موسِمُ «أصيلة»... العنقود الخامس قد بدأ!

الثقافة ليست ترفاً أبداً ولا يمكن لها أن تكون كذلك

جانب من جداريات «أصيلة»
جانب من جداريات «أصيلة»
TT

موسِمُ «أصيلة»... العنقود الخامس قد بدأ!

جانب من جداريات «أصيلة»
جانب من جداريات «أصيلة»

لا أحد اليوم في عالم الثقافة الفسيح، لا يعرف منتدى أصيلة الثقافي... هذا الذي بلغ في هذه السنة ربيعه الواحد والأربعين. إنها رحلة طويلة من العطاء الجزل والإيمان الراسخ جسّدت على أرض الواقع مُنجزاً ثقافياً قلّ أن تعرف له البلاد العربية نظيراً من النجاح... والعجيب في ذلك كله هو أنه انبعث كطائر وحي من رحم مدينة صغيرة هامسة في شمال المغرب تُسمّى أصيلة، وهي كذلك فعلاً... «أصيلة».
لقد شكّلت هذه المدينة بمشروعها المتّقد منذ أربعين سنة، جسراً من حدائق الضوء ونبعاً لم يجفّ من الإبداع الممطر والأدب الشفيف والثقافة الممتدة فوق أفق من التاريخ يجمع بين محيط الأطلس وخليج العرب، منفتحاً في الوقت ذاته على آفاق العالم ومساحات وعيهِ الشاسعة... ولم يكن هذا التجسيد البليغ للاحتفاء بالثقافة من محض الصدف التي تؤلّفها الأقدار عادة دون أن يكون للبشر نصيبهم من هوامش الفكرة، بل أثبتَت التفاصيل مرّة أخرى - وهي كثيرة - أن كل انتصار للثقافة، لا سيما في هذا الزمن العربي الصعب وراءَهُ بالضرورة قلبٌ آمن بالثقافة وانتصر لها فاعلاً وراعياً، أو مثقفاً بالأحرى.
لقد أسهم نجاح منتدى أصيلة ببعده العربي والعالمي في دعم ذلك الفعل الثقافي الذي ظلّ يبحث عن نفسه في المغرب منذ سنوات، وشكلت هذه التجربة عاملاً مساعداً على ترسيخ مفهوم جديد للتنمية اعتمد في الأساس على المجهود الثقافي كلبنة أولى لخلق التنمية الشاملة، والتي يكون محورها الرئيسي هو العنصر البشري الفاعل، وهو أيضاً أول المعنيين بقطف ثمارها الحضارية اليانعة.
إنّنا لا نتحدث عن أفق نظري تغلّفه المشاعر الحالمة والعواطف التي تُغلّب دوماً مصلحة الفكرة وتغضّ الطرف عن سياق تنفيذها، فالواقع هو الذي يرافع اليوم بمعطياته الكثيرة عن هذا الطّرح، وهو الذي يُعوَّل عليه في إعطاء صورة شاملة عن هذا المشروع الذي نجح في نفي تُهمة الترّف عن العنصر الثقافي باعتباره مكوناً تكميلياً لا طائل منه، بل منح له شهادة النجاعة العليا في ورش البناء والتحديث والإقلاع، وكلها بالطبع أبعاد يسعى المغرب كغيره من بلدان العالم إلى بلوغ اليسير أو الوفير منها في طريقه نحو التغيير، من هذا المنطلق شكلت «أصيلة» مثالاً حياً لمعنى الانتصار للثقافة والانتصار بها في نفس الوقت.
وإذا كانَ استعراضُ المنجز الثقافي في «أصيلة» ينطلق من معطيات الرّاهن الكثيرة وأرقامها التي تدعو إلى الفخر، فإن الانطلاقة نفسها يُفترَض أن تبدأ بنا من الواقع الأول، أعني به ما كانت عليه «أصيلة» قبل بداية هذا المشروع، وما كان متاحاً حينها من الخيارات أمام الفاعلين من أبناء حُلمِها البِكر... حلمَ التغيير أعني. من هذا الباب، فإن تاريخ المنطقة يحكي عن مدينة صغيرة في شمال الأطلسي لا إمكانيات فيها كي تصنع بها مستقبلها التنموي ولا أملَ يلوح في الأفق لخلق دينامية تغيير تقفز بالمنطقة من واقع معاش إلى آخر تنتظره ساكنة الشمال، لا سيما في تلك الفترة الخاصة من التاريخ المغربي الحديث. لقد انطلق الرعيل الأول لهاته المدينة إذن من هامشٍ صغير أسمَوهُ الفكرة، جعلواْ فيه الثقافة شمعة تضيء عتمة الدرب وكهف الأمنيات، ومنذ أول خطوة... منذ أول همسة في أذن المستقبل كان جليّاً بأن هذا الرعيل الصادق نجح بالفعل في الإمساك بخيط الإبرة الذي يصنع المعجزات الجميلة، تلك التي قد لا تدوم دائماً... لقد كان محض خيط رقيق بألوان زاهية من لوحة الشمس وحبر اليقين، خيطٌ انطلقت منه «أصيلة» بمشروعها الثقافي الواعد نحو ساحات العالم.
إن انطلاقة الموسم الثقافي لـ«أصيلة» قبل أكثر من أربعين سنة (عام 1978)، كانت في حد ذاتها قفزة سابقة لأوانها بقياس المنطق والمعقول، فقد جعلت بجرأة لا حدود لروعتها ذلك المكون الثقافي المهمش شيئاً مركزياً يمكن الاعتماد عليه من أجل خلق جملة من الامتيازات الجميلة والمختلفة في سياق صعب ووسط مجال جغرافي بسيط ومحدود. من هنا كان الإيمان بالثقافة وسط شحوب المعطيات أمراً ضرورياً كي يتسنى لمشروع «أصيلة» الثقافي أن يكون حقاً ورشاً كبيراً تنتقل به المدينة من واقع محلي معزول إلى أفق دولي بعيدِ الأفق وعميق الرؤية.
وهكذا بعد عقود وسنوات، وبفضل ذلك الرعيل الأول وبفضل من آمن بهذا الحلم من صفوة الخيّرين... أصبح للمغرب لا لـ«أصيلة» فقط نافذة حوار فكري يطل منها على سماء العالم الفسيح بكثير من الحرية والتحضر وبكثير من الحلم والأمل... إنه مشروع حمل اسم المغرب إلى ساحة الأمم كإحدى الوجهات المميزة للحوار والنقاش الحضاري والتبادل الثقافي والفكري الواسع بين النخب العربية، خصوصاً وبين عقول الدول المختلفة حول قضايا العالم والمنطقة... لذلك ربما كان الملك الراحل الحسن الثاني يرى فيه مشروعاً سيجعل من أصيلة «هايد بارك» جديدة بخصوصية مغربية متفردة.
