«الشرق الأوسط» في مهرجان فينيسيا السينمائي (4): رحلة دريفوس صوب البراءة وبراد بت صوب المجهول

وحيداً في الفضاء: براد بت في «آد أسترا» (أ.ب)
وحيداً في الفضاء: براد بت في «آد أسترا» (أ.ب)
TT

«الشرق الأوسط» في مهرجان فينيسيا السينمائي (4): رحلة دريفوس صوب البراءة وبراد بت صوب المجهول

وحيداً في الفضاء: براد بت في «آد أسترا» (أ.ب)
وحيداً في الفضاء: براد بت في «آد أسترا» (أ.ب)

كان لا بد، يوم أمس، (السبت)‬ الحديث عن المخرج رومان بولانسكي بمناسبة الضجة التي وقعت بسبب تصريحات رئيسة لجنة التحكيم، المخرجة الإيطالية، لوكرزيا مارتل، التي هاجمت فيها بولانسكي وأكدت أنها لا تفرق بين «الفنان وفيلمه» ولن تحضر حفل الافتتاح، وهي التصريحات التي، كما تقدم، أثارت منتجي الفيلم فهددوا بسحب الفيلم.
لكن سحب الفيلم لم يتم. لو تم لكان فعلاً شبيهاً بمن يدين نفسه بنفسه وينتحي إلى الحل الذي قد يصب في غير مصلحة الفيلم التجارية بعد ذلك.
لذلك، وفي الوقت المحدد من مساء يوم أمس، تم عرضه ليشهد، في نهايته التصفيق الذي يرضيه والذي يشابه ذلك التصفيق الذي حصده رومان بولانسكي أكثر من مرّة في حياته المهنية.

قضية تزوير
«ضابط وجاسوس» هو العنوان الذي سيحمله الفيلم في عروضه حول العالم، لكن العنوان الذي سيحمله إلى جمهوره الفرنسي هو «أنا أتهم»، وهو عنوان فيلم كلاسيكي للمخرج آبل غانس حققه سنة 1919 ولا علاقة له بموضوع هذا الفيلم الذي يدور حول الضابط الذي اتهم بالجاسوسية في أواخر سنوات القرن التاسع عشر ألفريد دريفوس.
«أنا أتهم» هو عنوان المقال الجريء الذي كتبه إميل زولا في صحيفة «الفجر» (L‪’‬Aurore) حول قضية دريفوس والذي يبرزه بولانسكي بقوّة مدروسة مازجاً عنوان الفيلم بعنوان المقالة التي اتهمت العسكر واليمين المحافظ ورجال الدين بإلصاق التهم لمواطن فرنسي تبعاً لبراهين واهية وملفقة. لجانب هذه التهم التي وضعها زولا في نقاط وفقرات اتهام مماثل لتلك القوى بالعنصرية كون دريفوس يهودي الديانة.
بعيداً عن التاريخ كما وصلنا، هذا الفيلم هو استعراض معلوماتي يشبه صفحات الموسوعة البريطانية «إنسايكلوبيديا بريتانيكا»، في خلال هذا الاستعراض موقف واضح لإدانة المؤسسة العسكرية الفرنسية في عام 1894 (سنة واحدة قبل قيام الأخوين لوميير بعرض نتاجاتهما السينمائية الأولى) التي لم تصدر حكماً ببراءة دريفوس مما نُسب إليه إلا سنة 1995 أي بعد ستين سنة على وفاته.
يتوقف الفيلم عند تقديم دريفوس، بعدما قضت محكمة عليا (غير عسكرية) بتبرئته من التهم سنة 1905 وإعادته لمنصبه السابق كضابط في الجيش الفرنسي، بطلب ترقية كتعويض له عن السنوات التي قضاها مسجوناً في «جزيرة الشيطان» (السجن الفرنسي الشهير في وسط المحيط) ولاحقاً في أحد السجون الفرنسية. هذا كله بعد استعراض معلوماتي وفير لا حول دريفوس بذاته، بل حول الكولونيل جورج بيكارد (جان دوجوردان)، الضابط الوحيد الذي آمن ببراءة دريفوس وسعى لسنوات لإثبات أن الجاسوس الحقيقي هو ضابط آخر (فرديناند وولسن - استرازي) الذي كشف للألمان خططاً وسرب وثائق وهو الذي زوّر الرسالة التي أدّت لاتهام دريفوس.
يبدأ الفيلم من مشهد تجريد دريفوس من زيه العسكري وكسر سيفه ثم نقله بالسيارة مقيداً بعدما صاح بصوت جلي بأنه بريء من التهمة التي ألصقت به. بعد ذلك يسرد بولانسكي الأحداث التاريخية حسب ورودها (وكان كتب في المقدمة أن الشخصيات والأحداث التي نراها حقيقية). هذه الأحداث تتضمن اكتشاف بيكارد للثغرات الكثيرة التي تزيد من شكوكه أن اتهام دريفوس كان مؤامرة ضد الضابط اليهودي الوحيد في الخدمة. يحاول بيكارد الحصول على أدلة على تلك الشكوك وينجح. تحديه لمعارضة رؤسائه ومسؤوليه تتسبب في تقديمه هو للمحاكمة وسجنه.

