(4) راهن أبو عمار على الوعود السورية والعراقية بدعم عسكري لإسقاط النظام الأردني

مذكرات الأمير زيد بن شاكر كما ترويها أرملته - دفع وصفي التل ثمن وطنيته عندما قررت «أيلول الأسود» اغتياله وفاخر أبو إياد بذلك

الملك حسين يترأس اجتماعاً بحضور وصفي التل وزيد بن شاكر وكبار المستشارين
الملك حسين يترأس اجتماعاً بحضور وصفي التل وزيد بن شاكر وكبار المستشارين
TT

(4) راهن أبو عمار على الوعود السورية والعراقية بدعم عسكري لإسقاط النظام الأردني

الملك حسين يترأس اجتماعاً بحضور وصفي التل وزيد بن شاكر وكبار المستشارين
الملك حسين يترأس اجتماعاً بحضور وصفي التل وزيد بن شاكر وكبار المستشارين

تنقل «الشرق الأوسط» في هذه الحلقة من مذكرات الأمير زيد بن شاكر كما ترويها أرملته السيدة نوزاد الساطي والتي ستصدر الشهر المقبل عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت - عمان، بعض الروايات حول أحداث أيلول الشهيرة، تاركة التفاصيل في سردها الزماني والمكاني، وتسلسل الأحداث للكتاب الذي جاء على نحو صريح في سعيه إلى الدقة في توثيق رواية تلك الحقبة.
ويشمل الكتاب كثيراً من التفاصيل، التي لا تتضمنها سطور الحلقات المنشورة. وتكشف رواية السيدة نوزاد نقلاً عن زوجها الذي كان قائداً عسكرياً خلال تلك الأحداث، تفاصيل عن تنامي الصراع بين الجيش والمنظمات الفلسطينية، مما تطلب الحسم قبل تفاعل الأحداث وصولاً لانشقاق الجيش، وتحول البلاد لساحة صراع مسلح. في حلقة اليوم تقديم مقتضب لقرار الحسم الميداني الذي اتخذه الحسين بناء على تقارير مخابراتية قدمها مدير المخابرات الأردني نذير رشيد، والتي بلغت مستوى «التحذير» من استمرار حالة الانفلات الأمني، واستفزاز الدولة ومؤسساتها العسكرية. وفيما يلي نص الحلقة الرابعة:

في 10 أغسطس (آب) قرر الحسين إعادة زيد إلى القوات المسلحة، بموقع مساعد رئيس هيئة الأركان مدير العمليات. ‬عندما عاد زيد إلى الجيش، تفاجأ بأنه لا توجد أي خطة مدروسة للدفاع عن عمان، كما ذكر لي حينها؛ فقام على الفور بإعدادها. لكن جزءاً كبيراً من جهوده خلاله تلك الفترة كانت بمرافقة الحسين لتهدئة الفرق والجنود والضباط الغاضبين، فكانا يقومان مع قادة الفرق، بزيارات دورية للوحدات المختلفة، من أجل التهدئة وامتصاص الغضب، ومحاولة منع الانفلات داخل القوات المسلحة ومع تكرر الاستفزازات خلال تلك الفترة، انفتحت شهية المنظمات للسيطرة على السلطة، ولم يستقبلوا ما قام به الحسين من خطوات لتجنب إراقة الدماء والمواجهات المسلحة إلا في الاتجاه الخاطئ.
ويكفي القول إن عدد حوادث الاعتداء على العسكريين والأمن ومؤسسات الدولة والاستعراض العسكري في الشوارع، بلغ وفق إحصاءات رسمية، في الفترة بين 26 أغسطس إلى 8 سبتمبر (أيلول) (أي في أقل من أسبوعين)، 547 حادثاً‪‪‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