لسنا اليوم بصدد التعريف بموسم أصيلة أو تقديم شكل جديد من أشكال الترويج والدعاية لمحتواه السابق واللاحق، بل ما يهمنا هو أن نقف على باب الأفكار المميزة محتفيين بها ومتسائلين في نفس الوقت - وبكل تجرّد - عن واقع الحال حاضراً ومستقبلاً في ظل هذا الانكماش الثقافي الحاد الذي بات يحدق بالمغرب وبالمنطقة من حوله، وفي ظل تصاعد الألوان الداكنة... تلك التي ترى الأشياء من زاوية واحدة وبمنظور نمطي.
أين مشروع أصيلة إذن مما يجري اليوم في المنطقة العربية؟ لماذا يظل صوت المدنية والتحضر خافتاً إلى هذا الحد رغم كل الجهود؟ ولماذا يا ترى لم تولد مواسم أخرى مشابهة لهذا الأفق الحر في المغرب، خصوصاً وفي محيطه العام؟ لقد حدّثنا التاريخ في صفحاته المعاصرة على الأقل عن أن المغرب ظل على اختلاف الظروف والمتغيرات سقفاً عالياً للاعتدال والتسامح بعيداً عن الانفعالية وبعيداً عن التشرذم... فلماذا يا ترى انحصرت مياه المظاهرات ذات الزخم الثقافي رغم تزايد الأنشطة المدرجة ضمن خانة الترفيه والإشعاع رسمياً ومدنياً... لماذا بقيت «أصيلة» دون أخواتها في الحلم...؟ لماذا لم تولد أخوات «أصيلة» إذن ولماذا غاب الحلم؟
في الواقع، يصعب علينا أن نسمي الكثير من الأشياء بأسمائها المباشرة، خشية خدش زجاج المجاز بما لا يستقيم قوله في هذا المقام، لكن تغليب البهرجة وألوان النشاز على حساب الثقافة الهادفة والحوار المتزن هو تكريسٌ فعلي للجمود والتراجع ووأدٌ خفي لحلم الإقلاع ولدينامية الفعل المتحضر في ظل معطيات أكدت وتؤكد باستمرار أنه لا تنمية من دون معرفة ولا مشروع معرفي بمعزل عن الثقافة وحوار الأفكار، لهذا كان الاقتصادي العالمي أمارتيا سن يقول دائماً: «إن التنمية حُرّية قبل أن تكون أي شيء آخر».
إن الثقافة ليست ترفاً أبداً ولا يمكن لها أن تكون كذلك، ففي مراحل الثورة الصناعية الأولى في العالم كانت شواهد الأدب تخبرنا عن تلك النظرة الدونية التي كان يُنظر بها لأهل الفنون وللكتاب خصوصاً... كان ذلك في سياق عالم ميكانيكي انبهر بالآلة ممعناً في عبادة إنتاجها المادي حتى توهّم لبرهة من الزمن بأنه قد أحكم قبضته من خلالها على كل مفاتيح الحضارة، لكن مراحل أخرى متواترة من صفحات الزمن قد فنّدت هذا الطرح القاصر وفنّدت معه الثقافة والأدب وسائر فنون الإنسان أركانَ تلك النظرية الإطلاقية الداكنة، منتصرة لنسبية الإنسان التي تؤمن بأنّ حدود الحضارة هي نفسها حدود العقل البشري... من هنا كانت الآلة نتاجاً من أشياء كثيرة جاد بها العقل البشري ليظل المحرّك الأساسي لهذا العقل الخّلاق المبتكِر هو الإبداع... وإلى اليوم، ما يزال هذا الإبداع في تعبيره الحر هو جوهر الفعل التنموي والإنتاجي وما تزال الثقافة هي المرآة التي يرى فيها العقل رؤاه وأفكاره وتنظر من خلالها الأمم الحيّة إلى ملامح حضارتها وإقلاعها... استحضر هذه الأشياء كلها وأنا أستغرب من سطوة هذا الجزر الثقافي والفكري الذي تشهده بلداننا العربية ويشهده المغرب بالذات، وأقف مندهشاً أمام عبقرية من فكّر بموسم «أصيلة» كطوق نجاة للمدينة في تلك الفترة المبكّرة، إنها نبوءة لا حدود لشجاعتها.
من يزور «أصيلة»، قد لا يفهم كيف تحمل هذه المدينة بيدها الصغيرة مشعل الثقافة والفكر بتراكماته الكونية، وكيف أنها نجحت في ذلك وأورثت عمقها الجغرافي إشعاعَ الفن ونور الفكرة... بين أزقّتها النظيفة تبتسم أجيال من القراء والكتاب والفنانين، وفي ساحاتها التي حملت أسماء مبدعي أفريقيا والعالم العربي وفي حدائقها التي لم تهجرها طيور الأدب... يرقص الإبداع رقصة فالس أنيقة على إيقاعٍ من نور، فعند أول زهرة تصادفها في حديقة الطيب صالح التي صلى فيها الروائي السوداني الفذ صلاة عيد الأضحى عام 1981 مبتهلاً للجمال، ستقرأ لا محالة سطوراً من تلك المواسم التي رسمت فصول هجرته للشمال، وعند ذلك النُّصب المهيب في حديقة محمود درويش ستشم برفق رائحة الطفولة التي ظل الشاعر العظيم يكرسها في روح قصائده الخالدة خلُودَ الشعر وخلودَ فلسطين وخلود ذكراه في «أصيلة» منذ زيارته الأولى لها عام 1979. ويمرُّ بنا طيف الذكريات سريعاً ليأخذنا صوب نُصب الشاعر الكونغولي تشيكايا أوتامسي الذي خلّد في روحه وشعره حبّاً منقطع النظير لهذه المدينة الحُلُم «هي مدينة... الفنُّ سيدُ مصيرها، وسيّدُ شارعها»... قال تشيكايا أوتامسي ثم أدركه الرحيل فرثاه يومها شاعر العراق بلند الحيدري بقصيدة عارمة الروح لم تغب عنها «أصيلة»... وفي «أصيلة» نصبٌ خلّد ذكرى الشاعر العراقي الكبير بلند في قلب حديقة من الورد... وسط هذه الحدائق التي تعانق بعضها بعضاً كان لأبناء الدار نصيبهم من باقاتِ العرفان... حديقتان من نور واحدة لعرّاب الفكر محمد عابد الجابري والأخرى لشاعر من شعراء المدينة هو أحمد عبد السلام البقالي... فما أجمل «أصيلة» وهي تغدو حدائق من ربيع الرؤى التي لا تعِدُ سوى بالفجر ولا تلد سوى الشمس... وها هو عنقودها الذهبي الخامس قد بدأ، ستظل «أصيلة» إذن تعلّمنا حكمة الشمس في كل صيفٍ من عيدها السنوي البهيج، كي نؤمن مثلها بالنور والرؤى والشمس وكي لا نكفر بالثقافة مهما كانت الظروف.
-كاتب وشاعر مغربي



