الحلقة الثالثة: سلطة موازية ومحاولات اغتيال صعّدت الصراع بين الأردن والتنظيمات الفلسطينية

مذكرات الأمير زيد بن شاكر كما ترويها أرملته - أجنحة داخل «فتح» شعرت بأنها أقوى من النظام الأردني وبدأت تفكر في إسقاطه

الملك حسين داخل دبابة أردنية وإلى جانبه زيد بن شاكر وعدد من الضباط
الملك حسين داخل دبابة أردنية وإلى جانبه زيد بن شاكر وعدد من الضباط
TT

الحلقة الثالثة: سلطة موازية ومحاولات اغتيال صعّدت الصراع بين الأردن والتنظيمات الفلسطينية

الملك حسين داخل دبابة أردنية وإلى جانبه زيد بن شاكر وعدد من الضباط
الملك حسين داخل دبابة أردنية وإلى جانبه زيد بن شاكر وعدد من الضباط

في هذه الحلقة الثالثة من مذكرات الأمير زيد بن شاكر تنقل أرملته السيدة نوزاد الساطي تفاصيل عن بدايات الصراع بين الأردن والفصائل الفلسطينية التي كانت قد بدأت في تعزيز وجودها ونفوذها في عمان ومدن أردنية أخرى، فيما أصبح معروفاً بـ«أيلول الأسود». وتروي المذكرات التي تصدر الشهر المقبل عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت - عمان معلومات غير معروفة سابقاً عن التحضيرات والاستعدادات التي كانت تجري في صفوف قيادات الجيش الأردني، التي كان زيد بن شاكر من أبرزها. كما تروي ظروف القرار الصعب الذي اتخذه الملك حسين بإقالة زيد والشريف ناصر بن جميل (خال الملك حسين) من الجيش تجاوباً مع مطلب للجبهة الشعبية مقابل إطلاق مجموعة من الرهائن كانت تحتجزهم في فندقين في عمان.

على الرغم من الإنجاز الذي تحقق في معركة الكرامة، فإن أجواء البلد «الملبدة» بالترهيب الفكري والسياسي لم تكن تسمح لنا بالشعور بفرحة النصر والاحتفال به، حتى معركة الكرامة سجلت في الإعلام العربي بوصفها إنجازاً عسكرياً للفدائيين، وانتصاراً لهم على إسرائيل، وذلك على الرغم من الدور الأساسي والفاصل للجيش العربي في الانتصار، في مقابل حقيقة أن مشاركة الفدائيين في المعركة كانت محدودة؛ كونها كانت معركة دروع أساساً وليس مشاة.
كان الجيش يوفر الغطاء المدفعي للفدائيين، ويساعدهم ويعطيهم حرية الحركة والتسلح والتجنيد والعمل، ولم يتردد حينها الحسين في شرعنة هذا العمل والوجود بشعاره المعروف «أنا الفدائي الأول» كما عرض عليهم وصفي التل - كما يذكر صلاح خلف (أبو إياد) ـ أن يتعاون الجيش والفدائيون لتدشين حرب العصابات في مواجهة إسرائيل، وهو المشروع الوطني الذي كان يتبناه وصفي.
إلا أن حركة «فتح» والفصائل المتحالفة معها رفضت هذا العرض، بدعوى عدم رغبتها في أن يرتهن العمل الفلسطيني إلى نظام رسمي عربي، مشددة على مزاعم الاستقلالية الفلسطينية.
في تلك الفترة نفسها؛ بين خريف 1968 وشتاء 1969، بدأت الفصائل الفلسطينية الأخرى بالظهور والصعود، وكان أبرزها «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» (التي ولدت من رحم حركة القوميين العرب ‪‪(بقيادة جورج حبش ومعه وديع حداد. ثم انشقت عنها لاحقاً «الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين» بقيادة نايف حواتمة. كما كانت هناك منظمة النضال الشعبي لبهجت أبو غربية.
المشكلة تعاظمت عندما بدأت ردود الفعل الإسرائيلية تدفع بالفدائيين وقياداتهم إلى الخروج من القواعد والتخلي عنها، والتوجه نحو المدن، حيث تخلوا بالنتيجة عن دورهم الفدائي الحقيقي لصالح التحول إلى أعضاء ميليشيات تمثل سلطة موازية لسلطة الدولة.
أساء القادة الفلسطينيون، حينها، تقدير وضع النظام وردود فعل الحسين على هذا التوسع الكبير في النشاط والتمدد في المدن، وفسّروه بأنه ضعف من الحسين وعجز عن المواجهة بعد خسارة الضفة الغربية. ومن ثم، أساءوا كل الوقت الذي منحه لهم الحسين لكي لا تصل الأمور إلى حدود المواجهة.

