القضاء في السعودية.. أولوية دولة منذ التأسيس وصولا إلى المحاكم المتخصصة

الملك عبد العزيز سعى إلى تحقيق العدل والمساواة وتطوير المرفق بتدرج.. وإنشاء أول هيئة للمراقبة قبل 5 عقود

القضاء في السعودية.. أولوية دولة منذ التأسيس وصولا إلى المحاكم المتخصصة
TT

القضاء في السعودية.. أولوية دولة منذ التأسيس وصولا إلى المحاكم المتخصصة

القضاء في السعودية.. أولوية دولة منذ التأسيس وصولا إلى المحاكم المتخصصة

سعى الملك المؤسس إلى تحقيق دعائم الأمن، وتنظيم الحكم والإدارة، وجعل على رأسها فرض تنظيمات قضائية، انطلاقا لما للمملكة من مكانة إسلامية وعربية، واستنادا إلى الشريعة الإسلامية.
ومن الوظائف الرئيسية للدولة، التي اهتم بها المؤسس، ومن أخصها حل الخلافات التي تنشأ بين الأفراد والجماعات، وحماية حقوقهم عندما تكون تلك الحقوق عرضة للنزاع والمشاحة، إذ يعد القضاء العائم على العدل إحدى الدعائم الأساسية للدولة، وإحدى سلطاتها الرئيسية الذي بواسطته يشعر كل فرد من الأفراد بالطمأنينة على نفسه، وماله، وعرضه، وأن الناس سواسية في الحق، والعدالة.
وأولت السعودية منذ قيامها على يد المغفور له الملك عبد العزيز طيب الله ثراه الاهتمام والرعاية في أن الناس سواسية، وأن القوي فيهم هو الضعيف حتى يؤخذ الحق منه، والضعيف هو القوي حتى يؤخذ الحق له، وأقامت القضاء على تحكيم الشريعة الإسلامية في كافة الأمور، والأحوال الشخصية منها، والمدنية، والجنائية، وأنشأت البلاد المحاكم على اختلاف أنواعها، ودرجاتها، وأصدرت الأنظمة التي ترتب هذه المحاكم، وتبين وظائفها، وتحدد اختصاصها وسلطتها، وتنظم سير العمل.
وعند استرجاع التاريخ قبل تأسيس المملكة، فإن الإصلاحات النظامية التي سُنت قبل تأسيس البلاد، وخاصة منها ما يتعلق بالقضاء، لم تعم الجزيرة العربية كما حصل في البلدان الإسلامية الأخرى، وعليه سعت الدولة السعودية إلى إدخال نظام المحاكم الحديثة، إلى جانب المحاكم الشرعية، وظل العمل سائرا على المنهاج الشرعي.
وكان القضاة يصدرون أحكامهم ويفصلون في الخصومات بين الناس، وفق أحكام أحد المذاهب الفقهية الأربعة، إلى أن وضع الملك عبد العزيز يده على القضاء، وكان القضاء في الحجاز ومنطقة عسير والأحساء، ناله شيء من التنظيم فيما يتعلق بترتيب المحاكم، وسير الإجراءات فيها، كان قد تأثر تأثرا كبيرا بالنظام القضائي العثماني، وطول إجراءاته المتسمة بالرتابة والبطء.
وأمام ذلك، سعى الملك عبد العزيز إلى تحقيق التوافق بين الأنظمة القضائية لما يجب أن يكون عليه نظام العدالة في الإسلام، ووضعه في إطار يقبله الجميع، وكان من حكمته، عدم قيامه بالتغيير الجذري المباشر، بل أوكل النظر في نظام المحاكم، وترتيبها إلى المجلس الأهلي (مجلس الشورى) الذي أنشئ بمكة المكرمة عام 1344هـ فقد جاء في البيان الذي أصدره أن من اختصاصات المجلس النظر في نظام المحاكم، وترتيبها بصورة تضمن توزيع العدل، وتطبيق الأحكام الشرعية تطبيقا لا يجعل مجالا للهوى.
ومما يؤيد أن المحاكم تسير في أحكامها الموضوعية وفق أحكام الشريعة الإسلامية ما جاء في حديث الملك المؤسس، حيث قال: «أما المذهب الذي تقضي به المحكمة الشرعية فليس مقيدا بمذهب مخصوص؛ بل تقضي حسبما يظهر لها من أي المذاهب كان، ولا فرق بين مذهب وآخر، ولا نتقيد بمذهب دون آخر، ومتى وجدنا الدليل القوي في أي مذهب من المذاهب الأربعة رجعنا إليه، وتمسكنا به».
