أجزاء سبعة من كتاب «ألف واثنا عشر سؤال»

مشروع لترجمة كتب المندائيين

أجزاء سبعة من كتاب «ألف واثنا عشر سؤال»
TT

أجزاء سبعة من كتاب «ألف واثنا عشر سؤال»

أجزاء سبعة من كتاب «ألف واثنا عشر سؤال»

كتاب «ألف واثنا عشر سؤال» الذي صدر هذه الأيام، عن دار نشر «يايان» التركية، 515 صفحة من القطع الكبير، يحوي السؤال وجوابه باللغة الآرامية المندائية وتحته الترجمة بلغة عربية سليمة مبسطة، وهو من تحقيق وإعداد وترجمة الدكتور صباح خليل مال الله. وهذا المخطوط، هو من الدواوين المهمة التي احتفظ به الصابئة المندائيون، الذين ورد ذكرهم في القرآن الكريم في ثلاث آيات كريمة، باعتبار دينهم ديناً قائماً بذاته كالأديان الكتابية الأخرى المعروفة. وتكمن قيمة هذا المخطوط بأجزائه السبعة بأنه يوفر صورة مفصلة، فريدة في تاريخ الأديان والطقوس والمعتقدات الدينية لطائفة غنوصية، نجت وحافظت عبر قرون طوال على طقوسها من التغيير بسبب الطريقة الصارمة التي تم من خلالها محاسبة التحريف والإهمال.
يعتبر مخطوط «ألف تريسار شيوالي» من أطول الدواوين في المكتبة المندائية، ومرجعاً أساسياً يعود إليه رجال الدين لمراجعة التفاصيل الدقيقة لأداء الطقوس ومعرفة علاج الأخطاء التي ترتكب، عمداً أو سهواً، عند القيام بها. ولهذا؛ فإن الصابئة يحتفظون بهذا الديوان بكل عناية لأهميته العظيمة كما يرون. ولأن أهمية الطقوس بالنسبة للصابئي تفوق اللاهوت، فهو يعترف بقناعة بسيطة بأنه من المستحيل تماماً التطرق إلى المطلق بعبارات محدودة، ولا يتقبل برحابة صدر الروايات المختلفة التي تتناول الخلق ومسألة الفداء وخلاص النفس. لكن الأمر يختلف تماماً مع الطقوس مجال البحث.
ويعتقد الدكتور مال الله في مقدمة الكتاب بأن «ديوان (ألف واثنا عشر سؤال)، يساهم مساهمة عظيمة في دراسة المعتقدات والممارسات الغنوصية التي كانت سائدة في القرون الأولى الميلادية، وربما قبل ذلك بقليل». ويرى مال الله أن المندائية هي العقيدة الغنوصية الوحيدة التي ما زالت في الوجود، تنفرد بنظامها الخاص وطقوسها الدينية التي تميزها عن الفرق الغنوصية الأخرى. وقد حفظ لنا رجال الدين طرق تأدية الطقوس كما ورثوها عن أسلافهم. وبما أن الكهانة كانت وراثية فكان الطفل ينشأ في عائلة دينية يستمع إلى التراتيل والصلوات ويعيدها بعد أبيه أو معلمه إلى أن يكبر ويتبوأ منصبه الديني فيكون قد ألمّ بكيفية القراءة الصحيحة للكتب المندائية، بالإضافة إلى حفظ للكثير منها عن ظهر قلب». الأجزاء السبعة، التي يتكون منها الديوان المخصص لعامة أبناء هذه الديانة، تخبرنا، من خلال شروحات وافية، عن الطقوس التي ينبغي أن تقام بشكل دقيق وبإتقان عال، وبأنه لا ينبغي إطلاقاً إطلاع العامة عليها؛ لكونها تعاليم سرية لا ينبغي البوح بها إلا للمرشحين للارتقاء (شوالاني) قبل أن يرتقوا إلى درجة كهنوتية يطلق عليها اسم (الترميذا).
وتدرِّس العوائل أبناءها، في معظم بيوت الصابئة المندائيين، التشريع والطقوس الدينية التي هي طبعاً انعكاس لمفاهيم مذهب واحد، تتسم بالعمق المعرفي على أنه الحق المطلق غير القابل للنقاش. ويكبر الصغار وفي عقولهم مسلمات غير قابلة للنقاش نظراً لطريقة تقديم المادة الدينية، إلا أن الأشد والأمرّ هو أنهم يكبرون غافلين عن كثير من الحقائق التي ما زالت آثارها مخفية في صفحات الكتب واللفائف القديمة التي يحتفظ بها رجال دينهم.
