قال الملك حسين لصدام: العالم كله ضدك وسيخرجك من الكويت بالقوة

مذكرات الأمير زيد بن شاكر كما ترويها أرملته - تمسك الرئيس العراقي برفض الانسحاب وقال {صحيح أن العالم ضدي لكن الله معي... وسأنتصر}

الملك حسين لدى استقباله صدام حسين عشية حرب الخليج (غيتي)
الملك حسين لدى استقباله صدام حسين عشية حرب الخليج (غيتي)
TT

قال الملك حسين لصدام: العالم كله ضدك وسيخرجك من الكويت بالقوة

الملك حسين لدى استقباله صدام حسين عشية حرب الخليج (غيتي)
الملك حسين لدى استقباله صدام حسين عشية حرب الخليج (غيتي)

تنهي «الشرق الأوسط» اليوم نشر سلسلة حلقات مختارة من مذكرات الأمير زيد بن شاكر «من السلاح إلى الانفتاح» التي كتبتها أرملته السيدة نوزاد الساطي، والتي ستصدر الشهر المقبل عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت - عمان.
وتتطرق حلقة اليوم إلى حرب الخليج الثانية بعد اجتياح الجيش العراقي دولة الكويت، وإصرار الرئيس العراقي السابق صدام حسين على موقفه من الحرب في مواجهة التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة.
وعلى الرغم من مساعي الملك حسين لاقناع صدام بالانسحاب لان العالم ضده, تمسك الرئيس العراقي بموقفه ووقعت الحرب. وفيما يلي نص الحلقة الأخيرة.