وأخذ النظام السعودي في ناحية القضاء، بـ6 أمور، أولها نظام تعدد القضاة، وإجازة الحكم بالأغلبية أو بالإجماع، وأوجد ما يسمونه بنواب القضاة، كما تعرض لتحديد الاختصاص بالنوع وبالأشخاص، وأوجد نوعا من القضاء المتخصص، واستئناف الحكم إلى محكمة أعلى.
وكانت الخطوة الأولى في سبيل إيجاد نظام قضائي موحد تنضوي تحته سائر المحاكم في جميع أنحاء المملكة، قيامه بتشكيل المحاكم في الحجاز على 3 درجات بشهر أغسطس (آب) عام 1928 وهي «محاكم الأمور المستعجلة (محاكم جزئية، ومحاكم كبرى، ومحاكم ملحقات وهما عبارة عن محاكم عامة، وهيئة المراقبة القضائية (محكمة نقض وإبرام)»، وتضمن المرسوم الصادر اختصاص تلك المحاكم، وهي محكمة الأمور المستعجلة، وحددت من قاض واحد، واختصاصاتها بالنظر في الجنح، والتعزيرات، والحدود الشرعية، التي لا قطع ولا قتل فيها، وفي الدعاوى المالية التي لا تزيد عن 30 جنيها (العملة السابقة) وقد حددت بثلاثمائة ريال فيما بعد، وأحكامها لا تقبل النقض ما لم تخالف نصا أو إجماعا، وقد عدل هذا النص بتكليف المحكمة المستعجلة بأن ترفع الحكم الصادر إلى هيئة المراقبة القضائية، إذا صرح المحكوم عليه بعدم اقتناعه بالحكم، وذلك لحماية المحكوم عليه بإعطائه ضمانة أكثر.
وبحسب بحث علمي محكم، تناول القضاء في السعودية بضوء الشريعة الإسلامية ونظام السلطة القضائية، للدكتور سعود بن سعد آل دريب وكيل وزارة العدل للشؤون القضائية السابق، فإن محكمة الأمور المستعجلة الثانية كانت تتكون من قاض واحد، وتنظر في أمور البادية، وما يتعلق بها، وتكون صلاحياتها، كالمحكمة المستعجلة الأولى، وذلك فيما عدا العقار حيث إنه من اختصاص المحكمة الكبرى.
وفي جدة والمدينة المنورة (غرب السعودية) أنشئت محكمة الأمور المستعجلة، والمحكمة الشرعية الكبرى، فضلا عن إنشاء هيئة لمراقبة القضائية، والتي تتألف من رئيس ومعاون و3 قضاة أعضاء يختارهم الملك من كبار العلماء، وأعطيت الهيئة صلاحيات ومهام واسعة فهي تقوم بتمييز الإعلامات والأحكام، وسميت هيئة المراقبة القضائية في نظام تركيز مسؤوليات القضاء الشرعي الصادر عام 1938 باسم «هيئة التدقيقات الشرعية» وأصبحت تتألف من رئيس القضاة، ومن أعضاء الهيئة وهم 4 وجعل من صلاحياتها محاكمة القضاة، بالإضافة إلى تدقيق الأحكام.
وإلى جانب تلك المحاكم، استحدثت المملكة، أنواعا من المحاكم المتخصصة، وهي المجلس التجاري.
وشكل الملك المؤسس، أول إدارة للقضاء في مكة المكرمة في عام 1343هـ وربطها به.
- عدل مسماها بعد عام إلى رئاسة القضاء في عام 1344هـ وتم تشكيلها مؤقتا في مكة وهذا يمثل النواة الأولى لتنظيم الجهاز القضائي، حيث أسس الملك عبد العزيز - رحمه الله - بتاريخ 1344-7-24هـ تشكيلا لدائرة رئيس القضاة بمكة المكرمة ليتولى الإشراف على القضاء والقضاة وما يصدر عنهم من أحكام.
وشهد عام 1926 إعلان أول تنظيم رئاسة القضاء في الحجاز، وعين الشيخ عبد الله بن بليهد رئيسا للقضاء، وتعين الشيخ محمد أمين فودة وكيلا للرئيس، وتعين الشيخ أحمد إبراهيم الغزي رئيسا للكتاب في الرئاسة، والشيخ محمد التويجري كاتبا للفتوى، والشيخ بكر كمال كاتبا ثانيا للفتوى.
