عَيْنا «مدام بوفاري»

سؤال يبقى قائماً بكل ارتداداته الواقعية والأدبية حول بطلة غوستاف فلوبير

لقطة من فيلم {مدام بوفاري} 2014
لقطة من فيلم {مدام بوفاري} 2014
TT

عَيْنا «مدام بوفاري»

لقطة من فيلم {مدام بوفاري} 2014
لقطة من فيلم {مدام بوفاري} 2014

ليس الشيطان وحده من يسكن في التفاصيل. كذلك اللذة تتحشد في ذلك المكمن، في التفاصيل الروائية على وجه التحديد. لا لأنها تكشف عن وعي الروائي بمستوي الصوغ في روايته وحسب، بل لأنها أيضاً تجسد بشكل حرفي المواقف والوقائع والفضاءات والشخصيات بشكل يجعل القارئ على درجة من التماس الشهي مع كذبة متخيلة على درجة من الإتقان. وبقدر اعتنائه بدقة الوصف، تكتسب الصور التي يبنيها صدقية تتشبّه بالحياة حد التماهي معها. وعلى هذا الأساس، أُثير الجدل حول عيني «إيما بوفاري»، بطلة رواية غوستاف فلوبير «مدام بوفاري»، بالنظر إلى تجليات التعدد اللوني لعينيها في سياق الرواية الذي أربك المتلقين، إذ لم يحسم ذلك التساؤل التفصيلي اللذيذ الجدل حول لونهما النهائي، بقدر ما فجر تساؤلات إزاء عبقرية فلوبير في ذلك التصوير متعدد الأبعاد والتمظهرات لعيني بطلته، وإمكانية وجود مرجعية ساطية استنسخها كما هي من الواقع.
في روايته «ببغاء فلوبير»، وفي فصل بعنوان «عَيْنا إيما بوفاري»، وبما يشبه المرافعة الدفاعية عن حرفية فلوبير، يهاجم جوليان بارنز النقاد لأسباب كثيرة، من بينها جرأتهم على خدش أدبية فلوبير، ويخص بالذكر أستاذة الأدب الفرنسي المشارك في جامعة أوكسفورد، مؤلفة أطول سيرة لفلوبير في بريطانيا، إيند ستاركي، لأنها كتبت أن «فلوبير لم يعزز شخصيات رواياته بصفات موضوعية وأوصاف ظاهرية، كما فعل بلزاك، فهو في الحقيقة لم يولِ مظهرهم الخارجي أي اهتمام، إذ إنه في إحدى المرات وصف عيني إيما بالعسليتين، ومرة أخرى بالسوداوين القاتمتين، وفي مشهد آخر بالزرقاوين». وبعد أن ينتقد طريقة تدريسها القديمة، وانحرافها عن نطق الكلمات الصحيحة، وينعتها بأنها مصابة بلعنة الذاكرة، كحال النقاد، ينفي أن تكون مرافعته حالة من «الانتقام الرخيص من سيدة ناقدة راحلة، لمجرد أنها أشارت إلى أن فلوبير لم يكن لديه إدراك ثابت لعيني إيما بوفاري». رغم أنه كتب روايته من منطلق الدفاع عن فلوبير، وذلك بالاتكاء على مقولته «حين تكتب سيرة صديق، افعل كما لو أنك تثأر له».
والواقع أن عيني إيما بوفاري لم تكن محل اهتمام إيند ستاركي فقط، فقد كتب ويليام إيفانس مقالة في مجلة «مدونات رومانسية»، بعنوان «السؤال حول عيني إيما»، تساءل فيها عن تنوع المعالجات التي أداها فلوبير لوصف عيني بطلته، وذلك في إطار رده على مقالة بنجامين ف. بارت حول وثائق فلوبير، الذي دعا القراء للانتباه إلى عدم قدرة فلوبير على تأكيد لون عيني بطلته، عندما خلط - بتصوره - بين عيني إليزا شيزنجر ولويز كوليت. ففي البداية «كانتا عسليتين، لكنهما ظهرتا فيما بعد بلون أسود، وبعد عدد من الصفحات كانتا سوداوين في الظل، ولكنهما أميل إلى