أحداث وتطورات
‬اندلعت الاشتباكات في أحياء عمان يومي 1 و2 سبتمبر، في الوقت الذي كانت تجري اللجنة المشتركة الأردنية - الفلسطينية اجتماعات لاحتواء النزاع. وفي الأثناء، وجه الحسين خطاباً شديد اللهجة عبر إذاعة عمان، مؤكداً فيه أنه لن يقبل المس بسيادة الأردن، ولن يتحمل بعد اليوم الشتائم والافتراءات‪. ‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
مع عودة زيد إلى موقع قيادي جديد في القوات المسلحة، رجعت الآلة السياسية والإعلامية نفسها إلى مهاجمته واتهامه، وتحميله مسؤولية الأحداث. في الأثناء، وقعت المخابرات على وثيقة خطرة تخص «الجبهة الديمقراطية»، هي بمثابة خطة واسعة لإثارة الاضطرابات في العاصمة على نطاق واسع خلال الفترة المقبلة.
التسارع في خط الانهيار بدأ يسير بخطى واضحة وخاطفة، ليضع الحسين أمام خيارين لا ثالث لهما؛ إما الحسم وإنقاذ الأردن من العصابات المسلحة والدولة الموازية والانفلات والتمرد على القانون، أو تمرد القوات المسلحة وانفراط قدرة الدولة على ضبط الأمور، يضاف إلى هذا وذاك ما خلقه موضوع خطف الطائرات وإنزالها في الأردن، وتغيير اسم المطار إلى مطار الثورة، وبدء التفاوض بين «الجبهة الشعبية» والدول الأخرى، من انطباعات وصورة عن الأردن بوصفه دولة بلا سيادة ولا قانون، أي دولة فاشلة بامتياز وبكل ما تحمله الكلمة من‪ !معنى
في 9 سبتمبر، قام الحسين بمنح صلاحيات مطلقة للفريق مشهور حديثة، رئيس أركان القوات المسلحة، لتأمين النظام والهدوء وتنفيذ التزامات الحكومة، لكن الغريب كان أن الفريق مشهور حديثة قام بتوجيه نداء للقوات (بعد أن أعطي هذه الصلاحيات) يتضمن أمراً بأن «تتوقف جميع القوات المسلحة وحدات وأفراداً عن إطلاق النار فوراً، وكل من يخالف هذا الأمر سأتخذ بحقه أشد الإجراءات العسكرية».
في تلك الأيام، أصبحت المدن الرئيسية في قبضة المنظمات، فيما رجال الأمن محصورون داخل المخافر وقوات الجيش في مواقعها البعيدة، والحكومة بأجهزتها في حالة ركود وشلل تأمين، والمبادأة في أيدي رجال المنظمات الذين رفعوا في 10 سبتمبر شعاراً جديداً «لن نقبل إلا بسلطة وطنية»، مما يعني تخويناً كاملاً للنظام والحكم في الأردن‪‪.‬‬‬‬‬‬‬
ووصلت الأمور - كما ذكرنا مراراً - إلى نذر أزمة بين الحسين نفسه وضباط الجيش وأفراده. إذ يذكر فاضل فهيد، وكان مديراً لمكتب زيد، أنه تلقى اتصالاً هاتفياً من قائد الفرقة الأولى، قاسم المعايطة، يسأل فيها عن زيد، ليخبره فيها بخروج أفراد الفرقة بآلياتهم، وصعودهم من الأغوار إلى عمان من أجل حمايتها، ووصولهم إلى مرج الحمام، لكن زيد كان في الوقت نفسه مشغولاً مع كتيبة أخرى من الحرس الملكي، بلغت مرحلة التمرد، ووصلت إلى مقربة من منزلنا، فكان يعمل على احتواء أفرادها وإعادتها إلى الانضباط. فما كان من فاضل فهيد إلا الاتصال مباشرة بالملك، الذي ذهب إلى مرج الحمام، وهو المكان الذي وصل إليه أفراد الفرقة المتمردون، ومعه حابس باشا المجالي، ثم لحق بهم زيد بعد أن أنهى موضوع الكتيبة الأخرى‪‪. ‬يتذكر حاكم طافور، الذي حضر اجتماع الملك بالفرقة الأولى، النقاش العاصف، فقد اتهموا الحسين وزيد بعدم اتخاذ موقف في مواجهة الفصائل الفلسطينية، ووصل غضبهم إلى القول بأنهم ما عادوا يأمنون على عائلاتهم، إضافة إلى عدم وصول الإمدادات إليهم، والتوتر من حوادث قتل الجنود في طريقهم إلى بيوتهم أثناء إجازاتهم. لكن أخطر ما قاله أفراد الكتيبة هو: لم نعد نحتمل هذا الوضع، وسندافع عن أنفسنا إن لم يتم اتخاذ قرار من الملك بالدفاع عن الجيش.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
وعندما بدأ الحسين بالحديث عن المصالحة، خرج أحد الجنود الصغار، بدرجة عريف، وقال كلاماً قاسياً يمس كرامة زوجات ونساء الجيش العربي. فطلب الحسين من المشير حابس المجالي، الذي كان برفقته رغم عدم عودته رسمياً بعد إلى الجيش العربي، أن يخطب بالحضور، فقال حابس: «أيها الجنود لقد كتب الله علينا أن نخوضها، وسنخوضها بإذن لله». فنزل وهم يهتفون باسمه: «أبو سطام بدنا نطلع على عمان». حينها أدرك الحسين تماماً أن التأخير أكثر يعني انهيار انضباط القوات المسلحة ومؤسسات الدولة الوطنية، فاجتمع مع الضباط وأبلغهم بأن هناك أمراً إيجابياً سيسمعونه قريباً‪. ‬بدت الدولة على مرمى حجر من أن تسمى بصورة كاملة «دولة فاشلة»، وإن كانت قد دخلت عملياً في هذا الطور بجدارة، بخاصة مع عملية اختطاف الطائرات، وهي القشة التي أفاضت الكأس، كما وصفها زيد. ‪‪‬ثم جاء ما يرش الملح على الجرح الملتهب، بالدعوة إلى إضراب عام في البلاد، الأمر الذي اعتبره مدير المخابرات العامة، نذير رشيد، دعوة صريحة واضحة إلى إسقاط الحكم الأردني وتعطيل البلد. ‬
قدم مدير المخابرات العامة تقدير الموقف هذا إلى الحسين في قصره بالحمر، ودعاه بإلحاح - بحضور زيد - إلى ضرورة الحسم. مما دعا الحسين إلى استدعاء زيد الرفاعي ووصفي التل ومضر بدران، وكانوا من المستشارين المقربين الموجودين إلى جانبه خلال الأزمة. وتم في ‪الاجتماع اتخاذ قرار بتشكيل حكومة عسكرية وإعلان الأحكام العرفية، واختير الزعيم محمد داود رئيساً لها، بتزكية من وصفي التل؛ وهو من أصول فلسطينية، لبعث رسالة واضحة ضد «بروباغاندا» التنظيمات المسلحة التي تريد الترويج لموضوع الحرب الأهلية. واتفق على أن يكون الحاكم العسكري هو حابس المجالي، لما يملكه من كاريزما وسمعة عسكرية وسياسية كبيرة لدى القوات المسلحة والشعب الأردني. ‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

مهمة إنقاذ الدولة
‬كانت المباحثات تجري في رئاسة الوزراء بين الرئيس عبد المنعم الرفاعي ووزير الدفاع عاكف الفايز من جهة، وياسر عرفات وقيادات المنظمة من جهة أخرى، لإيجاد طريق للخروج من الأزمة. ومن الواضح أن الخلافات كانت كبيرة، واستفزازات الميليشيات متزايدة.
‪‬وصلت الأخبار لعبد المنعم الرفاعي عن نية الحسين تشكيل حكومة عسكرية وحسم الأمور عسكرياً. فما كان منه إلا أن اتصل مع صلاح خلف (أبو إياد) قائلاً له: «وقعوا الاتفاق بالغاً ما بلغت التكلفة». وفهم أبو إياد الرسالة؛ إن الملك اتخذ قرار المواجهة التي كان يتجنبها، وتبشر بها الميليشيات، بوصفها حتمية، مع قوى الرجعية. وهي أيضاً محسومة لأسباب إقليمية ودولية وداخلية، كما سنشرح لاحقاً.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
في وقت لاحق، انضم وزير الدفاع السوري حينها، حافظ الأسد، إلى العراق في تحذير الأردن من أي عمل يمس التنظيمات المسلحة، متعهداً بحمايتها! فيما وافق عبد الناصر على طلب عرفات عقد اجتماع طارئ لجامعة الدول العربية. وهي معطيات اعتبرها قادة فصائل المنظمة انتصاراً أخيراً، وانعكست على خطاب عرفات الذي وقف في افتتاح المؤتمر الدولي لدعم المقاومة الفلسطينية، في عمان، ليقول: «إن الثورة أقوى من جميع المؤامرات».‪‪‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