وفي غضون فترة التأسيس للقضاء وتنظيمه في عهد المؤسس الملك عبد العزيز تولى رئاسة القضاء في المنطقة الغربية والجنوبية الشيخ عبد الله بن حسن آل الشيخ، وتولى رئاسة القضاء في المنطقة الوسطى والشرقية والشمالية الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ مفتي السعودية في ذلك الوقت، وفي عام 1960 أصدر الملك سعود بن عبد العزيز، أمرا بتوحيد رئاستي القضاة تحت رئاسة واحدة تولاها مفتي الديار السعودية ورئيس قضاتها الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ.
وصدرت توجيهات الملك سعود بن عبد العزيز – رحمه الله – بتأسيس محكمة التمييز بالرياض 1381هـ وافتتاح فرع لها في مكة المكرمة، مع اتساع مناشط الحياة في البلاد وكثرت القضايا المعروضة على المحاكم وازداد منسوب الأحكام الصادرة منها مما ظهرت معه حاجة ملحة إلى تخصيص محكمة مستقلة تقوم بعمل تمييز الأحكام ومراجعتها والنظر فيها.
وتشكّل مجلس القضاء الأعلى – بعد تحويل رئاسة القضاة إلى وزارة للعدل – على صفة هيئة تسمى بـ«الهيئة القضائية العليا» وتتولى مزاولة الاختصاص القضائي في القضايا التي يحكم فيها بعقوبة إتلافية، كما تتولى ما تحتاجه المحاكم من تقريرات لمبادئ قضائية أو إجرائية، وبعد صدور نظام القضاء بموجب المرسوم الملكي رقم م-64 وتاريخ 1395-7-14هـ والذي تضمن في الباب الثاني منه فصلا يشمل ترتيب المحاكم ونصت المادة الخامسة على أن تتكون المحاكم الشرعية من «مجلس القضاء الأعلى، محكمة التمييز (الاستئناف حاليا)، المحاكم العامة، المحاكم الجزئية».
وتألّف مجلس القضاء الأعلى ليتولى الإشراف على المحاكم وفق الحدود المبينة في نظام القضاء، ويتكون المجلس بمنصوص المادة السادسة من أحد عشر عضوا يكونون هيئتي المجلس وهما الهيئة الدائمة، والعامة.
وعندما شكلت وزارة العدل عام 1970 أصبح وزير العدل الشيخ محمد الحركان رئيسا للقضاة وللمجلس المشكل للنظر في شؤونهم إلى حين صدور نظام القضاء.
وشهد الوقت الحالي، تطويرا كبيرا للقضاء، إذ شمل افتتاح فروع للمحاكم المتخصصة كمحاكم الأحوال الشخصية، وشمل إعادة تشكيل المجلس الأعلى للقضاء، وأوامر تعيينات القضاة على مختلف الدرجات، مع عدد من القرارات التي اتخذتها وزارة العدل من بينها إنشاء مراكز الصلح، وبدء تطبيق نظام التنفيذ، وإنشاء دوائر قضائية جديدة.
ويتلخص دعم البلاد للقضاء حينما أمر خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز بتطوير القضاء، إذ خُصص مبلغ 7 مليارات ريال لتنفيذ مشروع الملك عبد الله بن عبد العزيز، ويهدف المشروع تطوير مرفق القضاء والوصول إلى الترافع الإلكتروني والضبط الشامل الإلكتروني للوزارة.
ويعد مشروع الملك عبد الله لتطوير مرفق القضاء نقطة تحول تاريخية في مسيرة القضاء في المملكة، يحقق الاستقلال للمرفق ويعزز جانب التخصص ويوجد ضمانات العدالة ويريح القضاة والمراجعين للمحاكم.
واكتمل عقد الأنظمة بصدور مراسيم ملكية بشهر نوفمبر (تشرين الثاني) 2013 بالموافقة على مشروعات أنظمة «المرافعات الشرعية، والإجراءات الجزائية، والمرافعات أمام ديوان المظالم»، وقد جاء إقرار هذه الأنظمة تتويجا لما قضى به نظام القضاء ونظام ديوان المظالم، وآلية العمل التنفيذية لهما، وإنجازا لمرحلة بالغة الأهمية من مراحل مشروع الملك عبد الله بن عبد العزيز لتطوير مرفق القضاء ليشمل جميع مكونات المنظومة القضائية.