انتقال المعسكرات إلى المدن
‪لقد كان انتقال «المعسكرات» إلى المدن أولى محطات الاحتكاك الحقيقية التي تنذر بما هو أسوأ، في 5 نوفمبر (تشرين الثاني) 1968، كان هناك تطور غير طبيعي وغير عادي في عمان؛ إذ اختطفت مجموعة «ألوية النصر» بقيادة طاهر دبلان ضابطاً من الحرس الملكي؛ ما أثار غضب الحسين. فطلب قادة «فتح» وأنذرهم بشدة إن لم يتم الإفراج عن الضابط وتسليم المسؤولين للقضاء. وفي الوقت نفسه، كما عرفت لاحقاً، فإن تلك الجماعة نفسها هاجمت مخفراً للجيش في الهاشمي الجنوبي، وتولى اللواء الذي يقوده زيد إحباط العملية بتدخل عسكري.
تدخلت القوات التي يقودها زيد في الكثير من المواقع في عمان لحفظ الهدوء والاستقرار، بعدما حدثت مواجهات بين قوات الأمن وعناصر تابعة للمنظمات الفلسطينية التي كانت تتحدى أي قرار يصدر عن الحكومة وترفض تطبيقه، وتعتبر نفسها سلطة مسلحة موازية لسلطة الدولة.
في تفاصيل وتطورات يسردها الكتاب عن مواجهات ومحاولات لزعزعة الأمن، فقد انتهت مواجهات خلال إحدى المسيرات بذكرى «وعد بلفور» بتفاهمات عقدت بين الحسين والحكومة من جهة، وقادة منظمة التحرير الفلسطينية من جهة أخرى، وعرفت باتفاق 19 نوفمبر 1969، فيها تأكيد على منع حمل السلاح وعدم ارتداء الملابس العسكرية من قبل أفراد الفصائل والميليشيات في شوارع المدن، ومنع تفتيشهم للسيارات المدنية والعسكرية، كما كان يحدث سابقاً.

شروط الصدام وإرهاصاته
إن الشروط الموضوعية والعوامل الواقعية كانت تدفع باتجاه المواجهة بين الدولة والميليشيات منذ أحداث نوفمبر 1968، لسببين جوهريين؛ الأول: فقد كانت هناك شكوك عميقة من كل طرف بنوايا الآخر، وبصورة خاصة من قبل الفصائل المسلحة. فبالنسبة إليها الحسين متآمر، متحالف مع الغرب، وسماحه للعمل الفدائي ليس إيماناً منه بضرورة استعادة الضفة الغربية، بل لأسباب أخرى شخصية؛ إما تحسين وضعه التفاوضي مع إسرائيل، أو لضغوط عربية عليه، أو لعجز منه عن الحسم العسكري، فلم يكن زواجاً بالتراضي بين الحسين والفصائل المسلحة، بل بالإكراه، مليئاً بالشكوك وسوء التقدير وانعدام الثقة بين الجانبين.
أما السبب الآخر: فيتمثل بأن منظمة التحرير والفصائل الأخرى - كانت ترى نفسها ممثلاً ليس للفلسطينيين في الضفة الغربية، بل الجميع، بمن فيهم الأردنيون من أصول فلسطينية في‪ الأردن؛ لذلك تعامل معهم وكأنه هو الذي يمثلهم في مواجهة الدولة، وهو السلطة الفعلية في تلك المناطق، فانتقلت تلك الفصائل من القواعد في الأغوار، التي يفترض أنها تمثل المقر الوحيد لهم في إطار حرب الاستنزاف، ودخلوا في مشروع مختلف تماماً عبر التواجد والتجنيد والتدريب في المدن الرئيسية، فأصبحت المعركة الحقيقية وساحة الصراع الواقعي في المدن الأردنية؛ والخصم رقم واحد هو النظام الأردني قبل إسرائيل، وهي الوقائع الجديدة التي جرت بدورها تحولاً لاحقاً في شعارات الميليشيات؛ عبر التأكيد أن الأولوية هي تحرير العواصم العربية من الأنظمة الرجعية، مثل عمان، قبل تحرير القدس والمدن الفلسطينية!.
كانت هناك 3 سيناريوهات رئيسية نجمت عن الصراع على السلطة ‪ وقيام دولة في مواجهة الدولة أو في داخل الدولة. السيناريو الأول، هو أن يقبل الحسين بتسليم السلطة للمنظمات الفلسطينية، ويتخلى عن الدولة. ولم يكن ذلك ليؤدي إلى الاستقرار، بل إلى حرب أهلية داخلية بالطبع؛ إلا أن هذه المنظمات لا ترى نفسها ممثلاً للأردنيين، ولا أحزاباً سياسية أردنية، بل قوى عسكرية تمثل الفلسطينيين والأردنيين من أصل فلسطيني‪‪.
أما السيناريو الثاني، فهو القبول بازدواجية السلطة وانفصامها، ما يمكن أن يستمر لفترة من الوقت، وقد حدث ذلك، لكنه ليس خياراً ممكناً على المدى البعيد. والثالث، يتمثل بالحسم العسكري والسياسي منذ البداية. وهو الخيار الذي أخّره الحسين رغبة في تجنب سفك الدماء، ورغبة في الوقوف في وجه الدعاية العربية الإعلامية التي تريد أن تصوره بوصفه دمية بيد الأميركيين والغربيين.
السؤال التالي يتمثل بأسباب الاستقواء على الأردن في تلك المرحلة، على الرغم من أن الحسين، باعترافهم، سمح بإقامة قواعد، وترك لهم المجال للقيام بعمليات فدائية، ووفر لهم الجيش الغطاء العسكر المدفعي في كثير من الأحيان، بينما مُنعوا من القيام بالأمر نفسه على الحدود السورية - الإسرائيلية، بأمر واضح ومباشر من السلطات هناك، كما تؤكد مذكرات قياداتهم.