جوهر كلمة السر
فور تشكل الحكومة العسكرية، تم رفضها من قبل منظمة التحرير‪‪.‬ واجتمعت القيادات الفلسطينية وجرى الإعلان عن أن ياسر عرفات هو القائد العام لقوات المقاومة الفلسطينية، ومنح الصلاحيات كافة. فيما‪ ‬عين عبد الرزاق اليحيى قائداً عاماً لجيش التحرير الفلسطيني، رئيساً لهيئة أركان قوات الثورة الفلسطينية المكونة من جيش التحرير وقوات‪ ‬الميليشيات. واعتبرت اللجنة العسكرية العليا بمثابة هيئة أركان عامة لقوات الثورة. كما أعيدت عضوية «الجبهة الشعبية» بعدما كانت قد جمدت منذ اختطاف الطائرات.
وجه عرفات نداء إلى الحكام العرب يدعوهم إلى التدخل لحماية الفصائل. وأصدرت اللجنة المركزية لمنظمة التحرير الفلسطينية ولجنة متابعة المؤتمر الوطني، بياناً أكدتا فيه على المضي في الدعوة إلى إضراب عام في البلاد.


(1) زيد بن شاكر: معلومات مصرية وضغوط دفعت بالملك حسين إلى حرب 1967

(2) التحمت المدرعات الأردنية بالإسرائيلية فغاب سلاح الطيران عن معركة الكرامة

(3) سلطة موازية ومحاولات اغتيال صعّدت الصراع بين الأردن والتنظيمات الفلسطينية


وبالفعل، بدت عمان في صباح يوم الخميس 17 سبتمبر، ساحة مواجهة، كأنها في حرب داخلية حقيقية بين الجيش والميليشيات، وتمكن الجيش من السيطرة على العديد من المواقع الاستراتيجية، وانطلقت عملية استعادة الأمن والاستقرار في عمان وإزالة القواعد والحواجز والمناطق العسكرية غير القانونية التي أقامتها الميليشيات. كانت عملية عمان معقدة تماماً، وواجهت معضلات كبيرة.
‬في مساء الخميس 17 سبتمبر أعلنت القيادة الموحدة للفصائل الفلسطينية منطقة «اللواء الشمالي» منطقة محررة، من البقعة حتى الحدود السورية، بما يشمل محافظات عجلون وجرش وإربد ومدينة الرمثا، وعينت الحكام الإداريين الموجودين أنفسهم ليكونوا تابعين لها، فرفضوا ذلك، وأصروا على التزامهم الولاء للدولة. وبدأت عملية تصفية للدولة ومؤسساتها في مدينة إربد من قبل الميليشيات. في المقابل، وكما روى لي زيد، بادر المدنيون من أهالي قرى الشمال إلى إعداد الطعام للجيش العربي ومساندته.
‬الوضع كان يتحسن، بالتزامن والتوازي مع ذلك، في عمان وباقي المناطق، منذ يوم الأحد 20 سبتمبر. إذ بدأت قيادات المنظمة تتهاوى وتسقط بيد الجيش؛ فاعتقل كل من أبو إياد وبهجت أبو غربية وأبو اللطف (فاروق القدومي) وإبراهيم بكر، وسيطر الجيش على‪ ‬العديد من المناطق في عمان، وفي الزرقاء والسلط وباقي المحافظات، وبدأت عملية معاكسة في محافظات الشمال في منتصف الأسبوع، أي منذ يوم الثلاثاء 22 سبتمبر، وكان هذا الأسبوع 20 - 27 سبتمبر ‪‪.حاسماً في مسار الصراع العسكري.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
‬انقلبت الظروف، واستفاد الجيش من تحطم معنويات الميليشيات في عمان وباقي المناطق. لكننا تفاجأنا باستقالة رئيس الحكومة محمد داود، بينما كان يقود - ممثلاً للملك - الوفد الحكومي الأردني الموجود في القاهرة لحضور مؤتمر قمة هناك. وهو ما حدث فعلا يوم الخميس 24 سبتمبر، وبعث برسالة الاستقالة من هناك. فقام الحسين بتشكيل حكومة جديدة برئاسة أحمد طوقان بعد يومين من ذلك.
بدا يوم الأربعاء 23 سبتمبر حاسماً على الصعيد الميداني؛ إذ تمكنت قوات الجيش من إكمال استعادة السيطرة وإعادة الأمن والاستقرار للجزء الأكبر من عمان، ولم يبقَ إلا بعض أحياء في عمان، يتحصن فيها قادة المنظمة، بعدما خسروا مواقعهم ومكاتبهم في جبل الحسين. كذلك، بدأت الدولة تعود إلى إربد مع انسحاب المسلحين، وأتمت القوات السورية تقهقرها إلى الحدود، وعادت الأمور إلى نصابها في أغلب محافظات المملكة تقريباً.
غادر الحسين يوم الأحد إلى القاهرة لحضور اجتماع القمة العربية الذي حضره أيضاً ياسر عرفات، وتم التوافق بين الرؤساء والملوك العرب على بنود اتفاق يتضمن خروج الجيش من المدن ووقف الأعمال العسكرية للميليشيات، وتطبيق الأمن والنظام، وعودة إربد إلى ما كانت عليه قبل الاحتلال السوري لها. وكلفت لجان عربية بمتابعة تنفيذ بنود الاتفاق في المرحلة التالية. وفيما كان قد تم في الأثناء إطلاق سراح عدد من الرهائن المتبقين في صفقة أدت إلى إطلاق سراح ليلى خالد المعتقلة في بريطانيا، و3 من أعضاء الجبهة الشعبية المعتقلين في سويسرا، تمكن الجيش العربي من تحرير آخر الرهائن.