رجل تحت الضغط
يحيط بولانسكي كل ذلك (وأنا لست في وارد كتابة الأحداث بالتفصيل مما يفسد الفيلم أمام مشاهديه العرب المحتملين) بفن لا يثير الكثير من اهتمام المشاهدين والنقاد هذه الأيام وهو فن التصاميم الفنية (جان راباس) والديكوراتية (فيليب كوردوم) كما تصاميم الملابس (باسكالين شافان). الفيلم من الدقة في استخدام ما هو قديم عائد إلى تلك الفترة الزمنية بحيث تحتل هذه العناصر (بالإضافة إلى حسن التصوير من بافل إيدلمان) المكانة التي تستحق في هذا العمل.
ما لا ينجح كثيراً هنا هو البحث عن رومان بولانسكي في «عازف البيانو» أو «ماكبث» أو «الكاتب الشبح» (الأخير كتبه روبرت هاريس، الذي يشارك بولانسكي كتابة سيناريو هذا الفيلم). تلك المساحات النفسية والعاطفية حيال المادة أو القصة المعروضة. صحيح أن موقف بولانسكي من قضية دريفوس واضح في الفيلم إلا أن هذا هو معظم ما نخرج به من علاقة بولانسكي بالموضوع.

في فضاء رهيب
فيلم آخر كان له وقع جيد في العموم، لكنه ليس من مستوى التأثير الذي أنجزه «ضابط وجاسوس» هو AD Astra للأميركي جيمس غراي.
هو فيلم خيال علمي رصين (أحياناً أكثر من اللازم) حول ملاح فضائي في مهمّة صعبة. روي ماكبرايد (براد بت) ينطلق من الأرض للبحث عن والده في الفضاء. رحلة صعبة يمكن مقارنتها، ولو على السطح، برحلة الكابتن ويلارد (مارتن شين) النهرية في فيلم فرنسيس فورد كوبولا «القيامة الآن» لا من حيث المهمّة التي تنتظر كلاً من الملاح في «آد أسترا» والكابتن في «القيامة الآن»، بل من حيث وحدتها وسط قناة السفر ذاتها: الفضاء اللانهائي المخيف في مقابل النهر الداكن البعيد الذي لا يعرف الكابتن إلى أين يؤدي ولا إلى أين يؤدى به.
يكاد يخلو الفيلم الجديد من الأحداث المتوقعة. ينأى المخرج غراي بنفسه عن أفلام الخيال العلمي السائدة اليوم (غرار «ستار وورز» أو «ستار ترك») ويؤم الفضاء الذي أحاط ببعض أهم أفلام الخيال العلمي السابقة (يذكّر قليلاً بـ«أوديسا الفضاء» وكثيراً بـ«سولاريس»). هو يبحث عن أبيه الذي قيل إنه لم يعد له وجود منذ أن اختفى في الفضاء، ولو أن قناعات روي هي التي تقوده. هي ذاتها التي تلج به في مغامرات مفصولة عن بعضها بعضاً بتقديس المخرج للصمت في الفضاء وتحديق الكاميرا بعيني براد بت وهما يتصفحان المحيط الواسع لفضاء رهيب.
للأسف القصة ذاتها أكبر من الفيلم والطموح أعلى مما يستطيع المخرج غراي، الذي غمس سابقاً من سينما المشاكل الاجتماعية، تحقيقه كما يرغب. ما يحرك الفيلم هو فكرته وأجوائه. الحديث عن رغبة الإنسان في البحث عن حياة أفضل بعيداً عن هذا العالم وهو بحث بدأه والد روي (تومي لي جونز) ويتبدّى لاحقاً أن ما اكتشفه يختلف كثيراً عما طمح لاكتشافه. في كل هذا، يأتي أداء براد بت واثقاً من قدرته على تحمل أعباء فيلم يدور حول الشخصية وليس حول الممثل. حول فكرة البحث عن المجهول وتوقعات هذا البحث أكثر من مجرد فيلم مغامرات وقصة مبسطة للترفيه.
بالنسبة لبراد بت فإن أداءه شبه الصامت ذاك يفرض عليه الاستعانة بعينيه للتدليل على المشاعر والملاحظات التي تتولد في ذاته. هذا الدور لجانب دوره في «ذات مرّة في الغرب» خليقان بوضعه أمام ترشيحات موسم الجوائز المقبلة.

