتضمن الكتاب شهادات لكل من: أميرة حويجة، وحسيبة عبد الرحمن، وعزة أبو ربعية، وأنور بدر، وبدر زكريا، ومحمد إبراهيم، ومحمد برّو، وكريم عكّاري، وعلي الكردي، ونصار يحيى، ومحمود عيسى، وبسام جوهر، وجورج ميخائيل، وحسام الدين كردية، الذين اختبروا سجون الأسد وعانوا أهوالها... وكذلك مساهمتين عن طبيعة سجن صيدنايا كتبهما: مي بركات، وبلال بيلغيلي...جاء في مقدمة الكتاب لماجد كيالي:

«السجن السوري يختلف عن أي سجن في العالم، إذ إن سجون نظام الأسد لا تنتزع من الإنسان حريته، وحقوقه القانونية، وخصوصيته الفردية، وكرامته، وأدميته، فقط، وإنما هو سجن يفقد فيه المعتقل ذاته وروحه، وحتى أحاسيسه. لا يقتصر الأمر على التعذيب المباشر، فالعيش في السجن هو بحدّ ذاته عذاب، ومعاناة لا يمكن تخيّلها، فكيف إذا كان هذا السجن مثل سجن صيدنايا، أو تدمر، أو قبو لجهاز مخابرات، وكلها أمكنة لا تمتُّ إلى الإنسانية بصلة، إذ هي مجرد لبشر منسيين، أو مقابر أحياء، بل وأكثر قسوة ووحشية من ذلك، فهذه أمكنة جهنمية، بكل معنى الكلمة.

متاهة الموت: 
السجن كهيكل كل شيء فيه حديد، وإسمنت مسلح، ويبدو كمبنى مسخ، أو مسلخ، وهو سُمي أخيراً كذلك. ومنذ البداية تجد نفسك في متاهة أو في سلسلة متوالية من بوابات حديدية، كل واحدة تفضي إلى أخرى، ثم تصل إلى (كريدور)، بنوافذ علوية ضيقة، يضم مهاجع عدة، تُغلق بباب حديدي ضخم، وللمهجع فتحات تهوية على الكريدور، من فوق الباب وتحته. علماً أن السجن محاط بأسوار عدة، وهو ممتد على مساحة كبيرة تضاهي مساحة بلدة كاملة، والمشكلة أن وراء كل جدار واحداً آخر، وثمة مع الجدران، حقول ألغام، وأسلاك شائكة، وحرّاس، بمعنى ألا أحد يستطيع الخلاص من هذا السجن.

أيضاً، في كل واحد من هذه المهاجع، كان يعيش عشرات من المعتقلين معاً، فيها يمضون أوقاتهم، وتضيع حياتهم، خارج العالم، وفي عزلة عنه، يعيشون كل نفس منهم، وكل مشاعرهم، جنباً إلى جنب، فهنا ينامون ويقومون ويتحدثون ويأكلون، ويمشون، ويقضون حاجاتهم في ركن في الزنزانة، في البرد وفي الحر، وفي اليأس وفي الأمل.

في المهاجع كانت هناك ثياب متناثرة على الأرض، تلك التي كان المعتقلون يرتدونها داخل السجن قبل تحريرهم، وقد تركوها عندما خرجوا، عندما انهار نظام السجن السوري، مع الأسد الفار، كنت أرى كأن كل قطعة ثياب تحكي قصة عن فظائع هذا السجن».

وكانت لوحة الغلاف للفنانة عزة أبو ربعية.


كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو
TT

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً. وحظي الكتاب، الذي يضمّ مذكرات كامو بين عامي 1935 إلى 1942، بمراجعتين بارزتين باللغة الإنجليزية، من كاتبين مختلفين.

جاءت المراجعة الأولى بقلم إيه. جي. ليبينغ، الصحافي في مجلة «نيويوركر». وكان ليبينغ قد ربطته أواصر الصداقة بكامو، عندما زار الكاتب الفرنسي ـ الجزائري أميركا عام 1946. وأُعجب ليبينغ، المولع بالثقافة الفرنسية، بشكل خاص بأعمال كامو خلال الحرب العالمية الثانية، بصفته محرراً لمجلة المقاومة «كومبا». ووصف ليبينغ مذكرات كامو بأنها «ممتعة وعميقة»، و«كتاب يمكن للمرء أن يعود إليه، في أي صفحة تقريباً، وهو على يقين من أنه سيشعر بمتعة».