كاتبة كندية تفوز بجائزة نوبل في الأدب لعام 2026

الشاعرة والكاتبة الكندية آن كارسون (أ.ف.ب)
الشاعرة والكاتبة الكندية آن كارسون (أ.ف.ب)
TT

كاتبة كندية تفوز بجائزة نوبل في الأدب لعام 2026

الشاعرة والكاتبة الكندية آن كارسون (أ.ف.ب)
الشاعرة والكاتبة الكندية آن كارسون (أ.ف.ب)

فازت الشاعرة والكاتبة الكندية آن كارسون بجائزة نوبل في الأدب لعام 2026؛ وذلك تقديراً لـ«أعمالها الجريئة والمبتكرة التي خلقت أشكالاً جديدة للأدب المعاصر من خلال حوار مرِح مع التقاليد الكلاسيكية»، وفق ما أعلنت الجهة المانحة للجائزة، يوم الخميس، وفقاً لوكالة «رويترز».

تُمنح الجائزة من قِبل الأكاديمية السويدية، وتبلغ قيمتها 12 مليون كرونة سويدية (1.2 مليون دولار).

وغالباً ما تمزج أعمال كارسون - وهي شاعرة وكاتبة مقالات كندية - بين الشعر والنثر والحوار والترجمة في مزيج يتجاوز التصنيفات الأدبية التقليدية.

وتشتهر كارسون، على نطاق واسع، بترجماتها للأدب اليوناني الكلاسيكي، الذي يترك أثراً كبيراً في أعمالها المتنوعة؛ إذ تتراوح هذه الأعمال بين نصوص الأوبرا (الليبريتو) والنقد الأدبي والروايات الشعرية.