ويأتي صدور هذه الأنظمة الـ3 استمرارا لنهج هذه البلاد منذ تأسيسها في ترسيخ دعائم الحق والعدل، والأخذ بما يحفظ الحقوق ويصونها وتمكين كل من وقعت عليه مظلمة من المطالبة بحقه أمام قضاء يتوافر فيه الاستقلال والضمانات الكافية لإيصال الحق إلى مستحقه بعدالة ناجزة، حيث تضمنت هذه الأنظمة في أحكامها نقلة نوعية، سيكون لها أثرها على أداء أجهزة القضاء وتيسير إجراءات التقاضي - إلا خطوة من خطوات مسيرة تطوير القضاء الذي يوليه خادم الحرمين رعايته واهتمامه، وهو ما يبرز مدى حرصه في إيجاد معالجة شمولية تحقق الغايات التي يأملها الملك عبد الله، حيث سبق أن صدرت الكثير من الأنظمة المتخصصة التي تتكامل مع هذه الأنظمة الـ3، ومنها: أنظمة القضاء وديوان المظالم والتنفيذ والتحكيم.
وبينت إجراءات الاعتراض أمام المحكمة العليا والمحكمة الإدارية العليا اللتين تم إنشاؤهما لأول مرة في المملكة بموجب نظامي القضاء وديوان المظالم.
ومن أجل توحيد الاجتهاد القضائي فالمحكمة العليا معنية بالمحافظة على وحدة تفسير أحكام الشريعة الإسلامية والأنظمة في الدعاوى التي يفصل فيها القضاء وهو ما سيحقق وحدة تطبيق القواعد الشرعية والنظامية على الدعاوى.
كما راعت الأنظمة الجديدة حقوق المرأة في المحاكمة والترافع، ويسرت لها الكثير من الإجراءات؛ بما فيها سرعة الفصل في الدعاوى التي ترفعها المرأة في المنازعات الزوجية والحضانة والنفقة والزيارة والعضل، وكذلك منح المحكمة سلطة الأمر بالإحضار الجبري في حال تخلف المدعى عليه في تلك المنازعات. إضافة إلى أن للمرأة الخيار في إقامة دعواها في بلدها أو بلد المدعى عليه. مع مراعاة جانب تيسير الإجراءات الجزائية في حقها إذا كانت متهمة.
وأوجب نظام المرافعات الشرعية طريقا مختصرا للحد من المماطلة في أداء الحقوق وتعويض المتضرر؛ فأوكل للمحكمة التي أصدرت الحكم نظر دعوى التعويض عن الأضرار الناتجة من المماطلة في أداء الحقوق محل الدعوى.
وبصدور نظام المرافعات أمام ديوان المظالم، يكون القضاء الإداري في السعودية قد استقل بنظام خاص لإجراءات التقاضي أمامه، وبذلك يسجل تمييزا غير مسبوق على المستوى الدولي؛ لأن الدول العريقة في القضاء الإداري لم تصدر حتى الآن قوانين خاصة لإجراءات التقاضي أمام القضاء الإداري؛ إذ تستند إجراءات التقاضي فيها إلى الأصول العامة في المرافعات وبعض ما تتضمنه الإجراءات المدنية من أحكام، إضافة إلى بعض الأحكام الإجرائية التي نص عليها في القوانين بشكل جزئي غير شامل. وفي المقابل؛ فإن قواعد المرافعات والإجراءات أمام ديوان المظالم، التي صدرت عام 1989 المعمول بها إلى حين نفاذ نظام المرافعات أمام ديوان المظالم لم تكن شاملة لأغلب أحكام المرافعات الإدارية، إضافة إلى أنها لم تستقل بإجراءات التقاضي أمام القضاء الإداري، حيث إنها اشتملت على بعض الأحكام الخاصة بالدعاوى الجزائية.
وبهذا يتبين تفرد نظام المرافعات أمام ديوان المظالم الذي استقل بإجراءات التقاضي أمام القضاء الإداري؛ تقديرا للطبيعة الخاصة للدعوى الإدارية واختلاف مراكز الخصوم فيها، وهو ما يقتضي إفراد إجراءاتها في نظام مستقل يحقق الموازنة بين المتقاضين، ويحافظ على الضمانات القضائية خلال إجراءات المرافعة.
وبالتوازي مع ذلك يستعد مرفق القضاء في السعودية إلى انطلاقة أعمال المركز السعودي للتحكيم الذي يتبع مرفق وزارة العدل بالبلاد بغية تخفيف الأعباء على القضاء، في حين أسندت الوزارة بعض الوظائف لهذا المركز.



