انطلاق المحكمة الدولية لاغتيال الحريري بحضور شخصيات لبنانية

خمسة قتلى وعشرات الجرحى في تفجير استهدف معقلا لحزب الله

عنصر أمن يمر أمام سيارة تضررت بفعل الانفجار الذي وقع في مدينة الهرمل بشرق لبنان أمس (رويترز)
عنصر أمن يمر أمام سيارة تضررت بفعل الانفجار الذي وقع في مدينة الهرمل بشرق لبنان أمس (رويترز)
TT

انطلاق المحكمة الدولية لاغتيال الحريري بحضور شخصيات لبنانية

عنصر أمن يمر أمام سيارة تضررت بفعل الانفجار الذي وقع في مدينة الهرمل بشرق لبنان أمس (رويترز)
عنصر أمن يمر أمام سيارة تضررت بفعل الانفجار الذي وقع في مدينة الهرمل بشرق لبنان أمس (رويترز)

انطلقت أعمال المحكمة الدولية الخاصة بلبنان في لاهاي بهولندا، أمس، بتوجيه الاتهام العلني لأربعة أعضاء في حزب الله، اثنان منهما يشغلان مواقع في القيادة العسكرية للحزب، اتهمتهما، مع آخرين لم تفصح عنهما، بالإعداد للتفجير الذي استهدف رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري، وتنفيذه، كاشفة أن هناك «جهات داخلية وخارجية خططت لاغتيال الحريري».
وافتتحت جلسات المحكمة، أمس، في مبنى المحكمة في إحدى ضواحي لاهاي، بعد تسع سنوات على اغتيال الحريري، حيث يحاكم غيابيا الأعضاء في حزب الله، سليم جميل عياش ومصطفى أمين بدر الدين وحسين حسن عنيسي وأسد حسن صبرا، وجميعهم هاربون. وتستكمل جلسات المحكمة اليوم والاثنين، على أن يقدم الشهود شهاداتهم، علنيا، الأربعاء المقبل.
وحسم الادعاء، أمس، الجدل حول طريقة التنفيذ، إذ كشف أن حجم العبوة «بلغ طنين من مادة RDX»، وهي مادة شديدة الانفجار تستخدم لأغراض عسكرية، مؤكدا أن تفجيرها جرى «بواسطة جهاز محمول على سيارة (فان) تحمل كميات من المتفجرات فجرها انتحاري مجهول الهوية»، مما يدحض المزاعم بأن الانتحاري الذي ظهر في شريط مصور بعد ساعتين من الهجوم، وتبنى العملية، أحمد أبو عدس، هو المنفذ. وكان أبو عدس ظهر في شريط فيديو بثته قناة «الجزيرة» الفضائية بعد ساعتين من وقوع التفجير، أعلن فيه تبنيه العملية. لكن فحوص الحمض النووي التي خضعت لها أمه وشقيقته، لم تتطابق مع عينات لهوية الانتحاري وجدت في موقع التفجير. ويحاكم صبرا وعنيسي بتهمة «التواطؤ»، وكانت وجهت إليهما تهما بإعداد وتسليم شريط الفيديو الذي ظهر فيه أبو عدس، يعلن فيه زورا المسؤولية عن جريمة الاغتيال، بهدف توجيه التحقيق إلى أشخاص لا علاقة لهم بالاعتداء، وذلك حماية للمتآمرين من الملاحقة القضائية.
وعرض رئيس المحكمة الدولية الخاصة بلبنان ديفيد باراغوانت، في الجلسة الافتتاحية، المراحل التي ستتخللها جلسات المحاكمة، مؤكدا أن المحكمة «ستطبق حقوق المتهمين بالحصول على محاكمة عادلة»، مشيرا إلى أن الشهود «بإمكانهم عرض الأدلة أمام المحكمة».
وأعلن رئيس غرفة الدرجة الأولى في المحكمة الدولية القاضي الأسترالي ديفيد ري عن «بدء الاستماع إلى الشهود في قضية اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري الأربعاء المقبل»، موضحا أن «الادعاء ينوي استدعاء مئات الشهود». وقال القاضي ري: «نحن هنا للاستماع للتصريح التمهيدي للمدعي»، مضيفا أنه «يعود للمدعي إثبات جرم المتهمين»، مؤكدا أن المحاكمة ستجري «كما وكأن المتهمين قد حضروا ودفعوا ببراءتهم».
وترك انطلاق جلسات المحكمة انطباعا إيجابيا لدى عائلات الضحايا، كما عند الناجين من التفجيرات التي استهدفت سياسيين. وقال النائب مروان حمادة الذي نجا من محاولة اغتيال في أكتوبر (تشرين الأول) 2004، لـ«الشرق الأوسط»، إن خيوط التفجير الذي استهدف الحريري «بدأت اليوم (أمس) تتكشف تباعا بشكل دقيق، مما يعطيها، وللادعاء أيضا، كل التبريرات للوقت الذي استغرقته لإطلاق المحاكمات». وكانت المحكمة الدولية أنشئت في 1 مارس (آذار) 2009، وبدأت بتحضير القرارات الاتهامية التي هيأت للمحاكمة.