ويتجلى أسلوبها بوضوح في عملها «نورما جين بيكر من طروادة»» (Norma Jeane Baker of Troy)، الصادر عام 2019، وهو عمل أدائي يمزج بين قصتي هيلين الطروادية - كما وردت في مسرحية «هيلين» للكاتب يوريبيديس - ومارلين مونرو.

نُسخ من كُتب آن كارسون الحائزة جائزة نوبل في الأدب لعام 2026 (رويترز)

وبهذا الفوز، تنضم كارسون إلى قائمة من العمالقة الأدبيين حائزي الجائزة، أمثال ألكسندر سولجينتسين وأليس مونرو وإرنست همنغواي؛ وهي جائزة كثيراً ما تثير انقساماً في الآراء بين عشاق الأدب.

وقد واجهت الأكاديمية انتقادات لاذعة لتجاهُلها بعض عمالقة الأدب على مدار المائة وعشرين عاماً الماضية، مثل ليو تولستوي وفيرجينيا وولف وخورخي لويس بورخيس، كما انتُقدت لتجاهلها الكُتاب الأميركيين، رغم منحها الجائزة للمُغني وكاتب الأغاني بوب ديلان في عام 2016، واتُّهمت أيضاً بأن خياراتها تتسم بالغموض الشديد.

في المقابل، يرى المدافعون عن الأكاديمية أنها اختارت أسماءً تحظى بشعبية واسعة، مثل الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز عام 1982، ودوريس ليسينغ عام 2007، مؤكدين أن جزءاً من مهمتها يتمثل في تسليط الضوء على تقاليد أدبية أقل شهرة وتشجيع القراء على توسيع آفاقهم.

وتُمنح جوائز الإنجازات في مجالات الأدب والعلوم والسلام، التي أُسست بموجب وصية رجل الأعمال السويدي ومخترع الديناميت ألفريد نوبل، منذ عام 1901.

وقد فاز بجائزة العام الماضي الكاتب المجري لازلو كراسنـاهوركاي.


من ستفوز بجائزة نوبل للآداب؟

آن كارسون
آن كارسون
TT

من ستفوز بجائزة نوبل للآداب؟

آن كارسون
آن كارسون

من جديد، يعود موسم جوائز نوبل وتعود معه التخمينات حول من يفوز بجائزة نوبل في الآداب لعام 2026؛ إذ حددت الأكاديمية السويدية، كالعادة، يوم الخميس، للإعلان عن اسم الفائز/ أو الفائزة.

ومنذ أيام، والتكهنات تتبارى في الملاحق الثقافية لكبريات الصحف الصادرة في السويد ووسائل الاتصال المرئية والمسموعة، فضلاً عن وسائل التواصل الاجتماعي لتخمين اسم الأديب، أو الأديبة. لكنها تبقى تكهنات فحسب، وإن كانت قوية؛ ذلك لأن شروط نيل الجائزة صارمة فيما يتعلق بكتمان سر الأسماء المرشحة والتي لا يجوز الكشف عنها إلا بعد مرور خمسين عاماً على تأريخ الترشح لها.

لكن المهتمين بهذه الجائزة بإمكانهم استقراء بعض المؤشرات التي ربما تعين على الاستدلال على من سينال هذه الجائزة، ومن هذه المؤشرات اتباع ما يشبه القاعدة التي دأبت الأكاديمية السويدية تبنيها في السنوات العشر الأخيرة، بمنحها بالتناوب بين كاتب وكاتبة، ابتداءً من عام 2017، حيث منحت الأكاديمية السويدية جائزة نوبل للآداب إلى كازوو إيشيغورو، وهو كاتب بريطاني من أصل ياباني. وفي السنة التي تلتها منحت جائزة نوبل في الآداب إلى الكاتبة البولندية أولغا توكارتشوك.

واستمرت الأكاديمية السويدية على هذا التناوب حتى العام الماضي 2025، حيث مُنحت الجائزة إلى الكاتب المجري لاسلو كراسناهوركاي، وبناء على هذه القاعدة فمن المرجح أن تُمنح جائزة نوبل في الآداب لهذا العام إلى كاتبة. الأكاديمية السويدية لا تعيش ضمن حدود دائرتها المغلقة، بل هي في تماس وقراءات متواصلة طوال العام لما يجري على الساحة الثقافية في السويد والعالم، فهناك بعض الكاتبات والكتّاب ممن حصدوا جوائز أخرى قيمة أيضاً، مثل جائزة مان بوكر العالمية، وجائزة غونه الألمانية، وجائزة ستيغ داغرمان السويدية، والتي بإمكانها أن تفتح طريقاً نحو جائزة نوبل.

جوخة الحارثي

 

ووفق لذلك، بإمكاننا القول إن من بين المفترضين لنيل جائزة نوبل للأدب هذا العام، العمانية جوخة الحارثي، التي حصدت جائزة مان بوكر العالمية في عام 2019 عن روايتها «سيدات القمر» (2010): وهي أول كاتبة عربية تنال هذه الجائزة المرموقة. وقد تميزت برصدها المتأني وبلغة سلسة، تحولات المجتمع العُماني عبر أجيال مختلفة. ومن مؤلفاتها الأخرى «منامات» الصادرة في عام 2004، و«نارنجة» (2016)، وهي رواية تستكشف بأسلوب عميق تفاصيل النفس البشرية والذكريات والعلاقات الإنسانية. و«حرير الغزالة» (2021): عمل روائي بارز يتواصل فيه السرد باستكشاف التحولات الاجتماعية والإنسانية. ونيلها الجائزة ليس بالمستبعد.