قصة طلاق
عندما تقرر نيكول (سكارلت جوهانسن) العودة من نيويورك إلى المدينة التي تحب (لوس أنجليس) يعارضها زوجها تشارلي (أدام درايفر) الذي يفضل نيويورك على أي مكان آخر في العالم. لكنها لا تستطيع أن تحرم نفسها من فرصة العمل المتاحة لها في مسلسل تلفزيوني جديد.
هذا هو محور فيلم «قصة زواج» لنوا بومباك وبطولة ممثليَن هما في الحياة الفعلية لا ينتميان إلى مستوى واحد من النجاح. جوهانسن نجمة بالغة الشهرة تعمل على نحو دؤوب ولا تستطيع أن تترك لوس أنجليس التي هي بمثابة قلعتها الفنية بينما أدام درايفر، ورغم وثباته الفنية الأخيرة التي ضمت «بلاكككلانسمان» و«الموتى لا يموتون» ودور مساند في سلسلة «ستار وورز»، ينتمي إلى جيل لاحق ما زال في طور التأسيس. هي حملت أفلاماً كممثلة أولى وحيدة من دون أن يتأثر نجاحها، وهو ما زال عليه المشاركة في البطولة لكي ينال المزيد من قبول الجمهور.
«قصة زواج» هو دراما عاطفية حول الطلاق تذكر بفيلم روبرت بنتون «كرامر ضد كرامر» مع ميريل ستريب ودستين هوفمن (1979). وهو الفيلم الذي جمع الإعجاب الأعلى بين النقاد الغربيين من بين كل ما عرض على شاشة المهرجان من أفلام.
يبدأ بمشاهد من الألفة والرومانسية والتفاصيل الصغيرة في حياة الزوجين وطفلهما. إنها مشاهد تؤدي دوراً مزدوجاً إذ تذكر بماضي علاقة الزوجين من ناحية وتبني بنك معلومات في بال المشاهدين قبل الانتقال إلى ما ورد أعلاه من بداية شرخ العلاقة.
مثل «كرامر ضد كرامر»، الطلاق مسألة قانونية مليئة بالعقد التي على كل واحد منهما حلها عبر محاميه. اختارت نيكول المحامية نورا (لورا ديرن) لتدافع عن مصالحها، بينما توجه تشارلي لمحاميين على التوالي، إذ اختار آلان ألدا في البداية ثم انتقل إلى راي ليوتا الذي ينقذ الفيلم من سبات ممثله الأول درايفر في كل مشهد يجمعهما.
لكن في حين أن فيلم روبرت بنتون ركّـز على الطلاق وتبعاته العاطفية يوسع «قصة زواج» مداره ليشمل دور المحامين في إزكاء المصاعب للاستفادة قدر الإمكان من تطويل فترة المعاناة ولاصطياد الأخطاء التي يقوم الزوجان بها لعلها تضيف ركاماً إلى ركام.
نواه بومباك يجيد السرد وتوظيف الأماكن وتقديم الشخصيات. لكن المشكلة التي قد يواجهها البعض هي إذا ما كان الموضوع مهماً له أم لا. أولئك الذين لم يتزوّجوا بعد قد يجدونه تحذيراً. أولئك الذين تورطوا قد يقومون بفعل المقارنة بين ما يرونه على الشاشة وبين تجاربهم الخاصة فيشعروا أكثر بأن الفيلم يتعاطى ومسائل حميمية وإنسانية بعضها لم يكن وارداً في بال أحد.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».