ما الحجم الحقيقي للضرر الذي تسببه رحلة الطائرة لكوكب الأرض؟

حصة المسافر من الانبعاثات الضارة كبيرة رغم قلة نسبتها من وسائل الطيران

غريتا ثنبرغ الفتاة السويدية الناشطة في المجال البيئي مع القبطان الألماني بوريس هيرمان أثناء استعدادها للإبحار يوم الأربعاء الماضي عبر المحيط الأطلسي بدلاً من السفر جواً (أ.ف.ب)
غريتا ثنبرغ الفتاة السويدية الناشطة في المجال البيئي مع القبطان الألماني بوريس هيرمان أثناء استعدادها للإبحار يوم الأربعاء الماضي عبر المحيط الأطلسي بدلاً من السفر جواً (أ.ف.ب)
TT

ما الحجم الحقيقي للضرر الذي تسببه رحلة الطائرة لكوكب الأرض؟

غريتا ثنبرغ الفتاة السويدية الناشطة في المجال البيئي مع القبطان الألماني بوريس هيرمان أثناء استعدادها للإبحار يوم الأربعاء الماضي عبر المحيط الأطلسي بدلاً من السفر جواً (أ.ف.ب)
غريتا ثنبرغ الفتاة السويدية الناشطة في المجال البيئي مع القبطان الألماني بوريس هيرمان أثناء استعدادها للإبحار يوم الأربعاء الماضي عبر المحيط الأطلسي بدلاً من السفر جواً (أ.ف.ب)

قد تبدو النصيحة هنا بسيطة: يتسبب الطيران في تكلفة مناخية باهظة مقارنةً بغيره من النشاطات الفردية. لذا، في حال كنتم من المهتمّين بتأثيراته على البيئة، يجب أنّ تقلّلوا من رحلاتكم الجويّة. ولكنّ الحقيقة هي أنّ السؤال أبعد ما يكون عن البساطة، عندما يجري الحديث حول إمكانية مقارنة السفر بنشاطات فردية أخرى، أو بالأحرى، حول اتخاذنا قرارات متعلّقة بتغييرات حياتية مرتبطة بسلوكنا المؤثّر على البيئة.

رحلات عالمية
تشهد أعداد زبائن خطوط الطيران تزايداً هائلاً منذ توسّع الأعمال عالمياً وكذلك تراجع كلفة السفر، فضلاً عن تراخي القوانين المنظمة للطيران الجوّي. وقد تأسست في السويد حركة «فلايغسكام – Flygskam»، (تعني بالسويدية «خجل الطيران») وهي حركة ناشئة تدعو الناس إلى الحدّ من استخدام السفر الجوي.
تُظهر بيانات البنك الدولي نموّاً مطرداً في رحلات الطيران بين عامي 1970 وبداية العقد الأول من الألفية الثالثة، لتسجّل بعدها ارتفاعاً جنونياً. بين عامي 2007 و2017، ازداد عدد المسافرين حول العالم إلى الضعف، وارتفع من 2.2 مليار إلى 4 مليارات في السنة الواحدة.

التأثير المناخي الفردي
يُنتج الطيران اليوم حصّة صغيرة من انبعاثات الكربون العالمية، أو ما يعادل 2.5% منها. ولكنّ حصّة المسافر من الانبعاثات الفردية هائلة. فقد أظهرت مقارنة أجراها أكاديميون سويديون وكنديون أنّ حصّة المسافر من الانبعاثات حلّت في المرتبة الثالثة في ترتيب مساهمة النشاطات الفردية في التأثير على الانبعاثات السنوية، بعد تأثير تحديد الإنجاب، والتخلّي عن السيارة.
في هذه الدراسة، يحمّل التأثير المناخي الناتج عن إنجاب طفل مسؤولية انبعاثات كربون شخص آخر طوال حياته، بالإضافة إلى حصة للأطفال الذين سينجبهم. أمّا بالنسبة إلى قرار التخلّي عن السيّارة، (والذي لن يخلو من الاستخدام النسبي للسيارات طبعاً)، فلا معنى له، إذ إنّ هذه الفكرة ما كانت لتكون موجودة أصلاً لولا امتلاك الناس للسيارات.
هاتان الحالتان تمّت مقارنتهما برحلة جويّة واحدة عابرة للأطلسي في العام. ومن هنا، يُظهر هذا النوع من الدراسات صعوبة إجراء مقارنات «المثل بالمثل» عندما يتعلّق الأمر بتقدير حجم الانبعاثات أو الخيارات المرتبطة بالاستهلاك.
تمثّل التغييرات النظامية الكبيرة في صناعة الطيران، كالإصرار على الفعالية وفرض الضرائب على الانبعاثات، حلّاً أساسياً لهذه المشكلة. يملك أسّانيو فيتاليه، أحد روّاد الأعمال في عالم التقنية وناشط مناخي مخضرم، مقارنة أخرى: يسهم كلّ مسافر في رحلة متواصلة غير منقطعة، ذهاباً وإياباً، من لندن إلى نيويورك بانبعاث نحو ثلاثة أطنان من ثاني أكسيد الكربون، أي ما يعادل كمية الانبعاثات الناتجة عن التدفئة في منزل عائلة متوسطة في بريطانيا طوال سنة كاملة.
يقترح فيتاليه على الناس التفكير دائماً بتأثير خياراتهم على البيئة، ولكنّه في المقابل، يلفت إلى أنّ التغييرات النظامية الكبرى في صناعة الطيران كالإصرار على الفعالية وفرض الضرائب على الانبعاثات تشكّل حلّاً أساسياً للمشكلة.

مقاومة السفر الجوي
إنّ التخلّي الكلي عن السفر والطيران ليس بالقرار السهل أبداً، وجميعنا يعرف أنّ تحرّك فرد واحد لن يُحدث أي فارق ما لم يعمد الآخرون إلى تغيير سلوكهم أيضاً. هذا فضلاً عن أنّ السفر نشاط عاطفي وأصبح مرتبطاً بشكل وثيق مع أسلوب حياتنا.
علاوة على ذلك، وحتى مع بطاقات الطيران التي قد تبدو باهظة، يبقى السفر بالطائرة زهيداً نسبياً، لأنّ معظم خطوط الطيران حول العالم لا تفرض أي تكاليف إضافية على انبعاثات الكربون التي تنتجها. ولكن إن فعلت، ستصبح الأسعار أعلى، تماماً كما أسعار السجائر المرتفعة بسبب الضرائب التي فُرضت عليها لتثبيط عزيمة الناس على التدخين وتغطية النفقات الصحية لمن يختارون الاستمرار به.
تثير مسألة فرض الضرائب على الكربون خلافات كبيرة. فقد أسس بعض الدول في الاتحاد الأوروبي وولاية كاليفورنيا الأميركية، أسواقاً للكربون تفرض على المصادر الصناعية الباعثة كمحطات توليد الطاقة، الدفع لشراء أرصدة الكربون لإنتاج الانبعاثات، بهدف تحفيز الكفاءة. (ولكنّ الأمور لم تسِر دائماً وفق الخطط الموضوعة، بسبب المبالغة في تكريس التراخيص، حيث إن خطة الاتحاد الأوروبي لم تجهد في محاربة الانبعاثات كما يجب). انضمّت صناعة الطيران إلى سوق الكربون الأوروبية عام 2012، ولكنّها شملت الرحلات داخل الاتحاد الأوروبي فحسب، إلّا أنّ هذا الانضمام لم يكن ذا جدوى. ولكنّ جهوداً دولية تُحضّر لتحديد سقف يضبط انبعاثات الطائرات بشكل صارم، رغم تقدّم هذه الجهود ببطء بسبب الضغوط الثقيلة التي تمارسها صناعة الطيران.
من جهتها، تقترب ألمانيا من فرض ضرائب على الكربون في مجالات كانت حتى اليوم معفاة من تطبيق خطة تجارة الكربون، كالبناء والنقل. ولكنّ غياب التعاون بين الدول سيصعّب على البلاد التي تتخذ مبادرات كهذه تطبيق قوانينها بفعالية. هذا بالإضافة إلى صعوبة السيطرة على صناعة الطيران: ففي حال عمدت خطوط الطيران الألمانية إلى رفع أسعار رحلاتها من كوبنهاغن إلى بكين مثلاً، من المحتمل أن تُجابه بتخفيض بأسعار البطاقات في خطوط طيران دانماركية أو صينية. مع استمرار الحرية التي تنعم بها صناعة الطيران وزيادة أعداد المسافرين بشكل غير مسبوق، تتوقّع منظمة الطيران المدني الدولي أنّ ترتفع الانبعاثات الناتجة عن الطيران بشكل دراماتيكي بحلول عام 2050، بمعدّل 700% عمّا كانت عليه عام 2005.

صعوبة القياس
يتوفّر بعض الأدوات الخاصّة لقياس انبعاثات الكربون ولكنّ استخدامها في السفر أمر صعب جداً. يقول فيتاليه إنّ معظم أدوات احتساب انبعاثات الكربون ليست دقيقة لأنّها تستخدم مركبتين جويتين مختلفتين (هيكل عريض وهيكل ضيّق)، فضلاً عن اختلاف المسافة التي تطيرها لتقييم الكلفة الإجمالية. كناشط سابق في «غرينبيس» (منظمة السلام الأخضر) يضع كلّ تركيزه اليوم على فعالية صناعة الطيران، يملك فيتاليه سبباً وجيهاً لتشويه سمعة أدوات احتساب الانبعاثات، وهو أنّ شركته الناشئة «فلايزين» طوّرت أداتها الخاصة لهذا الغرض. يضع هذا الابتكار فيتاليه في موقع يسمح له بتحديد سبب صعوبة فهم المستهلكين لتأثير سفرهم على المناخ.
تستخدم الأداة التي طوّرتها «فلايزين» والمصممة لصناعة الرحلات المحجوزة، مقاييس أكثر من الأدوات الأخرى، كنموذج الطائرة المحدّد، والمحرّكات المستخدمة على طرق معيّنة ومن قبل شركات مختلفة، والتوقّف خلال الرحلة، وعدد المقاعد في كلّ طائرة، وحتى الوقت الذي تمضيه الطائرة في السير على المدرج قبل الإقلاع وبعد الهبوط. عند استخدامها لقياس الانبعاثات الناتجة عن ثلاث رحلات بين فرانكفورت ونيويورك، أظهرت الأداة فروقات كبيرة. فقد تبيّن وفقاً للبيانات المسحوبة من المقياس أنّ رحلة واحدة على متن خطوط «لوفتهانزا» الألمانية تُنتج انبعاثات بمعدّل 1.3 طنّ من ثاني أكسيد الكربون للمسافر الواحد، بينما تنتج خطوط الطيران الأميركية الضعف تقريباً، أي 2.3 طنّ من الانبعاثات.