ومن بين الكاتبات اللواتي فزن بجائزة بوكر ويرجح أن يخطرن على بال الأكاديمية السويدية جيتانجالي شري، وهي كاتبة هندية، تُعدّ من أبرز الأصوات الأدبية المعاصرة في الهند. عُرفت أعمالها بالتجريب اللغوي وجرأتها في السرد وبانشغالها بأسئلة الهوية، والذاكرة، والجسد، والحدود، مع اهتمام خاص بتفكيك السرديات السائدة وإعادة النظر في أشكال الرواية التقليدية.

وهي أول كاتبة هندية تحصل على جائزة «بوكر» الدولية، في عام 2022، وذلك عن روايتها «ضريح الرمل» التي تدور أحداثها في شمال الهند، وتتناول فيها حياة امرأة تبلغ 80 عاماً، تبدأ حياة جديدة غير تقليدية بعد وفاة زوجها.

ويرد أيضاً اسم الكاتبة الهندية الثانية التي فازت ببوكر، العام الماضي، 2025 عن مجموعتها القصصية «هارت لامب... مصباح القلب»، التي تتناول الحياة اليومية لنساء مسلمات في جنوب الهند. وتكتب بلغة الكانادية، هي لغة محلية في الهند.

ومن الأسماء المتداولة جداً هذا العام، آن كارسون، وهي كاتبة كندية ولغوية، وشاعرة، ومترجمة، وناقدة أدبية،، وباحثة في الأدب القديم، كما هو الحال في كتابها «السيرة الذاتية الحمراء».

ويمزج أسلوب كارسون في الكتابة بين الشعر والمقالات والنقد الأدبي وأشكال أخرى من النثر، وأسلوبها فريد ومبتكر وعلمي في آن واحد. حصلت آن كارسون على العديد من الجوائز الأدبية ورُشِّحت لجائزة «الكتاب الوطني للشعر» لعام 2024 عن مجموعتها الشعرية «المعيار الخاطئ» في عام 2021، وجائزة PEN/Nabokov للتميز في الأدب العالمي. وتقيم كارسون في نيويورك.

ومن الأسماء النسوية البارزة كان شويه، أو تسان شيويه، كاتبة صينية، وُلدت خلال فترة مضطربة في تاريخ الصين وعاشت عائلتها تحت وطأة ظروف قاهرة، تعرض والدها للاعتقال والتعذيب جراء مناهضته للسلطات، كما تعرضت عائلتها للاضطهاد إبان الثورة الثقافية. وكل هذه التجارب انعكست بشكل كبير في رواياتها وقصصها القصيرة التي تعددت فيها أساليب الكتابة، ويقارن النقاد أعمالها الأدبية بكتابات كافكا، بسبب أسلوبها التجريبي الذي يمزج بين اليوتوبيا والواقع المرير؛ ففيها الواقع المتخيل والتخيلات الواقعية المحتقنة بالسلبيات، وما بينهما نوع من السوريالية التي تقوم بتحويل الحدث إلى قطعة غرائبية في عرضها للأحداث اليومية، بأسلوب غير واقعي وقاتم، يحول الأحداث اليومية إلى منحى سوريالي.

ومن كتبها المترجمة إلى السويدية، «أعيش في الأحياء الفقيرة»، وهي مجموعة قصصية تتناول فيها الحياة على هامش المجتمع، و«الحب في الألفية الجديدة» ترصد حيوات مجموعة من النساء في مجتمع تتربص فيه المؤامرات والشكوك في كل زاوية، كما يتربص السحر، وتعرضت الكثيرات منهن للاستغلال في مصنع القطن المحلي، لكنهن تمكنّ من الفرار.

ثم يأتي اسم جامايكا كينكيد، وهي روائية أميركية وكاتبة مسرحية نشأت في منطقة الكاريبي على جزيرة أنتيغوا الكاريبية. وقد وُلدت عام 1949 باسم إيلين بوتر ريتشاردسون، ونشأت مع والدتها في الجزيرة التي كانت آنذاك مستعمرة بريطانية. وفي سن السادسة عشرة، انتقلت إلى نيويورك للعمل مربيةَ أطفال، وبعد عشر سنوات أصبحت كاتبة دائمة في مجلة «نيويوركر».

واتخذت اسم جامايكا كينكيد؛ لأنها أرادت إخفاء حقيقة كونها كاتبة عن والدتها. كان أول ظهور لها بوصفها كاتبة مع مجموعة قصص قصيرة عنونتها بـ«في قاع النهر» عام 1983. وفي عام 1985، أصدرت روايتها «آني جون»، وتدور حول والدتها.