محمد بن سلمان في 9 سنوات... ازدهار محلي وفاعلية دولية

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يتلقى البيعة ولياً للعهد بقصر الصفا في مكة المكرمة (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يتلقى البيعة ولياً للعهد بقصر الصفا في مكة المكرمة (واس)
TT

محمد بن سلمان في 9 سنوات... ازدهار محلي وفاعلية دولية

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يتلقى البيعة ولياً للعهد بقصر الصفا في مكة المكرمة (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يتلقى البيعة ولياً للعهد بقصر الصفا في مكة المكرمة (واس)

مرت تسعة أعوام على الأمر الملكي الذي أصدره خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز باختيار الأمير محمد بن سلمان ولياً للعهد.

وجود الأمير في موقع قيادة يحمل نبض الشباب وطموحهم، ومن قبل ذلك توجيهات الملك، كان كفيلاً بإطلاق رؤية محلية سرّعت من الازدهار الاقتصادي والاجتماعي، وعززت من مكانة السعودية في لعب دور قيادي للتعاطي مع خريطة المنطقة، فضلاً عن الوصول والتأثير الدوليين.

تحولات جذرية

حملت السنون في طياتها منعطفات اتسمت بالإيجابية، وحملت تحولات جذرية. لم تكن مجرد تغييرات سطحية، بل كانت صناعة توجهات تعيد تعريف مفهوم النجاح في القرن الحادي والعشرين، ولم يسعَ لذلك في بلاده فحسب، بل حتى تغيير حال المنطقة من النزاع إلى التنمية، وفق مسعاه الذي كان آخره إخماد عدد من الصراعات الإقليمية وصنع فرص للسلام، وفي الطريق إلى ذلك أصبحت السعودية وجهة دولية وازنة على الخريطة، وفقاً للكثير من الدراسات والتعليقات والبحوث التي تناولت أبرز الملفات الدولية أو التحولات في المنطقة. واستضافت السعودية على أثر ذلك عشرات القمم ومئات الاجتماعات المصيرية لأبرز قضايا العالم، وخصوصاً السياسية منها، كما استقبل الملك وولي العهد عدداً كبيراً من زعماء العالم يقترب من 120 زيارة خلال السنوات الأخيرة.

ولي العهد السعودي يستقبل الرئيس الصيني خلال إحدى زياراته إلى السعودية (واس)

منذ وقت مبكر بدأ ولي العهد السعودي قيادة مسيرة الانفتاح السعودي على العالم من جوانب عدة، ليس أقلها الجوانب الاقتصادية والثقافية، بل كان الانفتاح السياسي سمة بارزة خلال السنوات الأخيرة، ليصل إلى مناطق غير مسبوقة في تاريخ السعودية والمنطقة.