‬‬زيد ووصفي... ثمن الولاء للوطن
تشكلت حكومة جديدة في 28 أكتوبر (تشرين الأول) 1970، برئاسة وصفي التل وضمت منيب المصري ومصطفى دودين وتشكلت البارزة من الشخصيات الأردنية من أصول فلسطينية، للتأكيد على مفهوم وصفي التل للوحدة الوطنية وصونه من أي مس بعد الأحداث الأخيرة. كما كان ضمن الوزارة إسحاق الفرحان؛ أحد أبرز قادة جماعة الإخوان المسلمين‪.‬‬‬‬‬
حاول وصفي ترتيب الأوضاع مع قادة المنظمة، للخروج من «شبح» الأيام السابقة، عبر تنظيم الوجود الفدائي، بما يضعه تحت مظلة القانون والدولة والسيادة. مما جعل وصفي مصراً على تطبيق إلزام المسلحين احترام هيبة الدولة وسلطتها، وعلى تطبيق الاتفاقات بصورة جدية.
وصل الطرفان إلى تفاهمات على انتقال المسلحين إلى جبال جرش وعجلون، مع إخراج أسلحتهم من المدن، والتخلي عن الأسلحة الثقيلة. لكن الجيش كان يعلم تماماً أنهم لم يلتزموا بهذا الاتفاق، فتم تفتيش البيوت والأحياء وكشف المخازن التي تم إخفاء السلاح فيها، مما كان مؤشراً على أن هناك من ما يزال يفكر بالفعل في السعي إلى فتح معارك جديدة في عمان والمدن الأخرى.
في تلك الفترة، كان أنور السادات الرئيس المصري الذي خلف عبد الناصر، مسكوناً بفكرة إقامة تسوية مع إسرائيل، لذلك لجأ إلى تحسين علاقته مع المنظمة على حساب الأردن. والحال كذلك كانت بشأن حافظ الأسد بعد أن أتم السيطرة على مقاليد الأمور في سوريا، ويريد أن يحظى بشرعية ثورية على مختلف المستويات. ومن ثم، أعلنت كل من مصر وسوريا قطع العلاقات الدبلوماسية مع الأردن، رداً على محاولة إنشاء «المملكة العربية المتحدة» التي كانت تعارضها مصر وسوريا بشدة، إضافة إلى طلب المنظمات الفلسطينية من الدولتين مساعدتها في إجهاض المقترح الأردني‪‪. ‬ففي 21 أغسطس 1971، قرر الأسد قطع العلاقات الدبلوماسية مع الأردن وإغلاق الحدود بين البلدين. تلا القرار السوري قرار مماثل لأنور السادات في 6 يونيو (حزيران) 1972، بعد إلقائه خطاباً معادياً للأردن لم يبالِ زيد ووصفي ورجال الدولة في تلك الفترة بما كانوا يلاقونه من اتهامات وشتائم من الإذاعات العربية ولا من الخطابات «الثورجية»؛ إذ كانت المهمة أولاً وأخيراً حماية الدولة وسيادتها وتطبيق القانون وصيانة السلم الأهلي من التلاعب الذي حدث مسبقاً.‬ ‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
أما‬ وصفي، فقد دفع ثمن وطنيته وشجاعته، عندما قررت اغتياله منظمة «أيلول الأسود»، التي أسسها أبو إياد فور خروج الميليشيات من الأردن. فقد علم أبو إياد بنية وصفي الذهاب إلى مؤتمر لوزراء الدفاع العرب، في جامعة الدول العربية في القاهرة، لتمثيل الأردن، وبدأ يعد خطة الاغتيال عبر مجندين في منظمته السرية. غادر وصفي إلى القاهرة لحضور اجتماع وزراء الدفاع العرب (يوم الأحد 28 نوفمبر (تشرين الثاني)، وبعد أن عرض المشروع الأردني في الجلسة الصباحية، تم اغتياله - على عتبة الفندق - من قبل شباب فلسطينيين تابعين لمنظمة «أيلول الأسود»، وافتخر أبو إياد لاحقاً بأن منظمته هي التي خططت لقتل وصفي ونفذت ذلك.
‪‬في يوم السبت 19 سبتمبر، تدخلت القوات السورية مباشرة، تحت يافطة جيش التحرير الفلسطيني، وهي في الحقيقة مدرعات ودبابات الجيش السوري، كما اعترف قادة المنظمة لاحقاً. فاشتبكت مع القوات الأردنية وسيطرت على جزء كبير من المناطق الشمالية، من بينها مدينتا إربد والرمثا، وقاربت على احتلال محافظات الشمال بالكامل، لانشغال القوات المسلحة الأردنية بالقتال في عمان والزرقاء والمدن الأخرى، مع وجود وحدات منها مرابطة لحماية الحدود مع إسرائيل.
في الوقت نفسه ظهرت بوادر لوضع القوات العراقية الموجودة في الأردن تحت تصرف منظمة التحرير الفلسطينية، وكانت تقدر بآلاف الجنود ومئات المدرعات‪‪.‬ فبدت علامات حقيقية على انهيار شديد في معنويات القوات المسلحة. وكان الحسين قد خاطب جامعة الدول العربية والزعماء العرب بسبب ‪ الاحتلال السوري لمناطق في الشمال
‪‪‬في الحقيقة، ومنذ البداية، كان رهان ياسر عرفات ومنظمة التحرير الحقيقي هو على الوعود السورية والعراقية بدعم عسكري حقيقي لإسقاط النظام السياسي الأردني. وهو ما انكشف مع التدخل البري الكبير للقوات السورية، كما اعترف صلاح خلف (أبو إياد) بحدوث اجتماع حضره مع ياسر عرفات بقيادات بارزة في حزب البعث والنظام العراقيين، هم عبد الخالق السامرائي، وزيد حيدر، ومهدي عماش وكان حينها وزيراً للداخلية العراقية، وذلك في مايو (أيار)، أي قبل قرابة أربعة أشهر من أحداث «أيلول»، في قاعدة الحبانية. في ذلك الاجتماع، قال لهم الوفد العراقي: نظموا محاولة انقلاب عسكري في الأردن، وستدعمكم الوحدات العراقية لقلب النظام وإقامة سلطة شعبية. وهو العرض الذي لم يرفضه عرفات، لكنه طلب منهم منحه وقتاً لطرحه على السوريين، لإيجاد قدر من التنسيق الكامل بين الأطراف الإقليمية الراعية للفدائيين‪.‬
‪ الرهان على العراقيين فشل. وقد تمثلت الخطوة الأهم في إحباط أي تدخل عراقي في الدور الكبير الذي قام به الحسين على الصعيد الدبلوماسي من خلال مراسلاته مع الأميركيين والبريطانيين والدول العربية. كما نفذ الجيش العربي، عقب بدء العمليات العسكرية، خديعة محكمة حيدت القوات العراقية الموجودة في الأردن. ولم يمضِ سوى وقت قصير حتى طلب الجانب العراقي السماح بإخلاء قواته الموجودة في جرش، حرصاً على تجنيبها القتال.
وكان القادة العسكريون العراقيون في الأردن قد انقسموا بشأن مساندة الميليشيات خلال اجتماع عقدوه في سينما المفرق؛ ‬وعندما أخذ الحسين ضمانات أميركية بعدم وجود نوايا إسرائيلية لاستثمار انسحاب الجيش العربي من الحدود لمواجهة السوريين والتحديات الخطيرة في الداخل، قام بالضربة الحاسمة باستخدام سلاح الجو، مراهناً على أن السوريين لن يستطيعوا استخدام سلاحهم الجوي كي لا يظهر أن القوات هي سورية، وليست تابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية. في الوقت نفسه، كانت لدى الحسين معلومات عن وجود خلافات بين وزير الدفاع، حينها، حافظ الأسد، والجناح السياسي القائد في حزب البعث، فامتنع عن استخدام سلاح الجو في المعركة خشية الإدانة السياسية عالمياً، على الأغلب، نتيجة الاعتداء على دولة أخرى، وكسب الحسين الرهان. فأخذت القوات الأردنية زمام المبادرة، وانقلبت المعادلة فأصبحت تلاحق القوات السورية التي عبرت الحدود الأردنية - بالعكس، مما انعكس بصورة سلبية تماماً على معنويات الميليشيات.



