ماذا يحدث داخل غرفة تقنية حكم الفيديو المساعد؟

القرارات أحياناً تثير الجدل لكن مع تسريع الأحكام والتطوير ستنجح التجربة

غرف حكم الفيديو المساعد بمثابة مركز متابعة للتفاصيل الدقيقة بالمباريات
غرف حكم الفيديو المساعد بمثابة مركز متابعة للتفاصيل الدقيقة بالمباريات
TT

ماذا يحدث داخل غرفة تقنية حكم الفيديو المساعد؟

غرف حكم الفيديو المساعد بمثابة مركز متابعة للتفاصيل الدقيقة بالمباريات
غرف حكم الفيديو المساعد بمثابة مركز متابعة للتفاصيل الدقيقة بالمباريات

قال المدير الفني السابق لنادي وست بروميتش ألبيون، توني بوليس، في عام 2015: «ما يتعين علينا القيام به هو إيجاد طريقة ما لمساعدة الحكام. بالتأكيد سأدعو لأن يُسمح لأي مدير فني بإجراء مكالمتين في كل مباراة، مدة كل منها 30 ثانية، ويمكن ربط ذلك بتقنية فيديو مع أشخاص في الطابق العلوي، يمكنهم مشاهدة الحالة المثيرة للجدل مرة أخرى. ومن شأن ذلك أن يقضي على أخطاء الحكام في القرارات المصيرية التي تؤثر في الواقع على نتائج المباريات. وكلما كان ذلك أسرع كان أفضل».
وكان بوليس قد أدلى بهذه التصريحات عقب هزيمة فريقه أمام مانشستر سيتي، وهي المباراة التي شهدت طرد لاعب وست بروميتش ألبيون، غاريث ماكولي، لارتكابه خطأ في وقت مبكر من المباراة. لقد كان القرار الصحيح في كل شيء، باستثناء أمر واحد، وهو أن ماكولي لم يكن هو اللاعب الذي يستحق البطاقة الحمراء؛ لكنه كريغ داوسون الذي كان يستحق العقوبة! وكان الحكم الذي ارتكب هذا الخطأ هو نيل سواربريك.
وقال سواربريك: «اعتقدت أنهما شقيقان توأم. لقد طردت غاريث، وبعد أسابيع قليلة رأيته وقال لي إنه لا داعي للقلق؛ لأن الناس يخطئون بينه وبين كريغ طوال الوقت. وسألته لماذا لم يتقدم بشكوى في ذلك الوقت، فقال إنه طرد في الدقيقة الأولى من عمر المباراة، وكان فريقه يلعب أمام مانشستر سيتي، وبالتالي فقد كان سعيداً لأنه طرد من المباراة!».
يقول سواربريك: «كنت سأفضل الاعتماد على تقنية حكم الفيديو المساعد بكل تأكيد؛ لأنها تفيد حكم المباراة بالطبع. فلا يوجد شيء أسوأ من العودة إلى المنزل بعد مباراة تعلم أنك ارتكبت خلالها خطأ؛ خصوصاً إذا كان خطأ مؤثراً في النتيجة».
ذهبنا في رحلة إلى المقر الرئيسي لتقنية حكم الفيديو المساعد (الفار)، في ستوكلي بارك، غرب العاصمة البريطانية لندن. ويشغل سواربريك الآن منصب المسؤول عن المركز الرئيسي لتقنية حكم الفيديو المساعد. ولم يكن سواربريك يرتدي زي الحكام الكامل، على عكس ما كان يحدث خلال نهائيات كأس العالم في روسيا، فإن حكام تقنية حكم الفيديو المساعد في الدوري الإنجليزي الممتاز يرتدون قمصان بولو وسراويل رياضية.
أما «غرفة الفار» فهي مليئة بأجهزة التلفزيون، وتشبه إلى حد كبير المخبأ السري للشخصيات الشريرة في أفلام جيمس بوند؛ لكن حوائطها مزينة بملصقات بالحجم الطبيعي لحكام مثل بول تيري وكريغ باوسون. ويدير سواربريك كل شيء من داخل هذه الغرفة؛ حيث يشرف على ما يحدث في جميع المباريات. وفي كل مباراة، يكون هناك جهاز لتطبيق تقنية «الفار»، ومساعد، ومشغل لتقنية «عين الصقر» يضغط على الأزرار في الحالات المتعلقة بعبور الكرة لخط المرمى من عدمه.
وقد عبر سواربريك عن سعادته بتطبيق تقنية حكم الفيديو المساعد هذا الموسم، قائلاً: «أعتقد أنها كانت إيجابية حقاً. لقد اتضح جلياً أن العمل الذي قمنا به على مدار عامين ونصف عام كان مفيداً حقاً. إننا لا نشارك في العملية بشكل مبالغ فيه. سيكون هناك دائماً انتقادات لهذه التقنية؛ لأن هناك أشخاصاً لا يحبونها، لذلك فإن دورنا هو أن نحاول تطبيقها بشكل جيد يساعدهم على تغيير وجهة نظرهم، وأن نظهر لهم أننا لا نحاول تعطيل اللعبة».
وقد نظمت اللجنة المحدودة لحكام المباريات بالدوري الإنجليزي الممتاز دورات للمراسلين والصحافيين، للمساعدة في شرح كيفية تطبيق تقنية حكم الفيديو المساعد. ويقول سايمون مورغان، رئيس علاقات كرة القدم في الدوري الإنجليزي الممتاز، إنه سمع أن بعض الناس في مجال كرة القدم يشيرون إلى هذه الدورة التدريبية على أنها «تمرين لغسل الدماغ»، وهذا هو بالضبط المصطلح الذي كنا نطلقه نحن على هذه الدورة التدريبية في حقيقة الأمر! وأنا هنا الآن، مستعد لأن يتم «غسل» الجزء القليل الذي بقي من مخي بالكامل!