الزرقة تحت ضوء النهار». وربما أراد أن يقول للقارئ إن عينيها عسليتان، ولكنهما تبدوان سوداوين، لأن رموشها سوداء، وهنا المفارقة، كما يقول، حيث الخطأ الصريح لفلوبير، الذي يحاول إيفانس أن يعالجه من منطلق أدبي، بربط ذلك التحول بمرحلة ما قبل وما بعد الزواج «فالسواد بهذا المعنى دليل على الشر». وعلى هذا الأساس، أراد أن يُمفهم أول تحول لعينيها بعد الزواج، حيث اتسعت عيناها، كدليل على اتساع عالمها، وتمادي رغباتها «فقد كان السواد هو لونهما، أما الظلال الزرقاء فقد تكون إشارة إلى عالمها السري خارج الزواج». وهكذا، صار يتأوّل تلك التجليات اللونية على الثبات الأخلاقي والتحول الرغائبي. فالأسود هو إشارة إلى كل ما هو سري محجوب، والأزرق هو لون الصراحة والانكشاف، نافياً عن فلوبير فكرة إهمال التفاصيل أو السهو اللامقصود، فكل ذلك خارج التساؤل، فعَيْنا إيما بوفاري - بتصوره - كانتا مصممتين بشكل متقن.
أما جوليان بارنز، فقد استعرض ذلك التأرجح وفي وصف عيني إيما بوفاري بشكل تفصيلي في ستة مشاهد، كما نقلها بندر الحربي، مترجم رواية «ببغاء فلوبير»، عن النسخة العربية لرواية «مدام بوفاري»، بترجمة محمد مندور: ١ - عند ظهورها الأول «ولكن جمال الفتاة كان يتركز في عينيها العسليتين. كانت أهدابهما تضفي عليهما صبغة السواد». ٢ - وعند وصف زوجها العاشق أيام زواجهما الأولى «كان إذا حدَّق في عينيها عن قرب خالها أكثر اتساعاً، ولا سيما وهي تفتح جفنيها وتطبقهما مرات متتابعة، ريثما تألفان الضوء عند الاستيقاظ. كانتا تبدوان سوداوين في الظلال، وزرقاوين قاتمتين في ضوء النهار». ٣ - في حفل راقص «وقد لاحت عيناها أشد سواداً». ٤ - عند لقائها الأول مع ليون «وهي تحدق فيه بعينيها السوداوين الواسعتين». ٥ - عندما ظهرت لرودولف ورآها أول مرة «عيناها السوداوان». ٦ - عندما كانت تنظر في المرآة في البيت مساءً، بعد أن أغواها رودولف للتو «فما كانت عيناها يوماً بهذا الاتساع، وبهذا السواد، وبهذا العمق».
ولكن هل هناك مرجع واقعي لتلك العينين المراوغتين «العينين النادرتين الصعبتين لساقطة بائسة»، حسب تعبير جوليان بارنز؟ نعم، هناك مصدر معرفي موثوق، حسب قوله، وهو كتاب دو كامب «الذكريات الأدبية»، وهو بمثابة النص التثقيفي الذي لم تعرفه الدكتورة ستاركي، حيث يصف شخصية المرأة التي استوحى منها فلوبير شخصية «مدام بوفاري»، من دون أن يسميها، بقوله: «لم تكن هذه الزوجة الثانية جميلة، فهي قصيرة، وشعرها أصفر باهت، ووجهها مرقط بالنمش. كانت مليئة بطموح الخيلاء، وتحتقر زوجها الذي تراه أحمق. شخصيتها تتسم بالنزاهة، ويغطي عظامها جسد متناسق، وفي مشيتها وحركتها مرونة، وتموج كتموج ثعبان الماء، وصوتها سوقي ينطلق بلهجة منطقة باس نورماندي، أكثره غنجٌ، وعيناها لا يُعرف لهما لون: أخضراوان هما أم رماديتان أم زرقاوان، فهو يتغير مع الضوء، ولهما تعبيرات موحية لا تفارقهما».
وبالمقابل، يسميها إيرفنج والاس في كتابه «الشبقة ومهووسات أخريات»، فهي زوجة مأمور الصحة يوجين ديلمار (دولفين كوتورييه)، حيث يثني على «فطنتها وجمالها». كما يصفها بأنها «فتاة جذابة في السابعة عشرة من عمرها، ذات شعر أشقر ناعم، وعينين تبدوان وكأنما تتغير ألوانهما حسب الضوء، وجسد متناسق... يمتلئ رأسها بالأحلام التي تثيرها الروايات الرومانتيكية والمجلات الدورية». وهكذا، يظهر الاختلاف على منسوب جمالها في الواقع، والاتفاق في جانب آخر على اللون المراوغ لعينيها، تماماً كما وصفهما فلوبير في روايته. وبذلك تسقط دعاوى إيند ستاركي أمام حقيقة غموض عيني إيما بوفاري. لولا أن ستاركي تسجل ارتيابها أيضاً في موت دولفين ديلمار، إذ تلمح إلى أننا أمام حالة من الحالات التي تقلد فيها الحياة الفن، فقد قرر مؤرخو الأدب أن دولفين ديلمار هي مدام بوفاري. وليس ثمة دليل، حسب قولها «على انتحار دولفين ديلمار. فرغم أن جميع التقارير تنص الآن على أنها فعلت ذلك، فإن شهادة الوفاة التي نُشرت في (النورماندي ميديكال) لم تتضمن سبب الوفاة، وهي مؤرخة في 7 مارس (آذار) عام 1848، وتنص فقط على أنها توفيت في ري، في الثالثة صباحاً من اليوم السابق، وهي في السابعة والعشرين من عمرها. لم يكن ثمة تحقيق حول سبب الوفاة، ولم تذكر أي صحيفة احتمال الانتحار». وبذلك تمكنت إيند ستاركي من تدمير المرجعية الواقعية التي يمكن الاطمئنان إليها.
وتتناقض هذه النتيجة التي توصلت لها إيند ستاركي، كما نقلها إيرفنج والاس، مع ما اعتبره جوليان بارنز نهاية الكتابات المنتحلة والحياة المتخيلة بالنسبة لفلوبير، وبداية الكتابة الحقة، وذلك عند بلوغه الخامسة والثلاثين، عندما أصدر روايته «مدام بوفاري»، إذ لا حاجة للأوهام مقابل ما يهبه الواقع. وهو استنتاج يتأكد في كتاب «الشبقة ومهووسات أخريات»، حين شكا لصديقيه: محرر «ريفيو دو باريس» مكسيم دو كامب، والشاعر الريفي لويس بوليه، عقمه الفني، فأشارا عليه أن يكتب عن موضوعات عادية. وعندما قال إنه لا يعرف شيئاً عن الحياة البرجوازية، قاطعه بوليه بالقول: «لم لا تكتب قصة ديلمار؟»، كإشارة توكيدية إلى واقعية القصة. وهي شهادة متأتية من أصدقاء فلوبير، ولذلك لا يمكن الركون إليها، في ظل الحفر الذي يؤديه بعض الباحثين عن الحقيقة الأدبية.
وبذلك يتأجل القول الفصل فيما بين عيني مدام بوفاري من الاتصال بالواقع والاختلاق المتخيّل، ليبقى السؤال قائماً بكل ارتداداته الواقعية والأدبية، إذ يمكن أن يكون فلوبير قد قدم سجلاً وصفياً مرتبكاً بالفعل للون عينيها، فهو مجرد كاتب يتحكم في مخلوقاته الروائية، ويمكن أن يخطئ، أو ربما تسربت إلى الرواية بعض مواصفات عيني أخرى، فتأرجح بينهما سهواً، وربما كانت دولفين كوتورييه هي المرجعية الواقعية التي استنسخها فلوبير، من دون أن يبذل أي جهد لاختلاق شخصية مغايرة يُختلف بها وعليها، وبذلك تتضاءل أسطورة عبقريته في ابتداع عينين مثيرتين للحيرة والفتنة. فهو بهذا المعنى مجرد ناسخ لواقعة معروفة بكل تفاصيلها، بما في ذلك لون عيني إيما بوفاري.

- ناقد سعودي



جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»
TT

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

بعد حيازته عام 2015 جائزة «أفضل عمل روائي لبناني» عن كتابه «غريقة بحيرة موريه»، التي منحته إياها وزارة الثقافة اللبنانية، أعلنت هيئة الشارقة للكتاب منحها جائزة «أفضل رواية عربية» للزميل الشاعر والروائي والباحث

أنطوان الدويهي

عن رائعته الأخيرة «الشتاء الكبير»، التي كانت «الشرق الأوسط» نشرت مؤخراً حواراً معه حولها.

وتشكّل هذه الجائزة للدويهي مفاجأة نظراً لبعد الكاتب عن الأضواء وتنسّكه في نشاطه الأدبي، فهو دائم الإقامة في الذات، ومنعزل منذ زمن طويل في خلوته على كتف وادي قزحيّا في أعالي جبل لبنان.

وترتكز أعمال الدويهي الأدبية والشعرية والسردية على عوالم الذات، وهي مستمدة بكاملها من «يوميات الحياة الداخلية»، المستمر في صوغها منذ سن الرابعة عشرة إلى اليوم، ولا مصدر آخر لكتاباته، بحثياً كان أم توثيقياً. ومن هنا وحدة عالمه الأدبي العميقة، وتكامله، ووحدة لغته وهواجسه ومشاعره، ورؤاه الجمالية في كل أعماله المتوالية على مدى ثلث قرن، من «كتاب الحالة» عام 1993 إلى «الشتاء الكبير» الصادر حديثاً.

ومن أهم مفاعيل هذه الجائزة أنها تلفت القراء العرب إلى أديب مختلف، بالغ الخصوصية في الآداب العربية، في غوصه في أعماق النفس البشرية وتماهيه مع روح الأمكنة والمشاهد والحالات، حيث تلتقي ذات الفرد بذات الأرض وذات الجماعة. وبهذا المعنى ذكر عنه الشاعر أنسي الحاج: «ماذا كتب؟ كتب ذات فرد وذات أرض وذات شعب». وذكر أيضاً: «يُقرأ أنطوان الدويهي كما تُفرد حبات اللؤلؤ». وبهذا المعني أيضاً كتب الأديب والصحافي سمير عطاالله: «منذ أن بدأت في قراءة الدويهي، اعتدت الانجذاب في غبطة إلى هذا الخدر الآسر الأثير. فليس أهنأ إلى نفسي من قلم له هذه التجربة في عمق الذات، وله مثل هذا الصمود في عمق النقاء».

وتأتي هذه الجائزة لتتجاوز الاتجاه الذي بات سائداً لدى عديد من الروائيين العرب، وفي الغرب أيضاً، الذي يمكن اختصاره بعبارة «أدب الموضوعات»، حيث ينتقل الروائي في كل عمل جديد من موضوع إلى آخر، يحشد له في كل مرة المعلومات البحثية والتوثيقية، وبات يشارك في صنعه في أحيان كثيرة الذكاء الاصطناعي. ويشكل هذا المنحى ابتعاداً عن عوالم الأدباء الذاتية، ونزوحاً من «أدب الكتّاب» إلى «أدب القراء» وفقاً لمنطق السوق وحركة العرض والطلب التجارية. أما أدب الدويهي، المستند إلى وحدة الحياة الداخلية في الزمان وفرادتها وذاتيتها وخصوصيتها وعمقها، فهو إعادة اعتبار للأدب الكبير، وهو النقيض الأمثل لعالم كتابي يغرق أكثر فأكثر في متاهات وسائل التواصل الاجتماعي ومؤثرات الذكاء الاصطناعي التي تقود إلى نهاية الأدب.

في «الشتاء الكبير»، يروي الدويهي عذابات سن السابعة عشرة، ويستحضر الذاكرة والمكان، بلغة عميقة وفلسفية ومتينة، تمزج بين التأمل ووصف الطبيعة واستكشاف أثر العنف والذاكرة على الإنسان. نحن أمام رواية رمزية وفلسفية تبحث في سلوك الإنسان وعلاقته بذاته، وتقوم على التأمل الذاتي الذي يعيشه الراوي، وعلى علاقته بالحياة والموت والعنف والحرب. أما الشخصيات الأخرى، فهي أقرب إلى ظلال تحيط به، ووجودها وظيفي لتحريك السرد أكثر مما هو محوري في بنية النص. وفي تأملاته العميقة، يناقش الدويهي ظواهر العنف والثأر والدم المستباح، ويربطها بالسلوك الفردي والجماعي، متسائلاً عن فكرة المسؤولية الجماعية وتأثيرها على النمط المتوارث في الثأر العائلي.


التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى
TT

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

«لا أحد يعرف كيف مات. أكانت إبرة صغيرة حقنوا بها وريده ليعجلوا له بموت رحيم، أم سكتة باغتت قلبه من فرط الوحدة؟ أم إنه انتحر، حين لم يجد للحياة محاكمة أعدل من الموت؟ هكذا ظل موته قيد القيامة، مثل حياته تماماً».

