مبدعون مصريون: هذه الكتب أصابتنا بعدوى الكتابة

شملت مؤلفات لطه حسين ومحفوظ وإدريس وبورخيس وجاك دريدا

مبدعون مصريون: هذه الكتب أصابتنا بعدوى الكتابة
TT

مبدعون مصريون: هذه الكتب أصابتنا بعدوى الكتابة

مبدعون مصريون: هذه الكتب أصابتنا بعدوى الكتابة

تنوعت اختيارات الكتاب المصريين المشاركين في هذا التحقيق حول أهم الكتب التي حفزتهم على خوض مغامرة الكتابة والتي لا تزال صالحة لإثارة الدهشة والأسئلة والعودة إليها بين حين وآخر رغم مرور زمن طويل على صدورها
يسري عبد الغني: انهلوا من هؤلاء الرواد
من الكتب التي ألهمتني الكتابة، وكانت بالنسبة لي مصابيح تنير طريق البحث والدرس، كتب أستاذي ومعلمي وقدوتي عباس محمود العقاد، خصوصاً عبقرياته ودراساته عن أعلام التاريخ والحضارة العربية الإسلامية، ولغته الدقيقة المعبرة بإيجاز شديد، ومنهجه العلمي الذي قلما نجد من يكتب به في زماننا هذا.
بعد ذلك، يأتي عميد الأدب العربي طه حسين الذي نهلنا من كتبه، خصوصاً كتاب «الشعر الجاهلي» الذي أثار ضجة أدبية فكرية عند صدوره، وتعلمت منه كيف لا نأخذ الأمور بطريقة عشوائية مسلم بها، بل يجب أن نبحث ونبحث بغية الوصول إلى الحقائق، وفق أطر علمية سليمة.
ثم يأتي أستاذي الدكتور رشاد رشدي، وكتبه عن الأدب الإنجليزي، وبالذات الروائيين والشعراء والنقاد الإنجليز. وقد تعلمت منه كيف نقبل الآخر، حتى لو اختلفنا معه. وبالطبع ليس من الممكن أن أنسى علماء التراث، سدنة تحقيقه وحمايته، الذين مزجوا بين الأصالة والمعاصرة: أحمد زكي باشا شيخ العروبة، وأحمد باشا تيمور، وعبد السلام هارون، وصلاح الدين المنجد، ورمضان عبد التواب، وأحمد أمين، وزكي نجيب محمود، وسهير القلماوي، وكامل الكيلاني، وعبد المنعم شميس، وثروت عكاشة، وغيرهم من الذين علمونا أن من لا ماضي له لا حاضر له ولا مستقبل.
وكتب أستاذنا الدكتور عبد الرحمن بدوي، الفيلسوف المفكر الذي ظلمناه، خصوصاً كتبه الفلسفية، من المستحيل أن يتجاهلها أي مثقف، أضف إلى ذلك دفاعه الرائع عن تراثنا العلمي ورواده.
ثم يأتي العم نجيب محفوظ الذي علمنا كيف نكتب بمصداقية وفهم وحب، وأيضاً بيرم التونسي، وديوانه الذي يجعلني أقول دائماً إن الصدق في الإبداع له رواد من الصعب أن نكررهم.
ولا أنسى إبداعات شوقي وحافظ والمازني وعبد الرحمن شكري، إضافة إلى عبد الصبور وأمل دنقل، وقبلهم محمد ومحمود تيمور، ومحمد عبد الحليم عبد الله، والسحار، وباكثير، وأمين يوسف غراب، ويوسف السباعي، وصبري موسى، ومصطفى محمود، وغيرهم من الذين علموني كيف أكتب وأبحث وأدرس. إن جيل الرواد الذين تعلمنا من كتبهم قدموا لنا آفاقاً رحبة، وفكراً جاداً مستنيراً، وكل كتاب لهم تعلمنا منه شيئاً مذكوراً؛ كانوا أساتذة بمعنى الكلمة: يعلمون، ويرشدون، ويوجهون، فكانوا بحق المثل الأعلى والقدوة الحسنة، ولم يكن طريقهم مفروشاً بالورود، وكل كتاب لهم يقول لنا ذلك.
ومن هنا، تأتي نصيحتي دائماً لأبنائي وأحفادي من الطلاب ومحبي الفكر: انهلوا من هؤلاء الرواد، واقرأوا كتبهم قراءة فاهمة واعية، وبعد ذلك كونوا رأيكم وفكركم، فمن قال إننا جيل بلا أساتذة، فقد ضل ضلالاً بعيداً، بل إنه ألغى كونه محباً للفكر.
ناصر عراق: الجبرتي ألهمني «الأزبكية»
إذا كان بورخيس قد تخيل أن الجنة عبارة عن مكتبة كبيرة، فإنني أزعم أن الكتب هي التي ستجعل الإنسان يصنع الجنة على الأرض، قبل أن يتذوق حلاوتها في السماء، فالكتب هي التي تكثف وتحفظ الخبرات الإنسانية في المجالات كافة، ثم تنقلها من جيل إلى جيل، ومن قرن إلى آخر، فيستفيد منها الإنسان، ويتفاعل معها وينفعل بها، فيختبر قناعاته ويطور أفكاره ليحقق طموحاته وأحلامه.