وكما هو الحال مع كل مشجعي كرة القدم، فقد نشأتُ وأنا أشك بشكل كبير في الحكام، الذين يشغلون هذه المساحة الغريبة في وعينا؛ لأننا نراهم على شاشات التلفزيون كل أسبوع؛ لكننا لا نراهم أبداً وهو يتحدثون. لذلك، شعرت بخيبة أمل كبيرة عندما أعرب سواربريك، ورئيس اللجنة المحدودة لحكام المباريات بالدوري الإنجليزي الممتاز، مايك رايلي، عن سعادتهما التامة لسماع مقترحاتنا في هذا الشأن، وبكل رحابة صدر، حتى عندما اقترح أحد الصحافيين الاعتماد على جهاز روبوت في القرارات الخاصة بالتسلل!
وكان شرح تقنية حكم الفيديو المساعد يركز على قسمين: القسم الأول يتعلق بالحالات الحقيقية (الأخطاء داخل أو خارج منطقة الجزاء، والتسلل)، والقسم الثاني يتعلق بالحالات الافتراضية (الأخطاء المحتملة، مثل تدخل إريك لاميلا على رودري في نهاية الأسبوع الماضي).
يقول سواربريك: «الحكم هو من يتخذ القرار، ويشرح الأسباب التي جعلته يحتسب ركلة جزاء أو لا يحتسبها، وينقل هذه الأسباب لمسؤولي تقنية حكم الفيديو المساعد، الذين ينظرون بدورهم إلى الحالة، فإذا وجدوا أن ما قاله الحكم ينطبق تماماً على ما يشاهدونه أمامهم على الشاشة، فإن قرار الحكم هو الذي سيعتمد، بغض النظر عن رأي مسؤولي تقنية حكم الفيديو المساعد».
ويضرب سواربريك مثلاً باندفاع فينسنت كومباني على محمد صلاح في إحدى المباريات بين ليفربول ومانشستر سيتي الموسم الماضي، قائلاً: «إن الأمر يتعلق بتفسير حكم المباراة للقرار الذي يتخذه. لقد أشهر الحكم أنتوني تايلور بطاقة صفراء وقدم أسبابه لمنح هذه البطاقة للاعب. ولو كان الحكم قد أشهر البطاقة الحمراء في وجه اللاعب، فإن مسؤولي تقنية حكم الفيديو المساعد سيستمعون أيضاً إلى تفسير الحكم، ولو تطابق مع الحالة فسوف يوافقون على ذلك. لذلك، يمكن أن يكون لديك حالتان مختلفتان في مباراتين مختلفتين بنتائج مختلفة تماماً؛ لكن هذه هي طبيعة كرة القدم في نهاية المطاف».
لكن هذا لا يكون كافياً لتوضيح الأمور للجمهور الموجود في ملعب المباراة؛ خصوصاً أن الشاشات الكبيرة في الدوري الإنجليزي الممتاز لا تعرض سوى الحالات التي يغير فيها مسؤولو تقنية حكم الفيديو المساعد قرارات حكم الساحة. أما في لعبة الكريكت، على سبيل المثال، فيتم إعادة الحالات على الشاشة الكبيرة فور حدوثها، ويمكن للمشاهد الاستماع إلى القرار من خلال سماعات الأذن، ولا يكون هناك هذا «الانتظار المؤلم» للقرار، كما هو الحال في كرة القدم.
وفي مقر تقنية حكم الفيديو المساعد، استمعنا إلى محادثة بين حكم المباراة ومسؤولي «الفار». وكان ذلك في إحدى مباريات كأس الاتحاد الإنجليزي بين كريستال بالاس وغريمسبي الموسم الماضي. فقد تدخل لاعب غريمسبي، أندرو فوكس، على أندروس تاونسيند، وبدا التدخل قوياً للغاية. وقرر حكم المباراة، مارتن أتكينسون، استمرار اللعب لأن الكرة كانت في حوزة لاعبي كريستال بالاس، وقال إنه سيعطي بطاقة صفراء للاعب الذي ارتكب الخطأ بمجرد أن يتوقف اللعب؛ لكن مسؤول تقنية حكم الفيديو المساعد، جون موس، طلب من أتكينسون أن ينتظر قليلاً، ثم طلب منه أن يمنح اللاعب البطاقة الحمراء، وهو الأمر الذي فعله أتكينسون بالفعل في نهاية المطاف.
لكن هل يأتي اليوم ويتمكن فيه الجمهور من رؤية وسماع ما يحدث بين حكم المباراة ومسؤولي تقنية حكم الفيديو المساعد؟
يقول سواربريك: «في لعبة الكريكت، استغرق الأمر ست أو سبع سنوات لكي يصل الأمر إلى ما هو عليه الآن. ومن الممكن أن يحدث هذا مع كرة القدم أيضاً».
وربما تكون المشكلة الأكبر في هذا الصدد هي احتفال اللاعبين والجمهور بإحراز الأهداف، ثم يأتي «الفار» ليلغيها. لقد تعلم مشجعو لعبة الكريكت التعامل مع القرارات التي يتم إلغاؤها، وسوف يتعلم جمهور كرة القدم هذا الأمر أيضاً بمرور الوقت. صحيح أن هذه التقنية لم تصل إلى مرحلة الكمال بعد؛ لكن اللجنة المحدودة لحكام المباريات بالدوري الإنجليزي الممتاز تبذل قصارى جهدها للتغلب على أي سلبيات في أسرع وقت ممكن. وعندما يستطيع الجميع التحقق من هواتفهم المحمولة ما إذا كان الهدف قد جاء من تسلل أم لا في بضع ثوانٍ، فستكون تقنية حكم الفيديو المساعد قد نجحت في الوصول إلى مبتغاها، أو ربما نُجَن من تعرضنا لـ«غسل دماغ» من قبل نيل سواربريك!


