من النرويج إلى الرقة

«الأختان» لآسني سييرستاد تصدر بالعربية

TT

من النرويج إلى الرقة

عن «الدار العربية للعلوم ناشرون» صدرت حديثاً في بيروت الترجمة العربية لـ«الأختان»، للكاتبة النرويجية آسني سييرستاد. وأنجز الترجمة معن الكشك. وكانت المؤلفة سييرستاد قد عملت مراسلة حربية على مدى 25 عاماً، وغطت كثيراً من النزاعات في العراق وأفغانستان، ونشرت كتب عن صربيا والشيشان. في هذا الكتاب الذي يتكون من 5 أجزاء تروي المؤلفة القصة الحقيقية لرحلة شقيقتين إلى سوريا للالتحاق بصفوف «داعش»، ومحاولات والدهما إعادتهما إلى النرويج.
وتتعقب الكاتبة قصة رحلة الأختين من النرويج العلمانية إلى الخطوط الأمامية للحرب في سوريا، وتتبع محاولة صادق الصعبة للعثور عليهما. وتستخدم الكاتبة السرد التشويقي الذي اتبعته في كتابها الموسوم بـ«بائع الكتب في كابول»، مسلطة الضوء على مشكلة التطرف، وعلى الظروف الإنسانية المؤلمة التي يقود إليها. ويطرح كتابها الجديد سؤالاً أساسياً: ما الذي يدفع فتاتين مجدَّتين بدراستيهما، كانتا قد هربتا من الحرب في موطنهما الأصلي (الصومال)، للسعي وراء حرب أخرى، والخضوع للسيطرة الصارمة لتنظيم داعش؟ أخذت ليلى وأختها وايان، اللتان تحملان الجنسية النرويجية، تترددان على المساجد في العاصمة النرويجية بشكل منتظم. ولكن استغلتهما، نتيجة لصغر عمرهما، عناصر متطرفة، أثروا عليهما بشكل كبير، فتغيرتا بشكل جذري، وبدأتا رويداً رويداً بالابتعاد عن أسرتهما. تغير سلوكهما وتصرفاتهما، حتى شكل وألوان ملابسهن قد تغيرت.
وينفتح المشهد الأول مع مغادرة الأختين إلى سوريا عام 2013، وضياع أثرهما.
ثم وصلت رسالة منهما إلى أبيهما: «قررنا السفر إلى سوريا، وتقديم كل مساعدة ممكنة... لقد غادرنا الآن، وسرعان ما سنصل إن شاء الله». وتضمنت الرسالة ثلاث كلمات: «الجهاد. الخلافة. الشهادة». وطلبت الأختان من والدهما أن يتمعن بتلك الكلمات الثلاث قبل أن يرد عليهما. وكانت الفتاتان قد وصلتا إلى مدينة أضنه في تركيا عبر شبكة مهربين أتراك وأوروبيين، وكانت وثائق سفرهما تشير إلى أنهما سائحتان من النرويج، حيث مكثتا في الفندق الكبير. بعد 10 أيام استقلتا في الصباح الباكر حافلة باتجاه مدينة الرقة عبر منفذ حدودي غير شرعي. وقررت العائلة البحث عنهما عبر صديق لوالد الأختين في سوريا. وعند وصوله، أرشده المهرب إلى فيلا محاطة بالأشجار تقع على خاصرة نهر الفرات، حيث التقى بأبي سعد التونسي الذي يشير لقبه إلى البلد الذي جاء منه. بعد ذلك، أمر التونسي بإلقاء القبض عليه، حيث قام رجال ملثمون بركله وبصقوا عليه وشتموه، متهمينه بالتجسس، ثم رفعوه وغطوا عينيه وربطوا يديه وساقيه ورموه في سيارة، حيث ظلَّ ملقى هناك في الخلف بين أقدام الرجال. وقد أشرف على تعذيبه رجلان، أحدهما قصير مكتنز الجسم له لحية سوداء تغطي وجنتيه الممتلئتين، أَمَّا وجهه فعريض وشعره أشعث، ومن لهجته خمن أنه ليبي. وأَمَّا الرجل الآخر فطويل بشرته ذهبية، وقد يكون من القرن الأفريقي، وربما إريتريا. وينتهي الأمر بالوالد المسكين إلى أن يلتقي بابنتيه اللتين ترفضان العودة معه.