دولة الميليشيات في الأردن
انتهت أحداث الرابع من نوفمبر باتفاق بين الحسين وقيادة منظمة التحرير، كما ذكرنا سابقاً. في عام 1969، ومع نمو «الجبهة الشعبية» وذيوع صيتها، والتنافس بينها وبين «الجبهة الديمقراطية»، بدأت تظهر شعارات جديدة وأفكار تعكس انحراف البوصلة لدى هذه الفصائل. وحدث خلط بين هدف تحرير الأراضي المحتلة وبين الآيديولوجية اليسارية التي تتبناها تلك المنظمات وتقوم على الصراع الطبقي والثورة الداخلية؛ فبدأت تلك المنظمات ترفع شعارات من قبيل: كل السلطة للمقاومة؛ والسلطة الرجعية هي الحليف الموضوعي للاستعمار؛ وتحرير القدس يبدأ من تحرير العواصم العربية، وفي مقدمتها عمان.
ولم تعد تلك اللغة غريبة حتى على أجنحة داخل حركة «فتح» التي شعرت في مرحلة من المراحل بأنها أقوى من النظام، وبدأت تراودها فكرة إسقاط الحكم الهاشمي. ويعترف أبو داود بأنه لم يكن ضد هذه الفكرة، وكان حينها قائد ميليشيات «فتح» العسكرية في الأردن‪.
تزامن صعود الشعارات الراديكالية ضد النظام وتوازى مع تمدد الميليشيات على أرض الواقع، لتتكرس حالة ازدواجية السلطة بصورة كاملة. وأصبحنا، في واقع الحال، على «مفترق طرق»؛ فإما أن تكون هناك ‪ دولة تحاول استعادة سلطة الدستور والقانون والسيادة على الأرض، أو أن تترك الحبل على الغارب لحالة الفوضى الداخلية، وصولاً إلى فشل الدولة أو «الدولة الفاشلة». لذلك؛ لما تفاقم الأمر ووصل إلى مرحلة كبيرة من الفوضى والتمرد على الدولة ومحاولات فرض كل فصيل لقانونه وسلطته الخاصة، واستخدام السلاح بصورة عشوائية، أراد الحسين أن يضبط الأمور مرة أخرى في 10 فبراير (شباط) 1970، فحضر جلسة مجلس الوزراء برئاسة بهجت التلهوني حينها، وصدرت قرارات مهمة باتجاه استعادة القانون والأمن والتخلص من حالة الفوضى الكبيرة.
اعتبرت تلك الفصائل أن قرارات 10 فبراير بمثابة نقض لاتفاق نوفمبر 1968 بين الحكومة الأردنية وقيادات «فتح»، وأعلنت حالة الاستنفار القصوى من قبلها، وأعطى أبو داود التعليمات لمقاتليه بالرد على أي محاولة من قبل الجيش لانتزاع سلاحهم أو السيطرة على مواقعهم، وجرى وضع حراس على أبواب مخيمات اللاجئين لمنع الجيش من دخولها. أي أن الميليشيات تصرفت بالفعل كما لو أنها السلطة السياسية والقوة العسكرية التي تواجه الدولة والنظام، وأنها المسؤولة، عن الأردنيين من أصل فلسطين.


(1) زيد بن شاكر: معلومات مصرية وضغوط دفعت بالملك حسين إلى حرب 1967

(2) التحمت المدرعات الأردنية بالإسرائيلية فغاب سلاح الطيران عن معركة الكرامة


الشرارة التي أشعلت المواجهات بين الجيش والميليشيات، بدأت في جبل التاج عندما أراد الجيش أن يزيل موقعاً لإحداها هناك مطلاً على القصور الملكية ويهددها أمنياً وعسكرياً. إذ رفض المسلحون إخلاءه فحدثت مواجهات بين الطرفين أدت إلى إصابات متعددة. لكن الهدوء عاد في صباح اليوم التالي مع بروز محاولات للتهدئة، قبل أن تشتعل مرة أخرى عندما حاولت مجموعات الاعتداء على مركز أمن البادية بالقرب من «الوحدات»، وقصفه بالمولوتوف، في حين كانت قوات البادية ترد على تلك الاعتداءات؛ ما أدى إلى شهداء ومصابين من تلك القوات والمدنيين. وفي مساء يوم 21 فبراير تم تعليق القرارات الحكومية التي اتخذت قبل يومين، بعد اجتماعات بين الحكومة والفصائل‪...
لكن الخطيئة الكبرى التي ارتكبتها الميليشيات كانت تتمثل في استفزاز العسكريين، من ضباط وجنود، خلال عودتهم إلى منازلهم أو وهم في سياراتهم؛ وتعمد إهانتهم وتفتيشهم، وفي أحيان اعتقالهم، الأمر الذي تراكم مع مرور الوقت وخلق حالة احتقان شديدة لدى القوات المسلحة.
وهنا، أيضاً، لا تعوزنا اعترافات من قبل قيادات تلك الميليشيات بما قدمت أيديها حينها من إساءة واستفزاز للعسكريين وعائلاتهم وشرفهم العسكري، (....).

