رحلة في قلب الجحيم الليبي

صحافي غيني يروي تجربته في سجن إحدى الميليشيات لقرابة ثلاثة أعوام

ليبيا.... خوض المعارك المؤدية إلى طريق معتم ومصير مجهول
ليبيا.... خوض المعارك المؤدية إلى طريق معتم ومصير مجهول
TT

رحلة في قلب الجحيم الليبي

ليبيا.... خوض المعارك المؤدية إلى طريق معتم ومصير مجهول
ليبيا.... خوض المعارك المؤدية إلى طريق معتم ومصير مجهول

مغامرة قاسية محفوفة بمخاطر الموت والتعذيب والجوع خاضها بشجاعة الصحافي الغيني «ألفا كابا» البالغ من العمر 25 عاماً ليقدم للقارئ خلاصة تجربته الخاصة مع الميليشيات في ليبيا، التي عاشها المؤلف على مدى ثلاث سنوات، من 2013 حتى 2016، مسجلاً تفاصيلها ووقائعها في كتابه «عبد الميليشيات... رحلة في قلب الجحيم الليبي» الواقع في 220 صفحة من القطع المتوسط والصادر مؤخراً عن واحدة من أكبر دور النشر الفرنسية وهي دار «فيار» للنشر.
يستهل ألفا كابا كتابه هذا باستعراض حياته في غينيا وعمله صحافياً في إحدى المحطات الإذاعية المحلية هناك، حيث كان مسؤولاً عن أحد برامج الندوات اليومية الذي يتعرض للمشاكل الحياتية، إلى أن تعرض لمشكلة هناك في إحدى الحلقات التي تم بثها في 2013، وتم توجيه الانتقاد الشديد على إثرها إلى المحطة الإذاعية، هذا مع بعض التهديدات التي استهدفت الصحافي ذاته؛ الأمر الذي دفعه للهرب من مسقط رأسه قاصداً باب الهجرة غير الشرعية نحو فرنسا عن طريق ليبيا، ليجوب خمس دول أفريقية، ويركب الكثير من الحافلات، إضافة إلى السير مترجلاً لمسافات طويلة في جيوب الصحراء إلى أن بلغ الأراضي الليبية. لكن توقف حلمه في «الهجرة لفرنسا» عند هذا الحد، فبمجرد وصوله منطقة «بني وليد» تم اعتقاله على أيدي إحدى الميليشيات النشطة هناك ليبدأ فصلاً جديداً من حياته أشبه بالجحيم، ويستمر هذا الفصل لفترة تقارب ثلاثة أعوام، وهناك يعيش مع عناصر أخرى قيد الحبس تخضع لسلطة أحد أفراد الميليشيات، ويتم انتقالهم من سلطة فرد إلى سلطة آخر وكأنهم سلعة أو بضاعة.
يشير المؤلف إلى الأيام الصعبة التي عاشها في ظل الميليشيا هناك، حيث تم تكليفه القيام بأعمال الزراعة والبناء والتشييد، هذا بالإضافة إلى بعض الأعمال الأخرى التي لا يمكن له التواني أو التأخير ولو للحظات عن تنفيذها، مثل دفن الموتى من زملائه قيد السجن. ثم قبع بأحد السجون هناك عام 2016 لتتولد في رأسه فكرة هذا الكتاب «ليكون بمثابة نصيحة لكل من يفكر في مجرد خوض هذه الطريق المعتمة والمجهولة». وهو لم يتمكن من تنفيذ هذا الكتاب إلا بعد حصوله على وضع «لاجئ سياسي» في مدينة بوردو الفرنسية، حيث التقى هناك الصحافي الفرنسي كليمون بوريه، الذي ذلل له العقبات حتى خرج هذا الكتاب إلى النور.
يسجل المؤلف وصفاً دقيقاً وواقعياً للأيام الصعبة التي عاشها في أحد السجون التابعة لمعسكرات الميليشيات في منطقة بني وليد الليبية، وكان مجرد رؤية طائرة تمر في المجال الجوي للمعسكر القابع في أحد سجونه حتى تثير لديه أمنيته وحلمه القديم المتمثل في بلوغ الأراضي الفرنسية. وكان جدوله اليومي يتلخص في القيام بالأعمال الشاقة وتناول وجبة واحدة يومياً وهو حال يطول 700 ألف على الأقل من المهاجرين غير الشرعيين الذين يعيشون اليوم في ليبيا أملاً في بلوغ الشواطئ الأوروبية. إلا أن معظمهم يقعون بين أيادي عشرات الميليشيات النشطة هناك ليقبعوا خلف سجون المعسكرات التابعة لهذه الميليشيات، التي تحتجز بعضهم رهائن مقابل مطالبة ذويهم بدفع الفدية. وفيما يتعلق بالنساء القابعات خلف أسوار السجون التابعة للميليشيات، فهن يتعرضن لاعتداءات جنسية يومياً، وضرب وعنف جسدي.