ومن بين الكاتبات المميزات أيضاً، المكسيكية كريستينا ريفيرا غارزا، التي اشتهرت برواياتها ومذكراتها. حازت العديد من رواياتها على أرفع جوائز أدبية في المكسيك وتكريمات دولية. من مؤلفاتها: «لن يراني أحد أبكي»، ومذكراتها الصادرة عام 2023 بعنوان «صيف ليليانا الذي لا يُقهر»، والتي توثق حياة شقيقتها ومقتلها عام 1990 على يد حبيبها وهي في العشرين من عمرها.

ووصلت إلى القائمة النهائية لجائزة «الكتاب الوطني» لعام 2023 عن فئة الأعمال غير الروائية، وفازت بجائزة «بوليتزر» عن فئة المذكرات أو السيرة الذاتية. ووصفت أعمال ريفيرا غارزا بأنها «ممتعة ومُقلقة في آن». بصفتها كاتبة، تسعى إلى إضفاء طابعٍ مُظلم على الأشياء وإثارة الشكوك لدى القراء، إيماناً منها بأن «العالم مليءٌ بالنور والوضوح» ولكنها لا تعتقد أن غاية الأدب هي التثقيف، فهناك طرق أخرى لتحقيق ذلك، بل تنظر إلى الكتابة على أنها تجسيدٌ ماديٌّ للتفكير.

وتؤمن ريفيرا غارزا بأن الأدب من الوسائل القليلة التي يُمكن للناس من خلالها استكشاف حدود التجربة الإنسانية عبر اللغة. وهي تمزج بين السرد والشعر والقصة القصيرة والرواية وعناصر من خيالها مع أخرى من الواقع، بما في ذلك الوثائق التاريخية، بل أدرجت نفسها في إحدى رواياتها. وغالباً ما ركزت أعمالها على المهمشين، مثل المرضى النفسيين والعاملات في الدعارة.

مارغريت آتوود

ومن الكاتبات المتداولة أسماؤهن على لائحة التكهنات لنيل جائزة نوبل في الآداب، أليكسيس رايت، المولودة عام 1950، وتنتمي إلى شعب وانجي في المرتفعات جنوب خليج كاربنتاريا في شمال أستراليا. تُعدّ من أبرز الكاتبات الأستراليات، وتتميز كتبها بالإبداع والابتكار، فضلاً عن كونها حائزة على جوائز. وهي تكتب روايات واقعية تتناول مشاكل السكان الأصليين الأستراليين في التكيف مع القوانين والقيم السائدة. من إصداراتها رواية «كاربنتاريا» والتي توصف بملحمة آسرة، وتدور أحداثها حول عائلة فانتوم القوية في بلدة ديسبيرانس الساحلية الصغيرة، وقادة شعب بريكلبوش وصراعهم الدائر ضد عصابة جوزيف ميدنايت المتمردة، وضد سلطات البيض في أبتاون، والمنجم المدمر بيئياص واجتماعياً. كشفت هذه الرواية عن براعة أليكسيس رايت الزاخرة بشخصياتٍ رائعة، ومنبوذةٍ من المجتمع.

هناك ما يشبه القاعدة التي دأبت الأكاديمية السويدية على تبنيها في السنوات العشر الأخيرة بمنح الجائزة بالتناوب بين كاتب وكاتبة

بالطبع، هذه ليست كل الأسماء التي يرجح أن تكون مستوفية لشروط الحصول على جائزة نوبل في الأدب؛ فهناك أسماء كثيرة أخرى، ومنها من ظل يتردد في كل عام سواء من الكاتبات الكلاسيكيات مثل، مارغيت أتوود أحد أبرز الأصوات الأدبية في العصر الحديث، وهي شاعرة وروائية وناقدة أدبية، وأكثر الكاتبات الكنديات شهرة عالمية، فقد كتبت أكثر من 50 عملاً أدبياً، يشمل روايات، وقصصاً قصيرة، وقصائد شعر، ومقالات نقدية. وتتميز أعمالها بالتركيز على قضايا لصيقة بالبعد الإنساني، كقضايا المرأة، والبيئة، والموقف من السلطة، وغالباً ما تتخذ رواياتها الطابع الديستوبي الذي يرسم العوالم المستقبلية المتخيلة.

وإذا لم تسر الأكاديمية السويدية على ما دأبت عليه في السنوات العشر الأخيرة، أي التناوب، بين سنة وأخرى، وقررت منحها هذا العام أيضاً لكاتب أو أديب رجل، فهناك وفرة بأسماء من يتوقع نيلهم جائزة نوبل في الآداب لعام 2026، ومن بينهم: هاروكي موراكامي من اليابان. والفرنسي ميشيل هولبيك، والأميركي توماس بينشون، والأرجنتيني سيزار أيرا، ومن الهند أميتاش غوش، والأسترالي جيرالد مورنان.


