«السيادي» السوداني: لا ضمانات في قضية فض الاعتصام

البروفسور تاور أكد لـ «الشرق الأوسط» أن «العسكري» السابق وضع يده على أوكار السلاح والأموال المنهوبة

البروفيسور صديق تاور
البروفيسور صديق تاور
TT

«السيادي» السوداني: لا ضمانات في قضية فض الاعتصام

البروفيسور صديق تاور
البروفيسور صديق تاور

البروفسور صديق تاور (60 عاماً) نال درجة الدكتوراه في الفيزياء من جامعة الخرطوم، وهو عضو «معهد الفيزياء الدولي» ببريطانيا، وزميل مجموعة الفيزياء البيولوجية بجامعة «ليدن» الهولندية. يقول إنه درس الفيزياء في هولاندا «والهولنديون، يعتبرون الفيزيائي حلال مشاكل». ينتمي إلى حزب البعث العربي الاشتراكي، وهو عضو قيادته القطرية. عمل بروفسور تاور في الجامعات السودانية والسعودية، وعد عشرات المواصفات القياسية لهيئة المواصفات السودانية.
ناشط في مجالات قضايا السلام والوحدة الوطنية والبيئة والتعليم العالي، إلى جانب التزامه بكتابات سياسية راتبة في كثير من الصحف المحلية والعالمية. نشرت له عدة دراسات سياسية، من بينها «الواقع والوقائع وتأثير التعدين على البيئات المحلية، حقوق المجتمعات المستضيفة للنشاط التعديني»، وشارك في تنظيم كثير من الأنشطة في مجالات وقف الحرب وإحلال السلام في جبال النوبة والنيل الأزرق.

أثار ترشيح واختيار أستاذ الفيزياء البروفسور صديق تاور كافي المتحدر من إقليم جنوب كردفان، عضواً في «مجلس السيادة»، الكثير من اللغط، الذي أخذ شكل حملة ذات طابع إقليمي وثقافي، تكمن في انتمائه لحزب البعث العربي الاشتراكي، رغم انتمائه لمجموعة غير عربية، بيد أن تاور اتهم «الدولة العميقة»، ومن أطلق عليهم «الانكفائيين» في الحركة الشعبية لتحرير السودان، الذين سرقوا لسان الحركة من خلف قيادتها، بتنظيم الحملة ضده.
يقول تاور إنه قَبِل المنصب ليحمل مع الثوار الهم الوطني، وليعمل معهم على إخراج البلاد من ظروفها الحالية، بدلاً عن اختيار الطريق السهل بالانزواء والانسحاب، وتعهد بعدم خذلان من رشحوه للإسهام في حلول أزمات البلاد.
ويرى تاور في حوار مع «الشرق الأوسط» أن وجوده في مجلس السيادة، لا يعني أنه يمثل الإقليم أو ينوب عنه، وأن حل مشكلة الحرب في جنوب كردفان قد يأتي من أي شخص في إقليم آخر، ويضيف: «مجلس السيادة والحكومة معاً، هما المعنيان في المقام الأول بحل المشكلة في الإقليم».
ويشير إلى أن ارتباطه الشخصي بالمنطقة يسهل له معرفة التفاصيل الدقيقة والمعاناة اليومية للحرب وإفرازاتها وانعكاساتها على المجتمع، ما يسهل حل الأزمة وإحلال السلام، ويقول: «هو جزء من الهم الشخصي والأخلاقي بالنسبة لي، وسأعمل ضمن منظومة السلطة الانتقالية من أجل تعزيز السلام وتوفير الآليات والأجواء، التي تكمن من استدامة السلام في كل مناطق الحروب والنزاعات في البلاد».
ويوضح تاور أنه أجرى اتصالات مباشرة مع قادة بارزين في الحركة الشعبية - الشمال بقيادة عبد العزيز الحلو، فأكدوا له عدم صدور أي موقف من الحركة ضد ترشيحه، وتابع: «في تقديري كان هناك سوء فهم، وتم تحميل الأمر أكثر مما يحتمل، فللحركة منابرها الرسمية التي يمكن أن تعبر فيها عن مواقفها الرسمية إذا أرادت ذلك»، وأردف: «لا يمكن لقائد في مقام عبد العزيز الحلو، اختزال أزمة السودان في إقليم جنوب كردفان في شخصي، لكن بعض الجهات حاولت عن قصد تحوير مفهوم الصراع، وإعطائه أبعاداً عنصرية وعرقية ومناطقية».
وأوضح صديق تاور أن الحركة الشعبية بزعامة «الحلو» ليست جزءاً من قوى إعلان الحرية والتغيير، ولم تجر اتصالات مع المجلس العسكري قبل حله، وفضلت انتظار تشكيل الحكومة الانتقالية لتتفاوض معها.
ويتابع: «حسب الاتفاق الموقع من اليوم الأول للحكومة الانتقالية ينبغي الشروع في ملف السلام، بحيث لا يتجاوز الستة أشهر لحسم هذا الملف، رغم عدم اكتمال تكوين الحكومة»، ويضيف: «أول اجتماع لمجلس السيادة بحضور رئيس الوزراء، جرى نقاش بشأن تسريع تكوين مفوضية السلام، لتبدأ مباشرة في إدارة ملف السلام، حتى لا يتعطل بإجراءات اختيار الوزراء في الحكومة الانتقالية، وتكملة الهياكل»، ويستطرد: «بمجرد حسم أمر المفوضية ستتولى وضع الخطط والاتصالات مع الحركات المسلحة، وأتوقع أن يفصل في الأمر خلال الأسبوع المقبل، باعتباره من الأجندة المهمة لمجلس السيادة».
ويقطع تاور بأن إقرار اتفاق سلام مستدام أمر يعني كل السودانيين، وأن ما يتم التوصل إليه من اتفاقيات مع حركتي (عبد العزيز الحلو وعبد الواحد النور) يجب أن يشارك فيه، ويضيف: «ما تخرج به المفاوضات يحتاج إلى تأمين من قبل المجلس التشريعي الذي يضم مكونات الثورة بما فيها الحركات المسلحة»، ويتابع: «إذا جرى التوقيع على اتفاقيات، وتطلب الأمر مراجعة هياكل الحكم، ومشاركتها المجلس السيادي أو مجلس الوزراء، يلتزم الجميع بما تم الاتفاق عليه»، ويؤكد: «إذا كانت المواقع مدخلاً للسلام، فنحن على استعداد لمغادرة مناصبنا».
وكشف تاور أن اجتماعات مجلس السيادة الأيام الماضية، رأت تأجيل تعيين رئيس القضاء والنائب العام، استجابة لطلب لجنة مشتركة بين العسكريين وقوى إعلان الحرية والتغيير، حتى لا يؤثر ذلك في تنفيذ المصفوفة الزمنية لتشكيل هياكل الحكم الانتقالي، وأضاف: «لن يتم أي إجراء دون توافق المجلس السيادي بالكامل، وسيتم اعتماد مرشحي قوى الحرية والتغيير، وفق الإجراءات المتبعة والصيغ التي يتم الاتفاق عليها».
وأبلغ تاور الصحيفة بأن المدنيين في مجلس السيادة سيتم توزيعهم على اللجان التي كانت تشرف على إدارة البلاد قبل حل المجلس العسكري، لحين اكتمال تشكيل الجهاز التنفيذي، «حتى لا يحدث تعطيل إدارة البلاد».
وبشأن انسجام العسكريين والمدنيين في العمل داخل مجلس السيادة، قال تاور: «هناك رغبة مشتركة من الجانبين لأن تمضي الأمور وفق ما هو متفق عليه في الفترة الانتقالية»، وأضاف: «العسكريون يعبرون عن رغبتهم في الإسراع بتشكيل الحكومة والهياكل لرفع العبء الذي كانوا يتحملونه عنهم».
وبشأن ما إذا كان تكوين لجنة التحقيق المستقلة في أحداث فض الاعتصام سيضع مطبات أمام الشراكة في ظل الاتهامات الموجهة لبعض العسكريين، يقول تاور: «نحن نبحث عن قضاء مستقل وعدالة، ولا حياد عن المعايير للأشخاص في اللجنة، نحن لا نبحث عن تجريم أو تبرئة أحد، لكن المهم اتباع الإجراءات العدلية التي توصل الناس للحقائق».
ونفى تاور وجود نية لتقديم تطمينات لأي مشتبه به، بقوله: «إذا قدمنا تطمينات لأحد نكون قطعنا الطريق أمام تحقيق العدالة»، ويضيف: «العسكريون لا يعترضون على إجراء تحقيق مستقل، ربما قد يتحفظون على الإدانة قبل ظهور نتائج التحقيق. لن نستبق الأمر قبل تكوين لجنة التحقيق المستقلة، وفقاً لمعايير العدالة المعروفة».
وأوضح تاور أن المكون العسكري في مجلس السيادة، ولمباشرته العمل التنفيذي المباشر خلال الأشهر الأربعة الماضية، وضع يده على كثير من الملفات الأمنية ومؤامرات الدولة العميقة، والثورة المضادة، والفساد والأموال والأصول والشركات وأوكار الأسلحة، لكنها لم تقدم لنا في تقرير رسمي، وأنهم بانتظار اكتمال الصيغ ليطلعونا على هذه الملفات.
وبشأن خطط مواجهة الانهيار الاقتصادي أكد تاور، تقيدها بالبرنامج الإسعافي لقوى إعلان الحرية والتغيير، ولجنة السياسات البديلة، وقال إنها ظلت طيلة الأشهر الماضية تعمل على إعداد خطط تفصيلية لمعالجة الاقتصاد والخدمات والسلام والعلاقات الخارجية، ويضيف: «تم وضع خطط متوسطة وطويلة المدى، والبرامج جاهزة في انتظار تشكيل السلطة التنفيذية».
ويتهم تاور «جيوب النظام السابق» بافتعال «أزمة الغلاء وندرة السلع، وأزمة الوقود والخبز، باعتبارها أول الملفات التي سينظرها مجلس السيادة»، ويتابع: «لا يزال الكثير منهم في السلطة، ويلعبون دوراً تخريبياً عن طريق صناعة الأزمات. معركة قوى الثورة مجتمعة على مواجهة الثورة المضادة التي تتلاعب بمعاش المواطنين».
وأشار عضو مجلس السيادة إلى أن أول الملفات القانونية التي سيولونها الاهتمام، تتمثل في قوانين إعادة هيكلة الأجهزة الحكومية المترهلة، بما في ذلك رئاسة الجمهورية، والكثير من الجهات المرتبطة بالنظام السابق، التي بها عمالة كبيرة تكلف أموالاً ضخمة، ويتابع: «هذه تحتاج إلى قوانين سريعة، وهذا لا يعتبر تجاوزاً أو تخطياً لعمل الأجهزة الانتقالية».
وبحسب تاور، فإن محاسبة رموز النظام السابق وتقديمهم للمحاكمات أمر متفق عليه بين العسكريين والمدنيين، لكن هناك خطوات إجرائية منصوص عليها بتشكيل المفوضيات المرتبطة بالإصلاح الإداري والقانوني والعدالة الانتقالية، والمجلس السيادي لا يستطيع أن يقرر في هذه القضية إلا بعد تكوين الحكومة».
وأوضح تاور أن اختياره لمجلس السيادة رغم كونه منتمياً لحزب البعث العربي الاشتراكي، خضع لمعايير الكفاءة الوطنية والمهنية والقدرة على أداء المهمة، بالإضافة إلى الأدوار التي قام ويقوم بها الشخص المرشح، وأضاف: «كنت ضمن عشرة مرشحين، ولم يدر أي حديث عن خلفيات سياسية، فتوافق الناس على أنني كفاءة وطنية، وإذا كان لدى الشخص خلفية فكرية وسياسية، فهذه ليست جريمة وإنما إضافة»، ويتابع: «طبيعة المهمة الوطنية، تفرض على الشخص التعامل وفق البعد الوطني، دون أن تملي عليه أي جهة أهدافاً ذاتية ضيقة».
وبشأن علاقة تخصص المهني في «الفيزياء» والوظيفة السياسية، يقول تاور إنه درس الفيزياء في هولندا، والهولنديون يعتبرون الفيزيائي «حلّال مشاكل»، وبالتالي يمكن أن ينافس في أي وظيفة، لأنه تركيبته الذهنية مبينة على البحث عن حلول لمشاكل، ويضيف: «بشكل عام المعرفة الأكاديمية إذا حبست في قاعات الدرس، تكون قد أفقدت دورها».



العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
TT

العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)

دان رئيس مجلس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، اليوم السبت، هجوماً الذي استهدف منزل رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني في محافظة دهوك.

وقال المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء، في بيان نشرته وكالة الأنباء العراقية (واع)، إن «رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، بحث في اتصال هاتفي مع رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، اليوم السبت، آخر تطورات الأوضاع في العراق والمنطقة، والجوانب الأمنية على المستوى الوطني، وسبل تأكيد الأمن والاستقرار».

وأعرب السوداني عن «استنكاره ورفضه للاستهداف الغاشم الذي تعرض له منزل بارزاني في محافظة دهوك»، مشيداً بـ «مواقفه الوطنية وحرصه على تعزيز الوحدة بين جميع العراقيين».

وأضاف البيان أن «رئيس الوزراء أمر بتأليف فريق أمني وفني مشترك من الأجهزة الأمنية المعنية في الحكومة الاتحادية، وحكومة الإقليم للتحقيق في جوانب الحادث، وتشخيص الجناة، واتخاذ جميع الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم».

وأكد رئيس الوزراء حرص الحكومة على «منع أي جهة خارجة عن القانون أو إقليمية أو دولية، من جرّ العراق إلى الصراع الدائر في المنطقة، مع بذل كل الجهود المتكاملة لتأمين سيادة العراق وأمنه واستقراره، على مختلف الصعد، وفي إطار مسؤولية وطنية شاملة».


إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
TT

إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)

بعد شهر كامل من بدء الحرب، دفعت إيران أخيراً بورقتها الحوثية إلى خضم المعركة الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل؛ حيث أعلنت الجماعة، السبت، إطلاق دفعة من الصواريخ باتجاه إسرائيل، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخ واحد جاء من اليمن، دون التسبب في أي أضرار.

وخلال الأسابيع الأربعة الأولى من اندلاع الحرب، بدا لافتاً امتناع الحوثيين عن الانخراط العسكري المباشر، رغم تصعيد غير مسبوق من قبل بقية أطراف المحور الإيراني؛ خصوصاً «حزب الله» في لبنان، والفصائل المسلحة في العراق، وهو التريث الذي أثار تساؤلات حول دوافعه، قبل أن تتكشف تدريجياً ملامح حسابات معقدة داخل قيادة الجماعة.

وتشير تقديرات سياسية إلى أن الحوثيين واجهوا تحدياً مزدوجاً لجهة الرغبة في إثبات الولاء الاستراتيجي لإيران، وتعزيز مكانتهم داخل المحور، في مقابل الخشية من رد عسكري واسع قد يستهدف البنية التحتية الهشة في مناطق سيطرتهم، والتي تعرضت بالفعل لضربات مكثفة خلال العامين الماضيين.

حشد للحوثيين في صنعاء دعا له زعيمهم للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

كما لعب العامل الداخلي دوراً مهماً؛ حيث تخشى الجماعة من أن يؤدي الانخراط في حرب إقليمية مفتوحة إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، ما قد ينعكس سلباً على قبضتها الأمنية والسياسية في الداخل.