بالنسبة لي، فأنا أعد نفسي من المحظوظين لأنني شيّدتُ علاقة طيبة مع الكتاب منذ الصغر، بحكم النشأة في أسرة شغوفة بالمعرفة والاطلاع. ولكن عندما بلغت الخامسة عشرة، فتنتني «الأيام» لطه حسين، إذ كانت مقررة علينا نحن طلاب الصف الثالث الإعدادي، وقررت (للمرة الأولى) أن أصير كاتباً مثل هذا الرجل. وبعد شهور قليلة، وبالتحديد في سنة 1976، أهداني الحظ اللقاء الممتع الأول مع «ثلاثية» نجيب محفوظ، فأيقنت أنني مرصود لدنيا الكتابة والروايات، وأن مستقبلي هناك قابعاً بين الحروف والكلمات.
ولا يغيب عن فطنة اللبيب أن التقدم في العمر، واستقرار عادة القراءة، علاوة على تراكم الخبرات الحياتية والمعرفية، كل ذلك يؤدي إلى اتساع أفق المرء، ويفتح أمامه فضاءً واسعاً للتأثر والتفاعل بكتب معينة، وإذا كانت «أيام» طه وحسين و«ثلاثية» محفوظ أول الكتب التي ألهمتني فكرة الكتابة، فإن ثمة كتباً أخرى أذهلتني وأثارت شهيتي للكتابة، أذكر منها دواوين صلاح عبد الصبور ومحمود درويش.
كذلك أسرني كتاب «ماركس.. حياته ونضاله» الذي وضعه فرانز مهرنج بذكاء شديد. وفي المسرح، هزتني بشدة مسرحية هنريك إبسن «البطة البرية»، ومسرحية بيتر فايس «مارا - صاد»، ومسرحية تشيكوف «الخال فانيا»، ومسرحيات عبد الصبور (ليلى والمجنون - مأساة الحلاج - بعد أن يموت الملك). أما في مجال النقد، فكم عشقت كتب الناقد المصري فاروق عبد القادر، كذلك أعجبتني كتابات الناقد السينمائي كمال رمزي، خصوصاً كتابه المتفرد «نجوم السينما العربية».
وفي مجال الكتب التاريخية، لا يمكن أن أنسى اهتمامي الشديد بكتاب الجبرتي الأشهر «عجائب الآثار في التراجم والأخبار»؛ وقد ألهمني فكرة روايتي «الأزبكية»، هو وكتاب «بونابرت في مصر» للمؤلف الأميركي ج. كريستوفر هيرولد، وترجمة فؤاد أندراوس. أما روايتي «دار العشاق»، فقد انبثقت فكرتها في خيالي وأنا أطالع كتاب «الفرعون الأخير محمد علي» للكاتب الفرنسي جيلبرت سنويه.
عصام حسين عبد الرحمن: الجريمة والعقاب
لقد سبقت القراءة لديّ كفعل قبل الكتابة بعقدين ونصف العقد من الزمان، وأعني بها قراءة الكتب الإنسانية والأدبية خاصة. كانت القراءة في البداية بدافع المتعة، مثلها مثل مشاهدة الأفلام السينمائية والاستماع للأغاني، ثم أضيف دافع المعرفة، فتنوعت الكتب والأفكار. وأذكر بعض الكتب المهمة التي أثرت في تكويني الفكري والوجداني، مثل: «قصة نفس» و«قصة عقل» لـذكي نجيب محمود، و«الأيام» لطه حسين، و«الجريمة والعقاب» و«الإخوة كرامازوف» لديستوفيسكي، و«الأخوات الثلاث» لتشيكوف.
ولأن الكتابة بطبيعتها فعل ملح للتعبير، أو لقول شيء ما يتمتع بخصوصية وحساسية شديدة لكاتبه، فقد ظل هذا الإلحاح يطاردني منذ أواخر التسعينات؛ وقتها اكتشفت رغم القراءة والمعرفة أنني لا أعرف الكثير عن نفسي. ورغم وعي بذاتي، فإنه وعي غير قادر على الوصول لها، فجاءت الكتابة لتحاول تقديم حيوات أخري تكون محصلة تجارب إنسانية متنوعة، قد تنجح أو تفشل، قد تزرع فيك الأمل أو تقذف بك بين فكي وحش اسمه الاكتئاب أو الإحباط، وقد تبهجك بالطبع أو تحزنك.
الكتابة الإبداعية تحتاج فعلاً إلى الإلهام أولاً، بمعني الموهبة، وبالتأكيد تحتاج للقراءة، لكن أيضاً تحتاج إلى عوامل أخرى متعددة؛ والخلاصة أن الإلهام أو الفعل المحفز للكتابة ليس بالضرورة أن يكون قراءة كتاب أو عدة كتب، مهما كان الأثر، لكنه مهم جداً وضروري، رغم أن الإلهام قد يأتي من صورة أو موقف أو حدث أو شخصيات تتماس معها، أو انغماس مشاعرك في حياة تستهويك، أو أفكار تثير عقلك، أو أحداث اجتماعية أو مشكلات نفسية، خصوصاً إذا كنت معنياً بالكتابة السردية القصصية أو الروائية، حيث بؤرة الاهتمام تنصب أكثر على الأفعال والأحداث والأفكار التي تنبعث من الشخوص. ولأن المرأة هي الأكثر غموضاً في بني الإنسان، فقد احتلت مساحة سردية شاسعة في أعمالي الإبداعية، خصوصاً الأخيرة، ومنها «سرير عنكبوت» و«زحف الأرانب» على سبيل المثال. لكن لو تتبعت الشخصيات النسائية، ستجد أنها تكونت من خليط من الصور الواقعية الماضية والحاضرة، عبر تراكم خبرات ذاتية، واستعادة بعض الصور والشخصيات من قراءتي لأعمال يوسف إدريس ومحمد المخزنجي، بالإضافة لشخصيات واقعية أتماس معها، لتصنع المخيلة في النهاية شخصية أخري جديدة، كما يجب أن تكون من وجهة نظري ككاتب، لأصنع بها خصوصيتي. وأظن أنني قدمت هذا العالم الخاص بي في آخر عمل لي (وكأنه هو).