أما المراجعة الثانية، فجاءت بقلم سوزان سونتاغ، في دورية «نيويورك ريفيو أوف بوكس». استهلت سونتاغ مراجعتها بعبارة مثيرة للجدل: «الكتاب العظماء إما أزواجاً أو عشاقاً». وكان كامو، بفضل هدوئه وعقلانيته الظاهرية، كما أشارت سونتاغ، «الزوج المثالي بين الأدباء المعاصرين». (لم يكن بمقدور سونتاغ معرفة هذا على وجه اليقين، فحسب سيرته الذاتية اللاحقة، فإنه خان زوجتيه مراراً، الممثلة سيمون هييه وعازفة البيانو فرانسين فور).

أما بقية مراجعة سونتاغ، فحملت نقداً لاذعاً لكامو بصفته روائياً وفيلسوفاً. وكتبت سونتاغ: «هل كان كامو مفكراً ذا شأن؟» «الجواب: لا». وبعد ذلك، كالت مزيداً من الانتقادات اللاذعة إلى كتاب «الدفاتر الكاملة» نفسه، واصفةً إياه بالسطحية وافتقاره إلى الطابع الشخصي و«غير الجيد».

ظهرت مجلدات أخرى من دفاتر ملاحظات كامو على مرّ السنين، وجُمعت كاملةً للمرة الأولى في كتاب «الدفاتر الكاملة». عندما أمسكت بالكتاب، كانت أصوات ليبينغ وسونتاغ المتضاربة تتردد في ذهني. وبعد أن أنهيت قراءة صفحاته التي تقارب 700 صفحة، فوجئت بأنني، وأنا من أشدّ المعجبين بليبينغ، أميل إلى سونتاغ وأتفق معها.

ولكن ينبغي الخلط بين دفاتر كامو، التي امتدت من عام 1935 إلى 1959، وبين اليوميات، فهي تكاد تخلو تماماً من أي شيء يخص أصدقائه أو عائلته، أو تجاربه خلال الحرب، أو الكثير عن حياته الشخصية. بوجه عام، فقد كان كامو رجلاً شديد الخصوصية، ينفر من النميمة والاعترافات.

في الواقع، عندما نال جائزة نوبل في الأدب عام 1957، في الـ44 من عمره، وكان أحد أصغر الكتاب الذين حصلوا عليها، كتب في دفتر ملاحظاته: «خائف مما يحدث لي، مما لم أطلبه». وذكر أنه كان يعاني من نوبات هلع. وبعد بضعة أيام كتب: «لا تتحدث أبداً عن عملك» و«أولئك الذين لديهم حقاً ما يقولونه لا يتحدثون عنه أبداً».

تحتوي هذه المذكرات على ملاحظات فلسفية لرواياته المنشورة خلال حياته -«الغريب»، و«الطاعون»، و«السقوط». كتب تُعدّ استكشافات فريدة من نوعها، وهي لا تقتصر على عبثية الوجود فحسب، بل تتناول كذلك العزلة والشعور بالذنب والخلاص والصمود. وقد رُويت هذه الملاحظات بوضوح وعمق مؤثر.

مثل كثير من القراء، عدتُ إلى رواية «الطاعون» (عنوانها بالفرنسية «La Peste» أكثر رعباً وضوحاً) خلال جائحة كوفيد-19، فوجدتُ فيها بعضاً من العقلانية المرتبطة بالحياة الزوجية، التي وصفتها سونتاغ. على سبيل المثال، ينفي طبيب يعمل بشجاعة ودأب في البلدة الجزائرية التي تفشَّى فيها الطاعون، عن نفسه صفة البطولة. وقال بكلمات تعكس كذلك لحظة من تلك التي عشناها عام 2020: «الأمر برمته لا يتعلق بالبطولة. قد يبدو الأمر فكرة سخيفة، لكن السبيل الوحيد لمكافحة الطاعون هو التحلي بالأخلاق».