المطالبة بعزل زيد
كان كل شيء مؤذناً بالانفجار، فالوضع يغلي؛ أفراد الميليشيات ينتشون وينتشرون ويتوسعون في العدد والتسليح والسلطة، والجيش لم يعد قادراً على الاحتمال، في حين الحسين يعمل على ضبط إيقاعه سياسياً ودبلوماسياً وعسكرياً، يساعده في الجيش القادة والضباط الكبار، ومنهم زيد.
الشرارة الجديدة جاءت في السابع من يونيو (حزيران) 1970، عندما حاولت مجموعة من «الجبهة الديمقراطية» ابتزاز المال من جندي أردني بقوة السلاح، وفق رواية أبي داود؛ فتحول الحادث لاحقاً إلى مواجهات عنيفة بين الجيش وعناصر أخرى في صفوف الميليشيات، وتم اعتقال 24 عنصراً من الأخيرة، وامتدت المواجهات إلى الزرقاء وعمان ومناطق مختلفة ‪‪)في مساء اليوم نفسه، اختطفت «الجبهة الشعبية» السكرتير الأول في السفارة الأميركية، موريس درايبر، وأعلنت عن شروط إطلاق سراحه، منها إطلاق المعتقلين الـ24، وعزل الشريفين ناصر (بن جميل خال الملك حسين) وزيد من الجيش، ومجموعة أخرى من الشروط.
وقد انضمت «الجبهة الديمقراطية» إلى ‪‪«الجبهة الشعبية» في مطالبها، ما هو أخطر وقع بعد يومين (أي في التاسع من يونيو عندما تعرض موكب الحسين لهجوم من قبل أفراد ميليشيا في صويلح ‪‪(بالقرب من منزله في الحمر نجا منه واستشهد جندي وأصيب آخرون. وبعد ساعات قليلة، كانت مجموعة تابعة للجبهة الشعبية تقتحم فندق الإنتركونتيننتال، فتحتجز عدداً من الصحافيين والضيوف الأجانب، ثم بعد ذلك بساعات تقوم مجموعة أخرى باقتحام فندق فيلادلفيا، حيث ‪تحتجز عددا آخر‪‪.)أخذ الوضع يتجه نحو الأسوأ، بينما الاشتباكات تدور عنيفة في عمان بين الميليشيات والجيش العربي، وبصورة خاصة اللواء المدرع الذي يقوده زيد)؛ إذ تحرك باتجاه الوحدات وجبل الحسين ومناطق أخرى لحماية عمان ولمواجهة مصادر النيران والمسلحين، وتأمين قوات‪.الجيش الأخرى.
في حين هاجمت ميليشيات عدداً من المقرات الرسمية، مثل دائرة المخابرات العامة والبريد المركزي، وتم احتلال وزارة الداخلية لبضع ساعات، وأطلقت صواريخ على محطات الكهرباء والمياه. مع المساء، كانت عمان أشبه بساحة حرب حقيقية، وغرقت مع قدوم الليل في الظلام الذي كان يضاء في فترات متقطعة بنيران الأسلحة الرشاشة والمواجهات الواقعة بين الجيش والميليشيات ‪‪في الأثناء، كانت المفاوضات منعقدة بين الحسين والحكومة من جهة وقادة منظمة التحرير من جهة أخرى برئاسة عرفات. ثم لحقت اللجنة المركزية للمقاومة الفلسطينية، أو القيادة العليا، بشروط كل من الجبهتين الشعبية والديمقراطية، بربط وقف إطلاق النار بعزل‪ الشريف ناصر وزيد وبالإفراج عن معتقلي الميليشيات (....).