عفاف عبد المعطي: البنية والعلامة
في مراحل الدرس الأولى التي قمت بها في مجال الدراسات النقدية المرتبطة بما بعد الحداثة والآداب المقارنة، وهي تخصصي الدقيق، كان عليّ رصد الأحداث الكبرى التي شهدها القرن العشرون، ومن ثم التغيرات الفكرية لمقولات كادت أن تكون ثابتة مطلقة لم تقبل الشك في الفكر الإنساني؛ ولعل أبرز هذه التغيرات انهيار الفكر الشمولي، بمعنى نقد المسلمات ومناقشتها.
فبدأ اهتمامي بالمفكر الفرنسي «جاك دريدا» الذي وضع كل مسلمات الفلسفة الغربية - منذ عهد أفلاطون - موضعَ سؤالٍ وشك، حيث بيَّن من خلال كتابه «البنية، والعلامة، واللعب في خطاب العلوم الإنسانية» الذي قدَّمه عام 1966، أن كل فكرة افترضت معها وجود مركز للمعنى يحكمها، وأن البشر راغبون في مركزٍ ما يؤسِّس حضورهم، ويضمن لهم وجودهم، وقد تجسَّدت المبادئ المركزية في عدد من الألفاظ المنتجة من طرف الفكر الغربي، مثل: الوجود، والماهية، والحقيقة، والجوهر، والنهاية، والبداية، والإنسان، والوعي. وتواصلاً مع ذلك، كانت الأحداث العالمية المتسارعة التي فرضت مصطلح الحداثة، ثم ما بعد الحداثة، اللذين يشكلان مجموعة من وجهات النظر العلمية، وقد تم استخدامهما في النظرية النقدية للإشارة إلى نقطة انطلاق أعمال الأدب والدراما والعمارة والسينما والصحافة والتصميم. وكان اهتمامي أيضاً بالفيلسوف الناقد الأدبي فريدريك جيمسون الذي عرّف ما بعد الحداثة بأنها «المنطق الثقافي المهيمن للرأسمالية المتأخرة»، التي هي الممارسات الثقافية المترابطة ترابطاً عضوياً مع العنصر الاقتصادي والتاريخي لما بعد الحداثة أو «الرأسمالية المتأخرة» أو ما بعد الثورة الصناعية أو الرأسمالية الاستهلاكية أو العولمة.
وقد رافق ما بعد الحداثة تطور وسائل الإعلام، وهيمنة الصورة، فأصبحت الصورة البصرية علامة دالة، محركها الأساس الصورة لمزيد من التحصيل المعرفي، ومعرفة الحقيقة. لذلك اهتم الناقد الفرنسي جيل دولوز بالصورة السينمائية، إذ يقسمها إلى الصورة - الإدراك، والصورة - الانفعال، والصورة - الفعل، ويَعتبر العالم خداعاً كخداع السينما للزمان والمكان عن طريق خداع الحواس، وذلك في كتابيه «الصورة - الحركة» و«الصورة - الزمان». وفي سياق اهتمامي بمصطلح ما بعد الحداثة، ظهر لي كتاب «النظرية الأدبية» لديفيد كارتر الذي يرى مصطلح ما بعد الحداثة على أنه موقف متشكك بشكل جوهري من جميع المعارف البشرية، وقد أثر مصطلح ما بعد الحداثة على كثير من التخصصات الأكاديمية وميادين النشاط الإنساني، من علم الاجتماع إلى القانون والدراسات الثقافية.
أيضاً مصطلح «التناص» من أهم مصطلحات ما بعد الحداثة، وإن كان معظم الدراسات التطبيقية التي استخدمته في المشرق العربي لم تقدم تطبيقاً منهجياً يمثل إضافة للبحث العلمي، رغم العناوين الرنانة لتلك الدراسات أو الكتب التي تمت ترجمتها بشكل غير دقيق أو عشوائي. «التناص» يعني استلهام نصوص الآخرين بطريقة واعية، بمعنى أن أي نص يتفاعل ويتداخل نصياً مع النصوص الأخرى، سياقاً وتقليداً وحواراً. ويدل التناص في معانيه القريبة والبعيدة على التعددية والتنوع والمعرفة الخلفية. وقد ارتبط التناص نظرياً مع النقد الحواري لدى ميخائيل باختين من خلال كتابه المهم «المبدأ الحواري».