بينما كنا منهمكين بأوضاعنا الداخلية، كانت المنطقة العربية تدخل حقبة ستغير أحداثها مصير بلدانها وأجيالها لزمن طويل. كانت علاقة الحسين بالرئيس العراقي صدام حسين قد توطدت في السنوات الأخيرة. كما أن حكومة مضر بدران نسجت علاقات قوية مع بغداد، استندت إلى حزمة من المصالح الاقتصادية المتبادلة. وكانت زيارات الحسين وزيد ورئيس الوزراء بدران لبغداد حدثاً روتينياً.
بعد كل زيارة، كان الحسين يزداد إعجاباً بالتجربة العراقية وبشخصية صدام حسين ومواقفه العروبية. وقد شاطر زيد وشخصيات كثيرة في الدولة الحسين تقييمه لشخصية صدام حسين.
كانت بين العراق والكويت خلافات حول مناطق حدودية تضم حقلاً للنفط. إضافة إلى ذلك، كانت الكويت تطالب العراق بدفع مبالغ مالية ضخمة منحتها لبغداد إبان حربها مع إيران، في حين بغداد كانت تطالب الكويت بدفع مبلغ مليارين ونصف المليار دولار تعويضاً عن حصة العراق في نفط حقل الرميلة المتنازع عليه.
القيادة العراقية من جهتها كانت تتهم الكويت أيضاً بالتلاعب بأسعار النفط؛ ما كان يؤثر على عائدات العراق منه، في وقت كان في أمس الحاجة إلى الأموال لاستكمال عملية إعادة البناء بعد الحرب مع إيران.
في الآن نفسه، كان صدام حسين يواصل تهديداته الكلامية لإسرائيل.
وفي مطلع أبريل (نيسان) 1990، ألقى صدام حسين خطاباً قال فيه: سنحرق إسرائيل إذا حاولت القيام بعمل ضدنا. رد إسحق رابين على الخطاب، وكان رئيس لجنة الخارجية والدفاع في الكنيست بعد توليه إلى ما قبل أسابيع من ذلك منصب وزير الدفاع الإسرائيلي، بالقول: إننا نملك القدرة عشرة أضعاف ما يملك صدام للرد على تهديداته.
بعد أيام على خطاب صدام، اصطف الحسين إلى جانب صدام حسين، وصرح بالقول إن «خطاب صدام حسين يجب النظر إليه باعتباره موقفاً عربياً يقوم على حق مشروع لهذه الأمة في الرد على أي عدوان تتعرض له».
عندما بدأت نذر الأزمة تتصاعد بين العراق والكويت، دخل الحسين بقوة على خط الجهود الدبلوماسية لاحتوائها وتسويتها بشكل ودي. فقام بسلسلة من الزيارات إلى كل من بغداد والكويت، كان زيد يرافقه في معظمها.
الرئيس المصري حسني مبارك كان منخرطاً أيضاً في جهود احتواء الأزمة. وقبل غزو العراق للكويت بستة أيام، وتحديداً في 26 يوليو (تموز) 1990، أعلن مبارك احتواء الخلاف الكويتي - العراقي، وأكد أن «الرئيس العراقي ليست لديه النية للهجوم على الكويت». لم يكن أحد منا يتوقع أن صدام حسين سيقدِم فعلاً على تنفيذ تهديداته بغزو الكويت. لكن صباح يوم الثاني من أغسطس (آب) حمل أخباراً أخرى؛ إذ قامت القوات العراقية باجتياح الكويت واحتلالها في غضون ساعات.
كان رأي الحسين أن حدثاً كهذا إذا لم يعالج في الإطار العربي، فإن مصير الأمة كلها سيكون في مهب الريح.
خاض الحسين حرباً دبلوماسية شرسة لمنع التدخل الأجنبي في الأزمة، وأكد في الوقت نفسه، شخصياً كما على لسان رئيس الحكومة مضر بدران، رفضه القاطع لمبدأ احتلال أراضي الغير بالقوة، ودعوته صدام إلى سحب قواته من الكويت على الفور.
سارت الأحداث بشكل مغاير، وتبنت قمة عربية طارئة في القاهرة قرارات أدانت الغزو العراقي، وشرعت الأبواب لتدخل أجنبي في المنطقة. امتنع الأردن، إلى جانب اليمن والجزائر وليبيا ومنظمة التحرير الفلسطينية، عن التصويت على هذه القرارات. وكان ذلك بداية انقسام عربي عميق أصاب العالم العربي بالشلل لزمن طويل.
ورغم موقف الحسين الرافض غزو الكويت وتأكيده على الحل العربي، فإن المواقف التي اتخذها في القمة وما تلاها، وضعت الأردن في خندق صدام حسين، من وجهة نظر الدول الخليجية والولايات المتحدة الأميركية. وكانت لهذا الموقف عواقب اقتصادية وسياسية وخيمة على الأردن.
كانت الحكومة، ممثلة برئيسها مضر بدران، تؤكد على الحل العربي للصراع. وكان البرلمان (بمجلسيه الأعيان والنواب) بأغلبيته الساحقة يدعم الحكومة في مواقفها.
كانت أبواب واشنطن لا تزال مفتوحة أمام الحسين ولم تصل العلاقة بعد إلى مرحلة القطيعة، وحاول استغلال النافذة الصغيرة المفتوحة لإقناع الإدارة الأميركية بالحل الدبلوماسي للأزمة، لكن من دون جدوى. كانت نصيحة الحسين للغرب آنذاك: أن يبقوا لصدام حسين مخرجاً يسمح له بالتراجع عن غزو الكويت، بدل محاصرته بما يعني التصعيد. وقد واصل الحسين زياراته لبغداد حتى وقت متأخر في محاولة لمنع نشوب حرب في المنطقة.
لم يكن صدام حسين عابئاً بالتهديدات الأميركية، وواصل تحديه الجميع. ففي الثاني والعشرين من أكتوبر (تشرين الأول)، ألقى خطاباً قال فيه: «بوش يتحدانا، ونحن عازمون على تكسير أسنان قواته». وفي التاسع والعشرين من الشهر ذاته، ألقى خطاباً ثانياً قال فيه: «بعض المسؤولين الأميركان متأثرون بأفلام رامبو. وأفلام رامبو تظهر في السينما، لكنها لا تنطبق على الأرض العراقية».
