مَن يحكم تونس بعد استقالة الشاهد؟

فسيفساء سياسية وانقسامات جديدة عشية الانتخابات الرئاسية

مَن يحكم تونس بعد استقالة الشاهد؟
TT

مَن يحكم تونس بعد استقالة الشاهد؟

مَن يحكم تونس بعد استقالة الشاهد؟

أربك تخلّي رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد عن منصبه، وإعلانه التفرغ لحملته الانتخابية الرئاسية، السباق نحو قصر قرطاج، والمتابعين لتطوّرات المشهد السياسي في تونس. وما زاد الإرباك أن هذا القرار تزامن مع الجدل حول توظيف بعض الأطراف السياسية والحزبية لمؤسسات الدولة «التي يفترض أن تلتزم الحياد الكامل بين المرشحين».
ومن ناحية ثانية، أحدث خبر الانسحاب، و«تفويض» صلاحيات رئيس الحكومة إلى كمال مرجان، وزير الوظيفة العمومية الحالي ووزير الدفاع والخارجية السابق، مفاجأة لأن الشاهد والمقربين منه - في الدولة وفي حزبه «تحيا تونس» - نفَوا مراراً خلال الأيام الماضية حدوثه، ورفضوا مطالب المعارضة بالتنحي «حتى لا يوظف مؤسسات الدولة لصالح مشروعه الانتخابي والسياسي». ومن ثم، أصبح السؤال الكبير اليوم: مَن يحكم تونس بعد مغادرة الشاهد قصر الحكومة الذي كان قد رفض مغادرته طوال العامين الماضيين، رغم ضغوط الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي؟ ومن سيقود الفريق الوزاري بعد هذا التغيير على رأس رئاسة الحكومة التي يعطيها الدستور صلاحيات تفوق بكثير تلك التي منحها لرئاسة الجمهورية؟
وهل سيستفيد الشاهد من قرار الانسحاب «المؤقت» لفائدة مرجان... أم يحصل العكس وتتزايد حظوظ منافسيه الرئيسيين في الانتخابات وزير الدفاع الحالي عبد الكريم الزبيدي ورئيس البرلمان بالنيابة عبد الفتاح مورو والرئيس الأسبق المنصف المرزوقي ورجل الأعمال والإعلام المثير للجدل نبيل القروي؟

برّر يوسف الشاهد قراره التنحي «المؤقت» عن رئاسة الحكومة التونسية، في كلمة توجه بها إلى الشعب، بفقرة في الفصل 92 من الدستور التونسي تسمح له بذلك، من دون اللجوء إلى البرلمان أو إلى إقالة الحكومة كاملة «عند الضرورة» التي تعني شغوراً مؤقتاً في المنصب، أو تفرغاً لإجازة أو ظروف طارئة.

ضغط من المعارضة
ولقد أسال الجدل حول هذا الفصل حبراً كثيراً خلال الأسابيع والأشهر الماضية، بين المطالبين بتطبيقه والمعارضين له، وبالأخص بعدما انخرط فيه نجل الرئيس السابق الأمين العام لحزب «نداء تونس» حافظ قائد السبسي، والمقرّبون منه، كالوزير رضا بالحاج، وحذّروا من توظيف الشاهد ووزرائه لمواقعهم في الدولة في الحملة الانتخابية. وكان الشاهد، والوزير الناطق الرسمي باسم الحكومة إياد الدهماني، والأمين العام لحزب «تحيا تونس» سليم العزابي، وعدد من الخبراء الدستوريين الكبار، قد عارضوا فكرة الاستقالة، وإن كانت مؤقتة.
ورغم ضغوط المعارضة، أدلى الشاهد وأنصاره بتصريحات كثيرة تواصلت حتى الأيام الماضية، أكدوا فيها أن التنحي غير وارد. وبرّروا موقفهم بكون تغيير رئيس الحكومة الآن قد يؤدي إلى «أزمة سياسية جديدة»، وإلى مطالبات بإقالة كل أعضائها. وحذّر الوزير الدهماني قبل أيام من «إحداث فراغ سياسي لا تسمح به الظروف الانتقالية للبلاد»، في مرحلة يرأس فيها الدولة والبرلمان رئيسان بالنيابة بسبب وفاة الرئيس قائد السبسي.
أيضاً، عارض هيكل محفوظ، الخبير الأكاديمي في الدراسات الدستورية والقانونية رئيس وحدة الأبحاث العلمية في كلية الحقوق السياسية بتونس، المطالبات باستقالة رئيس الحكومة اعتماداً على الفصل 92 من الدستور. واستدل محفوظ بالتجارب السابقة في تونس وفي العالم التي تسمح لرئيسي الجمهورية والحكومة المباشرين بالترشح، وتنظيم حملتهما الانتخابية «دون توظيف مؤسسات الدولة لصالحهما». وكان الرئيس الأسبق المنصف المرزوقي قد ترشح للانتخابات في نوفمبر (تشرين الثاني) 2014 في دورتيها من دون أن يستقيل من منصبه. وتنافس مع زعيم المعارضة وقتها الباجي قائد السبسي، ولم يفز إلا بـ45 في المائة من الأصوات، ولم يتهمه أحد بتوظيف مؤسسات الحكم في السباق الانتخابي.

التنافس مع وزير الدفاع
بعض المراقبين، مثل مُنية العرفاوي، المحلّلة السياسية في صحيفة «الصباح» اليومية، فسّروا توقيت مبادرة الشاهد بحرصه على «التشويش» على منافسه الرئيسي في السباق نحو قصر قرطاج، وزير الدفاع عبد الكريم الزبيدي، وذلك عندما خاطب الشعب قبل أقل من ساعة من أول حوار تلفزيوني للزبيدي مبرمج معه قبل مدة. كما فسّروا اختيار كمال مرجان، رئيس المجلس الوطني لحزب الشاهد ووزير الدفاع والخارجية السابق، رئيساً للحكومة بالنيابة بأنه محاولة من الشاهد لإضعاف منافسه الزبيدي، من خلال الإيحاء بأنه من بين المقرّبين منه رموز المؤسسة العسكرية والسياسية، ومنهم مرجان الذي كان وزيراً للدفاع قبل الزبيدي، وفي رصيده نحو 30 سنة من المسؤوليات السياسية والدبلوماسية الأخرى، الوطنية والأممية.
ورغم الصبغة المؤقتة لرئيس الحكومة الجديد، فإن وراء اختيار كمرجان - وهو من أصهار عائلة الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي - رسالة سياسية إيجابية لرموز الدولة والحزب الحاكم قبل ثورة 2011، تعني استعداداً للمصالحة معهم دون استثناء، أو طي صفحة الماضي. وجاءت هذه الخطوة بعد انتقادات شديدة اللهجة وُجِّهت إلى الشاهد من قبل منظمات المتقاعدين وعدد من كبار الموظفين السابقين بسبب تصريحات أدلى بها أخيراً، أعلن فيها أنه يريد «القطيعة مع المنظومة القديمة» و«العجائز والشيوخ»، وأن يعتمد أكثر على الشباب. وعد الإعلامي محمد البرقاوي أن نحو مليون متقاعد ومتقاعدة سيصوتون ضد الشاهد وحزبه «بسبب تدهور أوضاعهم المادية، واضطراب مواعيد حصولهم على رواتبهم في عهد حكومته».

معركة إعلامية واتصالية
الأكاديمي المحلل السياسي الدولي عماد عبد الجواد يعد أن انسحاب الشاهد من رئاسة الحكومة لصالح مرجان «سلاحاً ذا حدين قد يستفيد منه لأنه يفند من خلاله تهمة توظيف موقعه في الحكومة في حملته الانتخابية، وقد يضعفه لأن غالبية كوادر حزبه وأنصاره في عالم المال والأعمال قد يتخلون عنه بسبب خروجه من الحكم».
لكن الوزير محمد الغرياني، الأمين العام لحزب «المبادرة الدستورية» وللحزب الحاكم في عهد بن علي، رحّب بمبادرة الشاهد، ورأى أنها ستزيد شعبيته، وتضاعف حظوظه الانتخابية، وتؤكد نزاهته «لأنه انسحب من تلقاء نفسه، ولم يُعزَل من قبل البرلمان».
ووصف الغرياني، في تصريح لـ«لشرق الأوسط»، ما يجري في كواليس السباق نحو قصر قرطاج بـ«المعركة الاتصالية والإعلامية»، وعد أن الشاهد سجل نقاطاً مهمة في هذا السياق، خلال مداخلاته التلفزيونية بمناسبة إعلانه «المفاجئ» الانسحاب من رئاسة الحكومة، و«تفويض» الوزير، وتنازله على جنسيته الفرنسية، مع مطالبة بقية المرشحين حاملي جنسيات مزدوجة بأن ينحو نحوه.

المنافسون الكبار
من جهة أخرى، وفي انتظار غلق باب الانسحابات من قائمة المرشحين للرئاسة يوم 31 أغسطس (آب) الحالي، تتضاعف حظوظ 4 أو 5 مرشحين، يتقدّمهم يوسف الشاهد وعبد الكريم الزبيدي وعبد الفتاح مورو، ثم المنصف المرزوقي أو محمد عبو، حسب تصريحات الوزير السابق المحامي العروبي مبروك كورشيد لـ«الشرق الأوسط».
كورشيد الذي يترأس القائمة الانتخابية لحزب «تحيا تونس» في محافظة مدنين، بالجنوب الشرقي التونسي، يعد أن الغالبية الساحقة من الكوادر السابقة في حزب الرئيس الراحل قائد السبسي «نداء تونس» انحازت للشاهد، ما يضاعف حظوظه الانتخابية، بينما يفتقر عدد من منافسيه، وبينهم وزير الدفاع الزبيدي، إلى حزب قوي لديه فروع في كل المدن والقرى لمساندته.
إلا أن أنصار الزبيدي يرفضون هذا التقييم، ويرجّحون فوز مرشحهم بفارق كبير «لأنه يجمع بين الخبرة في المجالات الأمنية والعسكرية والسياسية والنزاهة ونظافة اليدين». ويستدلون بالفريق الذي عيّنه للإشراف على حملته الانتخابية، برئاسة وزير التشغيل السابق القيادي في حزب «آفاق تونس» الحقوقي فوزي عبد الرحمن، والنقابي الوزير السابق للطاقة خالد بن قدور.

مرشح المعارضة؟
وفي هذه الأثناء، يتنافس عدد آخر من المرشحين، بينهم الرئيس السابق المنصف المرزوقي، وزعيم حزب «التيار الديمقراطي» الوزير السابق محمد عبو، ورجل الأعمال والإعلام رئيس حزب «قلب تونس» نبيل القروي، ورئيسة الحزب الدستوري عبير موسي، على الفوز بأصوات المعارضين للمنظومة الحاكمة الحالية، وللساسة الذين سيطروا على المشهد السياسي طوال السنوات الخمس الماضية ورموزها، بمن فيهم الشاهد والزبيدي ومورو. ونوّه الناشط السياسي والحقوقي زهير مخلوف باستطلاعات الرأي التي رجّحت أن يفوز نبيل القروي بأصوات «غالبية المتمردين على الأحزاب التقليدية»، وأن يستفيد من انتقاداته لكل مرشّحيها، ومن الشعبية التي اكتسبها طوال العامين الماضيين بفضل المشاريع الاجتماعية والخيرية التي نظّمها لفائدة آلاف العائلات الفقيرة في كل جهات البلاد. وللعلم، تسببت تلك المشاريع الخيرية في حملات شنتها ضده «الهيئة العليا المستقلة للإعلام السمعي البصري»، والغالبية البرلمانية الحالية التي استصدرت في يونيو (حزيران) الماضي قانوناً لمنعه من الترشّح، بتهمة توظيف الأموال المهرّبة من الضرائب في مشاريع «دعائية»، لكن وفاة الرئيس قائد السبسي قبل التوقيع على القانون أجّل تنفيذه إلى الدورة البرلمانية المقبلة.
في المقابل، يشكّك الكاتب المحلّل السياسي علي بن عبد اللطيف في قدرة مرشّحي الأحزاب الوسطية والصغيرة على منافسة مرشحي الأحزاب الكبرى في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، بمن فيهم المرزوقي وعبو ومرشح حزب «التكتل الديمقراطي للحرّيات والعمل» وزير المالية السابق إلياس الفخفاخ.

فسيفساء حزبية وانقسامات
ولعل أكبر تحدٍّ، حسب علي عبد اللطيف، أن التحضيرات للانتخابات الرئاسية والبرلمانية كشفت استفحال التناقضات داخل الطبقة السياسية، وغياب زعامات قادرة على استقطاب غالبية المواطنين، خلافاً لما حصل عام 2014، عندما تجمّع أكثر من نصف الناخبين حول الباجي قائد السبسي وحزبه، بينما احتشدت البقية حول المرزوقي وحزب «حركة النهضة» وحلفائهما.
وهكذا، فالسؤال الذي يفرض نفسه على الجميع اليوم، وفق المحامي سمير بن عمر: هل ستكون هذه الحملة فرصة لبناء تحالفات قوية تساهم في إعادة توزيع الأوراق بين المرشحين الذين يرفعون شعار تغيير كامل المنظومة الحالية... ومنافسيهم الذين يدافعون عن خيار الاستقرار والبراغماتية، أم يحصل العكس؟
الوزير السابق سليم بن حميدان القيادي في حزب «الحراك» (بزعامة المرزوقي)، عد أن «المرشحين الأوفياء لمبادئ ثورة 2011 يمكن أن ينتصروا على مرشحي النظام القديم، في حال توحيدهم جهودهم، وانسحابهم لصالح مرشح وحيد، لكن المشكلة أن جلّ هؤلاء يرفضون الانسحاب من السباق ضمن الآجال القانونية، أي قبل آخر يوم في الشهر الحالي، مثل غالبية المرشحين المحسوبين على المنظومة القديمة».

تنافس العاصمة والساحل والجنوب
وفي أي حال، فإن من بين مُستجدّات الانتخابات الحالية، حسب الأكاديمي الحقوقي جوهر بن مبارك، أن الترشحات للانتخابات السابقة لأوانها «تشهد عودة التنافس بين ممثلي تونس العاصمة ومحافظات الساحل»، التي انحدر منها الرئيسان الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، وحكما البلاد ما بين 1955 و2011، اعتماداً على غالبية من كوادرها ورجال أعمالها. وفي المقابل، يسعى عدد من المرشحين، بينهم وزير المالية السابق إلياس الفخفاخ، والرئيس الأسبق المنصف المرزوقي، وزعيم حزب «التيار الديمقراطي» محمد عبو، إلى كسب أصوات الجهات المُهمّشة في الشمال والوسط والجنوب.
وينتقد بن مبارك ترشح «ساسة شعبويين متهمين من قبل القضاء بالفساد والتهرّب من الضرائب»، لكنه يسجل أنه بعد نحو 9 سنوات من تحكمّ ساسة بارزين من «أصيلي العاصمة» تونس، بزعامة الرئيس الراحل قائد السبسي، في اللعبة السياسية داخل مؤسسات الحكم والمعارضة، انخرط في السباق بقوة ممثلون عن جهة «الساحل»، بينهم وزير الدفاع عبد الكريم الزبيدي، ورئيس الحكومة الأسبق رئيس حزب «البديل» المهدي جمعة. وفي المقابل، يبدو يوسف الشاهد وعبد الفتاح مورو من بين أبرز مرشحي «لوبيات» السياسة والمال في العاصمة تونس. ويتنافس الشاهد ومورو على كسب أصوات العائلات المحافظة وأبناء الطبقات الوسطى.

المقاطعة والتصويت العقابي
وفي انتظار اليوم المقرّر للاقتراع العام، 15 سبتمبر (أيلول) المقبل، حذّر نشطاء من المجتمع المدني، مثل معز بولوحية، رئيس جمعية «عتيد» لمراقبة الانتخابات، من «سيناريو» مقاطعة عالية في صفوف الناخبين للتصويت بسبب تعمّق أزمة الثقة بمعظم السياسيين، على اختلاف ألوانهم، وتدهور الأوضاع المعيشية للطبقات الشعبية والوسطى.
كذلك، يرجّح الناشط السياسي الحقوقي زهير مخلوف، والكاتب الصحافي اليساري توفيق بن بريك، أن تشهد الانتخابات المقبلة «تصويتاً عقابياً» ضد الطبقة السياسية الحالية، ولا سيما ضد مرشحي الأحزاب الحاكمة التي شاركت في الحكومات الائتلافية خلال السنوات الخمس الماضية، برئاسة الحبيب الصيد والشاهد، وبالأخص أحزاب «نداء تونس» و«تحيا تونس» و«حركة النهضة» و«مشروع تونس» و«المسار». وفي هذه الحالة، يتوقع أن تختلط الأمور أكثر، وقد يجد التونسيون أنفسهم يوم الاقتراع العام مُخيَّرين بين حلّين أحلاهما مُرّ: إما الانحياز إلى المرشحين «الشعبويين»، وفي ذلك مغامرة... أو اختيار «مرشح جدّي» من المنظومة القديمة، مع ما قد يعنيه ذلك من دوران في حلقة مُفرّغة.

فئات المرشحين لانتخابات سبتمبر المقبل

> يقُدَّر عدد الناخبين التونسيين بنحو 8 ملايين ناخب، بينهم أكثر من مليون وربع المليون من المُرسَّمين (الناخبين المسجلين) الجدد - غالبيتهم من الشباب - لكن الأطراف السياسية ترجح ألا تتجاوز نسب الإقبال على التصويت في الانتخابات الرئاسية ثلث الناخبين.
وحسب المؤشرات الحالية، سيكون التنافس الفعلي في هذه الانتخابات بين 5 أو 6 مرشحين يتنافسون جدّياً على منصب رئيس الجمهورية، ويسعون للفوز به. ومع هؤلاء، هناك نحو 20 مرشحاً أعلنوا أن حظوظهم ضعيفة جداً، لكنهم شاركوا في اللعبة الانتخابية كي يدخلوا أو ليكونوا في المشهد السياسي، إيماناً منهم بكون المشاركة في الرئاسيات تؤثر لاحقاً في الانتخابات البرلمانية.
وعموما ثمة 3 فئات من المرشحين للانتخابات التونسية المقررة في الشهر المقبل:
1- مرشحون تدعمهم الأحزاب الكبرى: وهنا حزب «تحيا تونس» يدعم رئيس الحكومة يوسف الشاهد، وحزب «حركة النهضة» يدعم رئيس البرلمان بالنيابة النائب الأول لرئيس الحركة عبد الفتاح مورو، وحزب «قلب تونس» بزعامة نبيل القروي يدعم رئيسه.
2- مرشحون مستقلون تدعمهم شخصيات مستقلة أو أحزاب أخرى: من بين أبرز هؤلاء المرشحين عبد الكريم الزبيدي وزير الدفاع الذي يحظى بدعم حزب «نداء تونس» (وهو حزب نجل الرئيس السابق قائد السبسي)، وحزب «آفاق» بزعامة الوزير السابق رجل الأعمال ياسين إبراهيم، وكان الزبيدي قد اختار قياديين منه في هيئة حملته الانتخابية. كذلك حصل الزبيدي على دعم شخصيات يسارية، وأخرى ليبرالية مستقلة، بينها رئيس الحكومة الأسبق رشيد صفر، وعدد من كبار المسؤولين في الدولة والحزب الحاكم قبل ثورة يناير (كانون الثاني) 2011، مثل الوزير أحمد عياض الودرني مستشار الرئيس الأسبق بن علي ومدير مكتبه طوال 20 سنة. ويتردّد أن عدداً من كبار الضباط العسكريين والأمنيين المتقاعدين وكوادر الدولة أكدوا دعمهم للزبيدي، وانخرط بعضهم في هيئة حملته الانتخابية، مباشرة وغير مباشرة، لكن عامل الوقت قد لا يسمح له بتشكيل لجان مساندة محلية، ومراقبين ينتشرون في آلاف القرى والأحياء الشعبية في كل المدن.
3- مرشحون مستقلون أو زعماء لأحزاب سياسية صغيرة: ترجح استطلاعات الرأي أن هؤلاء لن يفوزوا بأكثر من 1 في المائة من الأصوات، لكنهم ترشحوا للرئاسة ليستفيدوا من التمويلات التي توفرها الدولة للمترشحين، ومن فرص البروز في وسائل الإعلام للتعريف بأحزابهم ومشاريعهم السياسية، وبمرشحيهم في الانتخابات البرلمانية.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.