الحلقة الثالثة: سلطة موازية ومحاولات اغتيال صعّدت الصراع بين الأردن والتنظيمات الفلسطينية

مذكرات الأمير زيد بن شاكر كما ترويها أرملته - أجنحة داخل «فتح» شعرت بأنها أقوى من النظام الأردني وبدأت تفكر في إسقاطه

الملك حسين داخل دبابة أردنية وإلى جانبه زيد بن شاكر وعدد من الضباط
الملك حسين داخل دبابة أردنية وإلى جانبه زيد بن شاكر وعدد من الضباط
TT

الحلقة الثالثة: سلطة موازية ومحاولات اغتيال صعّدت الصراع بين الأردن والتنظيمات الفلسطينية

الملك حسين داخل دبابة أردنية وإلى جانبه زيد بن شاكر وعدد من الضباط
الملك حسين داخل دبابة أردنية وإلى جانبه زيد بن شاكر وعدد من الضباط

في هذه الحلقة الثالثة من مذكرات الأمير زيد بن شاكر تنقل أرملته السيدة نوزاد الساطي تفاصيل عن بدايات الصراع بين الأردن والفصائل الفلسطينية التي كانت قد بدأت في تعزيز وجودها ونفوذها في عمان ومدن أردنية أخرى، فيما أصبح معروفاً بـ«أيلول الأسود». وتروي المذكرات التي تصدر الشهر المقبل عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت - عمان معلومات غير معروفة سابقاً عن التحضيرات والاستعدادات التي كانت تجري في صفوف قيادات الجيش الأردني، التي كان زيد بن شاكر من أبرزها. كما تروي ظروف القرار الصعب الذي اتخذه الملك حسين بإقالة زيد والشريف ناصر بن جميل (خال الملك حسين) من الجيش تجاوباً مع مطلب للجبهة الشعبية مقابل إطلاق مجموعة من الرهائن كانت تحتجزهم في فندقين في عمان.

على الرغم من الإنجاز الذي تحقق في معركة الكرامة، فإن أجواء البلد «الملبدة» بالترهيب الفكري والسياسي لم تكن تسمح لنا بالشعور بفرحة النصر والاحتفال به، حتى معركة الكرامة سجلت في الإعلام العربي بوصفها إنجازاً عسكرياً للفدائيين، وانتصاراً لهم على إسرائيل، وذلك على الرغم من الدور الأساسي والفاصل للجيش العربي في الانتصار، في مقابل حقيقة أن مشاركة الفدائيين في المعركة كانت محدودة؛ كونها كانت معركة دروع أساساً وليس مشاة.
كان الجيش يوفر الغطاء المدفعي للفدائيين، ويساعدهم ويعطيهم حرية الحركة والتسلح والتجنيد والعمل، ولم يتردد حينها الحسين في شرعنة هذا العمل والوجود بشعاره المعروف «أنا الفدائي الأول» كما عرض عليهم وصفي التل - كما يذكر صلاح خلف (أبو إياد) ـ أن يتعاون الجيش والفدائيون لتدشين حرب العصابات في مواجهة إسرائيل، وهو المشروع الوطني الذي كان يتبناه وصفي.
إلا أن حركة «فتح» والفصائل المتحالفة معها رفضت هذا العرض، بدعوى عدم رغبتها في أن يرتهن العمل الفلسطيني إلى نظام رسمي عربي، مشددة على مزاعم الاستقلالية الفلسطينية.
في تلك الفترة نفسها؛ بين خريف 1968 وشتاء 1969، بدأت الفصائل الفلسطينية الأخرى بالظهور والصعود، وكان أبرزها «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» (التي ولدت من رحم حركة القوميين العرب ‪‪(بقيادة جورج حبش ومعه وديع حداد. ثم انشقت عنها لاحقاً «الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين» بقيادة نايف حواتمة. كما كانت هناك منظمة النضال الشعبي لبهجت أبو غربية.
المشكلة تعاظمت عندما بدأت ردود الفعل الإسرائيلية تدفع بالفدائيين وقياداتهم إلى الخروج من القواعد والتخلي عنها، والتوجه نحو المدن، حيث تخلوا بالنتيجة عن دورهم الفدائي الحقيقي لصالح التحول إلى أعضاء ميليشيات تمثل سلطة موازية لسلطة الدولة.
أساء القادة الفلسطينيون، حينها، تقدير وضع النظام وردود فعل الحسين على هذا التوسع الكبير في النشاط والتمدد في المدن، وفسّروه بأنه ضعف من الحسين وعجز عن المواجهة بعد خسارة الضفة الغربية. ومن ثم، أساءوا كل الوقت الذي منحه لهم الحسين لكي لا تصل الأمور إلى حدود المواجهة.