«الغار والزيتون»... معنى الانتماء إلى اللغة

«الغار والزيتون»... معنى الانتماء إلى اللغة
TT

«الغار والزيتون»... معنى الانتماء إلى اللغة

«الغار والزيتون»... معنى الانتماء إلى اللغة

حين كتبت عالمة الاجتماع اللبنانية دلال البزري سيرتها: «الغار والزيتون» (منتدى المعارف، بيروت، 2026) كانت تتأمل مرة أخرى في معنى الانتماء إلى اللغة، بالتوازي مع شرط الترحل الملازم لحياتها، ومسالك الجدل بين مدونتين متقابلتين من المفردات، باعتباره قدراً يحتمه محيط التواصل من جهة، وأيضاً بما هو اختيار واعٍ يعتمده المتكلم زمنياً عبر محطات مساره. فتُعْمِلُ الفكر في الوجود الأول حيث يدرك الفرد العالم عبر مفردات لا يختارها، وإنما توهب له مع المولد والنشأة والتدرج في سلم الإدراك، وحين يعي محدودية اللغة الواحدة، تتنامى تدريجياً مسيرة ترويض الوعي اللغوي، والتنازل عما كان قدراً بدئياً لصالح الاختيارات الطارئة.

تؤكد الساردة في مطلع السيرة أن الطفلة التي ولدت في «دكار» بالسنغال، لأبوين لبنانيين، كانت تتحدث في البدء بالفرنسية، كباقي السنغاليين، كما أن أمها كانت تتحدث بالإضافة إلى الفرنسية، العربية والإنجليزية، ولغة المحليين «الوُلف»، أما الأب الذي رغم هواه العروبي الناصري فكان يكلمها وأختها (ناريمان) وأخوها (سعيد)، في البيت والشارع بالفرنسية، كسلاً و«استعجالاً». فتجلَّت الفرنسية بوصفها بداهة لا فكاك منها، أما العربية التي تنبهق من أسطوانات محمد عبد الوهاب ونقاشات الأبوين، فكانت أقرب لأرشيف عائلي خاص، يستعمل باقتصاد شديد، ويٌتلقى لوقعه، مفعماً بالمشاعر الغامضة، ومبهماً. بدت الفرنسية أداة طيعة في امتلاك المعنى، وصوغه، وسرعان ما شكلت القاعدة في الإدراك والمرجع في المقارنة، والمنطلق الذهني لتكوين المفردات، حتى في اللغات الأخرى. قبل أن تطل العربية فجأة، على نحو أقرب للوقائع اليومية، حين انتقلت العائلة إلى الدار البيضاء للإقامة والعمل في التجارة.

صحيح أن الطفلة التقطت عبر رحلات عابرة إلى صيدا وبيروت بعضاً من فيض الرطانات اللبنانية، غير مساكنة العربية، على نحو مسترسل، لأزيد من أربع سنوات، فلم يتيسر إلا بعد الاستقرار في الدار البيضاء، إذ اختزنت فيها أصداء مفردات اللهجة المغربية المدببة، وتشربتها، وهي تنهمر من أعطاف الأزقة، بين المنزل والمدرسة «الليسيه ميرابو Mirabeau»، حيث تجلى الكون اللغوي، وكأنما في قطعة من فرنسا: «كل شيء فرنسي: المعلمون، المنهج، وباللهجة الباريسية الصافية. نسمع أحياناً اللهجة المغربية التي يتكلمها المغاربة فيما بينهم. وهم على كل حال أقلية، إذا ما قورنوا بالفرنسيين. وعدد قليل من اليهود» (ص 20).