مقالات ذات صلة


إيقاف برنامج مجدي عبد الغني يجدد الجدل حول «التعصب الكروي» بمصر

مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)
مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)
TT

إيقاف برنامج مجدي عبد الغني يجدد الجدل حول «التعصب الكروي» بمصر

مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)
مجدي عبد الغني (حسابه على «فيسبوك»)

جدد إيقاف برنامج «البلدوزر» الذي يقدمه الكابتن مجدي عبد الغني على شاشة قناة «الشمس» المصرية عقب مشادة كلامية بين ضيفيه الرياضيين ربيع ياسين وأسامة حسن الجدل حول «التعصب الكروي» إعلامياً.

وقرر «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام» إيقاف برنامج «البلدوزر» بناءً على توصيات من لجنة الشكاوى مع استدعاء الممثل القانوني للقناة، وإلزام جميع وسائل الإعلام بمنع ظهور ضيفي البرنامج ربيع ياسين وأسامة حسن لحين انتهاء التحقيقات بشأن «المخالفات التي حدثت بحلقة، السبت.

وجاء قرار الإيقاف بالتزامن مع استدعاء «نقابة الإعلاميين» فريق عمل البرنامج، الذي يضم مقدم الحلقة ومعدها ومخرجها، إلى جانب الضيفين اللذين يتكرر استضافتهما في البرنامج، مساء كل سبت. ووصف نقيب الإعلاميين طارق سعدة، في بيان صدر، الأحد، ما حدث خلال الحلقة بأنه «لا يليق بالإعلام الرياضي المصري».