قمة مصرية - صينية مرتقبة لتعزيز «الشراكة الاستراتيجية»

الرئيس الصيني يستقبل السيسي في بكين 29 مايو 2024 (الرئاسة المصرية)
الرئيس الصيني يستقبل السيسي في بكين 29 مايو 2024 (الرئاسة المصرية)
TT

قمة مصرية - صينية مرتقبة لتعزيز «الشراكة الاستراتيجية»

الرئيس الصيني يستقبل السيسي في بكين 29 مايو 2024 (الرئاسة المصرية)
الرئيس الصيني يستقبل السيسي في بكين 29 مايو 2024 (الرئاسة المصرية)

تترقب القاهرة زيارة للرئيس الصيني شي جينبينغ، لبحث تعزيز التعاون والملفات الإقليمية.

وتحمل تلك الزيارة، التي تعد الأولى إلى مصر منذ 10 سنوات، فرصة لتعزيز الشراكة بين البلدين وفتح مسار جديد في علاقات بكين والقاهرة، وفق عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير محمد حجازي، لـ«الشرق الأوسط».

وأفادت الرئاسة المصرية، في بيان الأربعاء، بأنه «في إطار العلاقات الثنائية المتميزة مع بكين، فمن المقرر أن يقوم الرئيس الصيني شي جينبينغ بزيارة إلى مصر خلال الأيام القليلة القادمة».

ومن المقرر أن يلتقي خلال الزيارة مع الرئيس عبد الفتاح السيسي، لبحث سبل تعزيز علاقات الشراكة الاستراتيجية بين البلدين في مختلف المجالات، فضلاً عن تبادل الآراء بشأن عدد من القضايا الإقليمية والدولية.

ووفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، يتوجه الرئيس الصيني الأحد إلى قرغيزستان بدءاً لجولته التي تستمر إلى الثالث من سبتمبر (أيلول)، للمشاركة في قمة «منظمة شنغهاي للتعاون» في العاصمة بيشكيك، حيث يقوم بزيارة دولة، تعقبها زيارة أخرى إلى مصر، وفقاً لما أعلنته وزارة الخارجية الصينية في بيان الأربعاء.

وأكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية لين جيان، أن المحادثات في مصر تهدف إلى «الإسهام الإيجابي في صون السلام والاستقرار في المنطقة»، لافتاً إلى أن زيارة شي هي «الأولى إلى مصر منذ 10 سنوات، كما تحمل أهمية خاصة لتطوير العلاقات الثنائية».

توقيت بالغ الدلالة

ويشير مساعد وزير الخارجية الأسبق محمد حجازي، إلى أن الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني «تأتي في توقيت بالغ الدلالة بالنسبة للعلاقات بين القاهرة وبكين، وفي لحظة دولية تشهد إعادة تشكيل عميقة في موازين القوة والاقتصاد والسياسة».

وتكتسب هذه الزيارة أهمية خاصة لأنها تأتي في عام 2026، الذي تحتفل فيه مصر والصين بمرور سبعين عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما، حيث أصبحت مصر في 30 مايو (أيار) 1956 أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات رسمية مع الصين، وفق حجازي.

السيسي والرئيس الصيني خلال المشاركة في احتفالات «عيد النصر» بالعاصمة الروسية موسكو 9 مايو 2025 (الرئاسة المصرية)

وانتقلت العلاقات المصرية - الصينية خلال العقود السبعة الماضية من مرحلة «التضامن السياسي ودعم قضايا التحرر الوطني»، إلى مرحلة التعاون الاقتصادي والتنموي، ثم إلى مستوى «الشراكة الاستراتيجية الشاملة» التي أُعلنت عام 2014، وخلال العقد الأخير اتسعت مجالات التعاون لتشمل البنية الأساسية والطاقة والنقل والصناعة والتعليم⁠، بحسب حجازي.