كان يمكن لهذا المقطع المتعلق بموت ميخائيل، بطل رواية جاسم سلمان «وقوفاً على الأصابع»، أن يخفف بنسبة أو بأخرى، من شغفنا بقراءة العمل الذي آثر المؤلف أن يكشف منذ اللحظة الأولى عن مآل بطله الأخير، ولكن ما حدث هو العكس تماماً. ذلك أن المفتتح الروائي الذي طُرحت من خلاله واقعة الموت، والذي يتراوح بين الإخبار والاستفهام، فضلاً عن الأسئلة المتعلقة بمعنى الوجود نفسه، وفّرا لنا كقراء دوافع عديدة لمتابعة العمل، ليس الفضول سوى واحد منها.

في الصفحات الأولى للرواية، نتعرف على المحطات الأبرز في حياة ميخائيل، العراقي المسيحي، الذي وُلد في البصرة، وفقد أباه في حرب الخليج الثانية، ثم انتقل مع أمه إلى بغداد ليقيم في أحد أحيائها الفقيرة، حيث كان البشر بمختلف طوائفهم وعصبياتهم، يتخالطون دون فوارق. ومع إنهائه المرحلة الثانوية، يقرر ميخائيل دراسة اللغة الإنجليزية، والالتحاق بقسم الترجمة التابع لكلية الآداب في الجامعة المستنصرية.

بين أروقة الجامعة، يتعرف ميخائيل إلى ماري، الطالبة الجميلة والمتوقدة ذكاءً، التي كانت هي الأخرى قد فقدت أباها وخالها في يوم واحد، بعد أن لُفقت لهما تهمة الانتماء إلى أحد الأحزاب المناوئة للزعيم القائد. وحيث لم يتأخر المتخرجان العاشقان في تتويج علاقتهما بالزواج، تدبر لهما التراجيديا العراقية فصلاً آخر من فصولها، فيفقدان المولود الذكر الذي أنجباه في تفجير كنيسة «سيدة النجاة». ومع انعدام فرص العمل أمام الزوجين، لم يجد ميخائيل بداً، ورغم صراعه الضاري مع نفسه، من التعاون مع القوات الأميركية التي قامت بغزو العراق في مطلع القرن، والتي أعلنت عن حاجتها إلى مترجمين فوريين.

غير أن المبلغ الذي كان ميخائيل يتقاضاه عن عمله مترجماً، وإن منحه شعوراً بالأمان المعيشي، إلا أنه سلب منه بالمقابل احترامه لنفسه ورضاه عن الخدمات التي يقدمها لغزاة بلاده. وهو شعور لم يخفف منه كرهه للنظام البائد وما ألحقه به وبزوجته وبالشعب العراقي بأسره من كوارث. وعلى طريقة المثل القائل «إذا خفت من شيء فقع فيه»، لم يجد المترجم الفوري ما يفعله، إزاء مئات البشر يبعثون له برسائل التهديد، سوى الهجرة إلى أميركا، رغم علمه الأكيد بأن نجاحه في الفرار من العراق، لا يعني أبداً أن العراق، الهوية والمعنى، سيكف عن ملاحقته أينما ذهب.

وتعبيراً عن شعوره العميق بخيانة شعبه وأرضه ونفسه، لم يجد ميخائيل ما يجيب به موظف الجوازات في نيويورك، وهو يسأله عن مهنته، سوى التلفظ بكلمة «خائن»، على نحو عفوي ودون تفكير مسبق. ومع أن نيويورك الزاخرة بالصخب والشبيهة بالمتاهة، لم تكن لتبدو مدينة سهلة وأليفة في عيون قاصديها، فإن ما خفف من شعور زائريها الجديدين بالغربة، هو عثورهما السريع على نماذج من البشر، يشاركونهما الهوية نفسها، والشعور إياه بثقل المنفى ووطأة التمزق. وكان بين هؤلاء جوزف، العجوز اليوناني من أصل مصري، المهتم بالكتب والمخطوطات القديمة، والذي عرض على ميخائيل مساعدته في ترجمة بعض الأعمال الأدبية والتراثية. وبينهم ليزا، زوجة جوزف، وهارون، الشاعر السوري الصعلوك الهارب من نظام «الأبد» الدموي، وروبن، بواب البناية الأميركي، الذي شارك ابنه جيمس في غزو العراق، وتزوج من فتاة عراقية، قبل أن يعود إلى بلاده مقطوع الرجلين.