من هنا، شرع الباحث الدكتور صباح خليل مال الله في برنامج ترجمة كتب المندائيين، حيث ابتدأ مشروعه بتاريخ شخصية النبي يحيى بن زكريا، وترجمة كتاب الديانة الغنوصية، والمخطوط الحالي، وسيخرج للنور خلال الفترة القريبة القادمة كتابه الجديد «ديوان حران كويثا» ضمن برنامج تعليمي وإعلامي، يرمي إلى إعادة الصورة الحقيقية غير المشوهة لتاريخ حمل الكثير من التشويهات ضد حقائق تاريخ أعرق ديانة توحيدية في تاريخ البشرية، وهو الأمر الذي أوقع الأجيال الجديدة من هذه الجماعة البشرية في حالة من التنافر النفسي بين العقيدة الدينية والقيم الحالية؛ ما دفع البعض من أبناء هذه الطائفة الدينية إلى العودة للقيم الماضية بشكل متطرف دون فهم فحواها التاريخي.
ومن المعروف، أن التجمعات المندائية اليوم، موزعة في عدد كبير من دول العالم، وهي ما زالت تواجه موجات الهجرة التي بدأت خلال العقدين الأخيرين نتيجة استفحال ظاهرة العنف في كل من العراق وإيران. وهذا ما يتوخاه عدد من رجال الدين وبعض المثقفين من أبناء هذه الطائفة الدينية، الذين يهمهم انتقال المطارحات النقدية إلى مجال تداولي أوسع؛ إذ اختاروا التبحر في فهم الجذور، وفهم النص الديني، باعتباره مستودعاً للأفكار والموضوعات التي تكوّن صورة واضحة، لرصد تمثلات الوعي في المنجز الفكري والفلسفي لهذه الديانة التي تعتبر نفسها أعرق الديانات التوحيدية في الشرق الأوسط. كما يرى الكثير من مثقفي الطائفة المندائية، بأن العودة التي تبني نفسها على التحري والدراسة الموضوعية، بهدف كشف البنيات الفكرية لهذه الفلسفة الدينية، لا تقتصر على الرؤية المغلقة لقراءة الدين من باب الماضي فقط، بل يتعداها إلى النظر في الواقع الحالي. وكيفما كان نوع المقاربة النقدية؛ فإن الغاية هي قطف المعنى العميق، الواضح والسهل لهذه النصوص، التي تبدأ من الشكل، وأقصد الألفاظ والجمل والأصوات والحركات والتواترات؛ لأن الموضوع مثلما يؤكد الكثير من مثقفي الطائفة، يمر من المستوى الدلالي إلى المستوى الشكلي، فالشكل نابع من الأعماق، بمعنى أن الطريقة التي تبنى بها الموضوعات في العمل الأدبي، هي التي تحدد خصوصيته وخصوصية المبدع، فقد تتقاطع الموضوعات بين الكتاب، غير أن ما يجعلها تختلف هو طريقة تشكيلها، كما أن اختلاف الكتاب في وعيهم للموضوعات يفرض اختلافاً في طريقة الكتابة، بسبب الحرص الشديد على ألا يكون ذلك تناولاً خارجياً أفقياً متعسفاً، إنما نابع من إنصات إلى نبض النص وروحه.
وعلى العموم، فإن ديوان «ألف واثنا عشر سؤال» يمثل نوعاً من التعاليم الدينية التي يمكن أن توسم بـ«الشروحات السرية». وهذه الأدبيات تستلزم الطقوس والميثولوجيات. وقبل كل شيء، فإن هذه النصوص معنية بتأكيد أفضلية عالم النور عند القيام بطقوس معينة. فاهتمامات هذا الديوان تنصب على الشروحات المستفيضة للطقوس، والتعاليم السرية المتعلقة بجسم الإنسان، وعلى الأبجدية، وعلى قائمة طويلة من الأخطاء الطقسية وطرق علاجها، كما أن التحذيرات الواردة فيه تؤكد على وجوب التزام رجال الدين التام بالطقوس كما هي وعدم قيامهم بحذف أو تحريف أي منها، أو إضافة طقوس «أجنبية» لها.



محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً