بوتين.. و«عقيدة روسيا الجديدة»

توسع الناتو والربيع العربي والأزمة الأوكرانية في مقدمة أسباب التفكير في استراتيجيات جديدة

بوتين.. و«عقيدة روسيا الجديدة»
TT

بوتين.. و«عقيدة روسيا الجديدة»

بوتين.. و«عقيدة روسيا الجديدة»

انتفض الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ليرد على ما تواصل واشنطن وحلفاؤها من بلدان الاتحاد الأوروبي إقراره من عقوبات ضد روسيا منذ اندلاع الأزمة الأوكرانية. عاد بوتين ليحذر من مغبة استمرار توسع الناتو وتعزيز مواقعه في أوروبا وألاسكا على مقربة مباشرة من الحدود الروسية. وعلى الرغم من أن «توسع الناتو» كان في مقدمة الأخطار المباشرة على أمن روسيا القومي إلى جانب الإرهاب الدولي، فإن روسيا لم تلتفت كثيرا إلى تغيير عقيدتها العسكرية الروسية التي أقرتها في 2010، بالقدر نفسه الذي تكشف فيه اليوم عن الحاجة إلى ذلك، بسبب محاولات واشنطن استغلال تداعيات الأزمة الأوكرانية لتحقيق مآربها التي تستهدف في حقيقتها النيل من الأمن القومي للدولة الروسية.
من منظور ما خلصت إليه الوثيقة الصادرة في 5 فبراير (شباط) 2010 حول العقيدة العسكرية الروسية التي تنص على «إمكانية إعادة النظر في أحكام العقيدة العسكرية بالتغيير والتعديل والإضافة بما يتناسب مع الأخطار والتهديدات لأمن ودفاع البلاد وظروف تطور الدولة الروسية الاتحادية»، عادت موسكو لتطرح ما تراه مناسبا وما يتفق مع الأخطار التي صارت تهدد أمن الدولة في أعقاب اندلاع الأزمة الأوكرانية وما أعلنه حلف الناتو من خطط لتعزيز قواته وقواعده على مقربة مباشرة من الحدود الروسية، فضلا عما عاشته موسكو من مخاوف من احتمالات تأثير أحداث الربيع العربي على الداخل الروسي، وهو ما أفصح عنه صراحة الرئيس السابق ديمتري ميدفيديف.
ويتوقف المراقبون عند ما تنص عليه «وثيقة العقيدة العسكرية الروسية» حول أن «العدو الأول الخارجي لروسيا هو توسع حلف شمال الأطلسي شرقا باتجاه الحدود الروسية»، واعتبارها أن «خطة الولايات المتحدة حول نشر الدرع الصاروخية في أوروبا على مقربة من الحدود الروسية مصدر قلق للأمن القومي الروسي، فضلا عن الأخطار الداخلية، ومنها محاولات تغيير النظام الدستوري والتطاول على وحدة أراضي الدولة من خلال الحركات الانفصالية والإرهاب بكل أشكاله» ما سبق أن عانت منه روسيا في تسعينات القرن الماضي في منطقة شمال القوقاز، وهو ما عكسته وثيقة العقيدة العسكرية الصادرة في 2010.
وقد تناول الرئيس فلاديمير بوتين هذه الموضوعات في اجتماعه الذي عقده في 10 سبتمبر (أيلول) 2014 لبحث المسائل المتعلقة بتحديث منظومة تسليح القوات المسلحة للفترة من 2016 - 2025. وقال بوتين إن الأزمة الأوكرانية تضع الولايات المتحدة نفسها في صدارة قائمة الأخطار المباشرة التي تهدد أمن بلاده، مما يدعو إلى إعادة النظر في العقيدة العسكرية الروسية التي كان أقرها الرئيس السابق ديمتري ميدفيديف في 5 فبراير 2010، وهو ما يعمل الكرملين عليه من أجل إدخال ما يراه مناسبا من إضافات وتعديلات على النص الحالي لهذه العقيدة العسكرية مع نهاية هذا العام بدلا من الموعد المقرر السابق في عام 2020.
وتقول معطيات الساحة السياسية المحلية والدولية إن ما يتخذه الرئيس بوتين من قرارات وخطوات، هو رد فعل طبيعي على ما أقرته واشنطن وحلفاؤها من بلدان الاتحاد الأوروبي من عقوبات اقتصادية في إجراء عقابي لما وصفته بأنه تدخل روسيا في الأزمة الأوكرانية. وكان بوتين اضطر إلى اتخاذ بعض الإجراءات الجوابية، ومنها حظر صادرات هذه البلدان من المنتجات الزراعية والغذائية إلى روسيا. ولم يتوقف الرئيس الروسي عند هذا الحد؛ حيث سرعان ما كشف أيضا عن أن بلاده صارت مدعوة إلى تغيير عقيدتها العسكرية، ولا سيما بعد إصرار الولايات المتحدة على نشر عناصر درعها الصاروخية في أوروبا وألاسكا، وتعزيز قوات «الناتو» ونشر قواعد عسكرية جديدة في بلدان شرق أوروبا، على مقربة مباشرة من الحدود الروسية، إلى جانب الاستمرار في خطط عسكرة الفضاء الكوني، ومحاولات استخدام الأسلحة الاستراتيجية بوصفها أسلحة غير نووية. واتهم بوتين الولايات المتحدة بالاستمرار في محاولات استغلال الأزمة الأوكرانية لخدمة مآربها العسكرية الذاتية وإحياء حلف الناتو.
ولعله من مفارقات القدر والموقف، أن يتخذ الرئيس بوتين مثل هذا الموقف مما يؤكد تميزه عن نظيريه السابقين في الكرملين وهما الرئيس الأسبق بوريس يلتسن الذي كان أقر أول عقيدة عسكرية روسية في عام 1993 بموجب نظرية الأمن القومي في ذلك الحين، والرئيس السابق ديمتري ميدفيديف الذي أعلن عن تغيير المذهب العسكري الروسي في صياغة جديدة صدرت في فبراير 2010 على ضوء متغيرات العصر وفي أعقاب حربه التي خاضها ضد العدوان الجورجي ضد أوسيتيا الجنوبية في أغسطس (آب) 2008.
وقد دفعت التطورات الأخيرة في المناطق المتاخمة للحدود الجنوبية لروسيا المسؤولين في وزارة الدفاع الروسية إلى إدراج أخطار أخرى تهدد أمن الدولة الروسية؛ ومنها وجود تنظيم «داعش»، وما أعلن عنه من تهديدات بنقل نشاطه إلى جنوب روسيا والقوقاز، فضلا عن الأخطار الداخلية الناجمة عن محاولات تأليب منظمات المجتمع المدني وازدياد تمويلها من الخارج.
وكان بوتين أعلن في عام 2011 عن تحديث الجيش والأسطول من خلال برنامج طموح حتى عام 2020 تبلغ تكلفته ما يقرب من 500 مليار دولار، قبل أن يعود أخيرا إلى الإعلان عن برنامج تحديث القوات المسلحة للفترة من 2016 - 2025. ورغم حرص بوتين على الإعلان عن أن هذه الخطوات ليست انجرارا إلى ما يسمونه «سباق التسلح»، وأن موسكو لن تمضي في هذا الطريق إلا بالقدر الذي يتناسب مع مقتضيات المرحلة، فإن يوري بيلوأوسوف نائب وزير الدفاع أشار في الاجتماع الذي عقده بوتين لمناقشة هذه القضايا، إلى أن روسيا قد تعمل على إنشاء منظومتها الشمولية الخاصة بالضربة الخاطفة الفائقة السرعة، لكنها سوف تنطلق في ذلك من عقيدتها الدفاعية لتطوير قواتها المسلحة. وكشف بيلوأوسوف عن أن منظومة الضربات الشمولية للرد السريع التي تجري الولايات المتحدة تجاربها عليها، تنص على توجيه الضربات غير النووية الصوتية الضخمة من الأراضي الأميركية إلى أهداف متفرقة في مختلف أرجاء الكرة الأرضية خلال ما يقرب من ساعة واحدة. وقال إن خطورة هذه المنظومة تكمن في أنها ومن خلال الضربة غير النووية يمكن أن تنزع سلاح القوات النووية الاستراتيجية في غضون ساعة واحدة بعد إطلاقها.
ومن اللافت أن عسكريين روسا كشفوا عن أن روسيا تملك بالفعل ما يسمح لها بالرد على مثل هذه المنظومة الأميركية. وكان الجنرال يورى بالويفسكي رئيس الأركان السابق وأحد المشاركين في صياغة العقيدة العسكرية الروسية الحالية الصادرة في فبراير 2010، أشار في تصريحات نشرتها وكالة أنباء «ريا نوفوستي»، إلى أن ما تملكه روسيا بالفعل يمكن أن يسمى «منظومة الرد السريع»، وهو ما أكده قسطنطين سيفكوف رئيس أكاديمية القضايا الجيوسياسية الذي قال إن روسيا تملك بالفعل صواريخ على غرار «101X-» (الصواريخ الاستراتيجية المجنحة) بعيدة المدى المحمولة جوا، والقادرة على الوصول لمسافة 5 آلاف كيلومتر، فضلا عن أن روسيا تمتلك أيضا صواريخ باليستية قادرة على الوصول إلى الأهداف الأرضية، وهو ما يعني عمليا أن روسيا تملك اثنين من المكونات الأساسية للضربة السريعة بعيدة المدى.
ونقل كذلك عن إيغور كوروتشينكو رئيس تحرير مجلة «الدفاع الوطني» وعضو المجلس الاجتماعي التابع لوزارة الدفاع الروسية ما قاله حول ضرورة تطوير منظومات الرد على ما تملكه الولايات المتحدة من أسلحة لتوجيه الضربات الشمولية الخاطفة. وأضاف كوروتشينكو أن روسيا يمكن أن تستخدم منظومات الدفاع الصاروخية «إس - 500» لإصابة ليس فقط الأهداف الجوية، بل وأيضا القريبة من الفضاء الكوني حتى ارتفاع 200 كلم عن سطح الأرض والتي تتحرك بسرعة 8 كيلومترات في الثانية. وقال بضرورة تطوير إمكانات منظومات الإنذار المبكر لإطلاق الصواريخ الباليستية المجنحة للعدو المحتمل في أراضي روسيا الاتحادية.
وأشار الجنرال يوري بالويفسكي رئيس أركان القوات المسلحة السابق في تصريحات نشرتها وكالة «إنترفاكس»، إلى أن التعديلات المرتقبة قد لا تتضمن توجيه الضربات النووية الاستباقية في إجراء وقائي التي حاولوا بها في العقيدة العسكرية الصادرة في عام 2010 ترهيب الولايات المتحدة والناتو، ومن الممكن الاستبدال بها الإشارة إلى ما يسمونهم «الأعداء الداخليين». وقال بـ«وجود وثائق سرية تحدد وتدقق» هذه الأخطار، ومنها «خطة الدفاع» التي تتضمن التعليمات اللازمة عن «الأعداء المحتملين، وعن الشركاء، وعن منظومة الردع النووي، واستخدام الأسلحة النووية». وكشف عن أن منظومة الردع النووي ليست العلاج الناجع بما فيه الكفاية لأنها تقتصر على ردع العدو الخارجي ولا تتعداه إلى أعداء الداخل. وقال إن تفجير الدولة من الداخل كان ولا يزال قضية بالغة الخطورة، معيدا إلى الأذهان ما سبق أن جرى إبان أحداث انهيار الاتحاد السوفياتي السابق. وذلك تحديدا هو ما يدعو القيادة الروسية إلى تدارك أخطاء الماضي القريب، وعدم قصر ما تتخذه من إجراءات دفاعية على أعداء الخارج، والانتباه إلى ما يشكله خصوم الداخل من أخطار غير مباشرة بعيدة المدى «عسكرية سياسية» و«علمية بحثية» و«عسكرية تقنية»، يجب إدراجها ضمن التعديلات المقترحة على العقيدة العسكرية الروسية في صيغتها الجديدة، على حد قول الجنرال بالويفسكي.
وإضافة إلى كل ذلك، تدرك القيادة الروسية السياسية والعسكرية مغبة ما يجري حول روسيا من تطورات، وما يضمره خصومها من خطط ومكائد، ومنها ما أعلنه أرسيني ياتسينيوك رئيس الحكومة الأوكرانية حول العقيدة العسكرية لبلاده، التي قال إنها تحدد روسيا بوصفها أحد أهم الأخطار التي تهدد أمنها القومي، و«هو ما يؤكد عدالة ما تفكر فيه موسكو حول إدراج الولايات المتحدة، في التعديلات المقترحة للعقيدة العسكرية الروسية بوصفها (العدو الرئيس) لروسيا».
وفي حديثه إلى وكالة «نوفوستي» أشار ميخائيل بوبوف، نائب سكرتير مجلس الأمن الروسي، إلى أن «تطور الأوضاع العسكرية والسياسية في العالم خلال السنوات الأربع الأخيرة وأساليب القتال في المرحلة الراهنة تتطلب تدقيق بعض نقاط العقيدة العسكرية الوطنية». وأضاف: «ضرورة ذلك تنجم في المقام الأول من ظهور مخاطر وتهديدات جديدة لأمن روسيا، وجدت انعكاسا لها في أحداث (الربيع العربي) والنزاع المسلح الجاري في سوريا، وفي الأزمة الراهنة في أوكرانيا وما حولها».
ومن اللافت أيضا ما أشار إليه الجنرال بوبوف حول أن «الدول الكبرى أصبحت تستخدم وعلى نطاق واسع لتحقيق مصالحها (عمليات غير مباشرة)، كالاعتماد على منظمات متشددة ومتطرفة وشركات عسكرية من القطاع الخاص، والطاقات الكامنة في حركات احتجاجية جماهيرية، وذلك إضافة إلى أشكال وطرق (كلاسيكية) من استخدام القوات المسلحة» حسب تصريحاته التي نشرتها وكالة «ريا نوفوستي».
وبهذه المناسبة بدا ما يشبه الإجماع، بما في ذلك في أوساط قيادات وزارة الدفاع الروسية، على أن أحداث «الربيع العربي» تركت تأثيرا عميقا على القيادات السياسية والعسكرية الروسية وكانت في مقدمة أسباب رد الفعل الحاسم من جانب الكرملين على الأحداث في أوكرانيا، وهو ما لا بد أن يترك بصماته على القسم «غير النووي» في الصياغة الجديدة المقترحة للعقيدة العسكرية الروسية.
وثمة من يعزو صحوة موسكو ووضع الخطط الجديدة لوزارة الدفاع الروسية، إلى ما يتهدد روسيا اليوم من أخطار أشرنا إليها عاليه، مثل خطط الناتو حول التوسع وتعزيز قواته وقواعده في شرق أوروبا، وسعي الولايات المتحدة لتعزيز قدراتها الاستراتيجية الهجومية من خلال تطوير منظومة الدرع الصاروخية العالمية وتبني مفاهيم استراتيجية جديدة لاستخدام القوات المسلحة واستحداث وسائل جديدة نوعيا لخوض القتال، بما في ذلك الأسلحة المتقدمة الفائقة السرعة، فضلا عن أخطار «داعش»، وتداعيات الحرب الأهلية في أوكرانيا.
وكانت المصادر الروسية كشفت في هذا الصدد عن الخطط الرامية إلى زيادة تعداد القوات الجوية والمظلية وتشكيل فرق جديدة من قوات الإنزال وإمدادها بأحدث الأسلحة والتقنيات العصرية، إلى جانب ضم المجموعات التكتيكية الجديدة المدعومة بالأفراد المحترفين وكتائب الاستطلاع إلى القوات البرية. وفيما يتعلق بالقوات البحرية، تشير الخطة الجديدة إلى ضرورة إعادة بناء استراتيجية نشاطها وتوجهاتها حتى عام 2020 من خلال انتشار وحدات الأساطيل الروسية في العديد من أرجاء المحيطات والبحار، خاصة البحر الأبيض المتوسط والقطب الشمالي، فضلا عن بناء حاملات طائرات تحسبا لاحتمالات تكرار مشكلة «تسلم حاملتي الطائرات الفرنسيتين» من طراز «ميسترال».
وكشفت المصادر العسكرية الروسية كذلك عن أن التعديلات المرتقبة سوف تراعي أيضا التغييرات التي طرأت على قوام القوات المسلحة بما في ذلك إنشاء قوات الدفاع الجوي الفضائي بما يترتب على ذلك من دعمها بالإمدادات التقنية والعسكرية الحديثة. ومن المنتظر كذلك الاحتفاظ في نص الصياغة الجديدة للعقيدة العسكرية الروسية، بحق توجيه الضربات النووية الاستباقية في حال تعرض روسيا لأي عدوان بالأسلحة التقليدية وحيث يتطلب ذلك ضرورة الدفاع عن الدولة والأوضاع السياسية.
ولما كان حلف الناتو يتفوق على روسيا اليوم بمقدار 4 أضعاف ونصف الضعف في المعدات والأفراد، فإن «روسيا تبدو مدعوة لتعويض ذلك من خلال الأسلحة النووية التكتيكية وتشكيلات القوات المناسبة». ولم تغفل مصادر وزارة الدفاع الروسية الإشارة إلى ما تشكله «الثورات الملونة» من أخطار قالت إنها تستوجب مراعاتها لدى صياغة السبل المناسبة لمواجهتها في التعديلات المقترحة على العقيدة العسكرية الحالية.
وكان الرئيس بوتين أعلن عن إعادة تشكيل «لجنة الصناعات العسكرية» ورفع مستوى وضعيتها بتوليه رئاستها بنفسه، بعد أن كانت تتبع الحكومة الروسية برئاسة ديمتري روجوزين نائب رئيس الحكومة. وأقر بوتين تعيين روجوزين في منصب نائب رئيس اللجنة، مما يعني عمليا استمرارية عملها ومدى ما يوليه من أهمية لنشاطها في الفترة القريبة المقبلة، في إطار الرد المناسب على الأخطار المحتملة التي تهدد الأمن العسكري للدولة الروسية، على حد قوله. وأشار إلى ضرورة «تقدير» مواقف الأزمات المحتملة نتيجة حشد الناتو مزيدا من القوى في أوروبا، وإن حرص على تأكيد أن روسيا لن تشارك في «سباق تسلح جديد»، مؤكدا أن بلاده «سوف تتخذ قرارها من واقع التنبؤات الواقعية لتطورات الأحداث»، على حد تعبيره. وعاد بوتين ليؤكد أن الأزمة الأوكرانية من «صناعة الشركاء الغربيين الذين يواصلون اليوم استغلالها من أجل إحياء مخططاتهم بشأن توسع الناتو».
وقال بوتين في كلمته التي ألقاها في اجتماع قيادات المؤسسة الصناعية العسكرية الذي بحث برنامج تسليح روسيا خلال الفترة من 2016 - 2025، إن روسيا سوف تبذل كل ما في وسعها من أجل تأمين وسلامة أمن الدولة الروسية. وأعاد الرئيس الروسي إلى الأذهان ما سبق أن قاله بشأن الأخطار التي تهدد أمن بلاده وفي مقدمتها توسع الناتو شرقا، ونشر عناصر الدرع الصاروخية الأميركية في أوروبا وألاسكا على مقربة مباشرة من الحدود الروسية شرقا وغربا. وكشف عن أن روسيا مدعوة إلى مواصلة الوتيرة التي تسير بها في صناعاتها العسكرية، مشيرا إلى ضرورة التركيز على تحقيق الاختراق في مجال صناعة مكونات الأسلحة عالية الدقة أو ما يسمى «الأسلحة الذكية»، إلى جانب أحدث نماذج الأسلحة والمعدات والسفن الحربية من الطراز الجديد، ومنظومات الإدارة والاتصالات المتعددة الأهداف. ولم يجد بوتين غضاضة في أن يكشف أيضا عن أن حجم الإنفاق لتمويل البرنامج الجديد للتسليح سوف يبلغ ما يزيد على 20 تريليون روبل، وهو ما يزيد كثيرا على حجم البرنامج السابق الذي كان في حدود 2.5 تريليون روبل عن الفترة من 2001 - 2010.
وتوقف الرئيس الروسي عند عدد من النقاط التي قال إنها قد تفسر ما يتخذه من قرارات في هذا الصدد، وفي مقدمتها ما سبق أن أشار إليه من أخطار تهدد الأمن القومي الروسي على ضوء القرار الذي اتخذته الولايات المتحدة منذ عدة أعوام حول الخروج من جانب واحد من معاهدة الأنظمة الدفاعية المضادة للصواريخ، ونشر عناصر الدرع الصاروخية في أوروبا وألاسكا، إلى جانب ما سبق أن أشرنا إليه عاليه. وأعرب بوتين عن يقينه من توفير مصادر تمويل هذا البرنامج قبل نهاية أكتوبر (تشرين الأول) 2014، مؤكدا ضرورة العثور على البدائل المحلية للعناصر التقنية الأجنبية من أجل تنفيذ هذا البرنامج.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.