وعن مستقبل الشراكة المصرية - الصينية خلال السنوات المقبلة، يرى حجازي، أن «المصلحة المصرية تقتضي الانتقال من نموذج يقوم بدرجة كبيرة على التجارة والاستثمار، إلى نموذج يقوم على الإنتاج المشترك ونقل التكنولوجيا وبناء القدرات وتوطين الصناعة».

وقال إن «أحد أهم أهداف المرحلة المقبلة ينبغي أن يكون تحويل مصر إلى قاعدة صناعية ولوجستية صينية موجهة إلى الأسواق الأفريقية والعربية، وليس مجرد سوق للمنتجات الصينية. كما أن التعاون في مجال الأمن الغذائي، يستحق اهتماماً خاصاً، في ضوء التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي واضطراب سلاسل الإمداد الدولية، ويمكن لمصر والصين تطوير مشروعات مشتركة في الزراعة والتصنيع الغذائي والتخزين والنقل وسلاسل الإمداد، ليس فقط لخدمة السوق المصرية، وإنما لفتح آفاق أوسع في أفريقيا».

ويشير حجازي إلى أنه «سياسياً ودولياً، يمكن تطوير مستوى التشاور المصري - الصيني حول أزمات الشرق الأوسط، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وإعادة إعمار غزة، وأمن البحر الأحمر، وحرية الملاحة، وأمن الطاقة، ومستقبل النظام الإقليمي».

ويخلص، إلى أن الزيارة «ينبغي أن تكون مناسبة لإطلاق رؤية مصرية - صينية مشتركة للعقد المقبل، وليس فقط لتوقيع مجموعة جديدة من مذكرات التفاهم ودعم الشراكة واستقرار المنطقة».


رسوم حوثية جديدة على الأسمنت تخنق قطاع البناء

مصنع أسمنت باجل دُمر في الرد الإسرائيلي على صواريخ الحوثيين (إعلام محلي)
مصنع أسمنت باجل دُمر في الرد الإسرائيلي على صواريخ الحوثيين (إعلام محلي)
TT

رسوم حوثية جديدة على الأسمنت تخنق قطاع البناء

مصنع أسمنت باجل دُمر في الرد الإسرائيلي على صواريخ الحوثيين (إعلام محلي)
مصنع أسمنت باجل دُمر في الرد الإسرائيلي على صواريخ الحوثيين (إعلام محلي)

عمَّقت الجماعة الحوثية الأزمة الاقتصادية في المناطق الخاضعة لسيطرتها، عبر إقرار زيادتين متتاليتين في الرسوم الجمركية وضريبة المبيعات المفروضة على الأسمنت المستورد، في خطوة يرجَّح أن تزيد تكلفة مواد البناء، وتضغط على قطاع لا يزال يستوعب شريحة من العمالة اليدوية.

وحسب تعميم صادر عن مصلحتي الضرائب والجمارك اللتين تديرهما الجماعة، يبدأ تطبيق الزيادة الأولى في 26 أغسطس (آب) الحالي، على أن تدخل الزيادة الثانية حيز التنفيذ مطلع أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.

وتأتي الإجراءات في وقت يعاني فيه الاقتصاد في مناطق سيطرة الحوثيين من الركود وتراجع فرص العمل، بالتزامن مع اتساع الفقر والاحتياجات الإنسانية، وهروب رؤوس أموال، وازدياد أعباء الرسوم والجبايات المفروضة على الأنشطة التجارية.

وحدد التعميم الرسوم الجمركية على الأسمنت الجاهز، سواء كان سائباً أو معبأ في أكياس، عند 20 في المائة، وضريبة المبيعات عند 10 في المائة، على أن ترتفع الرسوم الجمركية في المرحلة الثانية إلى 30 في المائة، وضريبة المبيعات إلى 15 في المائة.

أسواق صنعاء تعاني الركود والجبايات الحوثية المتعددة (إعلام محلي)

وتبرر وزارة المالية ومصلحتا الضرائب والجمارك التابعتان للحوثيين القرار بأنه يهدف إلى حماية المنتج المحلي ودعم الإنتاج الوطني، مع زعمها أن إنتاج الأسمنت المحلي وصل إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي.

غير أن هذا التبرير يأتي في وقت توقفت فيه غالبية المصانع الحكومية الثلاثة التي سيطرت عليها الجماعة عن العمل، بعد تعرضها للاستهداف بالصواريخ أو الغارات الإسرائيلية.

وفرضت الجماعة -في إطار ما تسميه حماية المنتج المحلي- حصة تعادل 50 في المائة من الرسوم الجمركية وضريبة المبيعات، واشترطت توريد ضريبة المبيعات نقداً، وبنسبة تحصيل كاملة في جميع المنافذ، إلى جانب احتساب الرسوم على كامل القيمة الجمركية.

ويشير ذلك إلى أن السلع التي تدخل عبر المناطق الخاضعة للحكومة اليمنية ستواجه رسوماً جمركية كاملة، بدلاً من النسبة البالغة 50 في المائة المفروضة على بقية السلع القادمة من تلك المناطق.

سلسلة زيادات

تأتي الزيادة الجديدة ضمن سلسلة من الإجراءات والرسوم التي فرضتها الجماعة الحوثية خلال السنوات الماضية على السلع المستوردة، ما أثار انتقادات من التجار والمستوردين، بسبب انعكاساتها على تكاليف الاستيراد والأسعار.

وفي أغسطس 2023، أصدرت وزارة المالية التابعة للحوثيين قراراً برفع الرسوم الضريبية والعوائد الأخرى على السلع المستوردة عبر المنافذ البرية وميناء الحديدة، لتصل نسبة التحصيل إلى مائة في المائة من إجمالي القيمة الجمركية.