تتدرج وقائع السيرة وفصولها، على إيقاع التعلُّم والنضال السياسي، ثم التخرج والتعليم الجامعي العابر، ثم التأليف والكتابة للصحافة بالعربية. وكان الخيط الناظم في تطور وقائع الحياة الغنية والطريفة، للوافدة من المهجر، إلى بيروت التنوع اللغوي والثقافي والطائفي، ثم مدينة الحرب الأهلية؛ هكذا تتدرج على سلم الرغبة في الخروج من الفرنسية، بأصول تعبيرها ومفرداتها، (دون مرجعياتها ونسقها الذهني)، إلى العربية التلقائية المستوعبة لما حولها. لم تكن البطلة، التي تحكي عن وجودها عبر المفردات، مسيحية، حتى تكون فرنسيتها جزءاً من أركان انتمائها اللبناني، بل منحدرة من بيت مسلم ضم المذهبين، أب سني وأم شيعية، أصل يكرس الاعتقاد في العربية، مرجعاً في التنشئة والتعليم، وسبيلاً إلى التكوين الفكري والوجداني.

وتدريجياً تجلَّى السعي اللغوي إلى الخروج من القدر إلى الاختيار، ومن سنن النخبة إلى اللسان الاجتماعي، بما هو جزء من أبجدية التزام سياسي، رسمت ملامحه رحلة الانغمار في التنظيم اليساري الجذري: «منظمة العمل الشيوعي اللبناني»، خلاياها ولجانها ومدارجها التنظيمية، وما اتصل بتلك المدارات الحياتية والذهنية من نقاش آيديولوجي يومي، واشتباك سياسي... والتطلع إلى أخذ الكلمة أمام الجمهور باللغة المشتركة المعجونة بالعرق والجهد والأحلام، جنباً إلى جنب مع السعي إلى إثبات الذات العربية في صفوف الرفاق وفي أتون الشغب النضالي. كانت المفردات تبدو أشبه ببلورات تنحت على مهل قادمة من قعر سحيق إلى سطح متقلب، سرعان ما تتبدد فيه تحت أمواج الكلام الهادر.

وبقدر ما كان الخروج من الفرنسية مواكباً للنمو والارتقاء في التعليم والتدرج في مستويات الدراسة، من «مدرسة الفرانسيسكان»، إلى «مدرسة الراهبات الأنطونيات» ومن «ثانوية مدام عون» إلى «المدرسة الحسينية» ومن «المركز التربوي» إلى «الجامعة اللبنانية»، وهو التدرج الذي واكب النضج الفكري والسياسي، غير أنه تجلَّى أيضاً بوصفه سمة لتبديل المراتع والأوطان، والتقلب بين البلدان، ليس في اليفاعة فقط، التي تنقلت فيها الطفلة بين المدينتين الفرونكوفونيتين «دكار» و«الدار البيضاء»، وإنما أيضاً في سنوات التنقُّل بين العواصم المشرقية: بيروت والقاهرة والكويت، التي رعت مسارات التأليف والبحث والتدريس الجامعي، والكتابة للصحافة العربية.

لقد مثل التأرجح اللغوي وجهاً آخر للتنقل بين البلدان التي كان فيها اكتساب الهوية الثابتة «اللبنانية»، أساساً لرغبة تطويع العربية والتعبير بها، دون أن يلغي ذلك «الكينونة» الفرنسية الأصيلة، تقول: «أحب الفرنسية، أستمتع بأدبها وحتى بخطابات زعمائها، أناقة لغتهم وثرائها. وأستفيد كثيراً من ترجماتها.... وأنا أتنقل بين اللغتين، العربية والفرنسية. أبحث عن الكلمة الأصح والأدق... والمقصود من هذا التجول بين اللغتين إغناء عربيتي وتهذيبها، وأحياناً تخصيبها، ومع الوقت انقلبت الآية وبدل أن أبحث عن تفسير أو معنى لهذه الكلمة أو تلك من الفرنسية إلى العربية، صرت أبحث عن معنى من العربية إلى الفرنسية» (ص 196).

تثبت الساردة في كل مرة أن الوجود هبة للمفردات التي تصوغه، وتكيف أحواله، بالتوصيف والسرد، قولا وكتابة... ففي السيرة إيحاء لاعج برغبة النهوض من عطب التوصيل بلغة الأصل، بالمواجهة والمثابرة والتحدي، بعيداً عن ذهنية الأصوليات اللغوية العربية، وقريباً من اليومي المعجون بالتولع والاشتباك. إنها اللحظة التي تكون فيها العربية، ولهجاتها المترامية الأعطاف، «توأماً للحياة». وعلى النقيض مما كانه واقع الكتابة الفكرية العربية في النصف الثاني من القرن الماضي، عندما مثَّلت الكتابة بالفرنسية والإنجليزية نموذجاً للتفوق، ومدعاة للاهتمام والتبجيل بين المثقفين العرب؛ فإن سعي المؤلفة إلى تحقيق الذات عبر لغة المنشأ، المحدودة التأثير، والمحصورة الانتشار، في الجغرافيا اللغوية والمعرفية، مثَّل مظهراً سلوكياً لا يمكن فصله عن الطبيعة الشخصية لصاحبة السيرة، التي وسمها واضع مقدمتها الطاهر لبيب بـ«المتمردة» التي «لا تتردد في إظهار عدم الرضا عن الذات».