انتقال المعسكرات إلى المدن
‪لقد كان انتقال «المعسكرات» إلى المدن أولى محطات الاحتكاك الحقيقية التي تنذر بما هو أسوأ، في 5 نوفمبر (تشرين الثاني) 1968، كان هناك تطور غير طبيعي وغير عادي في عمان؛ إذ اختطفت مجموعة «ألوية النصر» بقيادة طاهر دبلان ضابطاً من الحرس الملكي؛ ما أثار غضب الحسين. فطلب قادة «فتح» وأنذرهم بشدة إن لم يتم الإفراج عن الضابط وتسليم المسؤولين للقضاء. وفي الوقت نفسه، كما عرفت لاحقاً، فإن تلك الجماعة نفسها هاجمت مخفراً للجيش في الهاشمي الجنوبي، وتولى اللواء الذي يقوده زيد إحباط العملية بتدخل عسكري.
تدخلت القوات التي يقودها زيد في الكثير من المواقع في عمان لحفظ الهدوء والاستقرار، بعدما حدثت مواجهات بين قوات الأمن وعناصر تابعة للمنظمات الفلسطينية التي كانت تتحدى أي قرار يصدر عن الحكومة وترفض تطبيقه، وتعتبر نفسها سلطة مسلحة موازية لسلطة الدولة.
في تفاصيل وتطورات يسردها الكتاب عن مواجهات ومحاولات لزعزعة الأمن، فقد انتهت مواجهات خلال إحدى المسيرات بذكرى «وعد بلفور» بتفاهمات عقدت بين الحسين والحكومة من جهة، وقادة منظمة التحرير الفلسطينية من جهة أخرى، وعرفت باتفاق 19 نوفمبر 1969، فيها تأكيد على منع حمل السلاح وعدم ارتداء الملابس العسكرية من قبل أفراد الفصائل والميليشيات في شوارع المدن، ومنع تفتيشهم للسيارات المدنية والعسكرية، كما كان يحدث سابقاً.

شروط الصدام وإرهاصاته
إن الشروط الموضوعية والعوامل الواقعية كانت تدفع باتجاه المواجهة بين الدولة والميليشيات منذ أحداث نوفمبر 1968، لسببين جوهريين؛ الأول: فقد كانت هناك شكوك عميقة من كل طرف بنوايا الآخر، وبصورة خاصة من قبل الفصائل المسلحة. فبالنسبة إليها الحسين متآمر، متحالف مع الغرب، وسماحه للعمل الفدائي ليس إيماناً منه بضرورة استعادة الضفة الغربية، بل لأسباب أخرى شخصية؛ إما تحسين وضعه التفاوضي مع إسرائيل، أو لضغوط عربية عليه، أو لعجز منه عن الحسم العسكري، فلم يكن زواجاً بالتراضي بين الحسين والفصائل المسلحة، بل بالإكراه، مليئاً بالشكوك وسوء التقدير وانعدام الثقة بين الجانبين.
أما السبب الآخر: فيتمثل بأن منظمة التحرير والفصائل الأخرى - كانت ترى نفسها ممثلاً ليس للفلسطينيين في الضفة الغربية، بل الجميع، بمن فيهم الأردنيون من أصول فلسطينية في‪ الأردن؛ لذلك تعامل معهم وكأنه هو الذي يمثلهم في مواجهة الدولة، وهو السلطة الفعلية في تلك المناطق، فانتقلت تلك الفصائل من القواعد في الأغوار، التي يفترض أنها تمثل المقر الوحيد لهم في إطار حرب الاستنزاف، ودخلوا في مشروع مختلف تماماً عبر التواجد والتجنيد والتدريب في المدن الرئيسية، فأصبحت المعركة الحقيقية وساحة الصراع الواقعي في المدن الأردنية؛ والخصم رقم واحد هو النظام الأردني قبل إسرائيل، وهي الوقائع الجديدة التي جرت بدورها تحولاً لاحقاً في شعارات الميليشيات؛ عبر التأكيد أن الأولوية هي تحرير العواصم العربية من الأنظمة الرجعية، مثل عمان، قبل تحرير القدس والمدن الفلسطينية!.
كانت هناك 3 سيناريوهات رئيسية نجمت عن الصراع على السلطة ‪ وقيام دولة في مواجهة الدولة أو في داخل الدولة. السيناريو الأول، هو أن يقبل الحسين بتسليم السلطة للمنظمات الفلسطينية، ويتخلى عن الدولة. ولم يكن ذلك ليؤدي إلى الاستقرار، بل إلى حرب أهلية داخلية بالطبع؛ إلا أن هذه المنظمات لا ترى نفسها ممثلاً للأردنيين، ولا أحزاباً سياسية أردنية، بل قوى عسكرية تمثل الفلسطينيين والأردنيين من أصل فلسطيني‪‪.
أما السيناريو الثاني، فهو القبول بازدواجية السلطة وانفصامها، ما يمكن أن يستمر لفترة من الوقت، وقد حدث ذلك، لكنه ليس خياراً ممكناً على المدى البعيد. والثالث، يتمثل بالحسم العسكري والسياسي منذ البداية. وهو الخيار الذي أخّره الحسين رغبة في تجنب سفك الدماء، ورغبة في الوقوف في وجه الدعاية العربية الإعلامية التي تريد أن تصوره بوصفه دمية بيد الأميركيين والغربيين.
السؤال التالي يتمثل بأسباب الاستقواء على الأردن في تلك المرحلة، على الرغم من أن الحسين، باعترافهم، سمح بإقامة قواعد، وترك لهم المجال للقيام بعمليات فدائية، ووفر لهم الجيش الغطاء العسكر المدفعي في كثير من الأحيان، بينما مُنعوا من القيام بالأمر نفسه على الحدود السورية - الإسرائيلية، بأمر واضح ومباشر من السلطات هناك، كما تؤكد مذكرات قياداتهم.

دولة الميليشيات في الأردن
انتهت أحداث الرابع من نوفمبر باتفاق بين الحسين وقيادة منظمة التحرير، كما ذكرنا سابقاً. في عام 1969، ومع نمو «الجبهة الشعبية» وذيوع صيتها، والتنافس بينها وبين «الجبهة الديمقراطية»، بدأت تظهر شعارات جديدة وأفكار تعكس انحراف البوصلة لدى هذه الفصائل. وحدث خلط بين هدف تحرير الأراضي المحتلة وبين الآيديولوجية اليسارية التي تتبناها تلك المنظمات وتقوم على الصراع الطبقي والثورة الداخلية؛ فبدأت تلك المنظمات ترفع شعارات من قبيل: كل السلطة للمقاومة؛ والسلطة الرجعية هي الحليف الموضوعي للاستعمار؛ وتحرير القدس يبدأ من تحرير العواصم العربية، وفي مقدمتها عمان.
ولم تعد تلك اللغة غريبة حتى على أجنحة داخل حركة «فتح» التي شعرت في مرحلة من المراحل بأنها أقوى من النظام، وبدأت تراودها فكرة إسقاط الحكم الهاشمي. ويعترف أبو داود بأنه لم يكن ضد هذه الفكرة، وكان حينها قائد ميليشيات «فتح» العسكرية في الأردن‪.
تزامن صعود الشعارات الراديكالية ضد النظام وتوازى مع تمدد الميليشيات على أرض الواقع، لتتكرس حالة ازدواجية السلطة بصورة كاملة. وأصبحنا، في واقع الحال، على «مفترق طرق»؛ فإما أن تكون هناك ‪ دولة تحاول استعادة سلطة الدستور والقانون والسيادة على الأرض، أو أن تترك الحبل على الغارب لحالة الفوضى الداخلية، وصولاً إلى فشل الدولة أو «الدولة الفاشلة». لذلك؛ لما تفاقم الأمر ووصل إلى مرحلة كبيرة من الفوضى والتمرد على الدولة ومحاولات فرض كل فصيل لقانونه وسلطته الخاصة، واستخدام السلاح بصورة عشوائية، أراد الحسين أن يضبط الأمور مرة أخرى في 10 فبراير (شباط) 1970، فحضر جلسة مجلس الوزراء برئاسة بهجت التلهوني حينها، وصدرت قرارات مهمة باتجاه استعادة القانون والأمن والتخلص من حالة الفوضى الكبيرة.
اعتبرت تلك الفصائل أن قرارات 10 فبراير بمثابة نقض لاتفاق نوفمبر 1968 بين الحكومة الأردنية وقيادات «فتح»، وأعلنت حالة الاستنفار القصوى من قبلها، وأعطى أبو داود التعليمات لمقاتليه بالرد على أي محاولة من قبل الجيش لانتزاع سلاحهم أو السيطرة على مواقعهم، وجرى وضع حراس على أبواب مخيمات اللاجئين لمنع الجيش من دخولها. أي أن الميليشيات تصرفت بالفعل كما لو أنها السلطة السياسية والقوة العسكرية التي تواجه الدولة والنظام، وأنها المسؤولة، عن الأردنيين من أصل فلسطين.


(1) زيد بن شاكر: معلومات مصرية وضغوط دفعت بالملك حسين إلى حرب 1967

(2) التحمت المدرعات الأردنية بالإسرائيلية فغاب سلاح الطيران عن معركة الكرامة


الشرارة التي أشعلت المواجهات بين الجيش والميليشيات، بدأت في جبل التاج عندما أراد الجيش أن يزيل موقعاً لإحداها هناك مطلاً على القصور الملكية ويهددها أمنياً وعسكرياً. إذ رفض المسلحون إخلاءه فحدثت مواجهات بين الطرفين أدت إلى إصابات متعددة. لكن الهدوء عاد في صباح اليوم التالي مع بروز محاولات للتهدئة، قبل أن تشتعل مرة أخرى عندما حاولت مجموعات الاعتداء على مركز أمن البادية بالقرب من «الوحدات»، وقصفه بالمولوتوف، في حين كانت قوات البادية ترد على تلك الاعتداءات؛ ما أدى إلى شهداء ومصابين من تلك القوات والمدنيين. وفي مساء يوم 21 فبراير تم تعليق القرارات الحكومية التي اتخذت قبل يومين، بعد اجتماعات بين الحكومة والفصائل‪...
لكن الخطيئة الكبرى التي ارتكبتها الميليشيات كانت تتمثل في استفزاز العسكريين، من ضباط وجنود، خلال عودتهم إلى منازلهم أو وهم في سياراتهم؛ وتعمد إهانتهم وتفتيشهم، وفي أحيان اعتقالهم، الأمر الذي تراكم مع مرور الوقت وخلق حالة احتقان شديدة لدى القوات المسلحة.
وهنا، أيضاً، لا تعوزنا اعترافات من قبل قيادات تلك الميليشيات بما قدمت أيديها حينها من إساءة واستفزاز للعسكريين وعائلاتهم وشرفهم العسكري، (....).