وأبقت الجماعة الرسوم على السلع الواردة إلى المراكز البرية من مناطق الحكومة اليمنية عند 50 في المائة، رغم أن المستوردين يدفعون الرسوم الجمركية كاملة في المنافذ الواقعة تحت سيطرة الحكومة.

الحوثيون دمَّروا مصنع البرح في تعز ونهبوا معداته (إعلام محلي)

وشهدت الفترة اللاحقة زيادات أخرى طالت قطاعات وسلعاً مختلفة. وأشار تقرير لمركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية إلى أن سلطات الحوثيين رفعت خلال عام 2024 الرسوم المفروضة على مجموعة من السلع الأساسية المستوردة، بينها الملابس والأحذية والحقائب، إلى جانب فرض مساهمات مالية إضافية على التجار.

وفي يناير (كانون الثاني) 2026، فرضت الجماعة رسوماً إضافية على الأسمنت المحلي تحت اسم «دعم المؤسسة اليمنية للأسمنت»، ورفعت الرسوم بنسبة 50 في المائة، حسب تقارير محلية، وسط تحذيرات من تأثير ذلك على أسعار مواد البناء وتعطيل مشاريع الإنشاء.

تكلفة إضافية على البناء

في ظل هذه الأعباء، انتقد الخبير الاقتصادي اليمني علي التويتي الزيادة الحوثية الجديدة، وقال إنها جاءت بعد فترة قصيرة من قرار سابق رفع الرسوم المحصلة على كيس الأسمنت من نحو 480 ريالاً إلى 700 ريال، في حين يبلغ سعر الدولار في مناطق سيطرة الحوثيين نحو 500 ريال.

ووصف التويتي القرار بأنه «مهزلة»، محذراً من أنه سيؤدي إلى «مزيد من الركود والجوع والبطالة»، في وقت يعاني فيه العاملون في قطاع البناء والمهن المرتبطة به من تراجع فرص العمل وانكماش النشاط الاقتصادي.

منافذ جمركية حوثية على خطوط التماس مع المناطق الخاضعة للحكومة (إعلام محلي)

وأشار إلى أن ارتفاع تكلفة الأسمنت سينعكس على مشاريع البناء ويقلص الطلب على العمالة، متسائلاً عن جدوى حماية المصانع المحلية عبر فرض مزيد من الرسوم على الأسمنت المستورد، بدلاً من معالجة تكاليف الإنتاج، وتحسين قدرة المصانع الوطنية على المنافسة.

وتتزامن الإجراءات الجديدة مع استمرار الجماعة في فرض رسوم وجبايات متعددة على الأنشطة التجارية، في وقت يعاني فيه معظم السكان في مناطق سيطرتها من انعدام الأمن الغذائي وتدهور القدرة الشرائية.

كما أفضت الأعباء المالية المتزايدة، وفقاً للمادة، إلى إفلاس عدد من التجار وإغلاق آخرين محالهم بعد عجزهم عن تحمل الجبايات المفروضة خارج الرسوم الضريبية والزكوية المحددة قانوناً.


تصعيد الحوثيين العسكري يعيد إنتاج أزمة النزوح في اليمن

عائلة في الحديدة أجبرها القصف الحوثي على النزوح إلى جرف صخري (إكس)
عائلة في الحديدة أجبرها القصف الحوثي على النزوح إلى جرف صخري (إكس)
TT

تصعيد الحوثيين العسكري يعيد إنتاج أزمة النزوح في اليمن

عائلة في الحديدة أجبرها القصف الحوثي على النزوح إلى جرف صخري (إكس)
عائلة في الحديدة أجبرها القصف الحوثي على النزوح إلى جرف صخري (إكس)

أعاد التصعيد العسكري للجماعة الحوثية إنتاج النزوح داخل اليمن في صورة موجات صغيرة ومتعددة، ويجد النازحون أنفسهم محاصرين بين الجبهات بعد أن دفع القصف الذي استهدف القرى والأحياء السكنية العديد من العائلات في مناطق متفرقة إلى النزوح القسري وسط مخاوف من موجة تشرد واسعة قد تشهدها الأشهر المتبقية من العام الحالي.

وبينما ينذر التصعيد الذي انتهجته الجماعة الحوثية خلال الأسابيع الأخيرة بتوسيع الأزمة الإنسانية التي يعيشها ملايين اليمنيين، تتزايد التحذيرات الأممية من كارثة إنسانية متفاقمة مع اقتراب عام 2026 من ثلثه الأخير، وسط مؤشرات على أن الأوضاع الميدانية تتجه نحو نقطة اللا عودة.

وأجبرت الجماعة الحوثية أكثر من 104 عائلات على النزوح من منازلها شمال مديرية حيس ومشارف المديريات المجاورة لها جنوب محافظة الحديدة، واضطرارها للمبيت في الجروف الصخرية والمناطق الجبلية الوعرة.

واتهمت مصادر حكومية في محافظة الحديدة، تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، الجماعة الحوثية باستهداف المدنيين في محيط المناطق الواقعة جنوب المحافظة بالمدفعية والطيران المسيّر وزراعة الألغام، لدفع السكان إلى النزوح، إلى جانب تحويل المنازل في خطوط التماس إلى مأوى للمقاتلين بالإكراه، لاستخدام السكان كدروع بشرية وتجنب هجمات الطيران المسيّر التابع للجيش اليمني.

استهداف الحوثيين ميناء المخا يفاقم من الأزمة الإنسانية في اليمن (أ.ف.ب)

وكشفت المنظمة الدولية للهجرة عن تصاعد أعداد حالات النزوح في المحافظات التي تشهد تصعيداً عسكرياً بين القوات الحكومية والجماعة الحوثية، حيث رصدت نزوح 218 أسرة تضم 1308 أفراد حتى الأسبوع الماضي، أغلبها في محافظات تعز والحديدة ومأرب، وهي المحافظات التي شهدت أعنف عمليات التصعيد العسكري الحوثي.

وبحسب بياناتها، سجلت المنظمة الأممية خلال الشهر الحالي أعلى معدل نزوح أسبوعي منذ مطلع العام، بعد اضطرار مئات الأسر إلى الفرار تحت وطأة القصف الصاروخي والمدفعي المتواصل، وبذلك بلغ عدد الأشخاص الذين رصدت المنظمة تعرضهم للنزوح مرة واحدة على الأقل منذ بداية العام 11.928 شخصاً، أي نحو 1.988 أسرة.

نزوح بلا إغاثة

وتتصدر محافظة مأرب قائمة المحافظات التي تشهد حالات النزوح، بنسبة تتجاوز 53 في المائة من إجمالي أرقام النزوح طبقاً لإحصاءات حكومية.

وتعرضت المدينة (مركز محافظة مأرب) التي تضم أكبر تجمع لمخيمات النازحين في البلاد لقصف مكثف بالصواريخ والطائرات المسيّرة من طرف الجماعة الحوثية، وطال القصف بشكل مباشر مناطق قريبة من مخيمات مكتظة مثل مخيم «جو النسيم»، وأسفر عن مقتل مدنيين اثنين وإصابة 14 آخرين.

آثار قصف حوثي في مخيم «سائلة الميل» للنازحين في مأرب (أ.ف.ب)

ولا يقتصر أثر التصعيد على حركة السكان، إذ تحذر الأمم المتحدة من أن التصعيد العسكري الحوثي واستهداف المدنيين والمنشآت والموانئ والسفن التجارية ينذر بمضاعفة الأزمة الإنسانية والاقتصادية في اليمن في وقت كثفت فيه الحكومة اليمنية تحركاتها لرفع جاهزية قطاعات النقل والتجارة وتأمين سلاسل الإمداد والمخزون الغذائي في المناطق المحررة.

وفي موازاة ذلك أظهر بيان المنظمة الإنسانية الدولية (ACAPS) الخاص باليمن، أن الفترة بين 2 و8 أغسطس (آب) الحالي شهدت نزوح 300 شخص جديد بسبب النزاع، وربطت ذلك مباشرة بالتصعيد في الجبهات، مشيرة إلى أن أكثر احتياجات النازحين إلحاحاً هي المأوى والغذاء ودعم سبل المعيشة.

وبينت المنظمة أن معظم الأسر النازحة لا تتناول ثلاث وجبات يومياً، وأنها بدأت تعتمد على استراتيجيات تأقلم سلبية مثل الاقتراض، وتقليل استهلاك الغذاء، وتقليص الإنفاق على الاحتياجات غير الغذائية.

نازحة يمنية في تعز تغلي أوراق النباتات لإطعام عائلتها (أ.ف.ب)

ويبدو النزوح الأخير أقل عددياً لكنه أكثر ارتباطاً بالتصعيد العسكري في ظل تراجع شديد للمعونات الإغاثية الأممية والدولية، وتفاقم الأوضاع المعيشية واستمرار ارتفاع أسعار المواد الأساسية رغم المحاولات الحكومية لدعم العملة على استعادة قدرتها الشرائية.

بين النار والتشرد

وبدأت الجولة الأخيرة من التصعيد العسكر الحوثي نهاية يونيو (حزيران) وبداية يوليو (تموز) الماضيين، عقب إعلان الجماعة الحوثية تصعيدها البحري وتهديدها للملاحة في البحر الأحمر، إذ أتبعت ذلك بعمليات عسكرية برية وجوية ضد مواقع الجيش اليمني ومناطق سكنية في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية.

وشهدت الأيام الأخيرة مئات العمليات الهجومية والدفاعية بين الجماعة الحوثية والجيش اليمني.

جنود في الجيش اليمني يعاينون آثار قصف حوثي على مسجد في مأرب قبل 5 أعوام (رويترز)

وتشير التقارير الأممية إلى أن الخوف من وقوع المناطق السكنية في مرمى النيران والتعرض للقصف المباشر كان من أبرز دوافع النزوح الأخير، إلى جانب الاحتمالات القائمة بتعرضهم للحصار نتيجة المواجهات وانقطاع وصول المواد الأساسية إليهم، وانهيار الخدمات الأساسية وتدهور الوضع المعيشي.

وتأتي موجات النزوح الجديدة في وقت تعاني فيه خطط الاستجابة الإنسانية في اليمن من عجز تمويلي حاد تخطى 80 في المائة، بعد أن أعلنت الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، أن خطة الاستجابة الإنسانية لليمن للعام الحالي لم تحصل سوى على 20 في المائة من التمويل المطلوب.

وطلبت الأمم المتحدة، مطلع العام الحالي، نحو 2.16 مليار دولار لتقديم المساعدة إلى 12 مليون يمني، من أصل أكثر من 22 مليون شخص يحتاجون إلى المساعدة الإنسانية والحماية في مختلف أنحاء البلاد.

وتواجه المنظمات الإغاثية صعوبات بالغة في الوصول إلى مناطق النزاع الجديدة بسبب استمرار الهجمات العسكرية واستهداف الطرق الحيوية من جهة، وممارسات الجماعة الحوثية من جهة أخرى.

أكثر من 320 أسرة يمنية نزحت حديثاً في مأرب (الأمم المتحدة)

وخلال الأعوام الأخيرة أقدمت الجماعة الحوثية على اعتقال العشرات من عمال الإغاثة والموظفين الأمميين أو في المنظمات الدولية، ووجهت لهم تهماً بالتجسس والتخابر، وعرضتهم لمحاكمات غير عادلة.

وتبدي جهات الإغاثة قلقها من أن المخيمات الحالية لم تعد قادرة على استيعاب موجات جديدة، حيث تفتقر الأسر الفارة إلى أبسط مقومات الحياة من مأوى، ومياه صالحة للشرب، ورعاية طبية طارئة.

وبناء على المؤشرات الميدانية الحالية، فإن استمرار التصعيد بالوتيرة الحالية قد يفتح الباب أمام موجة نزوح أوسع خلال الأشهر المتبقية من العام الحالي، ويزيد من دفع الملايين إلى حلقة مفرغة جديدة من الجوع والتشرد.