وفي الرابع عشر من يناير (كانون الثاني) 1991، قال في خطاب جماهيري ببغداد: «إذا وقعت الحرب سنسير على جثثهم وندوس على رؤوسهم».
بعد فترة من الوقت، انتاب الحسين وزيد قلق على مستقبل العراق، بعدما تأكدت لهما جدية واشنطن في تهديداتها. كان زيد يدرك منذ البداية، بحكم خبرته العسكرية ومعرفته بمدى تطور الأسلحة المستخدمة من قبل الجيش الأميركي، أن العراق لا يملك أي فرصة للصمود في الحرب.
لم يتوانَ زيد عن التصريح بوجهة نظره هذه لكل من كان يلتقيهم من القيادات العراقية في عمان أو بغداد. وكان يحثهم على قول الحقيقة لصدام حسين. لكنهم جميعاً ما كانوا ليجرؤوا على التفوه بكلمة أمام صدام حسين تخالف قناعاته. وفي مناسبات كثيرة كانوا يرجون زيد مصارحة صدام بآرائه.
كان صدام حسين يكنّ احتراماً خاصاً لزيد. وقد عبّر عن ذلك في أكثر من لقاء جمعهما، وبحضور الحسين أيضاً. وقال له زيد قبيل الحرب: «لو كنت أنا ضابطاً أميركياً وكلفت باختيار المواقع التي يجب أن ينتشر فيها الجيش العراقي، لما اخترت أحسن من هذا المكان الذي أنتم فيه حالياً؛ لأن هذا يعطي ميزة للأميركيين والدول الغربية بأن يستخدموا سلاحهم الجوي استخداماً فعالاً سيؤذي العراق».
في آخر زيارة لزيد إلى بغداد بمعية الحسين قبل بدء الهجوم الأميركي، قال الحسين لصدام: «يا أخي أبو عدي، العالم كله تكتل ضدك، ولا بد من الخروج من الكويت. فأنا رأيي ومشورتي لك كأخ، لصيانة المكاسب التي حققتموها في العراق وما طورتموه لبلدكم، أن تتخذ قراراً بالانسحاب من الكويت؛ لأنك إذا لم تنسحب، العالم كله ضدك وسيخرجك بالقوة».
فكان جواب صدام: «صحيح أن العالم ضدي، لكن الله معي وسأنتصر». فقال له الحسين: «إذا كانت هذه وجهة نظرك فلم يعد ضرورة لأن آتي مرة أخرى». منذ ذلك اليوم أدرك زيد أن العراق ماض إلى مواجهة محتومة، لن يكون بمقدور أحد منعها.
كان الأردن يعتقد أن الضغوط الدولية على العراق من أجل تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي بالانسحاب من الكويت، هي فرصة لممارسة ضغط موازٍ على إسرائيل للرضوخ لقرارات مماثلة من مجلس الأمن للانسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967. تبنى الحسين هذه المقاربة في خطابه السياسي طوال أشهر الأزمة، فبعد لقاء متوتر جمعه برئيسة الوزراء البريطانية مارغريت ثاتشر في لندن، 1 سبتمبر (أيلول) 1990، قال الحسين للصحافيين بعد اللقاء: «نريد تطبيق جميع قرارات مجلس الأمن أسوة بقرار انسحاب القوات العراقية من الكويت». وكرر الحسين موقفه هذا بعد لقاء في عمان جمعه بالرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، يوم 16 ديسمبر (كانون الأول) 1990، محذراً من «الموافقة على أي حل دولي لأزمة الكويت من دون ربطه بحل الصراع العربي - الإسرائيلي». الولايات المتحدة وبريطانيا، ومعهما دول الخليج، كانت تفسر موقف الحسين هذا على أنه دعم مباشر لصدام حسين، وتشجيع له على عدم الانسحاب من الكويت، إذا لم يترافق هذا مع انسحاب إسرائيلي من الأراضي الفلسطينية المحتلة.
في الحادي عشر من يناير 1991، قال صدام أمام حشد من المؤيدين في المؤتمر الشعبي الإسلامي ببغداد: «لتطمئن قلوبكم بالنصر. سنواجههم بمليون جندي (غاطسين) في الأرض». وأكثر من ذلك قال صدام: «الطائرات العراقية تستطيع قتالهم في الليل والنهار من دون الحاجة للاتصال بمقر القيادة!».
صبيحة يوم الهجوم الأميركي على القوات العراقية في الكويت في 17 يناير 1991، ترأس الحسين اجتماعاً لكبار المسؤولين في الدولة، أكد خلاله أن أزمة الخليج كانت قابلة للحل السياسي في الأيام الأولى لو قدر لها أن تبقى في إطارها العربي، إلا أن تدويلها ومواقف التهديد والحصار بددا الفرصة.
كانت وعود صدام حسين بالنصر على أميركا، والصواريخ التي أطلقها باتجاه إسرائيل وتهديداته بمحوها من الوجود، قد ألهبت مشاعر الجماهير في الأردن وكثير جداً من بلدان العالم العربي. ولم يكن أحد ليشك للحظة بقدرة جيش صدام حسين على هزيمة القوات الأميركية. وهو ما يمكن تفسيره بانعدام الشفافية لدى الأنظمة.
لقد بدا رهان الجماهير العاطفي شبيها بما كان عليه أيام الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر. ومثلما كانت هزيمة 1967 حدثاً صادماً وكارثياً بالنسبة إلى الشعوب العربية التواقة للنصر، كانت هزيمة القوات العراقية، وفي وقت قياسي، بمثابة خيبة أمل كبيرة.
كان زيد يعرف نتيجة الحرب قبل أن تبدأ، ولم يكن مفاجئاً بالنسبة إليه ما حصل لقوات صدام حسين.
خرج الأردن من تلك المواجهة معزولاً سياسياً بشكل شبه كامل، ويعاني من حصار اقتصادي فُرض على ميناء العقبة، وانقطاعاً كاملاً للمساعدات الأميركية والخليجية.
أزمة صهري صدام