هل أمومة المرأة غريزة أم خيار؟

هل أمومة المرأة غريزة أم خيار؟
TT

هل أمومة المرأة غريزة أم خيار؟

هل أمومة المرأة غريزة أم خيار؟

لطالما كانت تجربة الأمومة والإنجاب، فضلاً عن علاقة المرأة بجسدها وبالعالم، محلاً لاشتغال الكثير من الباحثين في علوم النفس والطب والاجتماع. ومع أن الجانب العلمي والنظري من هذه التجربة، هو محل تناول الجنسين معاً، إلا أن المرأة وحدها هي المنوطة بالتعبير عن الشق العملي منها؛ لأنهن الطرف الذي قُدّر له أن يختبر آلامها ومسراتها وتبعاتها المتباينة. وإذا كان من الطبيعي أن تنعكس القضايا الشائكة المتصلة بالحب والزواج والأنوثة والأمومة في الأعمال الإبداعية للنساء المشتغلات بشؤون الأدب والفن، فاللافت بهذا الخصوص، أن هذا الموضوع بالذات كان في الآونة الأخيرة، مثاراً لاهتمام ثلاث من الكاتبات اللبنانيات، وهن: يسرى مقدم في «صباح الخامس والعشرين من شهر ديسمبر»، وحنان ضيا في «خارجات على الغريزة»، وسهير بشارة في «حامل النور»، مع ضرورة الإشارة إلى السمات المختلفة التي تحكم أساليب الكاتبات الثلاث، في مجالات اللغة والأسلوب وتقنيات السرد.

في كتابها «صباح الخامس والعشرين من شهر ديسمبر»، لا تأبه يسرى مقدم كثيراً للنسب الأدبي الذي ينتمي إليه عملها السردي السيَري، بل تحوله حواراً مع النفس، تكشف من خلاله، وقد أنجبت صبياً وفتاة، عن إخفاقها الذريع في القيام بدورها كأم؛ الأمر الذي انعكس بشكل سلبي على علاقتها بولديها من جهة، ولكنه دفعها إلى الكتابة من جهة أخرى. وإذا كان ضمير المخاطب في الكتاب برمته، هو سكنة أم الكاتبة وجدة ولديها، فلأنها رأت في أمها بالذات، ما يرمز إلى الأمومة المطلقة، حيث الحدب على الأولاد والأحفاد يصل إلى حد العطاء الأقصى والإمحاء الخالص.

وإذا كنا نعرف من سياق العمل أن والد المؤلفة الراوية قد مات مقتولاً من قِبل عصابة مهربين، قبل ولادتها بأسابيع، فإن عبارة «يا سكنة» التي تكررها المؤلفة على نحو دائم، تبدو نوعاً من الانتشال الرمزي للأم الراحلة من براثن العدم، أو نداء الاستغاثة التي تطلقها السفن الموشكة على الغرق أملاً في خلاصٍ غير متوقع. وإذ تكشف الكاتبة عن أن أمها سكنة لم تتكفل أعباء تربيتها فحسب، بل أوكلت إليها الابنة، بفعل انشغالاتها الكثيرة، مهمة الاعتناء بولديها الصغيرين، يمكن أن نفهم السبب الحقيقي لانصراف ولدها عنها حين حاولت تبرير تقصيرها بحقه. كما لم يختلف موقف الابنة المهملة كثيراً عن موقف الابن الساخط، وهو ما تعبّر عنه الكاتبة بقولها عنها: «كانت تجاهر بأنها فقدت شهية المحاورة معي، وبأن ثمة حاجزاً جليدياً بات يفصل فيما بيننا».

لكن الذروة الدراماتيكية لمأزق الأم الكاتبة، تمثلت في اكتشافها أنها لم تكن جزءاً من الصورة التي أرسلتها لها ابنتها عبر شاشة الهاتف بمناسبة عيد الميلاد، بما يعني أن ابنتها، وابنها استتباعاً، لا يعتبرانها، بحكم تخليها عن دورها كأم، جزءاً أساسياً من المشهد العائلي.

ومع أن الكاتبة حنان ضيا تقارب في روايتها «خارجات على الغريزة »، قضايا المرأة والأمومة والإنجاب من خلال نماذج نسائية متنوعة الأمزجة والقناعات، ومقيمة في منفاها النفسي والمكاني، إلا أن ضيا تحرص على ألا تقارب هذه النماذج، بمعزل عن البيئة والثقافة والظروف الشخصية والاجتماعية التي تنشأ المرأة في كنفها، والتي تسهم إلى حد بعيد في دفعها إلى خيار الإنجاب أو عدمه، فضلاً عما يمكن للعلاقة بين الزوجين، والتي تتفاوت بين الحب والكراهية والتناغم والتنابذ، أن تلعبه في نجاح العلاقة بين الأمهات وأطفالهن أو انحدارها إلى فشل ذريع.

ومع أن جلنار التي التقت ساهر أثناء رحلة سياحية إلى أميركا، قبل أن يختبرا علاقة زوجية ناجحة في بدايتها، كانت ترى في إنجاب الأطفال ممن تحبه، التتويج الطبيعي لهذا الحب. إلا أن المصاعب التي كابدتها خلال عمليات الولادة القاسية، أو خلال تربيتها أطفالها الثلاثة، وضعتها في حالة من التوتر العصبي الهستيري، بحيث انتابتها في إحدى اللحظات «رغبة جامحة في القفز من الشرفة وإنهاء كل هذه المهزلة». والأدهى من ذلك، أن المكافأة التي نالتها من الزوج، على القيام بمهماتها الأمومية التي دفعت ثمنها باهظاً على المستويين الجسدي والعصبي، تمثلت في خيانته لها مع امرأة أكثر نضارة، قبل أن يغوص هو الآخر في ظلمة داخلية خانقة.