المطالبة بعزل زيد
كان كل شيء مؤذناً بالانفجار، فالوضع يغلي؛ أفراد الميليشيات ينتشون وينتشرون ويتوسعون في العدد والتسليح والسلطة، والجيش لم يعد قادراً على الاحتمال، في حين الحسين يعمل على ضبط إيقاعه سياسياً ودبلوماسياً وعسكرياً، يساعده في الجيش القادة والضباط الكبار، ومنهم زيد.
الشرارة الجديدة جاءت في السابع من يونيو (حزيران) 1970، عندما حاولت مجموعة من «الجبهة الديمقراطية» ابتزاز المال من جندي أردني بقوة السلاح، وفق رواية أبي داود؛ فتحول الحادث لاحقاً إلى مواجهات عنيفة بين الجيش وعناصر أخرى في صفوف الميليشيات، وتم اعتقال 24 عنصراً من الأخيرة، وامتدت المواجهات إلى الزرقاء وعمان ومناطق مختلفة ‪‪)في مساء اليوم نفسه، اختطفت «الجبهة الشعبية» السكرتير الأول في السفارة الأميركية، موريس درايبر، وأعلنت عن شروط إطلاق سراحه، منها إطلاق المعتقلين الـ24، وعزل الشريفين ناصر (بن جميل خال الملك حسين) وزيد من الجيش، ومجموعة أخرى من الشروط.
وقد انضمت «الجبهة الديمقراطية» إلى ‪‪«الجبهة الشعبية» في مطالبها، ما هو أخطر وقع بعد يومين (أي في التاسع من يونيو عندما تعرض موكب الحسين لهجوم من قبل أفراد ميليشيا في صويلح ‪‪(بالقرب من منزله في الحمر نجا منه واستشهد جندي وأصيب آخرون. وبعد ساعات قليلة، كانت مجموعة تابعة للجبهة الشعبية تقتحم فندق الإنتركونتيننتال، فتحتجز عدداً من الصحافيين والضيوف الأجانب، ثم بعد ذلك بساعات تقوم مجموعة أخرى باقتحام فندق فيلادلفيا، حيث ‪تحتجز عددا آخر‪‪.)أخذ الوضع يتجه نحو الأسوأ، بينما الاشتباكات تدور عنيفة في عمان بين الميليشيات والجيش العربي، وبصورة خاصة اللواء المدرع الذي يقوده زيد)؛ إذ تحرك باتجاه الوحدات وجبل الحسين ومناطق أخرى لحماية عمان ولمواجهة مصادر النيران والمسلحين، وتأمين قوات‪.الجيش الأخرى.
في حين هاجمت ميليشيات عدداً من المقرات الرسمية، مثل دائرة المخابرات العامة والبريد المركزي، وتم احتلال وزارة الداخلية لبضع ساعات، وأطلقت صواريخ على محطات الكهرباء والمياه. مع المساء، كانت عمان أشبه بساحة حرب حقيقية، وغرقت مع قدوم الليل في الظلام الذي كان يضاء في فترات متقطعة بنيران الأسلحة الرشاشة والمواجهات الواقعة بين الجيش والميليشيات ‪‪في الأثناء، كانت المفاوضات منعقدة بين الحسين والحكومة من جهة وقادة منظمة التحرير من جهة أخرى برئاسة عرفات. ثم لحقت اللجنة المركزية للمقاومة الفلسطينية، أو القيادة العليا، بشروط كل من الجبهتين الشعبية والديمقراطية، بربط وقف إطلاق النار بعزل‪ الشريف ناصر وزيد وبالإفراج عن معتقلي الميليشيات (....).

إعفاء زيد والفرصة الأخيرة
في صباح يوم الأربعاء 10 يونيو 1970، كانت المواجهات مشتعلة، وأفراد الميليشيات يتحصنون في الأحياء وفوق المنازل ووسط الأهالي، حتى إن الصحف ووكالات الأنباء كانت تتحدث عن سيطرة الميليشيات على 80 في المائة من أحياء عمان، بالإضافة إلى احتلال فندقين واحتجاز رهائن وصحافيين فيهما؛ أي أن الأمور كانت تسير في العاصمة نحو الأسوأ. وقد استمرت الاجتماعات بين الحكومة بحضور رئيسها بهجت التلهوني، وممثلي الميليشيات الذين تصلبوا في موقفهم - التي أعلنها جورج حبش في مؤتمر صحافي - المطالب بعزل الشريف ناصر وزيد، وسحب الجيش من المدينة، من أجل إطلاق سراح الرهائن والمعتقلين لدى ‪.الفصائل ووقف إطلاق النار
في الأثناء، بثت إذاعة «صوت العاصفة»، الناطقة باسم «فتح» من القاهرة، بياناً دعت فيه الحسين صراحة إلى الاختيار ما بين سقوط نظام حكمه، أو عزل المستشارين المقربين منه، والمقصود هنا الشريفان ناصر وزيد، بالتأكيد ‪ الأغرب من هذا التعالي في الخطاب مع رأس السلطة في البلاد، هو موقف تيار عريض من النخبة السياسية، كما ذكرنا سابقاً، كان أفراده ينافقون المنظمات.
على الرغم من ذلك، شعر الحسين بأن إنقاذ حياة الرهائن والمعتقلين هو أولوية له، فإذا ما تم قتلهم على يد «الجبهة الشعبية»، فإن ذلك سيعزز من الدعاوى الدولية والإقليمية بأن الأردن تحول إلى دولة فاشلة بصورة كاملة.
لتلك الاعتبارات كافة، قبل الحسين شروط التنظيمات المسلحة فقطعت الإذاعة الأردنية أخبارها فجأة بعد منتصف ليلة الخميس (11 يونيو)، وبثت رسالة صوتية مؤثرة من الحسين إلى الشعب الأردني، أعلن فيها عزل زيد وناصر. لكنه دافع عنهما بشراسة وشجاعة في ثنايا الخطاب (....).
في الخطاب أعلن الحسين توليه شخصياً قيادة القوات المسلحة مباشرة. وأسندت قيادة السلاح المدرع الملكي بالوكالة إلى العقيد كاسب صفوق، قائد قواتنا في معركة الكرامة، وشدد الحسين على أنها الفرصة الأخيرة التي لا فرصة بعدها.
لقد أطلق فعلا سراح الرهائن المحتجزين في الفندقين عقب قرار الحسين. وكنت أتمنى أن يلتقط الطرف الآخر كلمته الواضحة المهمة في ثنايا الخطاب، عندما وصف ما قام به بأنه «الفرصة الأخيرة».
في الحقيقة، انتقل زيد للمرة الأولى في حياته بعد هذا القرار من حيز العمل العسكري التنفيذي أو الميداني، إلى مهمة عسكرية مرتبطة بالقرارات السياسية. إذ عمل خلال تلك الفترة المحدودة من ابتعاده عن القيادة العامة إلى جوار الحسين ووصفي التل وعدد من السياسيين والعسكريين والأمنيين الموثوقين في الظل إدارة الأزمة القائمة والتعامل معها، أي في «المطبخ السياسي ‪ المصغر ‪‪وعلى الرغم من أن قرار عزل زيد كان شكلياً، فإن الجيش لم يتقبل ذلك، وزادت حالة التململ في القوات المسلحة، والشعور بالغبن. وكان زيد يضطر إلى شرح أبعاد القرار بنفسه للجيش وللمتصلين الغاضبين؛ خشية أن يساء تفسير الأمر.
‪ في تلك الفترة، تم إطلاق النار على مضر بدران (وكان أمين عام الديوان الملكي وقتها) وأصيب في يده من قبل الميليشيات. كما اختطف الضابط أحمد عبيدات (الذي أصبح لاحقاً مديراً للمخابرات العامة ورئيساً للوزراء.) وهكذا الحال مع عشرات الجنود والضباط الذين إن وقعوا بأيدي الميليشيات يكون مصيرهم إما الاختطاف أو القتل أو التعذيب أو الإهانة، لا لشيء إلا لأنهم أفراد في الجيش العربي. ‪
يتحدث زيد نفسه عن حالة الغليان تلك في القوات المسلحة: «خلال الشهرين أو الثلاثة التي سبقت قرار التدخل في عمان والمدن الأخرى، كان هناك تذمر شديد في القوات المسلحة، وكدنا أن نفقد الانضباطية. أكثر من كتيبة كانت تتحرك من دون أوامر لتتجه إلى عمان لتتخذ إجراء ضد الفدائيين في عمان.
وكرسالة أخرى أكثر وضوحاً وإمعاناً في حسن النوايا من قبل الحسين تجاه المنظمات المسلحة، فإنه وافق على استقالة حكومة بهجت التلهوني، وأوعز إلى عبد المنعم الرفاعي (في 27 يونيو 1970)، الذي تعتبره الميليشيات صديقاً ومتعاطفاً معها، بتشكيل الحكومة الجديدة، التي نصف عدد وزرائها من أصول فلسطينية، واعتبرت قيادات المنظمة 6 من هؤلاء الوزراء من حلفائها وأصدقائها ‪‪.قبل ذلك بيوم واحد، كانت الحكومة تلغي قانون التجنيد الإلزامي، ويقبل الحسين طلب اللواء الشريف ناصر، رئيس هيئة الأركان، بإحالته على التقاعد.



ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
TT

ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)

قبل أيام من عيد الفطر، استقلَّ السوداني محمد السيد (33 عاماً) حافلةً من حي فيصل، بمحافظة الجيزة المصرية، إلى مدينة أسوان جنوب البلاد، حيث المنفذ البري الرابط بين البلدين، بعد 10 أشهر فقط قضاها في مصر، بينما عائلته في منطقة الجزيرة بالسودان، مرجعاً قرار العودة السريع، دون استكمال علاجه الذي جاء من أجله، إلى «حملات الترحيل المصرية لمخالفي الإقامة».

وتشهد رحلات العودة الطوعية زيادةً لافتةً في الأسبوعين الماضيين، رغم تراجع رحلات العودة المجانية، وفق ما أكدته مصادر سودانية لـ«الشرق الأوسط»؛ وذلك بسبب الحملات الأمنية لترحيل السودانيين ممَّن ليست لديهم إقامات سارية، «ما جعل كثيراً من الأسر تفضِّل الإنفاق على العودة، بدلاً من تحمل تكلفة البقاء في مصر، ودفع إيجار شقة بمبلغ كبير لشهر آخر، مع مواجهة خطر الترحيل»، حسب أمين عام الجالية السودانية في مدينة العاشر من رمضان، شرق القاهرة، إبراهيم عز الدين.

تكدس العائدين في «معبر أرقين» خلال أزمة الضرائب (حملة راجعين لي بلد الطيبين)

وتسبَّبت الحرب بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو 1.5 مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. لكن منذ مطلع 2024 وحتى نهاية 2025، غادر عبر المنافذ البرية أكثر من 428 ألف سوداني، وفق تقديرات سودانية رسمية.

وقال عز الدين لـ«الشرق الأوسط»، إن «أعداد الأسر التي رحلت بعد عيد الفطر، أضعاف من كانت تغادر قبله... وبعد انتهاء امتحانات الشهادة السودانية في مايو (أيار) المقبل، ستتضاعف الأعداد أكثر وأكثر».

الأمر نفسه أكده مؤسِّس حملة «راجعين لي بلد الطيبين»، محمد سليمان، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن لدى الحملة قوائم طويلة مُسجَّلة سيتم تفويجها تباعاً للعودة، لافتاً، إلى «أنَّ الأعداد شهدت زيادةً كبيرةً منذ عيد الفطر وحتى الآن، وأنَّ الرحلات تسير بسلاسة بعدما تداركت السلطات السودانية أزمةً كادت تؤثر على حركة العودة قبل أيام في ميناء أرقين البري».

وكان ميناء أرقين البري، شهد يوم الجمعة الماضي تكدساً للعائدين، بعدما أعلن سائقو الحافلات الإضراب؛ اعتراضاً على زيادة الضرائب المفروضة على حافلاتهم. وافترش العائدون من النساء والأطفال الأرض إلى جانب حقائبهم الكثيرة... وبعد ساعات من الأزمة، قرَّر رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، رفع الضرائب، واستأنف السائقون رحلاتهم إلى الداخل السوداني.