يوميات ماركيز في منفاه الباريسي

ماركيز( يمين) مع خوليو كورتاثار
ماركيز( يمين) مع خوليو كورتاثار
TT

يوميات ماركيز في منفاه الباريسي

ماركيز( يمين) مع خوليو كورتاثار
ماركيز( يمين) مع خوليو كورتاثار

كانت مقاهي الحي اللاتيني وسان جيرمان دي بري بمثابة «الوطن البديل» لشتات أدباء أميركا اللاتينية؛ ففي تلك المساحات الضيقة، حيث تتشابك رائحة القهوة مع تبغ السجائر وضباب باريس الكثيف، نُسجت خيوط واحدة من أجمل الصداقات الأدبية في القرن العشرين وأكثرها عمقاً وتأثيراً. وقد جسّد مقهى «أولد نيفي» تطلعات ذلك الجيل وشغفه، حيث أمضى فيه غابرييل غارسيا ماركيز نحو عام كامل، يجلس ساعات طوالاً على أمل أن يلمح خوليو كورتاثار الذي لم يكن في عينيه مجرد كاتب عابر، بل كان بمثابة الأب الروحي للقصة القصيرة الحديثة في القارة اللاتينية، لا سيما بعد الصدى المدوي الذي أحدثته مجموعته القصصية الشهيرة «بيستيارو». ولم يتحقق هذا اللقاء المرتقب إلا بعد خمسة عشر عاماً، وفي باريس أيضاً، ليوثق ماركيز تلك اللحظة بوصفه الأيقوني لكورتاثار بأنه «الرجل الأطول في العالم، الذي لم يقرر يوماً أن يشيخ». وتحولت هذه العلاقة اللاحقة إلى سيل من الرسائل المتبادلة بينهما، حتى إن كورتاثار كان من أوائل النقاد والكُتّاب الذين احتفوا بولادة رواية «مائة عام من العزلة» وبشروا بعالميتها.

ولم تكن تلك المقاهي مجرد أماكن للتسلية أو تزجية الوقت، بل تحولت إلى صالونات سياسية وأدبية تُمثّل «البحر» الحاضن لقاربهم المشترك في المنفى. فبين جدرانها، كانوا يتبادلون قراءة المخطوطات الأولى لأعمالهم، ويتناقشون بحماس صاخب حول الثورات والانقلابات المتلاحقة في بلدانهم مستمسكين بما سماه بول كولود بـ«البؤس الذهبي»؛ تلك الحالة الفريدة التي يمتزج فيها جوع البطون بجموح الخيال الذي يطاول السماء.

شكّلت باريس في خمسينات القرن الماضي محطة مفصلية في حياة غابرييل غارثيا ماركيز. فبعد أن تقطعت به السبل إثر إغلاق الصحيفة الكولومبية التي كان يعمل مراسلاً لها عام 1955، عاش في ظروف متواضعة كتب خلالها بشغف روايته «ليس لدى الكولونيل من يكاتبه». وقد ظل ماركيز مديناً لباريس طوال حياته؛ إذ اعتبرها المدينة التي صقلت وعيه، ومنحته رؤية أعمق وأشمل لثقافة وسياسة أميركا اللاتينية.

كانت الثلوج تتساقط بغزارة على باريس في ذلك اليوم من شهر يناير (كانون الثاني) عام 1957، حين كان الصحافي الكولومبي الشاب العامل في صحيفة «El Espectador» يضع اللمسات الأخيرة على روايته (لا أحد يراسل الكولونيل)، وهي أولى رواياته الكبرى التي ولدت من رحم المعاناة الباريسية. وكان الشاب الكولومبي قد وصل إلى بلاد رابيله ورامبو وجورج براسينس في ديسمبر (كانون الأول) 1955، محملاً بمهمة كتابة تقارير صحافية عن الأحداث الجارية في أوروبا. وتتذكر الممثلة الإسبانية تاتشيا روسوف التي كانت رفيقته في تلك الفترة، كيف كان يتعلم اللغة الفرنسية بشغف من خلال الاستماع إلى أغاني براسينس، مؤكدة أنه كان يغنيها بطريقة رائعة ومثيرة للإعجاب.

عاش ماركيز أثناء كتابة الرواية فقراً مدقعاً تقاطع تماماً مع معاناة بطلها «الكولونيل»، وذلك إثر إغلاق الدكتاتور الكولومبي روخاس بينييا صحيفته. ولتأمين وجبة طعامه اليومية، اضطر لغناء «البوليرو» في حانة «L›Escale» مقابل فرنكات معدودة، ترافقه ألحان غيتار الفنزويلي خيسوس رافائيل سوتو، الذي غدا لاحقاً من أبرز رواد الفن الحركي والبصري في العالم.

ماركيز الشاب في باريس

باريس في ليلة شتوية

عن حياته في باريس، يقول ماركيز: «لقد جئتُ إلى باريس للمرة الأولى في ليلة شتوية شديدة البرودة من ديسمبر عام 1955. وصلت بالقطار قادماً من روما إلى محطة تزدان بأنوار أعياد الميلاد، وكان أول ما أثار انتباهي هو أولئك العشاق الذين كانوا يتبادلون القبلات في كل مكان؛ ففي القطار، وفي مترو الأنفاق، وفي المقاهي، وعلى المصاعد، كان أبناء الجيل الأول لما بعد الحرب يلقون بأنفسهم بكل طاقاتهم في الاستهلاك العلني للحب، الذي كان لا يزال المتعة الرخيصة الوحيدة المتاحة بعد تلك الكارثة. كانوا يتزاورون بالقبلات في منتصف الشارع، دون أدنى اكتراث بإعاقة المارة الذين كانوا يفسحون لهم الطريق دون أن يرمقوهم بنظرة أو يولوهم أي اهتمام، تماماً كما نفعل مع الكلاب الضالة التي تلتصق ببعضها في منتصف ساحة المدينة لتنجب جروها. لم تكن تلك القبلات الخارجية مألوفة في روما - التي كانت أول مدينة أوروبية أعُيش فيها - ولا بالطبع في بوغاتا الضبابية المتزمتة في تلك الأيام، حيث كان من الصعب حتى تقبيل أحدهم داخل غرف النوم. حدث كل هذا في الأيام الحالكة لحرب الجزائر. وفي الخلفية، وسط نغمات الأكورديون الحنينية الصادرة من زوايا الشوارع، وما وراء رائحة الكستناء المشوية المنبعثة من المواقد، كان القمع شبحاً لا يروى غليله. فجأة ودون مقدمات، كانت الشرطة تغلق مخرج مقهى ما، أو أحد المقاهي الشمال أفريقية الواقعة في جادة سان ميشيل، لتقتاد بوحشية كل من لا تحمل ملامحه (وجهاً مسيحياً). وكان أحدهم، حتماً، أنا وحدي. لم تكن أي مبررات تجدي نفعاً: فلم تكن وجوهنا وحدها هي السبب في هلاكنا، بل وأيضاً لكنة النطق بالفرنسية التي كنا نتحدث بها. في المرة الأولى التي زجوا بي فيها داخل القفص مع الجزائريين، في مركز شرطة سان جيرمان دي بري، شعرت بإهانة بالغة. لقد كان ذلك تحيزاً أميركياً لاتينياً بحتاً؛ فالسجن في ذلك الحين كان شيئاً يُستحى منه، لأننا كأطفال لم نكن نمتلك تمييزاً واضحاً للغاية بين الجرائم السياسية والجرائم الجنائية، وكان كبارنا المحافظون يحرصون على ترسيخ هذا الخلط وإبقائنا رهينةً له. غير أن وضعي كان أشد خطورة؛ فعلى الرغم من أن الشرطة قد اقتادتني لاعتقادهم بأنني جزائري، إلا أن الجزائريين أنفسهم، وما أن وجدوني داخل الزنزانة، حتى أخذهم الريب مني حين أدركوا أنني، ورغم وجهي الذي يشبه وجه بائع أقمشة متجول، لا أستطيع فهم كلمة واحدة مما يقولون. وعلى الرغم من ذلك، وبما أنني ظللت أنا وهم زائرين دائمين لتلك التوقيفات الليلية، فقد انتهى بنا المطاف إلى التوصل لتفاهم مشترك. وفي ذات ليلة، قال لي أحدهم: بما أنك ستكون سجيناً بريئاً على أي حال، أليس من الأفضل أن تكون مذنباً؟ وشرع في تشغيلي لصالح (جبهة التحرير الوطني الجزائري). كان هو أحمد تبّال، الطبيب الذي عُدَّ أحد أعز أصدقائي في باريس خلال تلك الأيام، غير أنه لقي حتفه لاحقاً في موتة حربٍ أخرى بعد استقلال بلاده. وبعد خمس وعشرين سنة، عندما دُعيتُ للاحتفال بذكرى ذلك الاستقلال في الجزائر، صرّحتُ لصحافيٍ بأمرٍ بدا يصعب تصديقه: إن الثورة الجزائرية هي الثورة الوحيدة التي سُجنتُ من أجلها حقاً.