أما ناديا، صديقة جلنار الأثيرة، فلا تعتقد من جهتها أن الأمومة هي قدر المرأة الحتمي والشرط الإلزامي لتحقيق ذاتها كأنثى، بل هي خيار شخصي تأخذه كل امرأة بمفردها. وقد حرصت المؤلفة على أن تستشهد، بلسان بطلتها، ببعض علماء الاجتماع الذين يؤكدون أن الأمومة ليست نزوعاً أنثوياً غرائزياً و«أننا لا نولد أمهات كما أوهمنا البعض»، قبل أن تعمد لتأكيد موقفها، كما بشواهد تاريخية مختلفة عن قتل بعض النساء لأبنائهن. وإذ قررت ناديا الامتناع عن الإنجاب، عمدت إلى إجهاض الأجنة الذين حملت بهم من زوجها وليد، واحداً بعد الآخر، إلى أن انتهت علاقتهما بالطلاق، ولم ترض الزواج بعد ذلك، إلا من الرجل الذي رضخ لاشتراطاتها القاطعة.

وحيث لم تجد هالة، ابنة مدينة السلط الأردنية، من يشاطرها أفكارها المتحررة، فقد آثرت الزواج من ابن عمها سليم، الطبيب المقيم في أميركا؛ لأنها وجدت فيه ما يحررها من القيود. ومع أنها تنازلت، بناءً لرغبته، عن موقفها السلبي من الإنجاب، حتى ولو اعتبرت نفسها «امرأة معاقبة بالأمومة»، إلا أنها لم تلبث أن عادت بأطفالها إلى الأردن، بعد أن رفضت مماشاته على طريق الرذيلة والانحراف السلوكي.

أما سهير بشارة، فهي تعبّر في روايتها «حامل النور»،عن نظرة إلى الأمومة مغايرة لمعظم النماذج السابقة، سواء من حيث انتصارها لمبدأ الإنجاب نفسه، أو من حيث علاقة الأم بالطفل، فضلاً عن الغبطة التي تنتاب المرأة وهي تمنح الحياة فرصة جديدة للتحقق. كما أن الكاتبة تنقل مفهوم الولادة من كونه واقعة آنية ينتهي حدوثها مع خروج الطفل من الرحم، لتتحول حدثاً دائماً يستغرق الحياة بكاملها. وقد حرصت بشارة على تحويل المأزق الصعب الذي واجهه والدا الطفل لوقا، حين اكتشفا أن ابنهما مصاب بمتلازمة داون، إلى مناسبة للربط بين الحب والتضحية، وإلى سؤال وجودي عن معنى الحياة نفسها، حيث كل طفل يولد هو رمز للإنسانية جمعاء، وأي تخلٍّ عنه هو تخل عن هذه الإنسانية.

الجانب العلمي والنظري من تجربة علاقة المرأة بجسدها وبالعالم شغلت الكثير من الباحثين... لكنها وحدها المنوطة بالتعبير عن الشق العملي منها

وإذا كان من اللافت في العمل إعلان الكاتبة بلسان بطلتها بأن «الزواج هو مؤسسة فاشلة بطلاها امرأة ورجل عاشا وهم الحب»، وبأن بطلتها لم تعمد إلى الزواج إلا لتحقيق حلمها بالأمومة، فإن ردة فعل الزوج المصدوم، لم تخيب خيبتها به، بل أكدتها بالملموس، وهو الذي هتف لدى مشاهدة طفله «لماذا أنا؟، لماذا اختارني الله لأكون أباً لطفل كهذا؟». ثم لم يكتف الأب بذلك، بل أراد أن يحجر على الطفل في غرفة خاصة؛ كي لا يتسبب حضوره العلني في كسر صورته الزاهية أمام أقرانه.

على أن قرار الأم بالوقوف إلى جانب ابنها حتى النهاية، قابله صراع مرير بين النزوع النرجسي للمرأة المنتشية بذاتها، والتي تحظى بقدر وافر من الجمال، وبين عاطفتها الخلاقة التي جعلتها تحول وضع ابنها المريض مناسبةً لاستيلاد نفسها من رحم المكابدات الشاقة والحب الخالص. وهي حين طرحت على نفسها وعلى العالم سؤالها المحير: «لمن ينبغي أن تنتصر المرأة إذا فرضت عليها الحياة الانتصار لأحد الخيارين: الأنوثة أو الأمومة، فقد بدت بذلك وكأنها تجتاز المأزق الوجودي نفسه الذي فُرض على مريم العذراء، الاختيار بين دورها كأنثى ودورها كأم، قبل أن تغلّب الثاني على الأول.

هكذا كفّت البطلة الأم، عن أن ترى في وجود طفلها المنغولي نقمة عليها، بل رأت فيه نعمتها وفرحها بالوجود وهديتها السماوية. لذلك؛ فهي تخاطب ابنها بالقول: «لست قادرة على الاستمرار من دونك، فأنا أحتاج إليك أكثر من حاجتك إلي. كنتُ في نظر الكثيرين قوتك، ولكن في الحقيقة كنت أنت قوتي، وكنت أتشبث بك لأتنفس الحياة، ولأسترد حقيقتي التي فقدتُها ذات يوم».