علاوة على ذلك، تحتوي دفاتر كامو على مقتطفات من قراءاته المتعمقة، لأعمال كتّابٍ من أمثال ميلتون وغوته إلى فوكنر وروزا لوكسمبورغ -اقتباسات تُشكّل دفتراً شخصياً للملاحظات. كان كامو في حالة بحث دائم عن جوهر الأشياء، وعاش في عالمه الداخلي أكثر من معظم الناس. وما يبرز بشكل خاص إحساسه بالرسالة الأدبية، فقد كان يُحفّز نفسه باستمرار. ومن بين المقولات النموذجية المعبرة عنه: «انعزل تماماً واركض في طريقك الخاص».

وتبدو هذه الدفاتر، في هذه الترجمة لريان بلوم، كثيفةً وتحمل منظوراً داخلياً، ولا يُفترض أنها مُعدّة للنشر العام. (مع أنه حرّر الدفاتر الأولى، فإنه من غير الواضح موقفه من نشر كل شيء دفعةً واحدة). إنها ليست مناسبةً للقارئ العادي.

مع ذلك، فقد سُرّ هذا القارئ العادي بالاطلاع عليها، حتى وإن كان البحث عن الأجزاء الأكثر وضوحاً وإثارةً للاهتمام أشبه بالتنقيب عن الذهب. ومن بعض أشهر ما ورد هنا، سرد لرحلات كامو في الولايات المتحدة عام 1946 وفي أميركا اللاتينية عام 1949، سبق نشره في كتب أخرى، أولها بعنوان «يوميات أميركية» (1987)، ثم في ترجمة جديدة بعنوان «رحلات في الأميركتين» (2023).

ثمة مواد أخرى جديرة بالثناء هنا. من حين لآخر، كان كامو يعلق بين الحين والآخر على منتقديه، فكتب عام 1942: «ثلاث سنوات لكتابة كتاب، وخمسة أسطر للسخرية منه - مع اقتباسات غير دقيقة». وكتب في وقت لاحق: «الحقد هو الصناعة الوحيدة في فرنسا التي لا تعاني من البطالة». أما عن السياسة، فقد قرر: «أُفضّل الأشخاص الملتزمين على الأدب الملتزم».

وجاءت بعض التعليقات ساخرة ومضحكة. مثلاً، كتب عام 1949: «أتساءل دائماً: لماذا أجذب النخبة الاجتماعية. كل تلك القبعات؟!».

أما البعض الآخر من الملاحظات فيُثير مشاعر جيّاشة: «متعة بناء روابط بين الرجال. متعة خفية تتمثل في إشعال سيجارة أو طلبها -نوع من التواطؤ، أشبه بجماعة سرّية حول السيجارة». كان كامو يبدو أكثر أناقةً وهو يدخن سيجارة من معظم رجال عصره. إلا أنه بسبب إصابته بمرض السل -خصوصاً أن الشعور بالمرض موضوع متكرر في هذه الدفاتر- كان من المفترض ألا يدخن على الإطلاق.

وتتجلى روح كامو المرتبطة بنشأته في إقليم حوض البحر المتوسط، خصوصاً في حبه للسباحة والشمس. كان يحب السفر، لكنه لم يكن يُحب الترف المُبهرج. وكتب في إحدى مذكراته المبكرة: «الخوف هو ما يجعل السفر ذا قيمة» -ينبغي أن يكون «تجربة زاهدة». كما كان يزدري المطاعم الفاخرة في الغالب، مشيداً بمدينة وهران الجزائرية، بوصفها مكاناً «لا يزال بإمكانك فيه العثور على مقاهٍ استثنائية ذات طاولات مطلية بطلاء مُتسخ، مُغطاة بأجزاء ذباب: ساق، جناح، حيث تُقدَّم لك المشروبات في أكواب مُتشققة».

وتشبه دفاتر كامو إلى حد ما تلك الطاولات. لم يتبقَّ لنا سوى الأغصان والبذور، كما كان يقول مدمنو الحشيش -أو كما فعل جيمس فنتون في قصيدته الرائعة التي تحمل نفس العنوان. إلا أنه حتى وإن كانت هذه الدفاتر فوضوية بعض الشيء، ثمة فكرة صادقة تظهر. وكتب كامو، بينما كان في الرابعة والعشرين، في إحدى أمسيات الربيع: «هناك أيام يكذب فيها العالم، وأيام أخرى يقول فيها الحقيقة».

* خدمة: «نيويورك تايمز»