مع ذلك، لم تكن باريس آنذاك مجرد مدينةٍ ترزح تحت وطأة الحرب الجزائرية، بل كانت أيضاً الملاذ لشتات أميركي لاتيني هو الأوسع منذ زمن طويل. كنا هاربين من الطغاة لدرجة أن الشاعر نيكولاس غيين كان يطل كل صباح من شرفته في فندق (غراند سان ميشيل) الواقع في شارع (كوجاس)، ويصرخ بالأنباء القادمة من أميركا اللاتينية باللغة الإسبانية. وفي أحد الصباحات، صاح ملء فمه: (لقد سقط الدكتاتور!). لم يكن قد سقط سوى طاغية واحد بطبيعة الحال، لكننا استيقظنا جميعاً على وهمٍ عذب بأن الجنرال المخلوع هو جنرال بلادنا نحن.

كان بوسعنا أن نطوف القارة بأكملها ونلتقي بأدبائها وفنانيها وسياسييها بمجرد جولة بين المقاهي المكتظة في سان جيرمان دي بري. كنا نتنفس أغاني براسينس في الهواء. وكانت الجميلة تاتشيا كوينتانا، الباسكية الجسورة التي تبنيناها نحن المغتربين الأميركيين اللاتينيين كواحدة منا، وكانت تصنع معجزة إعداد طبق (بايلا) شهي لعشرة أشخاص فوق موقد صغير، يعمل بالغاز. لم أكن أدرك حقيقة وضعي بوضوح حتى تلك الليلة التي وجدت فيها نفسي قرب حدائق لوكسمبورغ دون أن أذوق حبة كستناء واحدة طوال اليوم، ومن غير مأوى أنام فيه. رحت أهيم في الشوارع العريضة لساعات، على أمل أن تعتقلني دورية شرطة من تلك التي تكنس الشوارع بحثاً عن العرب، لعلّي أحظى بنوم دافئ في زنزانة، لكنني لم أجد أثراً لأي منها أينما التفتّ. ومع تباشير الفجر، حين بدأت ظلال القصور على ضفاف نهر السين تتجسد وسط الضباب الكثيف، يممت وجهي شطر جزيرة المدينة، أي وسطها، بخطوات واسعة حازمة، وبملامح عامل شريف استيقظ لتوّه ليلحق بمصنعه. وبينما كنت أعبر جسر سان ميشيل، شعرت أنني لست وحدي في هذا الضباب، إذ سمعت بوضوح وقع خطوات شخص يقترب من الاتجاه المعاكس. رأيته يتشكل عبر الضباب، على الرصيف ذاته ويسير بالإيقاع نفسه الذي أسير به، ولمحت عن قرب سترة الصوف ذات المربعات الحمراء والسوداء، وفي لحظة تقاطع طريقانا في منتصف الجسر، رأيت شعره الأشعث، وشاربه الكثّ كشارب تركي، وسحنته الحزينة التي تفضح جوعاً مؤجلاً وليالي سهد طويلة، ورأيت عينين تترقرق فيهما الدموع. تجمّد قلبي في صدري، لأن ذلك الرجل بدا وكأنه أنا نفسي... في رحلة عودتي.