ويقول المؤلف، إن ما يحدث في ليبيا ليس سراً في حد ذاته، ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، أي بعد عام من إطلاق سراحه، نشر صحافيون من «سي إن إن» صوراً لمشاهد كثيرة تتعلق ببيع العبيد على أيدي الميليشيات في ليبيا، كما تناولت الصحافة هي الأخرى شهادات كثيرة في هذا الشأن، أي أننا، كما يضيف، أمام وضع يؤدي إلى نتيجة واحدة مفادها أن العبودية والاتجار بالبشر أصبحا يمثلان أمراً عادياً وتقليدياً في ليبيا.
خطورة هذا الوضع، يقول ألفا كابا، دفعت الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى أن يدين هذه الممارسات في 22 من نوفمبر 2017، واصفاً إياها بأنها تمثل وبحق جرائم ضد الإنسانية. إضافة إلى ذلك، فقد أعلنت حكومة إدوارد فيليب مطلع صيف 2018 عن تعزيز تعاونها مع الدولة الليبية بهدف إحكام السيطرة على تدفق تيارات الهجرة غير الشرعية، وتفكيك الشبكات الإجرامية التي تمتهن مهنة الاتجار بالبشر. ونظراً لزيادة هذا النمط من النشاط على الأراضي الليبية، فقد وصف صحافيون وباحثون عدة المشهد في ليبيا بـ«أننا أمام دولة تقريباً دون دولة».
وفى ظل هذا الوضع، يخلص المؤلف إلى أنه ليس هناك أي دولة أوروبية على استعداد اليوم للتحرك لإنهاء عمليات العنف والوحشية التي تشهدها سواحلها نظراً لخطورة الوضع على خلفية حالة الانفلات غير المسبوقة التي تشهدها الأراضي الليبية.
يذكر المؤلف أنه كان يتمتع ببنيان رياضي قوي وسليم، إلا أنه بعد مكوثه لما يقرب من ثلاثة أعوام خلف أسوار السجون التابعة للميليشيات في ليبيا، وما كان يقوم به هناك من أعمال شاقة، أصيب جسده بالهزال والضعف، وأضحى جسده يشبه الجثمان إلى حد كبير. ثم يعود بنا الكاتب لأحد أيام شهر أكتوبر (تشرين الأول) 2016 ونشوب حريق في أحد العنابر التي كانوا يقطنونها؛ الأمر الذي دفعهم للتفكير في الهرب. وأخبره صديقه ورفيق رحلته في الرق والعبودية إبراهيم (سنغالي الجنسية) بأنهم سيهربون إلى الشواطئ الأوروبية ليلاً، وأن هناك سيارة دفع رباعي ستنقلهم إلى المركب الذي سيقلهم إلى هناك ليصلوا ليلاً للشاطئ، حيث ينتظر هناك 150 شخصاً من الرجال والنساء دورهم للصعود إلى المراكب في مجموعات يقدر قوام الواحدة منها بعشرة أفراد، ليقلهم بعد ذلك إلى الشاطئ الأوروبي. إلا أن المركب المقرر أن يقلهم إلى الشواطئ الأوروبية كان بحالة سيئة للغاية، وبمجرد أن دخلوه وصلت المياه إلى ركابهم، كما أن محركه لم يكن يعمل بسهولة. ومن هنا بدأت رحلتهم البحرية صوب الشواطئ الأوروبية لتنسيهم شدة البرودة والقلق المسيطر عليهم من المجهول والمجازفة في تحقيق الحلم القديم المتمثل في الوصول للأراضي الفرنسية، وبخاصة أن البحر لم يكن ساكناً وتحيط بهم الأمواج من كل جانب. ويتحدث المؤلف بالتفصيل عن مدى صعوبة رحلته البحرية تلك، وبخاصة أنه لم يكن ماهراً في السباحة، لكنه استطاع أن ينجح، وبخاصة بعدما طُلب منه النزول في المياه لاستكمال رحلته حتى الشاطئ الأوروبي بمفرده، وهذا ما نفذه بالفعل لتبدأ بعد ذلك رحلة إدارية أخرى لإضفاء الوضع القانوني والشرعي على وجوده ويحصل على صفة لاجئ سياسي في مدينة بوردو الفرنسية.



محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً