رحلة شاقة عبر خط التماس بين البيشمركة و«داعش» قرب كركوك

معبر «مكتب خالد» يشهد عبور الآلاف يوميا في كلا الاتجاهين.. ولكل عابر قصة

عراقيون ينتظرون عبور معبر «مكتب خالد» على خط التماس بين قوات البيشمركة ومسلحي «داعش» إلى الغرب من كركوك (نيويورك تايمز)
عراقيون ينتظرون عبور معبر «مكتب خالد» على خط التماس بين قوات البيشمركة ومسلحي «داعش» إلى الغرب من كركوك (نيويورك تايمز)
TT

رحلة شاقة عبر خط التماس بين البيشمركة و«داعش» قرب كركوك

عراقيون ينتظرون عبور معبر «مكتب خالد» على خط التماس بين قوات البيشمركة ومسلحي «داعش» إلى الغرب من كركوك (نيويورك تايمز)
عراقيون ينتظرون عبور معبر «مكتب خالد» على خط التماس بين قوات البيشمركة ومسلحي «داعش» إلى الغرب من كركوك (نيويورك تايمز)

في نحو الساعة السادسة صباح كل يوم، بالإضافة إلى ما يمثله شروق الشمس من تهديد، يعيد أحد الضباط عند نقطة تفتيش أمنية في شمال العراق السلك الشائك المطوي إلى الوراء بما يكفي ليسمح للمسافرين بالمرور فردا فردا.
على مدار اليوم، يمر الآلاف عبر هذه البوابة، وهي واحدة من المعابر الرسمية المعدودة عبر الحدود التي يمتد طولها إلى 650 ميلا (نحو ألف كيلومتر) تفصل بين مساحتين من الأراضي: إقليم كردستان والأراضي الخاضعة لسيطرة مقاتلي تنظيم داعش المتطرف.
تأتي معظم حركة المرور في اتجاه واحد: رجال ونساء وعائلات كاملة - ترتسم على وجوههم ملامح الإجهاد والشك، يحملون معهم حقائب ممتلئة، إذ يلجأون إلى العيش بين الأكراد.
لكن ينتقل آخرون كثيرون ما بين المنطقتين، فيعبرون من جانب إلى آخر في الصباح للعمل أو قضاء بعض المهام، ثم يعودون في نهاية اليوم. وربما يعبر سكان المناطق التي يسيطر عليها «داعش» إلى مدينة كركوك لشراء الاحتياجات أو زيارة الطبيب أو حضور اختبار في الجامعة، بينما قد يتجه بعض سكان الجانب الكردي إلى الطرف الآخر لزيارة الأقارب.
وأثار استخدام «داعش» للعنف، حيث تردد أنباء عن حالات اغتصاب وإعدام علني، الذعر مع تقدم التنظيم. ويؤكد المسافرون عند المعبر أن الحياة أصبحت أكثر صعوبة في ظل حكم المتطرفين.
لكن بالنسبة لكثيرين، لا ترجع الصعوبات إلى الترهيب وأعمال العنف أو عدم قدرتهم على التحكم في مسار حياتهم اليومية، بل إلى انقطاع إمدادات الغذاء والطاقة والوقود، والبطالة. وقال عابرون إن الحظر الكردي على تجارة بعض المنتجات مثل وقود الطهي والقمح والشعير عبر الحدود له تأثير كبير.
وقال البعض إن أكبر مخاوفهم من العيش في أراض يسيطر عليها المسلحون لا تتعلق بالدخول في صراع مع المتطرفين، ولكن بإمكانية تسبب هجوم الحكومة العراقية في دخول الميليشيات الشيعية التي ينتشر الخوف منها بين السكان السنة، بالإضافة إلى القصف العشوائي من دون تمييز الذي أسفر عن سقوط عدد كبير من الضحايا المدنيين في الأسابيع الأخيرة.
يقول ثامر حسن (35 سنة)، الذي ينتقل من منزله بالقرب من بلدة الحويجة، التي يسيطر عليها المسلحون، إلى كلية التربية في جامعة كركوك حيث يعمل أستاذا للغة العربية، وكان يرتدي قميصا ويحمل حقيبة جلدية: «لقد سئمنا». إذ أصبحت الرحلة التي كانت تستغرق 15 دقيقة بسيارته تمتد من ساعتين إلى 5 ساعات يجب فيها أن يركب عدة سيارات أجرة لمسافات قصيرة والانتظار لفترات طويلة عند نقاط تفتيش مختلفة على جانبي الحدود.
وضاعف نقص الغذاء والوقود من حجم الصعوبات، على حد قول حسن، بالإضافة إلى انتشار الذعر. وأضاف حسن أنه فكر في الانتقال مع زوجته وأبنائه الـ5 إلى كركوك، لكن هناك أزمة سكن وبلغت الإيجارات مستويات عالية للغاية. أما عن «داعش»، فقال حسن: «يجب أن نكون صادقين: حتى الآن لم نتعرض لأذى من جهتهم، لكن الناس يخشون المستقبل».
قبل يونيو (حزيران) الماضي، كان الطريق مفتوحا، تتجه فيه حركة السير من كركوك التي تبعد مسافة 9 أميال شرقا إلى مدن وقرى شمال العراق ووسطه، ولكن بعد أن دفع تقدم «داعش» قوات الأمن الوطني العراقي إلى الانسحاب، سيطرت قوات البيشمركة الكردية على كركوك والمنطقة المحيطة - التي طال النزاع حول السيطرة عليها - وبدأت في تعزيز الحدود التي أعيد رسمها لإقليم كردستان الذي يخضع للحكم الذاتي، وأقيمت نقطة تفتيش «مكتب خالد».