وبينما يتبدى للقارئ بأن الاندماج في المنفى هو الحل الأمثل لمأزق «الهويات القاتلة»، والاغتراب الخياني عن الذات، ينعطف سلمان بعمله الملحمي نحو مسالك غير منتظرة، حيث يقرر أبطاله جوزف وليزا وميخائيل وماري وهارون، العودة ثانية باتجاه الشرق؛ بحثاً عن كتب مرجعية ومخطوطات قديمة، ليست في حقيقتها سوى إلحاح الذات المهددة في البحث عما يعصمها من الإمحاء. أما الثري التركي تيمور طابال الذي تلتقيه الزمرة القادمة إلى إسطنبول، والذي يأسره جمال ماري، فبدا إدخاله على خط السرد، محاولة لإظهار الجانب الآخر من الصورة، حيث تجد الذات المستلبة، في مراكمة الثروات والتماهي مع الغرب؛ ما يجنبها عناء الأسئلة المقلقة والتأرجح المرير بين الخيارات.

وإذ يقرر ميخائيل وهارون إكمال الرحلة باتجاه ماردين وبعض المدن الأخرى؛ أملاً في الحصول على ضالتهما المنشودة، تنتقل الحدود المتداخلة بين الشرق والغرب، إلى داخل كل منهما، حيث تعمقت على نحو مأزقي، الأسئلة المتعلقة بالهوية والتاريخ ونشوء الحضارات ومعنى الوطن والخيانة. وفي ظل هذا الوضع المأزقي، يقع هارون في غرام غجرية حسناء، ويقرر الارتماء في كنف الحرية المطلقة، بعد أن قال له صديقه الغجري «اترك كل شيء وراءك وانسحب. دعك من الأزمنة والأمكنة». ومع إصرار ميخائيل على إكمال المهمة التي جاء من أجلها، واختفائه اللاحق على نحو مبهم، لا يبقى أمام زوجته ماري وصديقيه جوزف وليزا، سوى العودة من دونه إلى نيويورك.

واللافت، أن تقدم السرد وتشعبه، لم يتسبب بترهل العمل، أو بجعله باعثاً على السأم، بل تستمر الرواية في تصاعدها، مع وقوع ميخائيل في حالة من الانشطار الهذياني بين الواقعي والمتخيل، عائداً حيناً إلى الحقبة الأندلسية، وما صحبها من ازدهار فكري وحضاري، ومتماهياً مع كريستوفر كولومببس في فتحه لأميركا حيناً آخر. ثم تتوالى المفاجآت مع تعرض المترجم العراقي للخطف من قبل المخابرات الأميركية، بعد أن وجهت إليه تهمة الخيانة، عبر تعمده ترجمة النصوص والحوارات المكلف ترجمتها بطريقة خاطئة ومحرّفة؛ الأمر الذي أدى إلى مقتل عدد من الجنود الأميركيين.

ليس من المبالغة القول إن العمل بمثابة ملحمة روائية معاصرة لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده

إثر ذلك يُحمل ميخائيل إلى أميركا، ليساق إلى المحاكمة، بحضور أصدقائه الذين تلقوا النبأ الصادم عن طريق الإعلام، وزوجته ماري التي أصابها بالذهول إزاء الحقيقة التي أُخفيت عنها طيلة سنوات. وإذ تهتف ماري بزوجها قائلة: «لماذا لم تخبرني أنك لم تخن أهلك في العراق؟»، تذكرنا بصرخة السائق في رواية غسان كنفاني «رجال في الشمس»، الذي اكتشف أن الفلسطينيين الذين خبّأهم داخل شاحنته قد قضوا نحبهم من شدة القيظ، فهتف بهم قائلاً: «لماذا لم تقرعوا باب الخزان؟». وإذ تبلغ الفانتازيا ذروتها مع التطابق التام بين الخريطتين الجينيتين لكل من كولومبس وميخائيل، يصرّ الأخير على تحويل موته لغزاً آخر، شبيهاً بحياته نفسها، حيث لا دليل واضحاً على انتحاره، أو إعدامه بكرسي كهربائي، أو وفاته الطبيعية بفعل عجز جسده عن تحمل الصدمات.