استحضرتُ أعمق ذكرياتي عن باريس في طريق عودتي من ستوكهولم. فرغم أن المدينة لم تتغير، فإنني حين زرتها عام 1968 إثر الانتفاضة الطلابية، وجدتها فقدت حميميتها وثورتها؛ فاختفت قبلات العشاق العلنية، واستُبدلت حجارة الرصف، ومُحيت أجمل شعارات الجدران. وبات المشهد يقتصر على عمال النظافة ببدلاتهم ودراجاتهم الخضراء وأدواتهم الآلية، وهم يجمعون فضلات الكلاب من شوارع أجمل مدينة في الأرض».

ماركيز: الثورة الجزائرية هي الثورة الوحيدة التي سُجنتُ من أجلها حقاً


الحضور الأول للمرأة في الفن

«بورتريه فنانو الأكاديمية الملكية للفنون» - يوهان زوفاني .
«بورتريه فنانو الأكاديمية الملكية للفنون» - يوهان زوفاني .
TT

الحضور الأول للمرأة في الفن

«بورتريه فنانو الأكاديمية الملكية للفنون» - يوهان زوفاني .
«بورتريه فنانو الأكاديمية الملكية للفنون» - يوهان زوفاني .

تعد فنون الكهوف السجل البصري الأول الذي عرفه الإنسان وأرّخه، ورغم أن هذه الفنون قد تكون أُنتجت في سياقات نفعية أو طقسية، فإنها تظل اللغة المكتوبة الأولى لإنسان الكهف التي وثّق من خلالها تفاصيل حياته وصيده. وهنا يبرز المعنى الحقيقي لنشأة الفن، كدافع فطري نحو التعبير وتوثيق الوجود الإنساني. فكان الفن هو السجل البصري الأول والوحيد المتاح للإنسان، قبل أن يعرف ويخترع الكتابة. ورسوم الكهوف هي اللغة التي وثّق من خلالها الإنسان حياته ورحلات صيده، ونقل من خلالها خبراته للأجيال التالية. كما أن الفن خلال تلك المرحلة يعد بمثابة إعلان وجود الإنسان وإثبات لحضوره وتميزه ووعيه.

وقد أعادت دراسات عالم الآثار الأمريكي دين سنو (Dean Snow) قراءة هذا الإرث البصري، إذ أخضع بصمات الأيدي المطبوعة على جدران الكهوف في فرنسا وإسبانيا، التي تعود إلى أكثر من 25 ألف عام، إلى التحليل القياسي، مُثبتةً أن معظم تلك الرسوم القديمة (خصوصاً بصمات اليد) كانت من نتاج النساء؛ وقد اعتمد سنو في دراساته على حقيقة تشريحية علمية، وهي أن نسب أطوال أصابع اليد تختلف بشكل واضح بين الذكور والإناث. وقد أثبتت القياسات أن 75 بالمائة من تلك البصمات تعود لأيدي نساء، مما يعني أن الجزء الأكبر من هذا التوثيق البصري لوجود الإنسان كان من نتاج المرأة.