كثير من المراقبين أكدوا أن سياسات الرياض بقيادة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، خلال السنوات الأخيرة، أسهمت في الدفع بثقل المملكة في الملفات المعقدة وجلب الأطراف كافة إلى طاولة المفاوضات، ومن ذلك صناعة السلام عبر الحوار.

مكانة دولية

خلال العقد الأخير، كانت السعودية الدولة الشرق أوسطية الوحيدة التي استضافت زعماء الولايات المتحدة، والصين، وروسيا، في غضون أشهر قليلة وسط احتدام التجاذبات الدولية في ظل تصاعد التوتّر في العالم، من الحرب الأوكرانية إلى النزاع التجاري والاقتصادي، وليس نهايةً بالحرب على غزة والتوتر في أنحاء الشرق الأوسط، مما جعل السعودية لاعباً رئيسياً في التأثير على السياسات الدولية، وهذا ما برهن عليه حجم وعدد ومستوى الزيارات والمشاورات مع السعودية، خصوصاً منذ اندلاع الحرب في غزة، والقمم والاجتماعات الدولية التي انعقدت على أرض المملكة لـ«تحقيق السلام».

الوساطة الدولية

دور الدبلوماسية السعودية كان فاعلاً أيضاً في السنوات الأخيرة؛ إذ احتضنت السعودية بتوجيهات من الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، محادثات أميركية - أوكرانية ضمن مساعيها لحل الأزمة، بفضل علاقاتها المتوازنة مع مختلف الأطراف، إلى جانب اجتماعات الدرعية وجدة العام الماضي بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا وأوكرانيا؛ الأمر الذي يعكس أن السياسة الخارجية للبلاد أصبحت تتّسم دوليّاً بطابع السلام ووقف إطلاق النار وإنهاء الحروب، على غرار متابعة مسار الوساطة وطرح الحوار حلاً أساسياً خلال الأزمة الروسية – الأوكرانية، والتوجيه بتقديم أشكال متعدّدة من الإغاثة والمساعدات، والتوسّط لإطلاق سراح الأسرى.

تعليقاً على ذلك، قال مايكل ميتشل، المتحدث الإقليمي باسم وزارة الخارجية الأميركية، في تصريح سابق لـ«الشرق الأوسط»، إن العالم أصبح أقرب من أي وقت مضى إلى التوصل لوقف إطلاق نار بين روسيا وأوكرانيا بعد مفاوضات السعودية، معبّراً عن تقدير بلاده للدور السعودي في دفع الجهود الدبلوماسية المستمرة، واستضافة المحادثات المهمة، وتأكيد التزامها بالعمل مع جميع الأطراف المعنية لتحقيق سلام دائم في أوكرانيا.

القضية الفلسطينية

حظيت القضية الفلسطينية بحراك غير مسبوق منذ عقود، ونجحت السعودية خلال الأشهر والسنوات الأخيرة في دفع الكثير من الدول للاعتراف بالدولة الفلسطينية، ليصل عدد الدول إلى 149 دولة وفقاً لـ«الخارجية» الفلسطينية، كما أكّد ولي العهد السعودي شرط بلاده للتطبيع مع إسرائيل الذي لن يمر دون «الدولة الفلسطينية»، إلى جانب استضافة الدول العربية والإسلامية كافة في الرياض مرتين متتاليتين لتوحيد المواقف والضغط على المجتمع الدولي، وترؤس اللجنة المنبثقة عن القمة، إلى جانب قيادة التحالف الدولي لحل الدولتين، وترؤس المؤتمر الدولي بشأنه في نيويورك.

وخلال حديث سابق مع «الشرق الأوسط»، أشاد رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى بـ«مواقف الشقيقة السعودية الصلبة التي ساهمت في إنضاج المواقف الدولية للاعتراف بالدولة الفلسطينية، وتقديم كل الدعم الممكن لها، باعتبار أن تجسيدها ضمن حل الدولتين يمثل أساس السلام والأمن والاستقرار في الشرق الأوسط».