«الأعلى للإعلام» يوقف برنامج مجدي عبد الغني على قناة «الشمس» الفضائية (الهيئة الوطنية للإعلام)

وهذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها إيقاف برنامج رياضي بسبب تصريحات حدثت على الهواء، فسبق أن أوقف المجلس برنامج «كورة كل يوم» الذي يقدمه كريم حسن شحاتة على خلفية «مخالفة الأكواد والمعايير الإعلامية»، كما مُنع نجم النادي الأهلي أحمد بلال من الظهور لمدة 3 أسابيع مع تغريم القناة 50 ألف جنيه (الدولار يساوي 52 جنيهاً في البنوك) لمخالفة «الأكواد الإعلامية».

وشهدت حلقة مجدي عبد الغني المُلقب بـ«البلدوزر» مشادة كلامية خلال نقاش رياضي بشأن حظوظ الأهلي في المنافسة على لقب الدوري، بعدما أعلن ربيع ياسين توقعه تتويج الفريق بالبطولة، وهو ما دفع أسامة حسن للرد عليه بعبارة «ابقى قابلني»، ومع استمرار الحوار، وجه ياسين سؤالاً حاداً إلى حسن حول موقفه إذا حصد الأهلي اللقب، لتتصاعد حدة النقاش، وتتبادل الأطراف عبارات غاضبة.

وحاول مجدي عبد الغني احتواء الموقف وتهدئة الطرفين، لكن ياسين غادر الاستوديو على نحو مفاجئ، ليضطر البرنامج إلى قطع الحلقة، والذهاب إلى فاصل إعلاني. وبحسب المقاطع التي نشرتها القناة عبر حسابها على «يوتيوب»، عاد ياسين إلى الاستوديو بعد انتهاء الفاصل، واستؤنفت الحلقة.

وقال نقيب الإعلاميين طارق سعدة لـ«الشرق الأوسط» إن النقابة قررت استدعاء فريق العمل بسبب ما صدر من تجاوزات في الحلقة، مؤكداً أن موقف النقابة مرتبط بالعاملين في المجال الإعلامي بشكل مباشر وفق الاختصاصات التي حددها القانون.

ربيع ياسين (حسابه على «فيسبوك»)

وبحسب مصادر لـ«الشرق الأوسط» فإن لجنة الشكاوى بـ«الأعلى للإعلام» ستتخذ قراراً نهائياً خلال الأيام القليلة المقبلة بعد استكمال التحقيقات فيما حدث من «تجاوزات على الهواء» بعد الاستماع لجميع الأطراف على أن يصدر بيان رسمي في وقت لاحق.

وترى ليلى عبد المجيد العميد أستاذة الإعلام بجامعة القاهرة أن «ظاهرة التوتر والمشادات في البرامج التلفزيونية لا تقتصر على البرامج الرياضية، لكنها تأخذ حيزاً أكبر في هذا النوع من البرامج بسبب حالة التعصب المرتبطة بالمجال الرياضي، سواء بين الإعلاميين أو الجمهور.

وأوضحت في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «الخلاف في الرأي يجب أن يظل داخل إطار الحوار، من دون رفع الصوت أو الدخول في مشادات»، مشيرة إلى أن «بعض البرامج شهدت في فترات سابقة اشتباكات بين الضيوف وصلت إلى حد التعدي الجسدي، وهو أمر تراه مرفوضاً تماماً».

وأضافت أن «خطورة هذه الممارسات لا تتوقف عند حدود الحلقة، وإنما تمتد إلى الجمهور والأجيال الجديدة التي تشاهدها؛ لأنها تقدم نموذجاً سلبياً للتعامل مع الاختلاف، وتحول الحوار من تبادل للأفكار إلى صراع ومواجهة»، لافتة إلى أن «ذلك قد يسهم في زيادة حالات التعصب والتطرف التي تظهر في الملاعب، خصوصاً في كرة القدم؛ ما يجعل ظهور هذه النماذج على شاشة التلفزيون يرسخها بدلاً من مواجهتها».

أسامة حسن (حسابه على «فيسبوك»)

وأشارت عبد المجيد إلى «أهمية تدخل الجهات المعنية بعد التحقيق في مثل هذه الوقائع، وفرض عقوبات تتناسب مع طبيعة المخالفة»، موضحة أن «عقوبات الإيقاف أو المنع لفترات محددة لم تنجح حتى الآن في القضاء على الظاهرة؛ ما يستدعي عقوبات أكثر حدة، وقد يصل الأمر، في الحالات المتكررة، إلى المنع النهائي»، معتبرة أن «تطبيق عقوبة صارمة على حالة أو حالتين قد يسهم في الحد من هذه الظواهر السلبية».


اختباران سهلان على الورق لبايرن ودورتموند في الدوري الألماني

بعد الفوز على أوسنابروك برباعية في كأس ألمانيا يواصل بايرن ميونيخ حملة الدفاع عن لقب الدوري (أ.ب)
بعد الفوز على أوسنابروك برباعية في كأس ألمانيا يواصل بايرن ميونيخ حملة الدفاع عن لقب الدوري (أ.ب)
TT

اختباران سهلان على الورق لبايرن ودورتموند في الدوري الألماني

بعد الفوز على أوسنابروك برباعية في كأس ألمانيا يواصل بايرن ميونيخ حملة الدفاع عن لقب الدوري (أ.ب)
بعد الفوز على أوسنابروك برباعية في كأس ألمانيا يواصل بايرن ميونيخ حملة الدفاع عن لقب الدوري (أ.ب)

بين فريق بدأ الموسم بطريقة قوية، وآخر لا يزال يبحث عن نفسه بعد عودته إلى دوري الأضواء، يحل بايرن ميونيخ ضيفاً ثقيلاً على مستضيفه شالكه (السبت) في الجولة الثانية من دوري الدرجة الأولى الألماني لكرة القدم. ويخوض النادي البافاري مباراته الثانية في «البوندسليغا» بثقة كبيرة بعد البداية التي قدَّمها في حملة الدفاع عن لقبه، عندما تغلَّب على شتوتغارت (5-1) في الجولة الأولى. ولم يستغرق بايرن وقتاً طويلاً لإظهار ما يمكن أن يقدِّمه هذا الموسم. وجاء الفوز الكبير على شتوتغارت بعد الانتصار على بروسيا دورتموند في كأس السوبر، وأعقب ذلك الفوز على أوسنابروك (4-1) في كأس ألمانيا.

ويحظى النادي البافاري بميزة استثنائية، إذ إنه لم يعد يعتمد على مصدر واحد للخطورة، في ظلِّ قدرته على صناعة الفرص من الأطراف والعمق، مع دور بارز لجوشوا كيميتش في تنظيم اللعب، والفرنسي مايكل أوليسيه في الثلث الهجومي، كما بدأ الوافد المغربي الجديد إسماعيل صيباري مشواره مع الفريق بصورة لافتة بعدما صنع هدفين أمام شتوتغارت. ولا يزال الهداف الإنجليزي هاري كين يمثّل النقطة الأهم في هجوم بايرن، حتى لو لم يسجِّل في المباراة الأولى، حيث إنَّ وجوده يمنح الفريق أكثر من خيار في الثلث الأخير، سواء عندما يتحرَّك داخل منطقة الجزاء أو عندما يتراجع لتسلُّم الكرة والمشاركة في بناء الهجمة. ومع لويس دياز وأوليسيه وبقية العناصر الهجومية، سيكون لدى بايرن ما يكفي من الحلول إذا حاول شالكه إغلاق المساحات أمام المرمى.

وعلى الجانب الآخر، لم تكن بداية شالكه بالهدوء نفسه. الفريق خسر أمام أوغسبورغ بثلاثية نظيفة في الجولة الأولى، بعدما تلقَّى هزائم ثقيلة أمام أتالانتا، وريال مدريد في فترة الإعداد. وبينما أظهر شالكه قدرته على التسجيل عندما فاز (5-2) على هالهشير في كأس ألمانيا و(5-صفر) على هيسن كاسل ودياً، فإنَّ مشكلته الأساسية حتى الآن تتمثَّل في الحفاظ على التوازن عندما يواجه منافساً قادراً على الضغط المستمر. وتميل كفة المواجهات المباشرة لصالح بايرن الذي فاز في آخر 12 مباراة أمام شالكه، وسجَّل خلالها 42 هدفاً مقابل هدفين فقط سكنت شباكه.

وكانت آخر مواجهة بين الفريقين في مايو (أيار) 2023 وانتهت بفوز بايرن بنصف دستة أهداف، في حين انتهت آخر مباراة على ملعب شالكه بفوز النادي البافاري بهدفين دون رد في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022. ويدخل بايرن المباراة مع بعض الغيابات، أبرزها طارق بوخمان، وسيرج غنابري، وجمال موسيالا. أما شالكه فيغيب عنه بريان لاسمه، وأدريان غانتنباين؛ بسبب الإصابة، بالإضافة إلى رون شالنبرغ للإيقاف.