صادف حلول ذكرى عيد الجلوس الملكي في 11 أغسطس 1996 عطلة نهاية أسبوع. كان زيد مرهقاً من العمل، وأخبرني بأنه يود أخذ إجازة لمدة ثلاثة أيام نقضيها في جزيرة سردينيا.
سافرنا يوم 11 من الشهر. وخلال الرحلة، أخبرني زيد بأن صهري صدام حسين وزوجتيهما قدموا إلى الأردن طالبين اللجوء السياسي. وطلب مني عدم إبلاغ أحد بالأمر؛ كون الخبر لم يعلن بعد. وأضاف قائلاً: «نريد أن نخطط لكيفية استثمار الحدث، وكيف نتعامل معهم». وأكمل بعبارة مقتضبة: «أنا قلق للغاية». في اليوم التالي وبينما كنت أتابع محطة «سي إن إن» وزيد في الغرفة المجاورة، أذيع الخبر.
في طريق عودتنا إلى عمان، في 14 أغسطس، قال لي زيد إن صهري صدام سيعقدان اليوم مؤتمراً صحافياً في موقع إحدى الكتائب العسكرية، مضيفاً ما قاله من قبل: «نود أن نختبر نواياهما لمعرفة هدفهما من اللجوء إلى الأردن».
في تمام الساعة السادسة مساءً، وكان يزورنا في البيت، قادماً من لبنان، صديق العائلة غسان شاكر، ظهر صهرا صدام في حديقة قصر الندوة خلف منصة تحمل شعار القصر الملكي، وهما يستعدان لعقد المؤتمر الصحافي.
كنت أعلم ما يريده زيد، وفهمت أن ما جرى كان بخلاف رأيه. فالتفت إلى غسان شاكر وقلت له: «تذكر كلامي، هذا أول خلاف بين سيدنا وزيد».
في واقع الأمر، كان الحسين يريد أن يعطي الحدث أهمية سياسية وإعلامية، بينما رغب زيد في إبقائه في نطاق ضيق، وعدم ظهور الأردن بمظهر الداعم لخطوة اللجوء أو تبنيها رسمياً. ولا يشك الفريق حسين المجالي الذي كان المرافق العسكري للحسين في ذلك الوقت، بصحة تقديره بأن زيد كان متحفظاً على استضافة صهري صدام حسين ومنحهما هذا الاهتمام الإعلامي.
كان زيد يريد على الدوام علاقات متوازنة مع العراق. ففي المرحلة التي شهدت تقارباً كبيراً بين الحسين وصدام، كان زيد ينصح بتخفيف الاندفاعة نحو صدام، وعدم الانجراف وراء مخططاته، والاحتفاظ بمسافة معقولة بين سياسة البلدين. وفي الوقت الذي بدأ فيه الحسين تغيير الاتجاه مع العراق، رأى زيد أن من غير المناسب الذهاب بعيداً في سياسة القطيعة، والإبقاء على خطوط العلاقة مفتوحة مع نظام صدام حسين؛ نظراً إلى حجم المصالح الاقتصادية التي تربط الأردن بالعراق، ومن ذلك خصوصاً أسعار النفط العراقي التفضيلية.
كان الحسين قد اختار مساراً مختلفاً، وقرر أن يعيد ترميم جسور العلاقة مع واشنطن حتى لو كان ذلك على حساب علاقته مع نظام صدام حسين. «لقد نجح الملك في تسويق ورقة انشقاق حسين كامل، صهر صدام الأبرز ومسؤول ملف التصنيع العسكري، على أميركا، وأثبت لهم أن الأردن غيّر بالفعل موقفه من نظام صدام».
حاول صدام حسين استعادة الصهرين الهاربين وعائلتيهما، وأوفد لهذه الغاية نجله البكر عدي إلى عمان، حيث التقى الحسين. وقد حمل حديثه نبرة تهديد، لكن الحسين استوعبه واعتذر عن عدم تلبية طلبه، معتبراً استقباله للشقيقين كامل في عمان واجباً تقتضيه العادات العربية الأصيلة، ولا يمكنه أن يخل بهذا الواجب، أو أن يقبل تسليمهما مع عائلتيهما.
كان حسين كامل صاحب مزاج حاد ومتقلب. ومع مرور الوقت على وجوده في الأردن، بدأ يشعر بعدم الاكتراث. في الأثناء، فتح نظام صدام حسين خطوط الاتصال معه عبر تاجر عراقي كان يتردد كثيراً على عمان، تولى فيما بعد ترتيب لقاء لحسين كامل مع السفير العراقي في عمان صباح ياسين. وتمكن الاثنان من إقناع حسين كامل بالعودة إلى العراق، وأكدا له أن الرئيس العراقي سيصفح عنه، ويرد له الاعتبار.
في تلك الفترة كان حسين كامل قد أجرى مقابلة مع صحيفة أسبوعية، شنّ فيها هجوماً عنيفاً على الرئيس العراقي. وعندما اختمرت فكرة العودة في رأسه، طلب من الصحافي الذي أجرى معه المقابلة عدم نشرها. لكن الأخير رفض الطلب، فبادره حسين كامل بوابل من الشتائم؛ ما دفع الصحافي إلى تقديم شكوى قضائية بحقه.
اعتقد حسين كامل أن جهات رسمية تقف وراء تحريك الشكوى ضده. وقد زاره في مقر إقامته حينها الأمير طلال بن محمد، والمسؤول في المخابرات العامة، سميح البطيخي، وأكدا له عدم صحة اعتقاده، ونصحاه بالمثول أمام القضاء لتسوية الشكوى بالطرق القانونية. لكن حسين كامل صمم على موقفه، وجاءت الشكوى بمثابة حافز إضافي لخيار العودة إلى العراق.
حاول بعض المسؤولين الأردنيين ثنيه عن فكرة العودة وحذروه من مصير أسود. وكان شقيقه الأصغر صدام كامل يرفض مجاراة شقيقه بفكرة العودة إلى بغداد. إلا أنه تحت تهديد السلاح من طرف شقيقه حسين، رضخ لإرادته.
بالنسبة إلى فريق من محققي وكالة المخابرات المركزية الأميركية (سي آي إيه) اجتمع مع حسين كامل مرات عدة في عمان، لم يكن قرار الأخير بالعودة إلى حضن صدام حسين مفاجئاً، فقد أبلغ أعضاء الفريق مسؤولين أردنيين أنهم حققوا من قبل مع عشرة منشقين من الاتحاد السوفياتي، سبعة منهم عادوا بعد ذلك إلى ديارهم وأعدموا هناك. وقالوا إن العوارض النفسية التي لاحظوها على شخصية حسين كامل مشابهة تماماً لتلك التي ظهرت في شخصيات المنشقين السوفيات. وبالفعل، استقل حسين كامل وشقيقه مع عائلتيهما السيارة، وتوجها إلى بغداد ليلقيا المصير الذي حذرهما منه الأردن.
الخروج طوى للأردن صفحة صهري صدام، لكنها أعطت الدليل على أننا أمام عملية تغيير اتجاه واسعة في الدولة، تطلبت وجود فريق سياسي مختلف تماماً عن الفريق الحالي في الحكومة والديوان الملكي ودائرة المخابرات العامة.