دعم تعافي سوريا

بعد إعلان السعودية أواخر ديسمبر (كانون الأول) 2025 زيارة وفد سعودي برئاسة مستشار الديوان الملكي إلى دمشق، ولقاء «قائد الإدارة الجديدة آنذاك» رئيس الجمهورية حالياً أحمد الشرع، انطلقت السعودية في دعم سوريا، وواصل الجسران السعوديان الجوي والبري دعم الشعب السوري، إلى جانب المشاريع الإنسانية والطبية والتنموية السعودية، لتتضاعف هذه المشاريع نهاية العام الماضي بأكثر من 100 في المائة عن عام 2024، بواقع أكثر من 103 مشاريع بتكلفة إجمالية قاربت 100 مليون دولار.

وإلى جانب استقبال السعودية الرئيس السوري أحمد الشرع 3 مرات خلال العام، دفعت أيضاً إلى رفع العقوبات الأميركية عن سوريا، كما أعلن ذلك الرئيس الأميركي من الرياض في مايو (أيار) بطلب من الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، إضافةً إلى دعم لا محدود شمل تسديد الديون المستحقة على سوريا للبنك الدولي بنحو 15 مليون دولار، علاوةً على تغطية جزء من رواتب موظفي الحكومة عبر مبادرة مشتركة مع قطر، والأمم المتحدة.

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبِلاً الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالرياض في ديسمبر 2023 (واس)

ومن مبادرة إنهاء الأزمة اليمنية، وصولاً إلى احتضان اليمنيين والجنوبيين منهم، واحتضان أول اجتماع تشاوري حول القضية الجنوبية، وتوفير الأرضية اللازمة للحوار في هذا الشأن خلال العام الحالي، إلى دعم عمليات الإجلاء في السودان، ثم منبر جدة بشأن السودان، وصولاً إلى المساعدات التي لم تتوقف، قبل التحرك السياسي رفيع المستوى مؤخراً بمناقشات رفيعة سعودية - أميركية، يقودها ولي العهد السعودي والرئيس الأميركي، تجاه حل الأزمة السودانية...

قمم وتوافقات

إلى جانب تصاعد دورها الإقليمي والدولي، لعبت السعودية دوراً رئيسياً على الصعيدين العربي والإسلامي أيضاً خلال السنوات التسع الماضية منذ تولي الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد. وطبقاً لتوجيهاته، استضافت السعودية منذ عام 2018 حتى عام 2024 سبع قمم على الصعيدين العربي والإسلامي، وهي: «قمة الظهران العربية» في أبريل (نيسان) 2018، و«قمة مكة لدعم الأردن» في يونيو (حزيران) 2018، و«قمة مكة العربية الطارئة» في مايو 2019، و«القمة العربية - الصينية» في ديسمبر 2022، و«قمة جدة العربية» في مايو من عام 2023، إلى جانب «القمة العربية - الإسلامية المشتركة غير العادية» التي انعقدت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، ثم عُقدت قمة المتابعة في الشهر ذاته من عام 2024.

وخلال العام الماضي، عزّزت السعودية قدراتها الدفاعية والاستراتيجية عبر الاتفاقية الدفاعية مع باكستان، التي تنص على أن «أي اعتداء على أي من البلدين هو اعتداء على كليهما»، إلى جانب اتفاقية دفاعية مع واشنطن، في زيارة تاريخية إلى الولايات المتحدة في نوفمبر 2025، بالإضافة إلى توسيع علاقات التعاون مع القوى الدولية كافة في الصين وروسيا وأوروبا.

«فجر رائع» للعلاقات مع أميركا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب أشاد بقيادة ولي العهد السعودي، وقال: «ولي العهد السعودي أفضل من يمثل حلفاءنا الأقوياء»، واعتبر أن «فجراً رائعاً» ينتظر الشرق الأوسط، لافتاً إلى أن السعودية «قلب ومركز العالم»، وأن الرياض في طريقها لتصبح مركز أعمال العالم بأسره.