وتكمن أهمية هذا الاكتشاف العلمي في قلب السردية التقليدية لتاريخ الفن، التي كانت تفترض أن الرجل (الصياد) هو الفنان الأول الذي رسم في الكهوف، لكن هذا الاكتشاف يثبت أن المرأة هي التي كانت تقود الدور التعبيري والتوثيقي للإنسان. مما يؤسس لفهمٍ جديد لمسار الفن؛ وأن حضور المرأة في التعبير الفني لم يكن استجابة متأخرة للحداثة، بل كان فعلاً تأسيسياً أصيلاً بدأ مع فجر الإنسانية في العصر الحجري القديم.

ومع تحول المجتمعات الإنسانية من مجتمع الصيد والجمع الذي يقوم على الترحال ويتسم بالمساواة والتشاركية، إلى المجتمعات الزراعية المستقرة التي حتمت تقسيم الأدوار بين الجنسين؛ شهدت بُنية المجتمع تحولاً جذرياً انعكس على مكانة المرأة الإبداعية. فمع ظهور مفهوم الملكية الفردية للأرض ونشأة النظم الأبوية لإدارتها (حيث مُنحت الأولوية للجهد البدني في الحقول المفتوحة)؛ انحصر دور المرأة في الحيز المنزلي والإنجاب ورعاية الأسرة والجيل الجديد الذي ستنتقل له ملكية هذه الأرض، الأمر الذي أدى إلى تراجع دور المرأة التأسيسي في الفن.

وقد مر الفن في المرحلة الانتقالية الكبرى، التي تمثل فجر الحضارات الإنسانية، بتحول كبير، حيث بدأت تتشكل الملامح الأولى للمدنية، وتحول فيها الفن وقنوات تعبيره وسياقاته، فأصبحت الفنون الكبرى كالعمارة والنحت هي الواجهة السياسية والدينية، وهي من إنتاج الرجل لما تتطلبه من نشاط بدني. وانكفأ النشاط الإبداعي للمرأة نحو الفنون التطبيقية والحرفية المرتبطة بالحيز المعيشي واليومي، كالمنسوجات والحياكة والتطريز. ومع مرور الزمن تراجع دور المرأة الفني من الإنتاج والفاعلية إلى حيز الظهور والتمثيل؛ فأصبحت المرأة موضوعاً يتأمله الآخر ويصوغ دلالاته وفق رؤيته الخاصة.

ومع تعقد التنظيم الاجتماعي وظهور المُدن، احتكرت المؤسسات الأبوية سلطة الرؤية والتأريخ. وتجسد ذلك في ممارسات مؤسسية صريحة، حيث كانت المرأة بعيدة عن الفضاءات العامة وأماكن اتخاذ القرار، كما كانت الأكاديميات والورش الحرفية والفنية حكراً على الرجل، الذي عبر عن المرأة وفقاً لرؤيته الخاصة، فجرى اختزال الحضور البصري للمرأة في قوالب رمزية جاهزة، مرتبطة غالباً بالتعبير عنها كرمز للخصوبة والأمومة والجمال.

وحتى في الحالات الاستثنائية التي كانت المرأة فيها مُنتجة للفن ومعبرة عن رؤيتها، فإن تأريخ الفن يظهر تأثراً واضحاً بالأطر التنظيمية والاجتماعية السائدة.

ففي استهلال كتابها «المرأة والفن والمجتمع»، طرحت المؤرخة والناقدة ويتني شادويك (Whitney Chadwick) مثالاً على ذلك، متمثلاً في الأكاديمية الملكية للفنون في لندن؛ ففي عام 1768، ورغم كون الفنانتين أنجيليكا كاوفمان (Angelica Kauffman)، وماري موسر (Mary Moser)، من الأعضاء المؤسسين لها، فإن الأكاديمية همّشت حضورهما في الوثائق البصرية الرسمية - بحسب قراءة شادويك – حيث تشير إلى أنه في لوحة يوهان زوفاني (Johann Zoffany) التي احتفت بتأسيس الأكاديمية، تم استبعاد الفنانتين من التجمع المركزي للأعضاء، واكتفى الرسام بتصويرهما كلوحتين معلقتين في الخلفية، مما كشف في سياق كتابها عن التفاوت الذي أحاط بوضع النساء والرجال عبر تاريخ الفن. لتكون مكانة المرأة كموضوع معروض لا كفاعل مشارك.