كتبت دلال البزري سيرتها بعد أن غادرت بيروت، إثر تفجير المرفأ، إلى تورنتو الكندية، بهدف الاستقرار النهائي، إلى جوار ابنتها. أنجزته لتستعيد خرائط مسار بات في عقده السابع، دون أن يتوقف عن تبديل المواطن والترحل بين المدن. خطته بعربية مكتسبة، لم تكن تمتلكها في البداية، وباتت هي مسكن وجودها. فسكبت في مفرداتها كل شفافيتها في قول الوقائع، حول الوطن الذي مزقته الحروب والصراع الطائفي، وتناسل أسباب التراجع في المحيط العربي الواسع، الذي عبرت تضاريسه الفكرية والاجتماعية. فتجلى النص الموضوع برائحة «الغار والزيتون»، لاسعاً، صريحاً، وغير مهادن. مقتصداً، كثيفاً، لا تزيُّد في كلماته. كتاب يشبه صاحبته، التي سرعان ما أعلنت، بعد نشره بأشهر قليلة، على صفحتها في «فيسبوك»، عن إصابتها بالسرطان، فمَثُل ككشف حساب، تخفَّفت فيه من وطأة السنين على الجسد واللسان.

* كاتب مغربي


حكاية مدينتين تفصل بينهما ألف سنة

حكاية مدينتين تفصل بينهما ألف سنة
TT

حكاية مدينتين تفصل بينهما ألف سنة

حكاية مدينتين تفصل بينهما ألف سنة

صدر عن «الدار العربية للعلوم ناشرون» كتاب الباحث اللبناني وارف قميحة «حين يلتقي الفارابي بشي جينبينغ: حكاية مدينتين تفصل بينهما ألف سنة ويجمعهما حلم واحد»، في تجربة فكرية تنتقل إلى مساحة مختلفة من مشروعه البحثي في الشأن الصيني، وتفتح حواراً حضارياً بين فلسفة المدينة الفاضلة لدى أبي نصر الفارابي ورؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ للحوكمة والتنمية وبناء مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية.

يقوم الكتاب على لقاء فكري بين عالمين تفصل بينهما أكثر من ألف سنة، وينطلق من سؤال محوري: كيف يمكن لفلسفة صاغها الفارابي قبل أكثر من ألف عام أن تتحاور مع مشروع الحوكمة الحديث في الصين المعاصرة؟ ويحاول المؤلف الإجابة عن هذا السؤال من خلال قراءة تحليلية لمفاهيم الإنسان وغاية الدولة، والقيادة المسؤولة، والأخلاق في الحكم، والعدالة الاجتماعية، والتنمية، والتعاون والانسجام المجتمعي.

ولا يفترض الكتاب وجود تأثير مباشر أو اقتباس فكري بين الفارابي وشي جينبينغ، ولا يسعى إلى إقامة تطابق بين فلسفة نشأت في سياق تاريخي قديم وتجربة سياسية معاصرة، بل يقرأ المسافة الزمنية والحضارية بينهما بحثاً عن القيم والأسئلة الإنسانية التي يمكن أن تتقاطع رغم اختلاف الأزمنة والبيئات. فالفارابي رأى أن غاية السياسة تتجاوز إدارة الحكم إلى تحقيق سعادة الإنسان وبناء مجتمع تسوده الفضيلة والعدالة والتعاون، بينما يتناول الكتاب رؤية شي جينبينغ بوصفها مشروعاً معاصراً للحوكمة والسياسات العامة يضع خدمة الشعب والتنمية والنزاهة والانضباط في صميم بناء الدولة.

ويتوقف قميحة عند عدد من نقاط اللقاء والاختلاف، من مكانة الإنسان في الدولة وصفات القائد ودوره الأخلاقي والمعرفي، إلى العلاقة بين القانون والأخلاق والانسجام الاجتماعي والتنمية الموجهة نحو تحسين حياة الإنسان. كما ينتقل من حدود الدولة إلى المجال الدولي، مقارباً بين فكرة الاجتماع الإنساني الهادف إلى تحقيق السعادة عند الفارابي ورؤية بناء مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية التي طرحها شي جينبينغ.

ويقول قميحة في كلمة المؤلف إن الكتاب لم يولد من رغبة في إجراء مقارنة سريعة بين اسمين تفصل بينهما قرون طويلة، ولا من محاولة للجمع بصورة مصطنعة بين الفلسفة والسياسة، وإنما من سؤال حول قدرة القيم الإنسانية التي صاغها الفكر الفلسفي في مراحل سابقة من التاريخ على المساهمة في قراءة قضايا الحاضر. ويشدد على أن العمل لا يسعى إلى تقديم تجربة سياسية بوصفها نموذجاً جاهزاً، بل إلى الفهم والتحليل وفتح مساحة للحوار بين التراث والواقع المعاصر.