إعفاء زيد والفرصة الأخيرة
في صباح يوم الأربعاء 10 يونيو 1970، كانت المواجهات مشتعلة، وأفراد الميليشيات يتحصنون في الأحياء وفوق المنازل ووسط الأهالي، حتى إن الصحف ووكالات الأنباء كانت تتحدث عن سيطرة الميليشيات على 80 في المائة من أحياء عمان، بالإضافة إلى احتلال فندقين واحتجاز رهائن وصحافيين فيهما؛ أي أن الأمور كانت تسير في العاصمة نحو الأسوأ. وقد استمرت الاجتماعات بين الحكومة بحضور رئيسها بهجت التلهوني، وممثلي الميليشيات الذين تصلبوا في موقفهم - التي أعلنها جورج حبش في مؤتمر صحافي - المطالب بعزل الشريف ناصر وزيد، وسحب الجيش من المدينة، من أجل إطلاق سراح الرهائن والمعتقلين لدى ‪.الفصائل ووقف إطلاق النار
في الأثناء، بثت إذاعة «صوت العاصفة»، الناطقة باسم «فتح» من القاهرة، بياناً دعت فيه الحسين صراحة إلى الاختيار ما بين سقوط نظام حكمه، أو عزل المستشارين المقربين منه، والمقصود هنا الشريفان ناصر وزيد، بالتأكيد ‪ الأغرب من هذا التعالي في الخطاب مع رأس السلطة في البلاد، هو موقف تيار عريض من النخبة السياسية، كما ذكرنا سابقاً، كان أفراده ينافقون المنظمات.
على الرغم من ذلك، شعر الحسين بأن إنقاذ حياة الرهائن والمعتقلين هو أولوية له، فإذا ما تم قتلهم على يد «الجبهة الشعبية»، فإن ذلك سيعزز من الدعاوى الدولية والإقليمية بأن الأردن تحول إلى دولة فاشلة بصورة كاملة.
لتلك الاعتبارات كافة، قبل الحسين شروط التنظيمات المسلحة فقطعت الإذاعة الأردنية أخبارها فجأة بعد منتصف ليلة الخميس (11 يونيو)، وبثت رسالة صوتية مؤثرة من الحسين إلى الشعب الأردني، أعلن فيها عزل زيد وناصر. لكنه دافع عنهما بشراسة وشجاعة في ثنايا الخطاب (....).
في الخطاب أعلن الحسين توليه شخصياً قيادة القوات المسلحة مباشرة. وأسندت قيادة السلاح المدرع الملكي بالوكالة إلى العقيد كاسب صفوق، قائد قواتنا في معركة الكرامة، وشدد الحسين على أنها الفرصة الأخيرة التي لا فرصة بعدها.
لقد أطلق فعلا سراح الرهائن المحتجزين في الفندقين عقب قرار الحسين. وكنت أتمنى أن يلتقط الطرف الآخر كلمته الواضحة المهمة في ثنايا الخطاب، عندما وصف ما قام به بأنه «الفرصة الأخيرة».
في الحقيقة، انتقل زيد للمرة الأولى في حياته بعد هذا القرار من حيز العمل العسكري التنفيذي أو الميداني، إلى مهمة عسكرية مرتبطة بالقرارات السياسية. إذ عمل خلال تلك الفترة المحدودة من ابتعاده عن القيادة العامة إلى جوار الحسين ووصفي التل وعدد من السياسيين والعسكريين والأمنيين الموثوقين في الظل إدارة الأزمة القائمة والتعامل معها، أي في «المطبخ السياسي ‪ المصغر ‪‪وعلى الرغم من أن قرار عزل زيد كان شكلياً، فإن الجيش لم يتقبل ذلك، وزادت حالة التململ في القوات المسلحة، والشعور بالغبن. وكان زيد يضطر إلى شرح أبعاد القرار بنفسه للجيش وللمتصلين الغاضبين؛ خشية أن يساء تفسير الأمر.
‪ في تلك الفترة، تم إطلاق النار على مضر بدران (وكان أمين عام الديوان الملكي وقتها) وأصيب في يده من قبل الميليشيات. كما اختطف الضابط أحمد عبيدات (الذي أصبح لاحقاً مديراً للمخابرات العامة ورئيساً للوزراء.) وهكذا الحال مع عشرات الجنود والضباط الذين إن وقعوا بأيدي الميليشيات يكون مصيرهم إما الاختطاف أو القتل أو التعذيب أو الإهانة، لا لشيء إلا لأنهم أفراد في الجيش العربي. ‪
يتحدث زيد نفسه عن حالة الغليان تلك في القوات المسلحة: «خلال الشهرين أو الثلاثة التي سبقت قرار التدخل في عمان والمدن الأخرى، كان هناك تذمر شديد في القوات المسلحة، وكدنا أن نفقد الانضباطية. أكثر من كتيبة كانت تتحرك من دون أوامر لتتجه إلى عمان لتتخذ إجراء ضد الفدائيين في عمان.
وكرسالة أخرى أكثر وضوحاً وإمعاناً في حسن النوايا من قبل الحسين تجاه المنظمات المسلحة، فإنه وافق على استقالة حكومة بهجت التلهوني، وأوعز إلى عبد المنعم الرفاعي (في 27 يونيو 1970)، الذي تعتبره الميليشيات صديقاً ومتعاطفاً معها، بتشكيل الحكومة الجديدة، التي نصف عدد وزرائها من أصول فلسطينية، واعتبرت قيادات المنظمة 6 من هؤلاء الوزراء من حلفائها وأصدقائها ‪‪.قبل ذلك بيوم واحد، كانت الحكومة تلغي قانون التجنيد الإلزامي، ويقبل الحسين طلب اللواء الشريف ناصر، رئيس هيئة الأركان، بإحالته على التقاعد.



اليمن: سجون الضبة السرية… احتجاز وتعذيب خارج سلطة الدولة

أنشأت الإمارات العديد من السجون غير الشرعية منها في ميناء الضبة النفطي ومطار الريان الدولي (الشرق الأوسط)
أنشأت الإمارات العديد من السجون غير الشرعية منها في ميناء الضبة النفطي ومطار الريان الدولي (الشرق الأوسط)
TT

اليمن: سجون الضبة السرية… احتجاز وتعذيب خارج سلطة الدولة

أنشأت الإمارات العديد من السجون غير الشرعية منها في ميناء الضبة النفطي ومطار الريان الدولي (الشرق الأوسط)
أنشأت الإمارات العديد من السجون غير الشرعية منها في ميناء الضبة النفطي ومطار الريان الدولي (الشرق الأوسط)

على جدرانٍ حاويات حديدة داخل سجنٍ غير معلن، كُتبت حكايات لا تُروى حفرها معتقلون بأظافر الخوف وطول الانتظار: «ارحموني... يكفي ظلم»، «فرجك يا رب»، «أمي»، «أنا مظلوم والله شاهدٌ عليّ».

لم تكن هذه الكلمات زينة حائط، بل شهادات إنسانية معلّقة بين اليأس والرجاء، تركها سجناء سجن الضبة غير الشرعي، الذي أدارته القوات الإماراتية سنوات، لتكشف وجهاً خفياً لمعاناة ظلت طويلاً خلف الأسوار.

أكد الإرياني أن الدولة لم تفوّض أي طرف خارجياً كان أو محلياً بإنشاء مراكز احتجاز (الشرق الأوسط)

«الشرق الأوسط» زارت السجن الواقع في ميناء الضبة النفطي بمدينة المكلا (شرق البلاد)، ضمن وفدٍ صحافي وحقوقي، واطّلعت ميدانياً على وجود عدة سجون غير قانونية أنشأتها الإمارات على مدى سنوات، من دون أي تنسيق مع السلطات اليمنية، في مشهدٍ يكشف اتساع شبكة احتجاز خارج إطار القانون، وما رافقها من انتهاكات ظلت طيّ الكتمان.