من جانبه، يبدو بروسيا دورتموند الطرف الأكثر جاهزية قبل رحلته إلى هوفنهايم (السبت)، بعدما افتتح الموسم بالفوز على هامبورغ بهدفين نظيفين، ثم أكد بدايته القوية بانتصار كبير بخماسية نظيفة على إتش إي بي سي هامبورغ في كأس ألمانيا، في مباراتين حافظ خلالهما على نظافة شباكه. وفي المقابل، يدخل هوفنهايم المواجهة بعد خسارة مثيرة (2-3) أمام كولن، رغم أنه تقدَّم مرتين وكان قريباً من الخروج بنتيجة إيجابية. وتشير البداية إلى أن هوفنهايم يملك ما يكفي من الحلول الهجومية لإزعاج دورتموند، لكنه لا يزال بحاجة إلى معالجة مشكلاته الدفاعية. بعد استقبال 3 أهداف في المباراة الأولى.

ويفتقر دورتموند إلى جهود نيكو شلوتربيك؛ بسبب إصابة في الكاحل، إلى جانب إيقاف صامويل إيناسيو وإصابة الوافد الجديد جيانيس كونستانتيلياس. ويمثّل القناص الغيني سيرهو غيراسي أحد أبرز مفاتيح دورتموند الهجومية، فيما سيبقى أندريه كراماريتش مصدر الخطورة الأهم لهوفنهايم، خصوصاً بعد تسجيله هدفي فريقه من ركلتَي جزاء أمام دورتموند في المواجهة الأخيرة بين الفريقين. ويلتقي (السبت) أيضاً باير ليفركوزن مع ضيفه يونيون برلين، رافعاً شعار «لا بديل عن الفوز»، وبعرض مقنع لمصالحة جماهيره بعد حسرة الخسارة (2-3) أمام إلفرسبرغ الصاعد لـ«البوندسليغا» للمرة الأولى في تاريخه.

ويملك ليفركوزن أيضاً سجلاً يمنحه بعض الثقة، بعدما خسر مرة واحدة فقط في آخر 11 مواجهة له أمام يونيون برلين في «البوندسليغا». لكن يونيون فاز في آخر لقاء بينهما بهدف راني خضيرة في فبراير (شباط) الماضي. واستهل يونيون برلين مشواره في «البوندسليغا» بتعادل مثير أمام آينتراخت فرانكفورت (3-3) بعدما كان متأخراً (1-3). ويتطلع لايبزيغ لمواصلة بدايته الرائعة للموسم الجديد من «البوندسليغا» حينما يحل ضيفاً على فيردر بريمن (السبت). وسجَّل لايبزيغ 9 أهداف دون أن تهتز شباكه في أول مباراتين له بالموسم، حيث تغلب على بروسيا مونشنغلادباخ بثلاثية نظيفة في «البوندسليغا» بجانب فوزه على آينتراخت ترير بـ6 أهداف دون رد في كأس ألمانيا، في الوقت الذي يحتاج فيه بريمن إلى رد فعل سريع بعد خسارته الثقيلة (1-4) أمام فرايبورغ في الجولة الأولى، عقب موسم سابق نجا فيه الفريق بصعوبة من صراع الهبوط. ويلتقي (السبت) مونشنغلادباخ مع إلفرسبرغ، وبادربورن مع فرايبورغ، على أن يلتقي (الأحد) هامبورغ مع ماينز، وآينتراخت فرانكفورت مع أوغسبورغ.


ليونيل ميسي... رحلة «البرغوث» من أزقة الأرجنتين إلى فصول الوداع الأخير

دموع ميسي بعد أن خسر نهائي مونديال 2026 (أ.ف.ب)
دموع ميسي بعد أن خسر نهائي مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

ليونيل ميسي... رحلة «البرغوث» من أزقة الأرجنتين إلى فصول الوداع الأخير

دموع ميسي بعد أن خسر نهائي مونديال 2026 (أ.ف.ب)
دموع ميسي بعد أن خسر نهائي مونديال 2026 (أ.ف.ب)

في ليلة من ليالي خريف عام 2000، رصيف ميناء بوينس آيرس كان شاهداً على خطى فتى نحيل، تملأ عينيه دهشة مشوبة بالقلق، يحمل في حقيبته الصغيرة أحلاماً تفوق بنيته الجسدية الضعيفة. لم يكن يملك ليونيل أندريس ميسي حينها سوى موهبة فطرية خارقة، ونقص في هرمونات النمو كاد يعصف بمسيرته قبل أن تبدأ.

الفتى الذي لم يتوقف عن الركض خلف حلمه

عائلته المثقلة بالأعباء الاقتصادية في روزاريو بالأرجنتين، لم تكن تبحث عن مجد كروي بقدر ما كانت تبحث عن نادٍ يتكفل بنفقات علاجه الباهظة.

عندما وقعت عينا كشافي نادي برشلونة على هذا الساحر الصغير، لم يكن لديهم متسع من الوقت لإحضار عقد رسمي، فصيغ أول التزام على منديل ورقي في مقهى كاتالوني. ذلك المنديل لم يكن مجرد ورقة، بل كان وثيقة إعادة كتابة تاريخ كرة القدم الحديثة.

ليونيل ميسي وضع بصمة تهديفية لا تُنسى بفضل التسجيل والصناعة (أ.ف.ب)

على مدار أكثر من ربع قرن، لم يكن ميسي مجرد لاعب يركض بركل الكرة، بل كان رساماً يخط برجليه اليسرى لوحات سريالية على العشب الأخضر، وموسيقياً يضبط إيقاع الملاعب العالمية، ليمسي عبر السنين الفكرة الثابتة في عالم دائم التغير، والأسطورة الحية التي روضت المستديرة حتى انصاعت له طواعية.

من أزقة روزاريو إلى أضواء لاماسيا

ولد ليونيل ميسي في الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) لعام ألف وتسعمائة وسبعة وثمانين بمدينة روزاريو الأرجنتينية، ونشأ في عائلة عاشقة لكرة القدم بدأت تلمح عبقريته منذ سن الخامسة. انضم الصغير إلى نادي نيويلز أولد بويز المحلي، لكن تشخيص إصابته بنقص هرمون النمو وهو في الحادية عشرة من عمره مَثّل المنعطف الأبرز في حياته.

وفي ظل عجز الأندية الأرجنتينية عن تمويل علاجه، ظهرت أكاديمية لاماسيا التابعة لنادي برشلونة باعتبارها طوق نجاة، لينتقل الفتى إلى إسبانيا وتبدأ رحلة صقل الجوهرة النادرة التي غَيّرت موازين اللعبة عالمياً.

العصر الذهبي وتأسيس الإمبراطورية الكاتالونية

ليونيل ميسي (أ.ف.ب)

تمثل مسيرة ميسي مع نادي برشلونة الإسباني العصر الأزهى في تاريخ النادي الكاتالوني، حيث صعد إلى الفريق الأول عام ألفين وأربعة ليتعلم بجانب الساحر البرازيلي رونالدينيو قبل أن يصبح المحرك الأساسي لمنظومة التيكي تاكا الشهيرة. وعلى مدار سبعة عشر عاماً بالقميص البلوغرانا، خاض ميسي سبعمائة وثمانية وسبعين مباراة، ومزق شباك الخصوم بستمائة واثنين وسبعين هدفاً، محققاً عشرة ألقاب في الدوري الإسباني، وأربعة ألقاب في دوري أبطال أوروبا، وسبعة كؤوس لملك إسبانيا، بالإضافة إلى ثلاثية تاريخية في كل من كأس العالم للأندية وكأس السوبر الأوروبية.

ليونيل ميسي وجوزيه مورينيو (رويترز)

محطات الارتحال من حديقة باريس إلى شمس ميامي

في صيف عام ألفين وواحد وعشرين، وفي مشهد درامي أبكى الملايين، غادر ميسي كامب نو مجبراً بسبب الأزمة المالية الخانقة للنادي، ليتجه إلى العاصمة الفرنسية وينضم إلى باريس سان جيرمان.

ورغم أن التجربة الباريسية لم تحمل الزخم العاطفي ذاته، فإنه أضاف إلى خزائنه لقبين في الدوري الفرنسي ولقباً في كأس السوبر الفرنسية، قبل أن يقرر خوض تجربة جديدة في الملاعب الأميركية رفقة إنتر ميامي، ليقود الفريق سريعاً لتحقيق أول ألقابه التاريخية بالفوز بكأس الدوريات، ويحدث ثورة شعبية غير مسبوقة للعبة في الولايات المتحدة.