كتب تقديم الكتاب الدكتور شوي تشينغ قوه، المعروف عربياً باسم بسّام، أستاذ كلية الدراسات العربية في جامعة الدراسات الأجنبية ببكين، ونائب رئيس جمعية دراسات الشرق الأوسط في الصين، وعضو اتحاد كتّاب الصين.

ووصف شوي الكتاب بأنه إنجاز فكري وإضافة جديدة إلى المكتبة العربية وإلى مسار الحوار الثقافي والفكري بين الصين والعالم العربي، مشيراً إلى أن التأمل في تصوّري الفارابي وشي جينبينغ للحوكمة والسياسة يكشف عن تقاطعات فكرية عميقة تتصل بالأخلاق والعدالة وخدمة الإنسان والقيادة والمسؤولية الاجتماعية.

وأوضح أن الفارابي ينطلق، في كتابه «آراء أهل المدينة الفاضلة»، من تصور يرى أن السياسة ليست مجرد تدبير لشؤون الحكم، بل علم غايته إسعاد الإنسان، وأن الدولة العادلة تقوم على الانسجام بين الفضيلة الفردية والنظام الجماعي. فالحاكم، وفق تصوره، لا يُقاس بقوة سلطته، بل بقدرته على توجيه المجتمع نحو الكمال الأخلاقي والعقلي.

وفي المقابل، يرى الدكتور شوي أن رؤية شي جينبينغ، التي تبلورت في مؤلفاته وخطاباته حول الحكم وإدارة الدولة، تؤكد أن الحوكمة الرشيدة لا تنفصل عن العدالة الاجتماعية والنزاهة وخدمة الشعب، وأن مفهوم «الحوكمة من أجل الشعب» يشكل أساساً مهماً في ممارسة المسؤولية العامة.

ويتوقف التقديم عند صورة «الرئيس الفاضل» لدى الفارابي، الذي يجمع بين الحكمة والمعرفة والقدرة على القيادة ويكون قدوة أخلاقية قبل أن يكون صاحب سلطة، ويقارب ذلك مع نموذج القائد المسؤول في الدولة الصينية الحديثة، حيث يشدد شي جينبينغ على مسؤولية المسؤول تجاه الشعب، وعلى ضرورة مكافحة الفساد ومحاسبة المسؤولين باعتبار ذلك شرطاً لاستقرار الدولة واستمرارها.

ويرى الدكتور شوي عدم وجود أدلة على أن شي جينبينغ اطّلع على كتابات الفارابي أو تأثر بها، موضحاً أن التقاطعات التي يتناولها الكتاب لا تقوم على فرضية الاقتباس أو التأثير المباشر. فالرؤية السياسية والأخلاقية لدى شي جينبينغ تستند أساساً إلى التراث الحضاري الصيني، حيث يظهر الأثر الكونفوشيوسي في التركيز على الحكم بالأخلاق ونزاهة المسؤول، وتحضر فكرة مركزية الشعب المتجذرة في الفكر الكونفوشيوسي، ولا سيما لدى منشيوس، إلى جانب التشديد على سيادة القانون والانضباط المؤسسي والجمع بين القانون والأخلاق.

ويرى الدكتور شوي أن حوكمة شي جينبينغ تمثل نموذجاً معاصراً لدمج التراث الفلسفي الصيني في مشروع سياسي حديث يعكس استمرارية حضارية أكثر مما يمثل قطيعة مع الماضي. وإذا كان الفارابي من أبرز ممثلي التراث العربي الإسلامي في الفكر السياسي، فإن شي جينبينغ يمثل وريثاً للتراث الصيني المتعلق بالسياسة والحكم، مع اختلاف جوهري يتمثل في أن شي قائد لدولة كبرى، مما يتيح له تحويل التصورات إلى سياسات وممارسات ملموسة.


رواية سورية عن «زلزال الثورة» و«زلزال الأرض»

رواية سورية عن «زلزال الثورة» و«زلزال الأرض»
TT

رواية سورية عن «زلزال الثورة» و«زلزال الأرض»

رواية سورية عن «زلزال الثورة» و«زلزال الأرض»

أمضى الصحافي السوري محمد أمين أكثر من ثلاثة عقود في ملاحقة الوقائع ومحاولة الإمساك بها بلغة الخبر، لكن مع تراكم أحداث الثورة السورية والغربة والزلزال، بدت الصحافة أضيق من أن تتسع لما خلّفته التجربة في الداخل الإنساني؛ الأمر الذي دفعه إلى الانتقال إلى الرواية. وفي باكور إنتاجه «كأن الريح تحتي»، يكتب أمين ما لا تستطيع التقارير قوله عن الخوف والفقد والاقتلاع، وعن إنسان فقد ثبات الأرض كما فقد استقرار المكان.