وعلق سليمان: «لو لم تحل الأزمة سريعاً لأثَّر ذلك على أعداد الوافدين يومياً، بعدما شهدت أعدادهم زيادةً ملحوظةً».

والزيادة في أعداد العائدين، أكدها أيضاً مدير معبر أرقين، والمشرف على المعابر، العميد مبارك داؤود سليمان، قائلاً في تصريح صحافي: «إن المعبر يشهد زيادةً مستمرةً في أعداد العائدين عقب عطلة عيد الفطر؛ حيث يتراوح عدد القادمين يومياً ما بين 1500 و2000 مواطن، رغم أن الرحلات المنتظمة لمنظومة الصناعات الدفاعية لم تبدأ بعد».

سودانيون يبحثون عن أسمائهم في قائمة المسافرين ضمن إحدى رحلات قطارات العودة (مجلس الوزراء المصري)

وبعد انتظار لشهور، تفكر السودانية لمياء محمد (32 عاماً) في استبدال الحافلات المدفوعة، بالعودة الطوعية المجانية، في ظلِّ تأخر الأخيرة، وغموض مواعيد رحلاتها، رغم أنَّ تدبير المبلغ الذي تحتاج إليه العودة المدفوعة بعد زيادة أسعارها، ليس سهلاً.

وارتفت أسعار الرحلات نحو ألف جنيه مصري، حسب منسق حملة «راجعين لي بلد الطيبين» عبد الناصر جعفر، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن الرحلات أصبحت بـ3500 جنيه (الدولار نحو 53 جنيهاً) للفرد بعدما كانت بـ2500 جنيه، مرجعاً ذلك إلى زيادة أسعار المحروقات.

تقول لمياء لـ«الشرق الأوسط»، إنها سجَّلت في المرحلة السابقة لـ«العودة الطوعية المجانية» قبل غلق باب التسجيل في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وظلَّت تنتظر اتصالاً يخبرها بموعد رحلتها، ولم يحدث ذلك، وبعد فتح باب التسجيل مجدداً، حاولت التسجيل، لكنها تفاجأت بالتعقيد في الأمر، سواء من حيث حجم البيانات المطلوبة، أو صعوبة تحميل الموقع.

وأسهمت رحلات العودة المجانية التي انطلقت في يوليو (تموز) من العام الماضي واستمرَّت حتى نهاية العام، في إعادة عشرات الآلاف من السودانيين، لكنها توقَّفت بداية العام في انتظار توفير تمويل لاستئنافها.

وقبل أسبوعين، فتحت الحملة باب التسجيل للراغبين في العودة مجاناً، دون إعلان موعد استئناف تفويج الرحلات، علماً بأن المرحلة الجديدة ستتضمن رحلات بحرية من أسوان إلى ميناء وادي حلفا السوداني.

ترغب لمياء، وعائلتها الكبيرة التي تتكوَّن من 9 أشخاص، في العودة خلال الشهر المقبل، وبحد أقصى قبل نهايته. وتقول: «نخشى حملات الترحيل، وفي الوقت نفسه لا نعلم متى ستستأنف رحلات العودة المجانية... سنحاول تدبير مبلغ العودة المدفوعة».

سيدتان سودانيتان تتجولان في شارع فيصل بمصر (الشرق الأوسط)

وبدأت قوات الأمن المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حملات موسَّعة في مناطق تمركز الوافدين، وفي الطرق، لتدقيق الإقامات وتوقيف المخالفين وفق شهادات متنوعة.

وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين وافد، ما بين مهاجر ولاجئ وطالب لجوء، من 62 جنسية مختلفة، في مقدمتهم السودانيون والسوريون. ويكلّف ذلك الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، حسب تقديرات حكومية مصرية.

وقال مدير عام «هيئة وادي النيل البحرية»، العقيد محمد آدم محمد أبكر، لـ«الشرق الأوسط»، «إن العمل في ميناء وادي حلفا البديل، يجري على قدم وساق، وسيكون جاهزاً خلال أسبوعين»، متوقعاً أن تُستأنف رحلات العودة الطوعية منتصف أبريل (نيسان)، لكنه أشار في الوقت نفسه، إلى أنَّ ذلك، «ليس موعداً نهائياً».


«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
TT

«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)

أعلنت المهمة البحرية الأوروبية (أسبيدس) تعزيز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن، ودعت سفن الشحن إلى توخي أقصى درجات الحذر، تحسباً لأي هجمات محتملة.

وتشير تقارير دولية -من بينها ما صدر عن مجموعة الأزمات الدولية- إلى أن توقيت دخول الحوثيين في المواجهة بين إيران وأميركا وإسرائيل يحمل دلالات سياسية؛ إذ يسعى إلى تعزيز موقف إيران التفاوضي، عبر فتح جبهة إضافية تزيد الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها.

كما توضح هذه التقارير أن امتناع الحوثيين حتى الآن عن استهداف السفن بشكل مباشر، قد يكون مرتبطاً برغبتهم في عدم خرق تفاهمات سابقة مع واشنطن بشأن الملاحة.

حسابات استراتيجية

وفي خضم التصعيد الإقليمي المتسارع، يبرز انخراط الجماعة الحوثية في الهجمات الموجهة نحو إسرائيل، بوصفه جزءاً من حسابات استراتيجية أوسع تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة.

وتشير تقديرات مسؤولين يمنيين ومحللين إلى أن الهجمات الحوثية الأخيرة -رغم رمزيتها- لا تمثل سوى واجهة لتحركات أكثر خطورة تمنح طهران ورقة تفاوضية حساسة، في أي حوار مع الولايات المتحدة أو القوى الغربية.