وبحسب معمر الإرياني وزير الإعلام والسياحة والثقافة اليمني، فإن هذه السجون «لا تندرج ضمن أي منظومة قانونية أو أمنية تابعة للدولة»، موضحاً أنها «معتقلات خارج إطار سلطة الدولة والقانون والدستور اليمني».

وزير الإعلام والثقافة والسياحي اليمني معمر الإرياني من موقع الضبة بالمكلا (الشرق الأوسط)

وأشار الإرياني، في حديثه أمام 12 معتقلاً سرياً في موقع الضبة، إلى أن «هذا المكان يجسّد ممارسات جرت خارج مؤسسات الدولة الشرعية، ومن دون أي رقابة قانونية أو إدارية»، مؤكداً أن «الدولة لم تفوّض أي طرف، خارجياً كان أو محلياً، بإنشاء مراكز احتجاز أو تعذيب خارج إطار القانون».

ووصف الوزير هذه الممارسات بأنها «تمثّل انتهاكاً صريحاً للدستور اليمني الذي يحصر صلاحيات الاعتقال والتحقيق والاحتجاز في مؤسسات الدولة القانونية والأمنية»، مؤكداً أنها «تشكل أيضاً خرقاً للقانون الدولي والقانون الإنساني».

ووثّقت عدسة «الشرق الأوسط» مشاهد صادمة داخل الموقع، حيث تبيّن أن عدداً من السجون عبارة عن حاويات حديدية مغلقة، متفاوتة الأحجام، في حين لا تتجاوز مساحة بعض الزنازين متراً واحداً في خمسين سنتيمتراً. وعلى جدران تلك الحاويات، ازدحمت كتابات المعتقلين التي اختزلت تفاصيل حياتهم اليومية ومعاناتهم خلف القضبان.

كتابات السجناء ركزت على إبراز كلمة (مظلوم) شعوراً منهم بأن هذه السجون غير شرعية (الشرق الأوسط)

وبدا أن بعض المحتجزين حرصوا على تدوين عدد الأيام التي قضوها في الاعتقال ضمن جداول مرتبة، كأنهم يعدّون الزمن يوماً بيوم، بينما لجأ آخرون إلى كتابة أدعية يتضرعون فيها إلى الله بالتعجيل بالفرج. وفي إحدى الزوايا، لم يجد أحدهم سوى كلمة واحدة يختصر بها ألمه وحنينه: «أمي».

كما بدت على جدران الزنازين آثار دماء وعلامات سياط، في مشاهد تعكس ما تعرّض له المحتجزون داخل تلك الغرف الضيقة. وبين الخوف والأمل، كتب أحدهم بيدٍ مرتجفة: «شهر و10 أيام... وبعدها الفرج»، بينما ترك آخر صرخته محفورة على الجدار: «أنا مظلوم والله شاهد عليَّ... ارحموني يكفي ظلم».

بالعودة للوزير معمر الإرياني أكد أن «ما تقوم به الدولة اليوم هو استعادة سيادة القانون، وليس تصفية حسابات سياسية»، موضحاً أن «فتح هذه المواقع أمام الإعلام المحلي والدولي يأتي في إطار الشفافية، ورسالة واضحة بأن الدولة لا تخشى الحقيقة، بل تسعى إلى توثيقها ومعالجتها قانونياً».

أحدهم كتب كلمة «أمي» في تعبير عاطفي عن شوقه لعائلته في أثناء وجوده في السجن (الشرق الأوسط)

وأضاف الإرياني: «نحن لا نطلب تغطية سياسية، بل دعماً لمسار دولة القانون. لا نقدّم رؤية سياسية، وإنما نعرض مواقع ووقائع ومسؤوليات قانونية».

وفي سياق متصل، كشف مصدر عسكري يمني لـ«الشرق الأوسط» أن معسكر الضبة الواقع في أعلى الجبل، المعروف سابقاً بمعسكر الدفاع الجوي، جرى تسليمه بالكامل إلى قوات الدعم الأمني بقيادة أبو علي الحضرمي.

وأوضح المصدر، الذي فضّل عدم الكشف عن هويته، أن «مجرد توجيه اتهام إلى أي شخص، من دون الاستناد إلى أدلة، كان كفيلاً بزجّه في السجن»، لافتاً إلى أن «من يخرج من تلك المعتقلات لا يعود إلى حالته الطبيعية، بل يكون شخصاً مختلفاً تماماً عمّا كان عليه».

وأضاف المصدر أن «الأمر الأكثر خطورة تمثّل في إطلاق سراح بعض السجناء الذين ثبت تورطهم في عدة جرائم، حيث فوجئنا بتحول بعضهم إلى عملاء مزدوجين بعد الإفراج عنهم من الجانب الإماراتي»، مشيراً إلى أن من بين هؤلاء «عناصر ينتمون إلى تنظيم (القاعدة)».