وأشار حمادة، الذي ضم ملف استهدافه إلى المحكمة الدولية، إلى أن «الجلسة أعادت الذاكرة إلى حدث مؤلم جدا، لكن تطرح تساؤلات كبرى حول مستقبل لبنان، ومستقبل العلاقات اللبنانية انطلاقا من حجم المؤامرة التي طالت الحريري ودقة التنظيم والتحضير لها، وضخامة الإمكانات التي وضعت لتنفيذها، فضلا عن الخلفية السياسية التي دفعت هؤلاء لتنفيذ الاغتيال». وأضاف: «قلما أتيح لي أو لأحد حضور مثل هذه المحاكمة برونقها الحضاري، حيث حقوق الجميع محفوظة، ادعاء ودفاعا، ولعل في ذلك عبرة للقضاء العربي واللبناني على وجه التحديد». وطرح حمادة أسئلة حول «هذه المجموعة التي اعتمدت الإلغاء الجسدي سبيلا للهيمنة السياسية على لبنان»، متسائلا: «كيف تنتظم علاقات في المستقبل مع المجموعة التي اغتالت الحريري (في إشارة إلى حزب الله) قبل عودتها إلى كنف القانون، وحظيرة الدولة، من مغامرتها في سوريا؟».
إلى ذلك، أحدث اغتيال الحريري، والقرار الاتهامي الذي توجهت فيه أصابع الاتهام إلى حزب الله، شرخا سياسيا حادا في لبنان، أدى إلى انقسام بالرأي، ودفع الأطراف إلى توجيه اتهامات متبادلة، هزت الاستقرار الأمني في بعض المحطات. وكانت جلسات المحكمة انطلقت صباحا، واستكملت بعد الظهر في مقر المحكمة في لاهاي. وأشار المدعي العام للمحكمة الدولية الخاصة بلبنان نورمان فاريل إلى أنه «على الرغم من جهود المرتكبين لإخفاء تورطهم في هذه الجريمة فإن الحقيقة لا تحتجب»، موضحا أن «المتهمين عياش وبدر الدين مع آخرين أعدوا ونفذوا هذا التفجير»، مشيرا إلى أن «هناك جهات داخلية وخارجية خططت لاغتيال الحريري». وأوضح فاريل أن «الحريري وضع تحت مراقبة المجرمين قبل اغتياله بثلاثة أشهر». وتابع: «يمكن تقدير الوقت المحدد للانفجار بين ثلاث وخمس ثوان. والسائق كان انتحاريا. والعبوة فجرت يدويا، وما من أدلة عن تفجيرها عن بعد، ولا سيما أن سيارات الحريري كانت مزودة بجهاز تشويش للتفجير عن بعد وكان يعمل. ووجدت آثار حمض نووي تعود إلى جثة مجهولة تحولت إلى أشلاء تشبه أشلاء السيارة الأخيرة التابعة لموكب الحريري، ويمكن أن تكون جثة رجل انتحاري».
من جهة أخرى، جاء في مطالعة قدمها القاضي كاميرون أن السيارة التي ظهرت في الكاميرات هي شاحنة «ميتسوبيشي» خفيفة هي التي نفذت التفجير، مشددا على أن «المقارنة بين الحمض النووي لأبي عدس والأشلاء لم تكن متطابقة». وقدم عرضا حول أجزاء من الأدلة ضد المتهمين، مشيرا إلى أن «حيلة مُحكمة حيكت قبل أسابيع من التفجير لتحويل الانتباه من خلال الفيديو الذي جرى عرضه لأبي عدس والذي كان لتشويه الحقائق وخداع المواطنين»، مشيرا إلى أنه «مزور».
وورد في المطالعة أن أبو عدس، الذي اختفى في 22 يناير (كانون الثاني)، «تعرف على شخص اسمه محمد في أحد مساجد بيروت، ومن خلال نشاط الاتصالات التي أجراها عنيسي من هاتفه الأرجواني تبين للادعاء أن العنيسي كان نفسه محمد»، مشيرا إلى أن عنيسي استعمل هاتفه من منطقة طريق الجديدة أي من المنطقة نفسها التي كان يوجد فيها أبو عدس. وإذ لفت إلى أن «عملية إعداد تبني الاعتداء زورا حصلت من خلال الشبكة الأرجوانية»، نفى رصد أي اتصال بين صبرا وعنيسي من خلال هذه الشبكة. ويستند جزء أساسي من الاتهام إلى بيانات الاتصالات النقالة. وأوضح كاميرون أن هناك «أربعة أنواع من مجموعات الهواتف النقالة المستخدمة هي التتابعية والشخصية والمعروفة بلونها والمهمة»، مؤكدا أن «الهواتف المهمة تشكل أدلة قاطعة استخدمت كأدوات عملية في الاعتداء»، معلنا أن «الادعاء سيبرهن أن الهواتف اشتراها المنفذون لإدارتها كمجموعة واحدة». وعرض القاضي ثلاث صور ترتبط بالهاتف الأخضر، مشيرا إلى أن «الوثائق المقدمة للحصول على عقود شركات الهواتف كانت مزورة وقد استخدمت للحؤول دون التعرف على مستخدمي هذه الهواتف». وعرض أدلة عن طبيعة الهواتف النقالة وكيفية استخدامها، مشيرا إلى أن «شخصا واحدا كان يسدد فواتيرها»، مؤكدا أن هذه الشبكة من الهواتف الـ18 تعد أدلة دامغة استخدمت لأغراض غير شرعية تجلت باغتيال الحريري، وقد دفعت مبالغ طائلة للحصول عليها كشبكة هاتفية مغلقة للتنسيق قبل الانفجار وجرى توقيفها بعد الانفجار.

وعلى صعيد اخر، استيقظت مدينة الهرمل، ذات الغالبية الشيعية، في منطقة البقاع الشمالي بشمال شرقي لبنان، على بعد نحو 10 كيلومترات من الحدود السورية، على دوي تفجير سيارة مفخخة رجحت معلومات أمنية أن انتحاريا كان بداخلها، في خرق هو الأول من نوعه في المنطقة منذ اندلاع أزمة سوريا.
وقع التفجير في شارع رئيس يكتظ بالمصارف والعيادات الطبية والدوائر الرسمية ويشهد زحمة في ساعات الصباح، مما أسفر عن مقتل 5 أشخاص، بينهم سوري وزوجته، وجرح أكثر من 40 آخرين، وذلك بينما كانت أنظار اللبنانيين شاخصة إلى مدينة لاهاي الهولندية، حيث انطلقت أعمال المحكمة الدولية الخاصة بلبنان.
التفجير أمس جاء أيضا غداة توقيف الجيش اللبناني جمال دفتردار، الذي وصف بأنه قيادي بارز في كتائب «عبد الله عزام»، التي تبنت تفجيرين انتحاريين استهدفا السفارة الإيرانية في بيروت في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي. وتوعدت هذه المجموعة، المرتبطة بتنظيم «القاعدة» قبل يومين، بـ«تكثيف الهجمات ضد إيران وحزب الله وإسرائيل»، وذلك بعد أسبوعين من وفاة «أميرها» ماجد الماجد إبان توقيفه من قبل السلطات اللبنانية، نتيجة مضاعفات صحية.
مدينة الهرمل، التي تعد معقلا أساسيا لحزب الله في منطقة البقاع، اعتادت على تساقط صواريخ سورية المصدر، كان آخرها في 17 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، بالتزامن مع استهداف سيارة مفخخة فجر اليوم ذاته نقطة أمنية تابعة للحزب في خراج بلدة صبوبا القريبة من مدينة بعلبك. وكانت هجمات عدة طالت خلال الأشهر الماضية مواكب تابعة لحزب الله من خلال تفجير عبوات ناسفة وضعت على جانب طرق فرعية ودولية.
وفي التفاصيل، أدى الانفجار الذي وقع في باحة سراي الهرمل، بحسب الصليب الأحمر اللبناني، إلى مقتل 5 أشخاص وإصابة أكثر من 40، إلى جانب وجود أشلاء بشرية يعتقد أنها تعود للانتحاري المفترض. وأعلنت قيادة الجيش اللبناني في بيانها أنه «نحو الساعة التاسعة إلا خمس دقائق صباحا، انفجرت سيارة مفخخة بكمية من المتفجرات أمام مبنى سرايا مدينة الهرمل». وأشار الجيش إلى أن وحداته وخبراء المتفجرات «باشروا الكشف على موقع الانفجار والأشلاء البشرية التي وجدت بالقرب من السيارة المستخدمة، وذلك تمهيدا لتحديد طبيعة الانفجار وظروف حصوله».
وفي العادة، يدخل مبنى السرايا الحكومي في الهرمل يوميا مئات الأشخاص لإجراء معاملاتهم الرسمية، ومنها في سجلات النفوس والدوائر العقارية. كذلك يضم المركز مقرين لقوى الأمن الداخلي والأمن العام الموكل بشؤون جوازات السفر والإقامات. وقال مدير مدرسة مهنية الهرمل علي شمص لوكالة الصحافة الفرنسية (أ.ف.ب) إن «التفجير كان ضخما.. الناس خائفون وغاضبون»، وتابع أنه وقع «حينما كان الناس في طريقهم إلى العمل ومزاولة نشاطاتهم اليومية وسط المدينة».
ومن جهة ثانية، قال وزير الداخلية والبلديات في حكومة تصريف الأعمال مروان شربل إن العملية تبدو «وكأنها انتحارية»، متحدثا عن وجود أشلاء «داخل السيارة وخارجها». إلا أنه أكد أن الجزم بوقوع هجوم انتحاري «يحتاج إلى بعض الوقت»، في حين أوضح علي حسن خليل، زير الصحة في حكومة تصريف الأعمال اللبنانية، أن «الحصيلة شبه النهائية هي جثة لشهيد معروف الهوية، وأشلاء يرجح الأطباء أنها تعود لشخصين»، مشيرا إلى أنه «لم يتبين بعد إذا كانت إحدى الجثتين المجهولتين عائدة لانتحاري أم لا».
أما «الوكالة الوطنية للإعلام»، الوكالة الرسمية في لبنان، فذكرت أن «السيارة التي انفجرت قرب سرايا الهرمل هي من نوع (كيا سبورتاج)، سوداء اللون تحمل لوحة مسروقة من أنطلياس، وتعود لشخص يدعى نظاريت شاهينيان». في حين علمت «الشرق الأوسط» من مصادر قريبة من صاحب السيارة الرباعية الدفع المستخدمة في تفجير الهرمل أنها سرقت و3 سيارات أخرى من أحد أحياء منطقة أنطلياس، شمال بيروت، قبل نحو شهرين، وقد أبلغ مالكو السيارات المسروقة القوى الأمنية، من دون أن يتلقوا أي اتصالات من السارقين، على غرار ما يحصل للمفاوضة على دفع مبلغ من المال مقابل إعادة السيارة.
الخبير العسكري الذي عاين مكان الحادث قدّر زنة العبوة المستخدمة في التفجير بـ35 كيلوغراما من المواد المتفجرة. وتضاربت الأنباء حول فرضية وجود انتحاري داخل السيارة، بينما تريثت مصادر أمنية مواكبة للتحقيقات، لـ«الشرق الأوسط»، في حسم فرضية الانتحاري، مؤكدة أنها بانتظار صدور نتائج فحوص الحمض النووي الخاصة بالأشلاء.
وفي حين قال رئيس بلدية الهرمل صبحي صقر إن السيارة ركنت قبل نحو نصف ساعة أمام أحد المصارف، أبلغت مصادر محلية في الهرمل، «الشرق الأوسط»، بأن «امرأة تلاسنت مع سائق السيارة المفخخة وكان إلى جانبه شاب عشريني، بعدما اصطدمت سيارته بسيارتها المتوقفة خلفه لدى رجوعه إلى الوراء لركن السيارة في موقع التفجير». وأفادت المصادر ذاتها بأن السيدة ذاتها هي من حددت رقم لوحة سيارته ولونها، وقالت إن الشابين كانا «مُربكين تماما»، لافتة إلى أن أحدهما تمكن من الفرار قبل وقوع التفجير.
وربطت مصادر محلية بين التفجير الذي هز منطقة الهرمل والهجوم الذي شنته المعارضة السورية على منطقة القصير - جوسيه - تل الحنش - العبودية، حيث شهدت المنطقة معارك عنيفة تدخل فيها الطيران السوري.
وفي سياق متصل، نقل موقع «ناو» عن أوساط في حزب الله إشارتها إلى معلومات بوجود «غرفة عمليات في مدينة يبرود السورية القريبة من بلدة عرسال اللبنانية تتولى إعداد السيارات المفخخة والانتحاريين». وادعت أنه يوجد «قرار» بـ«إرسال السيارات المفخخة إلى المناطق ذات الغالبية الشيعية للضغط على حزب الله، وليس بالضرورة أن يتم استهداف مراكز حزبية أو مسؤولين حزبيين، مع العلم بأن هناك تخوفا من استهداف بعض المناطق المأهولة والمستشفيات، لكن الأجهزة المعنية حصلت على معلومات حول من يتولى إعداد السيارات ومن يرسلها، ولذلك تم اتخاذ الإجراءات الأمنية المكثفة».
وإثر وقوع الانفجار أمس، سطّر مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكري القاضي صقر صقر استنابة قضائية إلى مديرية المخابرات في الجيش اللبناني والشرطة العسكرية والأدلة الجنائية، لإجراء الكشف والتحقيق الأولي. كما انتقل المعاون القاضي كمال نصار إلى منطقة الهرمل لإجراء معاينة ميدانية في موقع التفجير، بتكليف من صقر، الذي كلف الطبيب الشرعي بإجراء فحص الحمض النووي على الأشلاء.



غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
TT

غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)

قدّم المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، الخميس، إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن، واضعاً في صدارة حديثه التحسن النسبي في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، لكنه ربطه بتحذير صريح من هشاشة هذه المكاسب وإمكانية الانزلاق إلى صراع أوسع.

وبينما أعاد غروندبرغ التذكير بوجود 73 موظفاً أممياً في سجون الحوثيين، جدد الدعوة إلى الإفراج الفوري عنهم دون قيد أو شرط، مطالباً الجهات الإقليمية والدولية باستخدام نفوذها لتحقيق ذلك.

وأشار المبعوث إلى مؤشرات إيجابية في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، من بينها تحسن إمدادات الكهرباء وصرف رواتب القطاع العام، معتبراً أن الخطوات الرامية إلى تحسين ظروف المعيشة «تكتسب أهمية بالغة»؛ لأنها تعيد قدراً من الاستقرار وقابلية التنبؤ في حياة اليمنيين. ولفت إلى أن هذه الإجراءات، إذا ما ترسخت في مؤسسات خاضعة للمساءلة، يمكن أن تمهّد لبيئة أكثر ملاءمة لتسوية سياسية أوسع.

غير أن غروندبرغ لم يغفل عن هشاشة الوضع، محذراً من أن استمرار التوترات والحوادث الأمنية، إلى جانب المظاهرات التي شهد بعضها أعمال عنف وسقوط ضحايا، يعكس قابلية هذه المكاسب للتراجع.

المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (الأمم المتحدة)

وفي هذا السياق، حمّل المبعوث الحكومة الجديدة بقيادة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مسؤولية حماية المكاسب عبر «ترسيخها في مؤسسات معززة وإصلاحات اقتصادية»، مشدداً على ضرورة توفير بيئة تحمي مجلس الوزراء والبنك المركزي من التسييس وتعيد بناء ثقة الجمهور.

كما أشاد بتعيين ثلاث وزيرات بعد سنوات من غياب النساء عن مجلس الوزراء اليمني، معتبراً أن إشراك النساء بصورة كاملة وفعالة يعزز شرعية أي عملية سلام، ويزيد فرص استدامتها.

إطلاق عملية سياسية

انتقل المبعوث بعد ذلك إلى جوهر الإحاطة، وهي الحاجة إلى إعادة إطلاق عملية سياسية جامعة برعاية الأمم المتحدة، وأكد أن النزاع أصبح أكثر تعقيداً، مع تعدد خطوط التنازع وتداخل الديناميكيات المحلية والوطنية، فضلاً عن تأثير التوترات الإقليمية المتبادلة.

وشدد على أن الهدف المشترك لم يتغير، وهو التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية تنهي النزاع بشكل مستدام، لكنه دعا الأطراف إلى تبني «نهج مستقبلي» يقوم على البناء على ما لا يزال ناجعاً، وإعادة النظر في الافتراضات القديمة، وتصميم عملية تعكس واقع اليوم لا خرائط الأمس.

وطرح المبعوث ثلاث نقاط رئيسية للمضي قدماً؛ أولاها الاعتراف بتعقيدات الحرب وتطوراتها وعدم الاكتفاء بأطر سابقة لم تعد تستجيب بالكامل للتحولات، وثانيها ضرورة التعامل المتزامن مع الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، محذراً من أن معالجتها بمعزل عن بعضها لن تؤدي إلا إلى نتائج جزئية وغير مستدامة، ومؤكداً أهمية عدم ربط الانخراط في مسار بالتقدم في مسار آخر.

سيارة أممية ضمن موكب المبعوث الأممي غروندبرغ خلال زيارة سابقة لصنعاء (إ.ب.أ)

وتمثلت النقطة الثالثة في اشتراط أن تحقق أي عملية ذات مصداقية نتائج ملموسة على مستويين زمنيين؛ الأول من خلال اتفاقات قريبة المدى تخفف المعاناة وتظهر تقدماً عملياً، بما في ذلك تدابير لخفض التصعيد الاقتصادي، والثاني عبر مسار أطول أمداً يتيح التفاوض حول قضايا جوهرية مثل شكل الدولة والترتيبات الأمنية ومبادئ الحوكمة.

وفي هذا الإطار، قدّم غروندبرغ ملف الأسرى والمحتجزين نموذجاً لما يمكن أن يحققه الحوار. وأشار إلى المفاوضات المباشرة الجارية في عمّان لاستكمال قوائم المحتجزين تمهيداً للإفراج، داعياً الأطراف إلى إنجاز العناصر المتبقية «دون تأخير»، والمضي نحو التنفيذ، ولا سيما مع اقتراب شهر رمضان، بما يتيح للعائلات لمّ الشمل. كما جدد الدعوة إلى الالتزام بمبدأ «الكل مقابل الكل»، مثمّناً دور الأردن واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

تحذير من مواجهة أوسع

من ضمن أكثر فقرات الإحاطة أهمية، تطرق غروندبرغ إلى تصاعد التوترات الإقليمية، معرباً عن أمله في خفض التصعيد، لكنه شدد على ضرورة ألا يُجرّ اليمن إلى مواجهة أوسع. كما شدد على أن مسألة السلم والحرب «في جوهرها مسألة وطنية»، لا يمكن تفويضها أو احتكارها من قبل جهة واحدة، ولا يحق لأي طرف يمني جرّ البلاد من جانب واحد إلى صراع إقليمي، وفق تعبيره.

وأكد المبعوث أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق صانعي القرار اليمنيين تجاه أمن الشعب وسبل عيشه ومستقبله، داعياً إلى أن تبقى حماية المصالح الوطنية وتطلعات جميع اليمنيين هي البوصلة في أوقات التوتر. وختم هذه الرسالة بالتشديد على أن «ضبط النفس، في هذا السياق، واجب».

ولفت إلى استمرار الحوثيين في احتجاز 73 من موظفي الأمم المتحدة، إضافة إلى آخرين من المجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي، مع إحالة بعضهم إلى المحكمة الجزائية المتخصصة في إجراءات «لا ترقى إلى مستوى الإجراءات القانونية الواجبة».

وأكد غروندبرغ أن الاستقرار الدائم يتطلب بناء مؤسسات تخدم اليمنيين على قدم المساواة، بحيث تُدار الخلافات عبر الحوار والمشاركة السياسية السلمية بدلاً من العنف.


تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.