وعلى الرغم من تبنِّي الحوثيين أولى هجماتهم بالصواريخ والطائرات المُسيَّرة باتجاه إسرائيل، فإن هذه العمليات تُوصف بأنها محدودة التأثير من الناحية العسكرية، وسبق أن جرى اختبار نمطها خلال الحرب في قطاع غزة.

الحوثيون استبقوا دخول الحرب إلى جانب إيران بمناورات ونقل أسلحة قرب سواحل البحر الأحمر (رويترز)

ويرى محللون أن الهدف منها ليس إحداث تحول ميداني؛ بل تأكيد الحضور ضمن ما يُعرف بمحور «المقاومة»، وإرسال رسائل سياسية محسوبة.

تحركات ميدانية

ويرى الباحث اليمني في شؤون الجماعة الحوثية عدنان الجبرني، أن التحرك الحوثي يرتبط بما يسميه «الضرورة العملياتية» التي تحددها غرفة عمليات مشتركة تضم أطرافاً من «الحرس الثوري» الإيراني وحلفائه في المنطقة.

الحوثيون خسروا سابقاً أبرز قادتهم العسكريين وفي مقدمهم رئيس أركانهم محمد الغماري (إعلام محلي)

ويصف الجبرني الهجمات الأخيرة بأنها «تمهيدية وتجريبية» تهدف إلى اختبار القدرات وتنسيق الهجمات المتزامنة، بما يسمح بإدخال الجماعة كطرف فاعل في أي تصعيد واسع. ويضيف أن الحوثيين يمثلون «خط الدفاع الأخير» لإيران؛ خصوصاً في حال توسعت الحرب أو تعرضت طهران لضغوط مباشرة.

وفي هذا السياق، سبقت الجماعة انخراطها الحالي بسلسلة من التحركات الميدانية، شملت نقل أسلحة إلى مناطق قريبة من الساحل الغربي، وتنفيذ مناورات بحرية، إضافة إلى تكثيف تدريبات وحدات الصواريخ والطائرات المُسيَّرة، ما يعكس استعداداً واضحاً لمرحلة تصعيد محتملة.


قلق شعبي يمني من ضربات انتقامية إسرائيلية

حوثيون يرفعون صور المرشد الأعلى علي خامنئي والعَلم الإيراني خلال مظاهرة في صنعاء (أ.ب)
حوثيون يرفعون صور المرشد الأعلى علي خامنئي والعَلم الإيراني خلال مظاهرة في صنعاء (أ.ب)
TT

قلق شعبي يمني من ضربات انتقامية إسرائيلية

حوثيون يرفعون صور المرشد الأعلى علي خامنئي والعَلم الإيراني خلال مظاهرة في صنعاء (أ.ب)
حوثيون يرفعون صور المرشد الأعلى علي خامنئي والعَلم الإيراني خلال مظاهرة في صنعاء (أ.ب)

يراقب الشارع اليمني انخراط الجماعة الحوثية في الحرب لدعم إيران عسكرياً في مواجهة أميركا وإسرائيل بقلق متزايد؛ خشية أن تتحول البلاد المنهكة بالحرب والأزمات الاقتصادية ساحةً جديدةً لصراع إقليمي أوسع. ويتساءل قطاع واسع من اليمنيين عن الفارق الذي ستحدثه هذه الخطة الحوثية، وسط آمال بانتهاء انقلاب الجماعة المتحالفة مع طهران.

وعلى الرغم من الخطاب التعبوي للجماعة عن «معركة كبرى» مزعومة ضد إسرائيل وحلفائها، يبدي السكان في صنعاء ومدن أخرى، مخاوف متنامية من تداعيات هذا الانخراط، بدءاً من احتمال تعرض البلاد لضربات عسكرية، وصولاً إلى مزيد من الضغوط المعيشية على مجتمع يواجه بالفعل واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

ومنذ الساعات الأولى لإعلان الجماعة إطلاق صواريخها باتجاه إسرائيل، بدأت ردود فعل متنوعة في أوساط السكان ما بين التهكم والقلق والغضب والاستعداد للنزوح وشراء مواد تموينية ضرورية، خصوصاً الوقود والغاز المنزلي، إلا أن هناك من رأى أن ما أقدمت عليه الجماعة قد يكون سبباً في حل الأزمة اليمنية، أو منحها بعداً جديداً.

يقول، مراد أحمد، وهو موظف عمومي، لـ«الشرق الأوسط» إنه وعائلته يتابعون التطورات بقلق متزايد، ويفكرون في خياراتهم إذا ما وجدوا أنفسهم مضطرين إلى مواجهة مزيد من أعباء الحياة اليومية إذا أصبحت البلد في قلب حرب إقليمية جديدة قد يدفع ثمنها المدنيون أولاً.

عنصر حوثي في صنعاء يحرس مظاهرة للجماعة تأييداً لإيران (رويترز)

وتتردد في أوساط اليمنيين تعليقات متكررة تنتقد أولويات الجماعة الحوثية في ظل الأزمة المعيشية، فبينما ينتظر غالبية الموظفين العمومين الرواتب منذ سنوات، تتحول النقاشات توقعات ردود الفعل بعد إطلاق الصواريخ بعيدة المدى التي يستنكر الغالبية حضورها بينما تنقطع الكهرباء ويختفي الغاز وغالبية الخدمات ويتأجل الحديث عن الرواتب المنقطعة منذ قرابة عقد.

يشير جمال مصطفى، وهو موظف عمومي آخر ممن انقطعت رواتبهم منذ سنين، إلى أن التهكم في حد ذاته أصبح قاسياً ومريراً. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن اليمنيين، وبينما يخشون من التأثيرات الاقتصادية للحرب وتداعيات استهداف منشآت الطاقة، يجدون أنفسهم عُرضة لأن يكونوا أكثر من يدفع ثمن صراع أكبر منهم.