وليس من المبالغة القول بأن العمل الذي قدمه جاسم سلمان إلى قرائه، هو بمثابة ملحمة روائية معاصرة، لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده، بل هي تبلغ من الاتساع؛ ما يجعلها تلامس الأسئلة الأكثر عمقاً، التي تتعلق بنشوء الحضارات وتحولاتها، وبمعنى الهوية والانتماء وعلاقة الوطن بالمنفى، والأنا بالآخر. كما تتحول الرواية في الوقت ذاته، إلى مضبطة اتهام متعددة الوجوه لواقع العصر ومآلاته، حيث يتم تزوير القيم، ويبلغ الفساد ذروة استشرائه، ويحكم الأقوياء قبضتهم على العالم. ولم يكن أمراً بلا دلالة أن يطلب هارون من مرضاه، وقد اختار التحول إلى مدرب رياضي في إحدى المصحات، الوقوف على أصابعهم أطول مدة ممكنة؛ بهدف امتحان قدرتهم على الصبر. ذلك أن مثل هذا النشاط، الذي جعله المؤلف عنواناً لروايته، يمكن أن يعصم الأفراد والجماعات، من الوقوع في شرك الخنوع والاستسلام، ويساعدهم على اجتياز الامتحان الصعب للحرية المنشودة.

أما تساؤل المؤلف بلسان جوزف، عن معنى الخيانة، وعما إذا كان ميخائيل قد خان بلاده حقاً، أم أن بلاده هي التي خانته، فهو السؤال الأكثر التباساً وتعقيداً الذي دفع المترجم العراقي حياته ثمناً له. وهو السؤال نفسه الذي طرحه بدر شاكر السياب على نفسه وعلى العالم، حين هتف في قصيدته «غريب على الخليج» قائلاً:

إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنونْ

أيخون إنسانٌ بلاده؟

إن خان معنى أن يكونَ،

فكيف يمكن أن يكونْ؟


جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
TT

جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر

تطوّر فن النقش التصويري خلال العصر الأموي حيث اعتُمد بشكل أساسي في صوغ الحلل الزينية الخاصة بالمنشآت العمرانية المدنيّة التي شيّدها الخلفاء في نواح متعدّدة من صحاري بلاد الشام. اتضحت معالم هذا الفن في ثلاثينات القرن الماضي عند اكتشاف أطلال قصر يقع شمال أريحا، يُعرف اليوم باسم قصر هشام، قابله اكتشاف أطلال قصر آخر يقع جنوب غرب تدمر، يُعرف باسم قصر الحير الغربي. من بين أطلال هذين القصرين، خرج كمّ هائل من القطع التصويرية، دأب أهل الاختصاص على تصنيفها وتحديد موقعها الأصلي منذ اكتشافها. عرفت بعض هذه القطع شهرة واسعة، وظلّ البعض الآخر في الظل، مصدر بعضٍ منها قصر الحير الغربي، ومنها تبرز ثلاثة مجسّمات يمثّل كلّ منها قامة على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي انتشر انتشاراً واسعاً خلال الحقبة الرومانية.

تعود هذه المجسّمات إلى القاعة التي تشكّل مدخلاً للقصر، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طول كلّ منها نحو نصف متر. التأليف الجامع واحد؛ قامة آدمية تجلس بثبات في وضعية المواجهة على عرش وثير. ارتبط هذا النموذج عند تكوينه بالتصاوير الإمبراطورية المتعدّدة، وعُرف في معجم الفنون الكلاسيكية باسم «العرش الإمبراطوري». انتقل هذا النموذج إلى الفن المسيحي في القرن الرابع، حيث ظهر المسيح مترّبعاً عليه، وظهرت أمّه السيدة مريم العذراء في وضعية مماثلة، وتحوّل هذا المثال إلى ركن ثابت من أركان الفنون المسيحية، على اختلاف أنواعها. تبنّى الفن الأموي هذا المثال كما يبدو، وأعاده إلى صفته الإمبراطورية الأولى، كما تشهد قطعة تعود إلى واجهة القصر الداخلية، سقط منها النصف الأعلى للأسف. يبلغ طول ما تبقّى من هذا النقش الناتئ متر، وعرضه 90 سنتيمتراً، وفيه يظهر العرش بقواعده، مع منصة في الوسط تستريح عليها قدما جليسه الملكي.