ليونيل ميسي (رويترز)

ملحمة الآلام والآمال والتتويج بالذهب العالمي

لطالما كانت العلاقة بين ميسي والقميص الأرجنتيني مزيجاً معقداً من الحب الجارف والانتقادات الحادة بسبب المقارنات المستمرة مع الراحل دييغو مارادونا، خاصة بعد خسارته لثلاثة نهائيات متتالية في كوبا أميركا ونهائي كأس العالم عام 2014.

لكن القصة لم تكن لتنتهي دون إنصاف تاريخي، إذ عاد البرغوث ليقود بلاده إلى حقبة ذهبية بدأت بالتتويج بكأس كوبا أميركا عام 2021 في قلب البرازيل، تلاها الفوز بكأس فيناليسيما، ثم الذروة التاريخية في مونديال قطر 2022 برفع كأس العالم المستعصية، قبل أن يختتم مشواره القاري بالحفاظ على لقب كوبا أميركا لعام 2024.

لتتواصل رحلته الدولية المذهلة حتى بصم على ظهوره الأخير والمونديالي السادس في نهائي كأس العالم الولايات المتحدة كندا والمكسيك 2026 أمام إسبانيا.

العناق بين ميسي ويامال بدا وكأنه إعلان رمزي عن انتقال الشعلة بين جيلين (رويترز)

جوائز فردية غير قابلة للكسر على عرش البالون دور

طوال هذه المسيرة، احتكر النجم الأرجنتيني المنصات الفردية محققاً أرقاماً قياسية تبدو عصية على التحطيم في المستقبل القريب. وتربع ميسي على عرش جائزة الكرة الذهبية لثماني مرات باعتباره أكثر لاعب في التاريخ تحقيقاً لهذا الإنجاز، ونال الحذاء الذهبي الأوروبي في ست مناسبات، بالإضافة إلى تتويجه بجائزة الأفضل من الاتحاد الدولي لكرة القدم ثلاث مرات، وهو اللاعب الوحيد في التاريخ الذي حصد جائزة أفضل لاعب في بطولة كأس العالم مرتين، وذلك في نسختي البرازيل وقطر.

لقطة ميسي الأيقونية وهو يرفع كأس العالم 2022 (أ.ف.ب)

الصدمة المدوية وبيان الوداع التاريخي عبر «إنستغرام»

بعد مسيرة دولية ملحمية دامت لواحد وعشرين عاماً بقميص لالبيلسيستي، صدم ليونيل ميسي الأوساط الرياضية العالمية بإعلان اعتزاله اللعب دولياً رسمياً. وجاء الوداع الأخير عبر بيان مؤثر للغاية نشره الساحر الأرجنتيني على حسابه الرسمي في منصة «إنستغرام»، مؤكداً بكلمات حزينة تقطر شجناً أن القرار كان مؤلماً ويمس روحه في الأعماق، لكنه أدرك أن الوقت قد حان ليترجل عن صهوة جواده الدولي ويفسح المجال أمام المواهب الشابة الصاعدة.

كان مورينيو قد واجه ميسي مراراً خلال فترات قيادته لريال مدريد قبل أن يوجّه إليه الرسالة التقديرية (حساب ميسي في «إنستغرام»)

وكشف ميسي في ثنايا رسالته الوداعية أنه خطّ كلمات هذا البيان يدوياً في الحادي والعشرين من يوليو (تموز)، أي بعد يومين فقط من نهائي المونديال الأخير، غير أن الرحيل المفجع لوالده «خورخي ميسي» في شهر أغسطس (آب) عزز لديه اليقين التام بالاعتزال، لينهي النجم البالغ من العمر 39 عاماً مسيرته برصيد إعجازي يبلغ 207 مباريات دولية سجل خلالها 125 هدفاً، مغادراً من الباب الكبير وبراحة بال تامة بعد أن أفرغ كل ما في جعبته لوطنه.

النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي ووالده خورخي (رويترز)

عندما تودع كرة القدم جزءاً من روحها الجميلة

ليونيل ميسي (أ.ف.ب)

لم تكن مسيرة ليونيل ميسي مجرد إحصائيات جافة تُسجل في دفاتر الاتحاد الدولي، بل كانت مدرسة في الإصرار والعبقرية التي تثبت كيف يمكن للجسد الضئيل أن يقهر العمالقة بالفطرة والذكاء. ومع إغلاق هذا الفصل الدولي الأخير وتحول ميسي إلى مشجع يناصر بلاده من المدرجات، تدرك كرة القدم أنها لن تودع مجرد لاعب عظيم، بل ستودع حقبة بأكملها وجزءاً من روحها التي جعلت الملايين يعشقون المستديرة.