وبالإمكان رؤية رايتين لتنظيم داعش من على بعد نصف ميل، كما يظهر ظل مقاتلي التنظيم من خلف تحصينات من أكياس الرمال. وتقع نقطة تفتيش التنظيم خلف ذلك مباشرة. ويقول النقيب دلير جعبري (34 سنة) وهو أحد ضباط البيشمركة الذين يشرفون على المعبر الحدودي: «لو صدرت لي أوامر، فسأذهب لإزالة تلك النقطة الليلة. ليس من الجيد أن يكون العدو هناك».
يملك الطرفان كثيرا من الأسلحة التي يمكنها أن تسبب أضرارا على نطاق واسع، ولكن يسود هدوء لفترة رغم قيام مقاتلي «داعش» بشن عدة هجمات.
وخلال الزيارة إلى المعبر الحدودي، بدا التأمين الكردي للمعبر غير محكم؛ حيث يخضع الرجال إلى تفتيش متعجل حول الخصر، ولا تخضع بعض الحقائب للتفتيش. وكان المشهد أقرب إلى الفوضى غير المنظمة بدرجة بدا فيها أن رجال الأمن غير قادرين على السيطرة. وفي صباح أحد الأيام، قام ضابط أمن عراقي، يساعد الأكراد، بضرب المسافرين المكتظين بهراوة، ومن وقت لآخر يطلق الجنود طلقات تحذيرية بمسدساتهم في محاولة لفرض النظام.
وبالنسبة لمن يصلون من الجانب الذي يسيطر عليه «داعش»، يعد عبور السلك الشائك مجرد بداية المعبر. ومن هناك يجب أن يمروا عبر مساحة تتناثر فيها الأنقاض والحواجز الخرسانية، والسواتر الترابية وأبراج المراقبة، تليها مسافة للسير لمدة 20 دقيقة - أو يمكن استقلال سيارة أجرة أو حافلة - عبر طريق يمر بمساحة مقفرة حتى الوصول إلى ساحة انتظار. هناك يمكنك الحصول على وسيلة توصيل أخرى إلى نقطة تفتيش رئيسة خارج كركوك، حيث يفحص الحراس وثائق الهوية، وإما يسمحون للمسافرين بالتقدم إلى داخل كردستان أو يردونهم إلى حيث أتوا.
قال إسماعيل حسين علي الذي يبلغ من العمر 74 سنة: «نحن الاثنان مريضان».. وهو يشير إلى سبب توجهه مع زوجته (65 سنة) إلى دهوك في شمال كردستان. كان علي، العميد المتقاعد الذي خدم في الجيش العراقي في عهد صدام حسين، يسير ببطء متعكزا على عصا من الخيزران وهو يتحسس طريقه عبر كومة من الحصى والقمامة. كان ابن الزوجين، هيثم، يسير في المقدمة وهو يدفع والدته الجالسة على مقعد متحرك عبر الأرض غير الممهدة التي كانت توشك أن توقعها أرضا.
أخذ بعض الصبيان ذوي الأقدام المتسخة في نقل 5 حقائب للعائلة على عربة يدوية. كان الوقت مبكرا، ولكن كانت درجات الحرارة تقترب من 100 (درجة فهرنهايت، نحو 38 درجة مئوية).
أجبرت أعمال العنف الزوجين على الخروج من منزلهما في سنجار، في محافظة نينوى، إلى الموصل. لكنهما قررا الانتقال مرة أخرى بسبب نقص الغذاء والوقود الذي جعل الحياة شديدة الصعوبة، ولأنهما أيضا كانا في حاجة إلى رعاية صحية ضرورية غير متوفرة على الجانب الآخر. يقول علي عن مغادرته لسنجار: «كنت أبكي عندما غادرنا. وما زلت أبكي».
اكتظ عشرات الناس من حولهم في كلا الاتجاهين: مسافرون يحملون الحقائب، وعمال العربات اليدوية يبحثون عن زبائن، وشباب يحملون أنابيب غاز للطهي فارغة باتجاه كركوك ويحضرون أخرى ممتلئة في الاتجاه الآخر، ومزارعون من أراضي «داعش» يبيعون لبنا رائبا إلى بقالي كركوك الذين يقابلونهم في منتصف الطريق، وسائقو سيارات الأجرة الذين يعرضون توصيل المسافرين إلى المرحلة التالية من المعبر.
ورغم وصول عائلة علي إلى هذه المرحلة، فإن الاختبار الأصعب لم يأت بعد.
منذ وصول تنظيم داعش، ازداد ارتياب الأكراد تجاه الغرباء بدرجة كبيرة، ويتعرض العرب على وجه الخصوص لتفتيش استثنائي عند الحدود ونقاط التفتيش في جميع أنحاء المنطقة، حتى إن كثيرين يعودون أدراجهم.
عندما استقلت الأسرة سيارة أجرة، التفت علي إلى المراسل وقال بوجه يشوبه التعب: «إذا سمحت لي، علي أن أبدأ المعركة». (ذكر الابن في وقت لاحق أن الأسرة أجبرت على قضاء الليلة عند نقطة التفتيش المؤدية إلى كركوك، حيث ناموا على مقاعد سيارة أجرة أخرى قبل أن يُسمح لهم بالمرور).
بعد أن كان الجزء الأكبر من حركة السير في الصباح يتجه إلى كركوك وما بعدها، تحول إلى الاتجاه الآخر في فترة بعد الظهيرة، حيث يعود سكان الأراضي التي يسيطر عليها «داعش» إلى منازلهم بعد قضاء أعمالهم اليومية.
* خدمة «نيويورك تايمز»



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.