تُعتبر هذه القطعة من أشهر قطع قصر الحير الغربي، وهي ليست فريدة من نوعها، إذ تقابلها المجسّمات الثلاثة الأصغر حجماً. لم تصل هذه القطع بشكل كامل، وهي تتشابه من حيث التكوين، غير أنها تختلف اختلافاً كبيراً في التفاصيل، وأكملها قطعة تمثّل رجلاً ملتحياً، يجلس على عرش سقط الجزء الأسفل من قاعدته، ومعه سقطت قدما صاحبه. كتلة الرأس بيضاوية، يكلّلها شعر طويل ينسدل من خلف الأذنين، مع شق في الوسط، يفصل بين خصل الشعر التي تحد الوجه من الجهتين بشكل متناسق. العينان مفتوحتان، وجفناهما محدّدان، ويعلوهما حاجبان عريضان منفصلان. سقط الأنف الناتئ، غير أن تكوينه بقي ظاهراً. الفم صغير، وقوامه شق يفصل بين شفتين غابتا تحت شاربين عريضين تتصلان بلحية كثيفة حدّدت خصلها بشبكة من الخطوط الغائرة. يغيب الجسد تحت رداء فضفاض، يعلوه معطف يلتف حول الكتفين والصدر، كاشفاً عن ذراعين ترتفعان في اتجاه الصدر، سقطت منهما اليد اليمنى. الركبتان متباعدتان بشكل طفيف، والقدمان متلاصقتان كما يبدو. يغلب على هذا النقش الأسلوب الكلاسيكي، غير أنه يحمل مسحة محلية خاصة، تظهر في رسم ثنايا اللباس، وفقاً لأسلوب اتبع بشكل واسع في ميراث تدمر الفني.

تتكرّر صورة العرش في المجسمين الشبيهين، وتحضر في كلّ منهما امرأة، فقدت إحداهما رأسها بشكل كامل. يظهر الرأس الذي نجا على قامة فقدت ذراعيها، وتبدو ملامح وجهه تدمرية بامتياز. العينان ضخمتان وشاخصتان، مع بؤبؤ دائري غائر في وسط كلّ منهما. الحاجبان مقوّسان ومنفصلان. الفم والثغر مهشّمان. الشعر معقود حول الهامة، وخصله المرصوفة أشبه بشبكة زخرفية. اللباس بسيط، زينته عقد لؤلؤي تتدلى منه قلادة مربعة عريضة، وحزام مجدول ينعقد حول الخاصرة. الساقان متباعدتان، والقدمان ممدودتان أفقياً، وهما في وضعية جانبية.

تظهر المرأة الأخرى في وضعية مشابهة، زينتها عقد لؤلؤي تتوسّطه قلادة مستديرة تتدلّى منها ثلاثة فصوص بيضاوية، وحزام يأخذ شكل سلسلة من الحلقات المترابطة. تتميّز جليسة هذا العرش بما ترفعه ذراعاها نحو الأعلى. تنتصب اليد اليمنى عمودياً، وتحمل كتلة تبدو أشبه بكوز من الرمان، يقابلها عنقود من العنب يحتلّ طرف العرش الوثير. في المقابل، تمسك اليد اليمنى بقرن عريض، وهو في قاموس الفن الكلاسيكي «قرن الوفرة» المليء بثمار الأرض، وقد في القرن الخامس قبل الميلاد فارتبط بسيد العالم السفلي الذي عُرف باسم «هاديس»، أي «مانح الثروة»، كناية عما يحمله باطن الأرض من كنوز تشكّل جزءاً من مملكته. وارتبط في مرحلة لاحقة بسيدة الازدهار «تيكه»، سيدة الحظ السعيد والنجاح والازدهار ووفرة الغلال.

تعدّدت صور هذه السيدة ورموزها في الحقبة الرومانية، فبات لكل مدينة مزهرة «تيكه» خاصة بها. تجرّدت هذه الصورة في الحقبة البيزنطية فبقيت رمزاً لثراء الأرض الطيبة، ودخلت الفن الأموي المدني من هذا الباب، كما تشهد جداريات قصير عمرة في صحراء الأردن، حيث تحضر في الركن الذي يُعرف بـ«ركن العرش».

في الخلاصة، تُشكل مجسّمات قصر الحير الغربي من خلال هذه المقارنة صورة منقوشة موازية لهذا الحضور التشكيلي. يحضر المَلك على عرشه، وتجاوره وصيفتان تجسّدان الثراء والوفرة والعطاء، وهي المزايا التي تتميّز بها سلطته الملكية الصالحة.