لكن عند تحليل هذا المثال، يظهر أن الاستبعاد البصري للفنانتين في اللوحة، لم يكن إجراءً إقصائياً متعمداً، كما تذكر شادويك، بل كان انعكاساً للقيود والتقاليد والأعراف الاجتماعية والمؤسسية السائدة في القرن الثامن عشر؛ التي كانت تمنع النساء من حضور جلسات دراسة التشريح الحي، وهو الحدث في لوحة زوفاني؛ حيث كان أعضاء الأكاديمية الرجال يجتمعون في درس تشريح حي حول عارض عار، ولم يكن يسمح للنساء أخلاقياً واجتماعياً حينها بحضور هذه الدروس؛ فاكتفى الفنان بتمثيلهما من خلال صورتين شخصيتين معلقتين على الجدار في خلفية اللوحة كحل بروتوكولي يتماشى مع المعايير الأخلاقية والاجتماعية حينها. ويُظهر هذا الأسلوب التوثيقي لدى يوهان زوفاني كيف تداخلت الأعراف والقيود الاجتماعية مع الممارسات الفنية لتحدد مكانة المرأة في تلك المؤسسات.

ويعد نموذج الأكاديمية الملكية للفنون في بريطانيا انعكاساً لنسق مؤسسي عام ساد في أوروبا. ففي فرنسا ظلت أكاديمية الفنون الجميلة في باريس، التي كانت عاصمة الفن في العالم، مغلقة أمام التحاق النساء، ولم يُسمح لهن بالدراسة الرسمية فيها إلا في أواخر القرن التاسع عشر. وحتى بعد هذا السماح المتأخر، ظل الحضور النسائي محكوماً بالمعايير الاجتماعية التي حددت طبيعة التلقي والإنتاج.

إن مسار المرأة في تاريخ الفن، لم يكن خطاً تصاعدياً بدأ من العدم وتدرج لما هو عليه، بل كان مساراً معقداً، بدأ بفاعليتها وتعبيرها الأول في الكهف، وتراجع مع تحول البُنى الاقتصادية والاجتماعية. بما يثبت أن غيابها لقرون عن المشهد الفني، لم يكن لقصور في أدواتها الإبداعية، وإنما نتيجة النظم الاجتماعية والمؤسسية والتنظيمية التي حددت مساحات الحركة والظهور. لذا يكتسب الحراك الفني المعاصر للمرأة قيمة حقيقية، فهو ليس محاولة حداثية لابتكار لغة بصرية جديدة، بل هو فعل استردادي وتاريخي، ومحاولة واعية لتأصيل حضورها الأول كقوة تعبيرية وتوثيقية صاغت الوعي البشري منذ فجر الإنسانية.

* كاتبة وناقدة سعودية


«البابطين الثقافية» تعلن أسماء الفائزين في جائزة الإبداع الشعري

«البابطين الثقافية» تعلن أسماء الفائزين في جائزة الإبداع الشعري
TT

«البابطين الثقافية» تعلن أسماء الفائزين في جائزة الإبداع الشعري

«البابطين الثقافية» تعلن أسماء الفائزين في جائزة الإبداع الشعري

أعلنت مؤسسة عبد العزيز سعود البابطين الثقافية، الاثنين، أسماء الفائزين في الدورة الـ20 لجائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري، التي تواصل المؤسسة من خلالها دعم الشعر والشعراء والنقاد وتعزيز مكانة اللغة العربية وإبراز الدور الثقافي والإنساني للشعر في المجتمعات العربية.