دبلوماسي سوري: سيادة البلاد ووحدتها لا تقبلان المساومة

محسن مهباش رئيس مكتب وزير الخارجية السوري والمشرف على عمل البعثة بالرياض (الشرق الأوسط)
محسن مهباش رئيس مكتب وزير الخارجية السوري والمشرف على عمل البعثة بالرياض (الشرق الأوسط)
TT

دبلوماسي سوري: سيادة البلاد ووحدتها لا تقبلان المساومة

محسن مهباش رئيس مكتب وزير الخارجية السوري والمشرف على عمل البعثة بالرياض (الشرق الأوسط)
محسن مهباش رئيس مكتب وزير الخارجية السوري والمشرف على عمل البعثة بالرياض (الشرق الأوسط)

أكد دبلوماسي سوري أن تعامل بلاده مع ملف الشمال والشرق جاء انطلاقاً من مبدأ راسخ لا يقبل المساومة يتمثل في وحدة أراضيها وسيادتها، واحتكارها الشرعي لاستخدام السلاح، ومسؤوليتها الكاملة عن حماية المواطنين ومكافحة الإرهاب، بالتوازي مع التزامها الدائم بالحلول السياسية والحوار الوطني خياراً أول لمعالجة جميع القضايا الداخلية.

وقال محسن مهباش، رئيس مكتب وزير الخارجية السوري والمشرف على عمل البعثة بالرياض، إن الحكومة اختارت منذ البداية مسار التهدئة والتفاهم مع «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)»، ووقّعت عدة اتفاقيات واضحة نصّت على وقف إطلاق النار، وعودة مؤسسات الدولة، وتسليم الموارد والمعابر، ودمج المقاتلين ضمن الجيش. وأردف أن هذه الاتفاقيات قوبلت بالمماطلة والنقض المتكرر من قِبل قيادة «قسد»، رغم التزام الدولة الكامل ببنودها، الأمر الذي فاقم حالة عدم الاستقرار وهدَّد أمن المدنيين.

وأضاف الدبلوماسي السوري، في تصريحات صحافية، أنه «في ظل التصعيد الميداني الذي أقدمت عليه (قسد)، بما في ذلك حشدها العسكري شرق حلب، واستهدافها المدن بالمسيّرات، ورفضها الاستجابة للإنذارات الرسمية؛ اضطرت الدولة، وبعد استنفاد جميع السبل السياسية لممارسة حقها السيادي في الدفاع عن أراضيها وأمن شعبها، عبر عملية عسكرية محدودة هدفت حصراً إلى حماية الاستقرار، ومنع تمدد الفوضى والإرهاب، مع الالتزام الكامل بحماية المدنيين، وعدم تهجير أي مكوّن سوري».

وشدَّد على أن ملف سجناء تنظيم «داعش» جرى توظيفه بشكل خطير من قِبل «قسد» بصفته ورقة ابتزاز سياسي وأمني، وصل إلى حد إطلاق سراح عناصر إرهابية، في انتهاك صارخ لمسؤوليات مكافحة الإرهاب، مؤكداً جاهزية الدولة السورية الكاملة لتسلّم هذا الملف، وتأمين مراكز الاحتجاز وفق المعايير الدولية، مُحمّلة «قسد» المسؤولية الكاملة عن أي خرق أمني أو تهديد ناتج عن هذه الممارسات.

وجدّد مهباش تأكيد أن الدولة السورية كانت ولا تزال في مواجهة مباشرة مع «داعش» منذ أكثر من عقد، وخبرتها في مكافحة الإرهاب ميدانية وحقيقية، وليست إدارة أزمات أو تفاهمات ظرفية، مشدداً على أن الجيش العربي السوري هو الضامن الوحيد لوحدة البلاد وأمنها، وسوريا ستواصل بسط سيادتها على كامل أراضيها، وحماية جميع مواطنيها دون تمييز، بما يرسخ الأمن الوطني والإقليمي والدولي على حد سواء.

وأشار إلى أنه جرى الاتفاق بين الرئيس السوري أحمد الشرع و«قسد» على مهلة أربعة أيام أمام الأخيرة لوضع آلية دمج عملية، وعدم دخول القوات الحكومية مراكز الحسكة والقامشلي أو القرى الكردية، مع اعتماد أمن محلي، ودمج قوات «قسد» عسكرياً وأمنياً ومدنياً ضمن مؤسسات الدولة، وترشيح ممثلين عنها لمناصب رسمية، بالإضافة لتنفيذ المرسوم رقم 13 لضمان حقوق الكرد، وبدء تنفيذ التفاهم في الساعة الثامنة مساءً، منوهاً بأن ذلك جاء «انطلاقاً من حرص الدولة على وحدة البلاد، وكانت استجابة الحكومة لا مثيل لها».


السيسي يلتقي ⁠ترمب في «دافوس» بعد إشارات ودية متبادلة

لقاء «دافوس» المنتظر بين السيسي وترمب هو الثاني في غضون ثلاثة أشهر (الرئاسة المصرية)
لقاء «دافوس» المنتظر بين السيسي وترمب هو الثاني في غضون ثلاثة أشهر (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يلتقي ⁠ترمب في «دافوس» بعد إشارات ودية متبادلة

لقاء «دافوس» المنتظر بين السيسي وترمب هو الثاني في غضون ثلاثة أشهر (الرئاسة المصرية)
لقاء «دافوس» المنتظر بين السيسي وترمب هو الثاني في غضون ثلاثة أشهر (الرئاسة المصرية)

يلتقي الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، مع نظيره الأميركي، دونالد ترمب، في مدينة دافوس السويسرية، بعد «إشارات ودية» متبادلة بين الجانبين بالفترة الأخيرة.

وأعلنت الرئاسة المصرية، الثلاثاء، أن السيسي وترمب سيعقدان جلسة محادثات على هامش أعمال «منتدى دافوس»، للتباحث بشأن آخر المستجدات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، إلى جانب «بحث سبل تعزيز التعاون والتنسيق بين مصر والولايات المتحدة، بما يخدم مصالح البلدين، ويعزّز الاستقرار الإقليمي والدولي».