«وزاري عربي» يدين إغلاق «هرمز» ويطالب إيران بالتعويض وجبر الضرر

مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)
مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)
TT

«وزاري عربي» يدين إغلاق «هرمز» ويطالب إيران بالتعويض وجبر الضرر

مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)
مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)

أدان وزراء الخارجية العرب التهديدات الإيرانية الرامية إلى إغلاق مضيق هرمز وتعطيل الملاحة الدولية، مطالبين في اجتماع، الثلاثاء، عبر تقنية الاتصال المرئي، بإلزام طهران بالتعويض وجبر الضرر عن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن هذه التهديدات.

وأكد الأمين العام للجامعة، أحمد أبو الغيط، أن «الدول العربية لم تكن ولن تكون رهينة في يد إيران لتصفية الحسابات».

وبناء على طلب البحرين، عقد مجلس جامعة الدول العربية على المستوى وزراء الخارجية، الثلاثاء، اجتماعاً غير عادي، لـ«بحث الهجمات الإيرانية ضد الدول العربية والتزامات إيران المترتبة بموجب القانون الدولي والجهود المبذولة لإنهاء الأزمة التي تشهدها المنطق».

وجدد وزراء الخارجية إدانتهم «بأشد العبارات للهجمات الإيرانية السافرة بالصواريخ والطائرات المسيّرة ضد الأردن والإمارات، والبحرين، والسعودية، وسلطنة عُمان، وقطر، والكويت، والعراق»، وعدُّوها، بحسب القرار الصادر عن الاجتماع، «انتهاكاً جسيماً لسيادة تلك الدول، يقوض السلم والأمن في المنطقة، ويمثل خرقاً صارخاً للقانون الدولي... ويشكل تهديداً خطيراً للسلم والأمن الدوليين».

وأكدوا أن «إيران تتحمل المسؤولية الدولية الكاملة عن هجماتها غير المشروعة وغير المبررة ضد الدول العربية، وأنها ملزمة، بموجب قواعد القانون الدولي، بجبر الضرر الكامل عن جميع الأضرار والخسائر الناجمة عن تلك الهجمات، بما في ذلك، الرد، والتعويض، والترضية»، وطالبوها بالوقف الفوري «لجميع هجماتها السافرة ضد الدول العربية والامتثال لالتزاماتها الدولية».

آلية لتوثيق الانتهاكات

أعاد الوزراء التأكيد على «دعم الدول العربية الكامل لحق الدول العربية المتضررة في اللجوء إلى المؤسسات الدولية والإقليمية لاستصدار قرارات تدين هذه الهجمات وتحمّل إيران المسؤولية عن تبعاتها»، داعين الهيئات العربية والإقليمية المختصة بالتنسيق مع الدول المتضررة إلى النظر في إنشاء آليات مناسبة «لتوثيق الانتهاكات وتقييم الأضرار والخسائر ومتابعة السبل الكفيلة بجبر الضرر عبر الوسائل الدبلوماسية والقانونية وغيرها من الوسائل السلمية».

وجدد الوزراء «إدانتهم للإجراءات والتهديدات الإيرانية الهادفة إلى إغلاق مضيق هرمز وباب المندب بعدّها انتهاكاً لأحكام القانون الدولي ولمبدأ حرية الملاحة في المضايق الدولية». وأكدوا في هذا الصدد على حق الدول العربية في الدفاع عن سفنها ووسائل نقلها وفقاً للقانون الدولي.

وكيل وزارة الخارجية السعودية عبد الرحمن الرسي خلال رئاسة وفد المملكة في الاجتماع (حساب الخارجية السعودية على منصة «إكس»)

وشدد وزراء الخارجية العرب على «رفض واستنكار استمرار إيران في تمويل وتسليح وتحريك الميلشيات التابعة لها في عدة دول عربية خدمةً لمصالحها، وبما يُشكل تهديداً خطيراً لأمن واستقرار تلك الدول والمنطقة». وجددوا التأكيد على الحق الأصيل للدول العربية المتضررة في الدفاع عن النفس، فردياً أو جماعياً، وفقاً للمادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة.

وقال أبو الغيط في كلمته إن الاجتماع «لا يهدف فقط إلى إدانة الهجمات الإيرانية الآثمة على عدد من الدول العربية»، وإنما يستهدف «مطالبة المجتمع الدولي بتحميل المعتدي كامل المسؤولية عن اعتداءاته غير القانونية وغير المبررة وغير المقبولة على عدد من الدول العربية».

«خرق جسيم»

وأضاف الأمين العام للجامعة العربية أن إيران لم تمتثل لقرار مجلس الأمن 2817 الصادر في 11 مارس (آذار) الماضي بالوقف الفوري للعدوان، ولم تعترف بأن اعتداءاتها على الدول العربية في الخليج والأردن والعراق مثَّلت خرقاً جسيماً للقانون الدولي، وانتهاكاً مرفوضاً لسيادة الدول، وتجاوزاً صارخاً لكل معاني حُسن الجوار.

وطالب أبو الغيط إيران بـ«الامتثال فوراً لقرار مجلس الأمن، وبتحمل المسؤولية كاملةً عما تسببت فيه هذه الهجمات غير المشروعة من أضرار وخسائر، بما يقتضي التعويض وجبر الضرر بحسب ما ينص عليه القانون الدولي في هذه الحالات».