مغامرة غير محسوبة

وتتفاوت تقديرات المتابعين لمدى فاعلية ومساهمة المشاركة الحوثية في المواجهة الجارية في المنطقة، خصوصاً أن صواريخها ومسيّراتها التي استهدفت إسرائيل سابقاً لم تكن مؤثرة عسكرياً، مقابل هجماتهم السابقة في البحر الأحمر التي عطلت الملاحة الدولية وتسببت بخسائر كبيرة في الاقتصاد والتجارة العالميين ورفعت تكلفة النقل والتأمين البحري.

الجماعة الحوثية تحشد أنصارها وتفعّل خطاباً تعبوياً للتصعيد رغم مخاوف السكان على معيشتهم (رويترز)

يذهب فارس البيل، الأكاديمي والباحث السياسي اليمني، إلى أن التدخل الحوثي المؤجل منذ بداية المواجهة كان مفروضاً على الجماعة، لكنه جاء في توقيت غير محسوب، فبعد أن كانت إيران تتوقع أن يؤثر الحوثيون في المعركة، فإن الضربات الأميركية - الإسرائيلية فككت قدرات النظام الإيراني وجعلت المساهمة الحوثية هشة وبلا مبرر، خلافاً للشروط التي وضعتها الجماعة قبل هجماتها.

ويضيف البيل، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن لا تأثير لدخول الحوثيين في حماية إيران أو تهديد إسرائيل عسكرياً، سوى أنه سيجلب على اليمنيين دمار بنيتهم التحتية، لكنه في الآن ذاته كتب على الحوثي النهاية، وسيفتح الباب لدخول أطراف جديدة لحماية الملاحة في البحر الأحمر؛ ما سيكون سبباً لخلاص اليمن والمنطقة من الجماعة.

المزاج الشعبي

ويبدو المزاج الشعبي في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية معزولاً عن خطابها التعبوي، فبينما يخشى كثيرون من تبعات مغامراتها، ينتظر غيرهم أن تعجّل جميع ممارساتها بإنهاء نفوذها.

يقول باحث يمني أكاديمي في السياسة والإعلام، إن قطاعاً من السكان باتوا يتوقعون أن تكون نهاية الأزمة اليمنية مرتبطة بالتصعيد الذي تشهده المنطقة، وإن مشاركة الجماعة الحوثية في المواجهة الحالية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، يمكن أن تؤدي إلى حل غير متوقع للصراع في اليمن.

الشارع اليمني متخوف من تبعات دخول الحوثيين في الحرب إلى جانب إيران (غيتي)

وحسب ما ينقله الباحث، الذي تتحفظ «الشرق الأوسط» على هويته لإقامته في صنعاء، فإن أصحاب هذا الرأي لا ينتمون إلى طبقة أو فئة اجتماعية محددة، وإنهم موجودون في كل المستويات الاجتماعية والعلمية والثقافية. ويفسر آراءهم بأنها تأتي نتيجة الضبابية والغموض في مستقبل الأزمة اليمنية، وصعوبة توقع حل سلمي لها، خصوصاً مع تعنت الجماعة الحوثية، واستعداداتها الدائمة لمعارك لا تنتهي.

استنزاف داخلي

يتفق كثير من المراقبين على أن ارتباط الأزمة اليمنية بالحرب الإقليمية الحالية من التدخل الحوثي، سيمنحها مساراً جديداً، لكنهم يختلفون في طبيعته وتفاصيله.

فوقاً لما يورده الباحث، هناك من يرى أن الحوثيين - بقدر ما يعرّضون البلد للمزيد من الخراب وتدمير البنية التحتية ويهدّدون حياة وسلامة السكان، إذا ما قررت الولايات المتحدة وإسرائيل الرد على هجماتهم - يعرّضون أنفسهم بالمقابل لاستنزاف كبير، خصوصاً إذا طالت المواجهة، وهذا يسهِم في إضعافهم، ويعزز من إمكانية التمرد عليهم.

دخان غارة إسرائيلية وسط صنعاء في سبتمبر الماضي (أ.ف.ب)

وعلى جانب آخر، يرجّح آخرون أن يؤدي إضعاف الجماعة عسكرياً واستنزافها اقتصادياً إلى قبولها مستقبلاً بعملية سلام فعلية، بعد أن يجري تجريد النظام الإيراني من أدواته ووسائل دعم أذرعه في المنطقة، وفي هذه الحالة ستتعاطى بانتهازية لتجنب نفسها الانهيار الداخلي وصراع الأجنحة الذي ستتسبب به محدودية الموارد والنفوذ.

وطبقاً لتوقعات أخرى، فإن مغامرة الجماعة قد تؤدي إلى زيادة حظوظها في السيطرة والنفوذ في حال خروج إيران من المواجهة دون هزيمة كاملة تنهي قدرتها على التدخل في شؤون دول المنطقة؛ وهو ما سيعزز من خطاب الجماعة الذي يزعم قدرتها على فرض نفسها كقوة إقليمية، وسيقابله تفاقم معاناة السكان تحت سيطرتها.

ويرى أصحاب هذا التوقع أن ذلك سيفرض على اليمنيين مواجهة مباشرة وحاسمة مع الجماعة التي ستتوقع أنها فرضت نفوذها إلى الأبد، بينما هي عرضت نفسها لاستنزاف قدراتها وإمكانات سيطرتها، وضاعفت من غضب السكان عليها، كما حدث لنظام الأسد في سوريا أواخر العام قبل الماضي.