وتوجه الرئيس المصري، الثلاثاء، إلى مدينة دافوس، للمشاركة في أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي، الذي يُعقد في الفترة من 19 حتى 23 يناير (كانون الثاني) الحالي، تحت شعار «روح الحوار».

وسيتضمن جدول مشاركة الرئيس المصري، بـ«منتدى دافوس»، لقاءً مع نظيره الأميركي، للتباحث حول آخر المستجدات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، وفق الرئاسة المصرية.

ويعد هذا اللقاء الثاني لمحادثات مباشرة تجمع السيسي وترمب، منذ عودة الرئيس الأميركي للبيت الأبيض قبل عام، وذلك بعد المحادثات التي جمعتهما في مدينة شرم الشيخ المصرية، في شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، على هامش «قمة السلام» بشأن وقف الحرب في غزة.

ويأتي لقاء القمة المرتقب بين الرئيسين المصري والأميركي، بعد إشارات ودية متبادلة في الفترة الأخيرة، حيث بعث ترمب برسالة تقدير إلى السيسي أخيراً، على جهوده الناجحة في الوساطة بين حركة «حماس» وإسرائيل، للوصول لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، وتضمنت الرسالة رغبة من جانب ترمب لإطلاق وساطة أميركية بين مصر وإثيوبيا «من أجل التوصل إلى حل لأزمة السد الإثيوبي، بما يحقق تسوية عادلة ونهائية لمسألة تقسيم مياه النيل».

وفي المقابل، أشاد الرئيس المصري، برسالة نظيره الأميركي، وقال في تدوينة عبر حسابه الرسمي السبت: «أثمن رسالة الرئيس دونالد ترمب، وجهوده المقدرة في ترسيخ دعائم السلام والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي، وما تضمنته من تقدير لدور مصر المحوري في دعم الأمن والاستقرار بالمنطقة»، كما ثمّن السيسي «اهتمام ترمب بمحورية قضية نهر النيل لمصر».

محادثات السيسي وترمب في شرم الشيخ بشهر أكتوبر الماضي (الرئاسة المصرية)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير حسين هريدي، أن لقاء السيسي وترمب في «دافوس»، «يأتي في توقيت مهم وضروري، ويعكس الشراكة الاستراتيجية بين البلدين»، وقال إن «المحادثات تتزامن مع بدء تنفيذ المرحلة الثانية من (اتفاق غزة)»، مشيراً إلى أن «هذه المرحلة تعوّل عليها القاهرة، على أساس أن نجاحها، سيفتح الباب للتعامل الإيجابي مع القضية الفلسطينية، وإيجاد حلول عادلة لها».

وهناك تقدير أميركي متواصل للدور الذي تقوم به مصر للتهدئة في الإقليم، وفق تقدير هريدي، مشيراً إلى أن «واشنطن خلال العامين الماضيين، سواء وقت إدارة جو بايدن، أو مع إدارة ترمب الحالية، تدرك مركزية الدور المصري في التعامل مع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وفي تسوية الأزمات الإقليمية».

وفي عدة مناسبات، أطلق ترمب تصريحات ودية تجاه السيسي ومصر التي وصفها بأنها «دولة تسيطر على أمورها جيداً»، واستثناها من زيادة الجمارك التي فرضها على دول أخرى، كما تحدثت تقارير كثيرة موثوقة عن ضغطه على إسرائيل لتمرير صفقة الغاز الأخيرة معها.

وتجاوب ترمب مع رفض مصر تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، دون أن يتخذ موقفاً عدائياً ضد القاهرة، حيث لبى دعوة السيسي للمشاركة في قمة «شرم الشيخ للسلام»، للتوقيع على اتفاق لإنهاء الحرب في غزة.

ويرى السفير حسين هريدي، أن «الولايات المتحدة تعول على السياسة المصرية للتسوية في المنطقة»، مشيراً إلى أن «مصر لا تدعم أي ميليشيا مسلحة تعمل في دول بالمنطقة»، كما أن التحركات المصرية للتهدئة «تمتد إلى منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي أيضاً».

وفي أكثر من مناسبة، تؤكد مصر على استراتيجية علاقاتها مع الولايات المتحدة، وتحصل القاهرة على مساعدات عسكرية أميركية بقيمة 1.3 مليار دولار، منذ توقيع اتفاق السلام بينها وبين إسرائيل، وأعلنت الخارجية الأميركية، في سبتمبر (أيلول) 2024، عن «موافقة واشنطن على تقديم قيمة المساعدات كاملة» إلى القاهرة.

وهذا هو اللقاء الثاني الذي يجمع السيسي وترمب خلال ثلاثة أشهر، وفق أستاذ السياسات الدولية، أشرف سنجر، الذي قال إن «لقاء (دافوس)، سيكون مهماً للتأكيد على أهمية تنفيذ المرحلة الثانية من خطة السلام في غزة».

ويرى سنجر، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «الترتيبات الأمنية والإقليمية التي تقوم بها واشنطن، من الصعب أن تديرها بمفردها، بسبب تعقد المشاكل الإقليمية وتعدد أطرافها»، مشيراً إلى أن «التعاطي مع تلك المشكلات يتطلب تنسيقاً مع أطراف فاعلة في المنطقة مثل مصر».