وقال إن «تصورات إيران عن التحكم في الخليج العربي وفي مضيق هرمز باطلة قانوناً، ولا تستند لحجة أو مسوغ، ومرفوضة جملة وتفصيلاً».

وأكد أن «حرية الملاحة في المضايق والممرات الدولية، ومنها مضيق هرمز، أمرٌ كفله القانون الدولي... ولا يمكن لإيران أن تنتزع لنفسها حق التحكم في مضيق هرمز، لأنها ببساطة لا تملكه».

واستطرد قائلاً إن الجامعة العربية «تعتبر الاعتداء على أي دولة عربية، أو ممارسة التهديد والترويع ضد سكانها المدنيين، اعتداءً على الدول العربية جميعاً»، مؤكداً أن «الجميع يقف صفاً واحداً في التضامن مع الدول التي تعرضت للهجمات الآثمة». وشدد على أن «هذه الاعتداءات الغاشمة سوف تنتهي، وستخرج الدول العربية من هذه الأزمة أكثر قوة وأشد ترابطاً وتعاضداً».

تنسيق وتشاور

وهذه هي المرة الثالثة، منذ اندلاع حرب إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، التي يجتمع فيها مجلس الجامعة على المستوى الوزاري لبحث تطورات التصعيد الإقليمي.

وكان وزراء الخارجية العرب قد أدانوا في اجتماع طارئ عبر تقنية الاتصال المرئي يوم 8 مارس (آذار) اعتداءات طهران على دول عربية، وأكدوا تأييد جميع الإجراءات التي تتخذها تلك الدول، بما في ذلك خيار الرد على الاعتداءات. ثم جددوا إدانتهم للاعتداءات في اجتماع الدورة العادية الـ165 نهاية الشهر الماضي التي اقتصرت أعمالها على مناقشة الاعتداءات الإيرانية على دول عربية.

وتأتي الاجتماعات العربية المتكررة في سياق التنسيق والتشاور العربي وتأكيد التضامن والدعم لدول الخليج، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، رخا أحمد حسن، الذي قال لـ«لشرق الأوسط» إن الاجتماعات المتتالية «تستهدف تأكيد دعم دول المنطقة التي تعرضت لخسائر مادية واقتصادية بسبب الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران»، مشيراً إلى تأثر سلاسل الإمداد بسبب تهديد إيران للملاحة في مضيق هرمز الذي قال إنه مضيق دولي لا يحق لطهران التحكم فيه بموجب القانون الدولي.

Your Premium trial has ended


لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
TT

لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)

منذ بداية العام الحالي، ترسم الأمم المتحدة صورة قاتمة لمستقبل الأزمة الإنسانية في اليمن، محذّرة بأن البلاد تقف على «حافة منعطف حرج» قد يدفع بملايين إضافيين إلى دائرة الخطر.

وفي تقريرها الأخير المعنون «اليمن 2026: ثمن التقاعس»، تشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 22.3 مليون شخص، أي غالبية السكان، يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، في ظل تراجع حاد في التمويل الدولي وتقلّص نطاق الاستجابة.

يأتي هذا الانحسار في الموارد، في وقت تتصاعد فيه الاحتياجات بوتيرة مقلقة. ووفقاً لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)»، فإن نحو 18.3 مليون شخص قد يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال العام الحالي، مع انزلاق مناطق جديدة نحو ظروف توصف بأنها «كارثية».

ويعاني نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوءَ تغذية حاداً، في مؤشّر يعكس مخاطر طويلة الأمد تتجاوز الجوع إلى أضرار لا رجعة فيها بشأن النمو الجسدي والذهني.

بدوره، يقدم القطاع الصحي دليلاً إضافياً على هشاشة الوضع، إذ تشير التقديرات إلى أن 40 في المائة من المرافق الصحية تعمل جزئياً فقط، أو توقفت بالكامل، فيما يواجه نحو 19.3 مليون شخص مخاطر صحية متصاعدة.

وتتقاطع هذه المؤشرات مع واقع النزوح، حيث يعيش أكثر من 5.2 مليون يمني في ظروف قسرية متدهورة؛ مما يضاعف من هشاشة الفئات الأضعف ويزيد الضغط على الخدمات الأساسية.

في غضون ذلك، أعلن «صندوق التمويل الإنساني (YHF)» في اليمن أنه قدم المساعدة لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً من انعدام الأمن الغذائي في البلاد.

أزمة إدارة الإغاثة

وقال «الصندوق»؛ التابع للمكتب الأممي «أوتشا»، في تقرير حديث، إنه خصص، في الثلث الأخير من العام الماضي، 20 مليون دولار لدعم المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية، ومخاطر الحماية في اليمن، مركزاً على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، وأولوية خدمات الحماية للأسر والأفراد الأكبر عرضة للمخاطر.

طفلتان برفقة والدتيهما تتلقيان خدمات علاجية أممية لمنع وعلاج سوء التغذية بين الأطفال (الأمم المتحدة)

وبلغ عدد المستفيدين 307.4 ألف شخص، بينهم 37 ألفاً من ذوي الإعاقة.