ولي العهد السعودي وترمب بواشنطن في نوفمبر 2025 (واس)

كما وقّع البلدان خلال زيارة ولي العهد السعودي إلى واشنطن أواخر العام الماضي حزمة واسعة من الاتفاقيات شملت «اتفاقية الدفاع الاستراتيجي»، لتكون ثاني اتفاقية دفاعية توقعها البلاد خلال عام 2025، وحزمة مبيعات دفاعية، والتعاون في مجال الطاقة النووية المدنية، والشراكة الاستراتيجية للذكاء الاصطناعي، والإطار الاستراتيجي للشراكة في تأمين سلاسل الإمداد لليورانيوم والمعادن، وتسريع الاستثمارات، وغيرها.

كما أعلن الرئيس الأميركي تصنيف السعودية حليفاً رئيسيّاً خارج «الناتو»، ونوّه بقدرات السعوديين التفاوضية، معتبراً أنهم «مفاوضون رائعون».


الجيش الإيراني يدعو سكان الإمارات إلى الابتعاد عن الموانئ

دخان يتصاعد من ميناء جبل علي في دبي بعد هجوم إيراني يوم 1 مارس 2026 (رويترز)
دخان يتصاعد من ميناء جبل علي في دبي بعد هجوم إيراني يوم 1 مارس 2026 (رويترز)
TT

الجيش الإيراني يدعو سكان الإمارات إلى الابتعاد عن الموانئ

دخان يتصاعد من ميناء جبل علي في دبي بعد هجوم إيراني يوم 1 مارس 2026 (رويترز)
دخان يتصاعد من ميناء جبل علي في دبي بعد هجوم إيراني يوم 1 مارس 2026 (رويترز)

دعت القوات المسلحة الإيرانية، اليوم (السبت)، السكان المقيمين في جوار موانئ الإمارات العربية المتحدة إلى الابتعاد عنها، معتبرة أنها أهداف مشروعة لها، وذلك في اليوم الخامس عشر من الحرب التي شنّتها إسرائيل والولايات المتحدة على إيران.

وجاء في بيان صادر عن «مقر خاتم الأنبياء»، القيادة العسكرية المركزية للعمليات في الجيش الإيراني: «نُبلغ القيادة الإماراتية أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تعتبر من حقها المشروع الدفاع عن سيادتها الوطنية وأراضيها بضرب صواريخ العدو الأميركي المتمركزة في الموانئ والأرصفة ومخازن الأسلحة الأميركية في الإمارات».

ودعا البيان الذي بثّه التلفزيون الرسمي، السكان إلى «إخلاء» هذه المناطق.


حمد بن عيسى: البحرين كانت وستظل دولة سلام

الملك حمد بن عيسى يتحدث خلال زيارته لوزارة الداخلية الجمعة (بنا)
الملك حمد بن عيسى يتحدث خلال زيارته لوزارة الداخلية الجمعة (بنا)
TT

حمد بن عيسى: البحرين كانت وستظل دولة سلام

الملك حمد بن عيسى يتحدث خلال زيارته لوزارة الداخلية الجمعة (بنا)
الملك حمد بن عيسى يتحدث خلال زيارته لوزارة الداخلية الجمعة (بنا)

أكد العاهل البحريني الملك حمد بن عيسى آل خليفة، موقف بلاده الثابت في إدانة الاعتداءات الإيرانية غير المسبوقة وغير المبررة تجاهها وعدد من الدول العربية والصديقة.

وشدَّد الملك حمد بن عيسى، خلال زيارته لوزارة الداخلية، الجمعة، على أن البحرين «كانت وستظل دولة سلام لم تبادر إلى استعداء أحد، ولم تنتهج إلا سبيل التعاون وحسن الجوار»، مشدداً على أنها «ستظل واحة للأمن والأمان، تمضي بثبات في مسيرة التنمية والتقدم؛ بفضل تلاحم أبنائها، ووحدة صفهم، وإخلاصهم في خدمة وطنهم».
وأشاد العاهل البحريني بما يضطلع به رجال الأمن «من دور وطني مُشرِّف في حماية الوطن وتعزيز أمنه واستقراره»، مُثنياً على التكاتف والعمل المشترك والتنسيق المستمر بين مختلف الأجهزة العسكرية والأمنية، «لما لذلك من دور محوري في تعزيز منظومة الأمن الوطني وترسيخ ركائز الاستقرار».