ومع ذلك، يبدو أن الضغوط الإيرانية، إلى جانب الرغبة في عدم الظهور كطرف متردد، رجَّحت كفة التدخل في نهاية المطاف دون الالتفات إلى أي ردود فعل انتقامية.

خطابات تمهيدية

جاء إعلان الانخراط في الحرب في بيان للمتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، السبت، ادَّعى فيه «تنفيذ أول عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية، استهدفت أهدافاً عسكرية» في جنوبي إسرائيل.

وتوعَّد المتحدث الحوثي بأن عمليات الجماعة ستتواصل بالتزامن مع الهجمات التي تشنها إيران و«حزب الله» في لبنان والفصائل العراقية: «حتى يتوقف العدوان على كافة جبهات المقاومة» وفق تعبيره.

وقبل هذا البيان بساعات، كان سريع قد مهَّد للانخراط في الحرب، وقال إن جماعته ستنضم للقتال «في حال انضمام أي تحالفات أخرى مع أميركا وإسرائيل ضد إيران ومحورها، أو استخدام البحر الأحمر لتنفيذ عمليات عدائية من قبل واشنطن، وبما يقتضيه مسرح العمليات العسكرية».

الحوثيون رفعوا صوراً عملاقة لخامنئي في شوارع صنعاء عقب مقتله بضربة إسرائيلية (إ.ب.أ)

وفي أحدث خطبة لزعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي، الخميس الماضي، كان قد رفع من نبرة المساندة الإعلامية لإيران، ولمَّح بالدخول في الحرب؛ حيث أكد على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه طهران التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته، بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي.

وفي الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة، وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على تأكيد أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

تأثير الدور الحوثي

من خلال سجل المواجهة السابقة التي خاضها الحوثيون ضد إسرائيل، لا يتوقع المراقبون أن يكون هناك أثر ناري مهدد لتل أبيب، وذلك بسبب عدم قدرة الجماعة على إطلاق دفعات كبيرة من الصواريخ في يوم واحد، ما يعني أن التأثير سيقتصر على مشاغلة الدفاعات الإسرائيلية المنهكة بالتصدي للصواريخ الإيرانية وصواريخ «حزب الله»، فضلاً عن الطائرات المُسيَّرة.

وحسب تقارير وثَّقتها «الشرق الأوسط»، أدت الهجمات الحوثية خلال عامين من الانخراط في الهجمات ضد إسرائيل تحت لافتة مناصرة الفلسطينيين في غزة، إلى مقتل إسرائيلي واحد، بعد أن ضربت مُسيَّرة أطلقتها الجماعة شقة سكنية في تل أبيب. وإلى جانب هذا الهجوم سقط صاروخ حوثي بالقرب من مطار بن غوريون محدثاً حفرة كبيرة، إضافة إلى هجوم بمُسيَّرة ضرب مطاراً في جنوب إسرائيل، وتسبب في نحو 20 إصابة.

مُسيَّرة حوثية أطلقتها الجماعة من مكان مجهول باتجاه إسرائيل في وقت سابق (إعلام حوثي)

هذه الوقائع جاءت حصيلة إطلاق الحوثيين على مدار أكثر من عامين نحو مائتي صاروخ على الأقل، ومئات من الطائرات المُسيَّرة، ما يعني أنها كانت محدودة في التأثير القتالي، وأن دورها كان يقتصر على مشاغلة الدفاعات الجوية، وتدافع الإسرائيليين إلى الملاجئ مع كل عملية إطلاق.

بخلاف هذا التأثير المحدود، يظهر خطر الجماعة الحوثية الحقيقي في الهجمات البحرية من خلال الحوادث السابقة؛ حيث تبنت مهاجمة 228 سفينة خلال عامين، وأدت الهجمات فعلاً إلى غرق 4 سفن شحن، وقرصنة سفينة خامسة، وتضرر أكثر من 30 سفينة، فضلاً عن مقتل نحو 10 بحارة.

وأدت هذه الهجمات البحرية المميتة إلى توقف أكثر من 50 في المائة من الملاحة الدولية عبر باب المندب؛ إذ بدَّلت كبريات شركات الشحن الدولية مساراتها إلى طريق الرجاء الصالح، وهو ما تسبب في أضرار اقتصادية تتعلق بارتفاع أجور الشحن وزيادة التأمين، فضلاً عن تكبيد قناة السويس خسائر بمليارات الدولارات.

ردود الفعل المتوقعة

لم يكن الانخراط الحوثي مفاجئاً لإسرائيل؛ إذ كانت تصريحات المسؤولين فيها تتوقع مثل هذا السلوك، وهو ما قد يدفع تل أبيب إلى تكرار ضرباتها الانتقامية السابقة التي كانت قد بدأت في 20 يوليو (تموز) 2024، وشملت 19 موجة امتدت حتى توقف هجمات الحوثيين، بعد إبرام هدنة غزة في أواخر العام الماضي.

وكانت أبرز الضربات الإسرائيلية في 28 أغسطس (آب) الماضي، حين قُتل رئيس حكومة الحوثيين أحمد غالب الرهوي و9 من وزرائه في صنعاء، إضافة إلى ضربات أخرى أدت إلى مقتل رئيس أركان الجماعة محمد الغماري، وكذا قيادات مسؤولة عن إطلاق الصواريخ والمُسيَّرات.

طوربيد بحري استعرضه الحوثيون ضمن ترسانتهم المهددة للسفن في البحر الأحمر (إعلام حوثي)

كما استهدفت الموجات الانتقامية الإسرائيلية مواني الحديدة ومطار صنعاء ومصانع أسمنت ومنشآت كهرباء وطاقة، وتسببت في مقتل وإصابة مئات الأشخاص.

ومنذ بدأت تل أبيب ضرباتها الانتقامية، اتخذ قادة الجماعة الحوثية تدابير أمنية مشددة، خشية الاستهداف، كما اختفوا عن الظهور المباشر، وحتى عن مواقع التواصل الاجتماعي، واكتفى زعيمهم كما هي عادته بالظهور في خطبه المسجلة.

بالنسبة للولايات المتحدة، لا يُستبعد أن تعود لشن حملة جديدة ضد الجماعة الحوثية بعد حملتَي «حارس الازدهار» و«الفارس الخشن»؛ ليس لمنع إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، ولكن إذا خرقت الجماعة تعهدها السابق في منتصف العام الماضي بعدم مهاجمة السفن الأميركية.

وكانت الولايات المتحدة قد شنت حملة عسكرية واسعة ضد مواقع الحوثيين، بمشاركة بريطانيا في بعض الأوقات، ابتداء من يناير (كانون الثاني) 2024، تضمنت نحو ألفي ضربة جوية وبحرية، خلال فترتي الرئيسين جو بايدن ودونالد ترمب، واستهدفت منصات إطلاق الصواريخ ومخازن الأسلحة والبنى العسكرية للجماعة.

نوع من الصواريخ التي استعرضتها الجماعة الحوثية في صنعاء (رويترز)

وبعد أقل من 8 أسابيع توقفت الحملة العسكرية الأميركية الثانية (الفارس الخشن) التي كان قد أمر بها ترمب في مارس (آذار) 2025، وذلك بناء على وساطة قادتها سلطنة عمان، تعهدت خلالها الجماعة الحوثية بعدم استهداف السفن الأميركية في البحر الأحمر، مقابل وقف الحملة.

وأقرَّت الجماعة الحوثية بأن الضربات الغربية والإسرائيلية تسببت في مقتل وجرح أكثر من 1676 شخصاً من المدنيين، من ضمنهم 319 قتيلاً، ولكن الجماعة تواصل التعتيم على خسائرها العسكرية جرَّاء هذه الضربات.

ودائماً ما تحذر الحكومة اليمنية من تهور الحوثيين، وتقول إن انخراطهم في الحرب الإقليمية سيؤدي إلى مزيد من التدهور في الأوضاع الإنسانية، ويقوِّض فرص التوصل إلى تسوية سياسية للصراع الداخلي، ويفتح الباب لإسرائيل لتدمير ما تبقى من البنية التحتية التي تعاني أصلاً من الهشاشة في ظل الانقلاب الحوثي.


سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
TT

سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)

اجتاحت سيول جارفة ناجمة عن أمطار غزيرة مناطق واسعة في جنوب محافظة تعز اليمنية (جنوب غرب)، مخلفة ما لا يقل عن 9 قتلى، بينهم أطفال، إضافة إلى دمار واسع طال المنازل والممتلكات، وجرف مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية، في مشهد يعكس هشاشة البنية التحتية وتفاقم معاناة السكان في المناطق الريفية.

وتزامنت الكارثة مع تحذيرات متجددة أطلقها «المركز الوطني اليمني للأرصاد» من استمرار تأثير المنخفض الجوي خلال الساعات الـ24 المقبلة، وسط مخاوف من ارتفاع حصيلة الضحايا واتساع رقعة الأضرار، خصوصاً في القرى المعزولة التي يصعب الوصول إليها.

ووجّه سكان في أرياف مديريات المخا وموزع والوازعية، لا سيما في قرى الغرافي والثوباني والنجيبة والهاملي، نداءات استغاثة عاجلة إلى السلطات الحكومية والمنظمات الإنسانية، مطالبين بالتدخل السريع لإنقاذهم من تداعيات السيول التي داهمت منازلهم بشكل مفاجئ.

السيول أغلقت الطريق الرابط بين تعز وميناء المخا على البحر الأحمر (إعلام محلي)

وأوضح السكان أن السيول القادمة من المرتفعات المجاورة اجتاحت القرى خلال وقت قصير، متسببة في تهدم عدد من المنازل بشكل كلي أو جزئي، وجرف محتوياتها من مواد غذائية وأثاث، فضلاً عن نفوق أعداد من المواشي التي تُمثل مصدر الدخل الرئيسي للأهالي.

وأكَّدت شهادات محلية أن عدداً من الأسر باتت بلا مأوى، في ظل غياب الاستجابة العاجلة، وافتقار المناطق المتضررة إلى مراكز إيواء مجهزة أو مخزون كافٍ من المواد الغذائية والإغاثية.

وفي وادي العقمة بمديرية موزع، أفاد السكان بأن السيول جرفت رجلاً سبعينياً ما أدّى إلى وفاته على الفور، في حين شهد وادي الهاملي حادثة مماثلة تمثلت في جرف امرأتين، إلى جانب تسجيل أضرار مادية جسيمة في الممتلكات العامة والخاصة.

كما تعرضت الأراضي الزراعية في مديرية الوازعية لانجرافات واسعة، الأمر الذي يُنذر بخسائر طويلة الأمد في الأمن الغذائي المحلي، خصوصاً مع اعتماد السكان على الزراعة بوصفها مصدراً رئيسياً للعيش.

خسائر بشرية وأضرار متزايدة

قال مدير عام مديرية المخا، سلطان محمود، إن الأمطار الغزيرة التي شهدتها المديرية خلال اليومين الماضيين أسفرت عن وفاة 5 أشخاص وتضرر نحو 50 منزلاً، وفق حصيلة أولية، مشيراً إلى استمرار عمليات التقييم الميداني.

وأضاف أن فرق الطوارئ، بدعم من معدات مكتب الأشغال العامة، باشرت العمل على فتح الطرقات المتضررة وتأمين وصول فرق الإنقاذ إلى المناطق المنكوبة، تنفيذاً لتوجيهات محافظ تعز نبيل شمسان.

وحسب مصادر رسمية، توفي 3 أشخاص غرقاً في مديرية موزع، في حين لا تزال فرق الإنقاذ تواصل البحث عن مفقودين في عدد من القرى التي تضررت بشدة جرّاء السيول.

مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية جرفتها السيول في جنوب تعز (إعلام محلي)

وأكد مسؤولون محليون العثور على جثث 4 أطفال جرفتهم السيول، إلى جانب 5 ضحايا آخرين، بينهم 3 من كبار السن، مع توقعات بارتفاع العدد مع استمرار عمليات البحث والوصول إلى المناطق المعزولة.

وأشار المسؤولون إلى أن الطريق الرئيسي الرابط بين ميناء المخا وجنوب محافظة تعز تعرّض لأضرار كبيرة، وأُغلق لساعات قبل أن تُستأنف الحركة جزئياً، ما أعاق جهود الإغاثة وزاد من معاناة السكان.

كما لفتوا إلى أن عضو «مجلس القيادة الرئاسي»، طارق صالح، وجّه بتدخل عسكري للمساعدة في عمليات الإنقاذ، وكلّف خلية العمل الإنساني بتقديم مساعدات عاجلة للمتضررين.

طرق مقطوعة

وشهدت مناطق عدة في محافظة تعز أمطاراً غزيرة مصحوبة بسيول جارفة، أدّت إلى قطع طرق رئيسية وفرعية، ما تسبب في شلل جزئي لحركة التنقل بين المديريات.

وفي منطقة الكدحة، أفاد السكان بأن السيول أوقفت حركة السيارات على الطريق الوحيد الذي يربط المدينة بميناء المخا، ما أدى إلى تشكل طوابير طويلة من المركبات في الاتجاهين.

المناخ المتطرف في اليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأعرب الأهالي عن مخاوفهم من انهيار جسر متآكل على الطريق في حال استمرار هطول الأمطار، وهو ما قد يؤدي إلى عزل كامل لريف تعز الجنوبي، خصوصاً مع استمرار إغلاق الطريق البديل منذ سنوات.

وفي مديرية جبل حبشي، تحدّث السكان عن ظهور تشققات أرضية واسعة في إحدى المناطق السكنية بالتزامن مع هطول الأمطار، محذرين من احتمال توسعها أو تحولها إلى انهيارات أرضية، في ظل تشبع التربة بالمياه.

وطالب الأهالي بإرسال فرق جيولوجية متخصصة لتقييم الوضع واتخاذ التدابير اللازمة، تفادياً لوقوع كارثة جديدة قد تُهدد حياة السكان.

من جهته، جدّد المركز الوطني للأرصاد والإنذار المبكر تحذيراته للمواطنين في المناطق المتوقع هطول الأمطار عليها، داعياً إلى تجنب الوجود في مجاري السيول أو عبورها أثناء هطول الأمطار وبعدها.

كما نصح بالابتعاد عن أعمدة الكهرباء والأشجار العالية، نظراً لمخاطر الصواعق والانهيارات، مع توقع استمرار حالة عدم الاستقرار الجوي نتيجة تعمق المنخفض.

مخاوف يمنية من تفاقم الأوضاع الإنسانية جرّاء الأمطار الموسمية والسيول الجارفة (إ.ب.أ)

وأشار المركز إلى احتمال هطول أمطار غزيرة إلى شديدة الغزارة مصحوبة بعواصف رعدية وتساقط البَرَد أحياناً على عدد من المحافظات، بينها تعز وصنعاء وإب والضالع، إضافة إلى مناطق أخرى في البلاد.

بدوره، قال الخبير في الطقس جميل الحاج إن عدداً من المناطق اليمنية شهدت سيولاً جارفة خلال الساعات الماضية، متوقعاً استمرار هطول الأمطار بوتيرة متفاوتة خلال الأيام المقبلة.

وأوضح أن السيول قد تتجدد بشكل متكرر في محافظات عدة، بينها تعز ولحج وإب، مع احتمال امتداد الحالة الجوية إلى حضرموت ومأرب وشبوة، ما يزيد من مخاطر الفيضانات والانهيارات الأرضية.