وحتى الآن، تلقى «الصندوق» نحو 14.3 مليون دولار مساهمات في ميزانيته للعام الحالي، أبرزها من الدنمارك (5.4 مليون)، وفنلندا (3.4 مليون)، والسعودية (3 ملايين)، وكندا (1.2 مليون)، إضافة إلى جهات مانحة أخرى.

ويرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام لـ«اللجنة اليمنية العليا للإغاثة»، (لجنة حكومية)، أن تحسين آليات إدخال المساعدات يمثل نقطة مفصلية في خفض التكلفة وزيادة الفاعلية، مشدداً على أن الاستفادة من الممرات البرية والبحرية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة يمكن أن تحدّ من «الابتزاز» وتعزز انسيابية الإغاثة.

ويذهب بلفقيه، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «التعويل الآن هو على دور الداعمين الإقليميين، وعلى رأسهم السعودية، في سد الفجوة التمويلية، ليس فقط عبر المساعدات الطارئة؛ بل من خلال دعم مؤسسي ومشروعات تنموية طويلة الأمد».

مشروع أممي لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن يوفر فرص عمل لـ42 ألفاً و964 شخصاً (الأمم المتحدة)

غير أن المسؤول الحكومي يقرّ بوجود اختلالات في إدارة العمل الإنساني خلال فترات سابقة، لافتاً إلى أن ضعف التنظيم والرقابة الميدانية أسهم في حرمان فئات من مستحقي المساعدات، ويطرح في المقابل مقاربة تقوم على «إعادة ترتيب أولويات التدخل وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، بما يفتح المجال أمام انتقال تدريجي من الاستجابة الطارئة إلى التعافي الاقتصادي».

ورغم استمرار حالة التهدئة النسبية منذ أبريل (نيسان) 2022، بعد سنوات من حرب مدمّرة بين الحكومة الشرعية والجماعة الحوثية الانقلابية، ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية والاقتصاد، فإن التحسن الأمني لم يُترجم إلى تعافٍ إنساني ملموس، وباتت فجوة التمويل العامل الأكبر تأثيراً في تحديد مصير الاستجابة.

اختبار أخلاقي للعالم

وتحتاج خطة الأمم المتحدة للعام الحالي إلى 2.16 مليار دولار لتقديم مساعدات منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص فقط، أي نحو نصف المحتاجين.

وكالات أممية قدمت مساعدات لآلاف الأسر المتضررة من الفيضانات الأخيرة في 7 محافظات (الأمم المتحدة)

ويحذّر تقرير «أوتشا» بأن استمرار «التقاعس» سيؤدي إلى خسائر بشرية مباشرة، مع اقتراب أنظمة حيوية من الانهيار وتآكل قدرة المجتمعات على الصمود. ويشير إلى أن «الشركاء الإنسانيين اضطروا بالفعل إلى تقليص برامج أساسية نتيجة نقص التمويل وصعوبات الوصول»؛ مما يفاقم من فجوة الاحتياجات غير الملبّاة.

ويقدّم إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشؤون الإنسانية، قراءة أكبر تشاؤماً، عادّاً أن التراجع في تمويل خطط الأمم المتحدة يعكس تحولات أوسع في أولويات المانحين، في ظل أزمات دولية متزامنة، مستبعداً أن يتجاوز التمويل هذا العام 40 في المائة من المستويات السابقة؛ مما يعني عملياً اتساع الفجوة بين الاحتياجات والموارد المتاحة.

ويوضح القرشي لـ«الشرق الأوسط» أن «العجز التراكمي في تغطية الاحتياجات الإنسانية بلغ مستويات غير مسبوقة»، وأن «إخفاق المعالجات السياسية والاقتصادية أسهم في تعميق الأزمة وتحويلها إلى (حلقة ضغط) مستمرة على الوضع الإنساني».

تدريب أممي لأعضاء «جمعيات مستخدمي المياه» في ريف محافظة تعز على مهارات جمع التبرعات وإعداد المقترحات والتواصل مع المانحين (الأمم المتحدة)

وينبه إلى أن ملايين اليمنيين قد يواجهون صعوبات يومية في تأمين الغذاء، «مع ما يرافق ذلك من ارتفاع معدلات سوء التغذية ووفيات الأطفال، واتساع رقعة المجاعة»، في ظل هذه المعطيات.

ومن دون دعم مستدام، فسيظل ملايين الأشخاص عرضة لخطر تفاقم الجوع، والأمراض التي يمكن الوقاية منها، وتهديدات الحماية، حيث يتطلب خفض الاحتياجات المزمنة تعاوناً طويلاً بين جميع الفاعلين لاستعادة الخدمات الأساسية، وإنعاش وسائل الحياة، وتعزيز القدرة على الصمود في وجه الصدمات المستقبلية، وإنهاء الصراع.


هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)

قطعت عملية إعادة هيكلة ودمج التشكيلات العسكرية والأمنية في اليمن شوطاً متقدماً، مع اقتراب المرحلة الأولى من الاكتمال، في إطار جهود تقودها الحكومة اليمنية بإشراف ودعم من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، بهدف إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وتعزيز كفاءتها القتالية والإدارية.

ووفق مصادر حكومية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، تركزت المرحلة الأولى على بناء قاعدة بيانات موحدة ودقيقة لجميع منتسبي الوحدات العسكرية والأمنية، باستخدام أحدث وسائل التحقق من الهوية، وعلى رأسها نظام البصمة الحيوية، بما في ذلك بصمة العين، وهو ما مكّن الجهات المختصة من كشف الاختلالات في سجلات القوى البشرية.