وشهدت الدورة الـ20 مشاركة واسعة عكست تنوع المشهد الشعري العربي وحيوية تجاربه، إذ تلقّت الجائزة، خلال الفترة من الأول من يوليو (تموز) 2025 حتى نهاية يناير (كانون الثاني) 2026، نحو 564 مشاركة في مختلف فروعها.

الفائزون

وفي فرع جائزة الإبداع بمجال «نقد الشعر»، البالغة قيمتها 80 ألف دولار، تقاسم الجائزة الدكتور محمد صالح البوعمراني، من تونس، عن كتابه «الأسلوبية العرفانية والانفعالات الشعرية»، والدكتور عبد القادر فيدوح، من الجزائر، عن كتابه «الشعر وأسئلة الحضارة».

وفي مجال «الديوان الشعري»، ذهبت جائزة أفضل ديوان شعر، وقيمتها 40 ألف دولار مناصفةً، إلى الشاعر حسن شهاب الدين، من مصر، عن ديوانه «كوكب وخمسون مجرة»، والشاعر جبر بعداني، من اليمن، عن ديوانه «راقص التنورة».

وفاز الشاعر ناصر المالكي، من نيجيريا، بجائزة «أفضل ديوان شعر للشباب دون سن الخامسة والثلاثين»، وقيمتها 20 ألف دولار عن ديوانه «كأنني هو».

وفي جائزة «أفضل قصيدة»، وقيمتها 20 ألف دولار، تقاسم الجائزة الشاعر علي الإمارة، من العراق، عن قصيدته «هواجس امرئ القيس على الطريق»، والشاعر سعد القليعي، من مصر، عن قصيدته «الحزب الضليل».

وفي فئة الشباب دون سن الخامسة والثلاثين، تقاسم جائزة «أفضل قصيدة للشباب»، وقيمتها 10 آلاف دولار، الشاعر حازم مصطفى، من مصر، عن قصيدته «الوحدة»، والشاعرة سمية الوادي، من فلسطين، عن قصيدتها «يوميات القصف العادي».

كما مُنحت الجائزة التقديرية للإبداع في مجال الشعر، وقيمتها 100 ألف دولار أميركي، إلى الشاعر عبد القادر الحصني، من سوريا؛ تقديراً لمسيرته الشعرية وعطائه الإبداعي وتجربته الفنية البارزة.

سعود عبد العزيز البابطين رئيس مجلس أمناء مؤسسة البابطين الثقافية

حاضنة للفكر والإبداع

وقال سعود البابطين، رئيس مجلس أمناء المؤسسة، إن بلوغ الجائزة دورتها الـ20 يمثل محطة مهمة في مسيرة ثقافية آمنت منذ انطلاقتها بأن الشعر العربي أحد أعمق تجليات الهوية العربية وذاكرتها الحية لقدرته المتجددة على التعبير عن الإنسان وقضاياه.

وأضاف البابطين أن المؤسسة تنظر إلى الجائزة بوصفها مساحة تلتقي فيها التجارب الشعرية والنقدية على اختلاف أجيالها ومدارسها بما يتيح للأصوات الشابة فرصة الحضور إلى جانب التجارب الراسخة في حوار إبداعي متصل بين الماضي والحاضر والمستقبل.

وذكر أن العناية باللغة العربية تظل في صميم رسالة المؤسسة بوصفها حاضنة للفكر والإبداع، مشيراً إلى أن دعم الشعراء والنقاد لا يقتصر على الاحتفاء بالفائزين، وإنما يعكس إيماناً بضرورة استمرار الثقافة العربية في اكتشاف طاقاتها الجديدة وصون مُنجَزها الإبداعي.

وبيَّن البابطين أن ما شهدته الدورة الـ20 من تنوع جغرافي وفني وحضور للشعراء والنقاد من أجيال مختلفة يؤكد قدرة الشعر العربي على التجدد، وأن القصيدة العربية على اختلاف أشكالها وأسئلتها لا تزال حاضرة في الوعي والوجدان.

Your Premium trial has ended