صدرت الرواية عام 2026 عن «دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع» بدمشق، واتخذت من زلزال فبراير (شباط) 2023 الذي ضرب جنوب تركيا وشمال سوريا لحظة مفصلية، تتكشف عندها حيوات شخصيات مثقلة أصلاً بالخوف والغربة، وفي مقدمتها محمود الغريب وندى الشوّا.

عنوان الرواية ليس تسمية عابرة، فهو يستدعي قول المتنبي:

على قلق كأن الريح تحتي

أوجهها جنوباً أو شمالاً

لكن القلق ينتقل هنا من حركة الشاعر وترحاله إلى حالة وجودية يعيشها السوري الذي لم تعد الأرض تحته مستقرة، لا بالمعنى الجغرافي ولا النفسي، حيث يحيل العنوان إلى تيه السوري بعد أن خلخلت سنوات الحرب والانتماء معنى المكان، ثم جاء الزلزال ليضاعف فقدان اليقين. كما تكشف التجربة عن انتقال أمين من لغة الصحافة إلى فضاء أرحب، من دون أن يتخلص كلياً من أثر المهنة، فحضر الأسلوب الصحافي في تقديم بعض الشخصيات والتفاصيل، بما يمنح السرد ملمحاً توثيقياً وواقعية قريبة من الحياة.

قوة الرواية الأساسية تقوم على جدلية زلزالين: زلزال طبيعي يهدم الجدران في فبراير 2023، وزلزال سياسي واجتماعي سبق ذلك بسنوات وأعاد تشكيل حياة السوريين ومصائرهم، فالحدث الطبيعي انتقل من كونه مجرد خلفية درامية، إلى لحظة فارقة تكشف عما تراكم في الشخصيات من خوف واغتراب وخيبات، فالزلزال، كما تقدمه الرواية، يحرّك الأرض ويوقظ الذاكرة.

ومن خلال هذا التداخل بين الحاضر وذاكرة الثورة، يتحول المكان في جنوب تركيا من ملاذ بعد النزوح إلى فضاء مهدد بدوره؛ وكأن الشخصية السورية تكتشف أن النجاة من مكان لا تعني الوصول إلى مكان آمن، وهي مفارقة تضع الرواية ضمن سرديات الكارثة واللجوء، لكن خصوصيتها تأتي من جعل الكارثة الطبيعية مرآة لكارثة إنسانية سبقتها.

في تصريح لـ«وكالة الأنباء السورية» (سانا)، أوضح محمد أمين أن الرواية تمثل تجربته الأولى في عالم السرد بعد أكثر من ثلاثة عقود من العمل الصحافي، وأنه كتبها على مدى عام في أربيل عقب انتقاله إليها بعد أيام من الزلزال. وقال: «كان لدي الكثير مما ولّد الزلزال وسنوات الغربة وفقدان الأمل في نفسي، فلم أجد إلا الرواية مجالاً أدبياً يسمح لي بأن أعبّر عن مكنوناتي الداخلية». وأشار إلى أن عدداً من شخصيات العمل يستند إلى تجارب إنسانية حقيقية عاش أصحابها تفاصيل الثورة واللجوء والزلزال، موضحاً أن الرواية تقوم على فكرة «الزلزالين»: زلزال الثورة وما أحدثه من تحولات إيجابية في الوطن، وزلزال الأرض وما خلّفه من أثر مباشر في الفرد. ويرى أمين أن إنقاذ بطلة الرواية من تحت الركام يحمل دلالة رمزية تتجاوز الحدث المباشر، ليحيل إلى إمكانية إنقاذ وطن كامل من آثار سنوات طويلة من الألم، مؤكداً أن الرواية، على الرغم من ثقل موضوعاتها، تبحث عن نور في نهاية النفق وعن قدرة الإنسان على النهوض.

وفي قلب الرواية يقف محمود الغريب وندى الشوّا، شخصيتان تحملان الخوف والحب والتردد والخيبة، وتمنحهما هذه الهشاشة بعداً إنسانياً يتجاوز تقسيم الشخصيات إلى منتصرين ومنكسرين.

على الرغم من ثقل الموت والغربة والخسارة، لا تنتهي الرواية عند الخراب، فنجاة إحدى شخصياتها من تحت الركام تفتح باباً رمزياً على إمكان النهوض، وتجعل الأمل فعلاً مضاداً للفقد لا خاتمة له.

وهكذا، تتحرك «كأن الريح تحتي» بين توثيق ذاكرة السوري وتخييلها، وبين صرامة الصحافي وحساسية الروائي، لتطرح سؤالاً أبعد من الزلزال ذاته: ماذا يبقى للإنسان حين تهتز الأرض التي يقف عليها والوطن الذي ينتمي إليه معاً؟ وربما تكمن إجابة الرواية في أن النجاة لا تعني الخروج من تحت الركام فحسب، بل القدرة على استعادة معنى الحياة بعده.