وأوضحت المصادر أن عملية التحقق كشفت وجود عشرات الآلاف من الأسماء المزدوجة، إلى جانب إدراج أسماء وهمية ضمن كشوفات القوات العسكرية والأمنية، في مؤشر واضح على حجم التحديات التي واجهت الدولة خلال السنوات الماضية، في إدارة هذا الملف الحيوي.

تنظيم المؤسسة العسكرية اليمنية وتعزيز كفاءتها القتالية (إعلام محلي)

وتقول المصادر إن العمل لا يزال مستمراً لاستكمال تسجيل جميع الأفراد ضمن قاعدة البيانات الجديدة، التي تُعدّ حجر الأساس لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس سليمة، مشيرة إلى أن هذه المرحلة أسهمت في إسقاط الأسماء غير القانونية، وتصحيح البيانات بما يعزز الشفافية والكفاءة في إدارة الموارد البشرية.

وأضافت أن استكمال هذه الخطوة سيفتح الطريق أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تتضمن دمج مختلف التشكيلات العسكرية ضمن هيكل موحد يخضع لوزارتي الدفاع والداخلية، وفق الأطر القانونية المعتمدة.

إشراف مباشر

يتولى مسؤول القوى البشرية في القوات المشتركة بقيادة السعودية اللواء فلاح الشهراني، الإشراف على هذا الملف اليمني المعقد، الذي تعثر في مراحل سابقة بسبب تعدد التشكيلات العسكرية وتباين تبعياتها داخل معسكر الشرعية، وهو ما تطلب مقاربة تدريجية في التنفيذ.

وبدأت عملية الهيكلة من المناطق العسكرية في شرق اليمن، تحديداً المنطقتين الأولى والثانية، اللتين تشملان محافظات حضرموت والمهرة وأرخبيل سقطرى، قبل أن تمتد لاحقاً إلى عدن ولحج وأبين وشبوة، ثم إلى الساحل الغربي ومأرب، على أن تشمل في مراحلها المقبلة بقية المناطق، بما في ذلك تعز والضالع.

ويعكس هذا التسلسل الجغرافي حرص الجهات المعنية على تنفيذ العملية بشكل مرحلي ومدروس، بما يضمن دقة النتائج وتفادي أي اختلالات قد تعيق تحقيق الأهداف المرجوة.

استبعاد الأسماء الوهمية من قوام القوات اليمنية (إعلام محلي)

في السياق ذاته، ترأس وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً لهيئة القوى البشرية في العاصمة المؤقتة عدن، اطّلع خلاله على مستوى التقدم المحرز في تحديث بيانات القوات المسلحة، والإجراءات المتخذة لتعزيز دقتها.

وقدم مسؤولو الهيئة شرحاً مفصلاً حول آليات العمل، بما في ذلك تحديث قواعد البيانات، وضبط الجوانب الإدارية والمالية، بما يسهم في تحسين كفاءة الأداء المؤسسي.

وشدد العقيلي على ضرورة مواصلة الإصلاحات، ومعالجة أوجه القصور، وضمان خلو قاعدة البيانات من أي ازدواج أو تكرار، مؤكداً أن بناء مؤسسة عسكرية حديثة يتطلب إدارة فعالة للموارد البشرية، قائمة على معايير دقيقة وشفافة.

وبحسب المصادر، فإن تأخر صرف رواتب بعض منتسبي وزارتي الدفاع والداخلية خلال الفترة الماضية، كان مرتبطاً بغياب قاعدة بيانات موحدة، إلا أن التقدم المحرز في هذا الجانب سمح ببدء صرف الرواتب للوحدات التي استكملت إجراءات التسجيل، على أن تستمر العملية تدريجياً لتشمل بقية الوحدات.

تمهيد للدمج الشامل

تُمهد هذه الإجراءات للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، تتضمن دمج كل التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن قوام القوات المسلحة، بما يعزز وحدة القرار العسكري، ويحد من التشتت الذي عانت منه المؤسسة خلال السنوات الماضية.

وفي هذا الإطار، وجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرمي، بتشكيل لجنة مختصة لمعالجة أوضاع بعض الوحدات، من بينها «لواء بارشيد» و«كتيبة الدعم الأمني»، من خلال تنظيم أوضاعها الإدارية والمالية، وضمها رسمياً إلى القوات المسلحة.

إنشاء قاعدة بيانات يمنية موحدة لجميع التشكيلات العسكرية والأمنية (إعلام محلي)

وتشمل مهام اللجنة حصر المعدات والآليات، وتجهيز معسكرات مناسبة، إضافة إلى إلزام الأفراد بالخضوع لإجراءات البصمة الحيوية، بما يضمن إدراجهم ضمن قاعدة البيانات الموحدة، وتمكينهم من الحصول على مستحقاتهم المالية وفق الأطر القانونية.

ويرى مراقبون أن نجاح هذه المرحلة يمثل خطوة مفصلية نحو إعادة بناء المؤسسة العسكرية اليمنية، بما يمكنها من أداء دورها في حفظ الأمن والاستقرار، ومواجهة التحديات الأمنية، في ظل دعم إقليمي ودولي يركز على تعزيز مؤسسات الدولة.