مشكلة العصر
يعارض مايكل مان، من جامعة ولاية بنسلفينيا، وغيره من علماء المناخ، الإقدام على أي تضحيات فردية فيما يتعلّق بالتغيّر المناخي مهما كانت كبيرة، لأنّهم يشعرون أنّ التأثير الحقيقي لن يحصل إلّا بتحرّك الحكومات.
يقول مان إنّ التحوّل إلى أشخاص نباتيين، والتخلّي عن الطيران، والعدول عن فكرة الإنجاب من شأنه أن يشتتنا عن التغييرات المهمّة التي يجب أن تحصل على صعيد الشركات الكبرى والقوانين التنظيمية. (في المقابل، يخرج رأي آخر معارض يعتبر أنّ تقديم التضحيات الفردية لن يشتّتنا، بل على العكس، سيزيد من عزمنا على الضغط على المؤسسات والحكومات لفرض ممارسات أفضل).
تضعنا حجّة مانّ أمام خيارين اثنين: إمّا انتخاب سياسيين يتعهدون بالقيام بالتغييرات المطلوبة، وإما تكريس حياتنا (ووقت فراغنا) للضغط عليهم للقيام بهذه التغييرات. تضع حركة «إكستنكشن ريبيليون» (ثوّار ضدّ الانقراض) التي اجتاحت المملكة المتحدة ودول أخرى أخيراً، هذا الهدف في صلب نشاطاتها، من خلال حثّ الحكومات على القيام بالخطوات المطلوبة ورفع الصوت عالياً عبر تحرّكات تشمل شلّ حركة أوساط المدن والاعتقالات الجماعية.
يقول تشارلز كون، الرئيس التنفيذي لشركة «أوكسفورد ساينسز إنوفيشن» إنّ هذه التحرّكات هي ردّة فعل طبيعية على ما سماها «المشكلات الملعونة»، أي المعضلات المعقّدة المتعددة الأسباب، و«تعزيز السببية»، أي مساهمة أحد الحلول في زيادة الحال سوءاً في جوانب أخرى من المشكلة. ولكنّ البحث في مشكلة التغير المناخي الملعونة في كتابه الأخير «بوليت بروف بروبلم سولفينغ» (حلّ مشكلة مضادة للرصاص) قاد كون إلى خلاصة متفائلة مفادها أنّ الشركات الكبرى نفسها تتألّف من أفراد مسؤولين عن اتخاذ القرارات.
في مقابلة أجراها مع موقع «كوارتز»، رأى كون أنّ «انبعاثات الكربون التي ننتجها نحن البشر معروفة ويمكن التأثير عليها». ورجّح «أننا إن استطعنا تحقيق تغيّرات سلوكية معيّنة في حياتنا الخاصة والعملية، وعرضناها على الرجال والنساء الذين يديرون مؤسساتنا» سنكون قد قطعنا شوطاً كبيراً في معركتنا مع المناخ، مشدّداً في الوقت نفسه، على حاجتنا إلى قادة مسؤولين يتولّون إدارة ما تبقى من المعركة.
- «كوارتز»،
خدمات «تريبيون ميديا».



دراسة: أقدم كلب معروف ظهر قبل 15 ألفاً و800 عام

امرأة تُقبّل كلبها أثناء مشاهدتهما غروب الشمس في مالطا (رويترز)
امرأة تُقبّل كلبها أثناء مشاهدتهما غروب الشمس في مالطا (رويترز)
TT

دراسة: أقدم كلب معروف ظهر قبل 15 ألفاً و800 عام

امرأة تُقبّل كلبها أثناء مشاهدتهما غروب الشمس في مالطا (رويترز)
امرأة تُقبّل كلبها أثناء مشاهدتهما غروب الشمس في مالطا (رويترز)

تُعرف الكلاب دوماً بأنها رفيقة وفية للإنسان منذ أن جعلها أول الحيوانات المستأنسة، وهي تنحدر منذ زمن بعيد من الذئاب الرمادية، لكن التساؤلات حول متى وأين ولماذا بالضبط حدث هذا لا تزال دون إجابة.

وتقدم الأبحاث الجينية الحديثة الآن نظرة فاحصة على هذا بما في ذلك تحديد أقدم كلب معروف ويعود إلى 15 ألفاً و800 عام.

وقال الباحثون إن هذا الكلب، الذي عُرف من خلال عظام عُثر عليها في موقع صخري في بينار باشي بتركيا كان يستخدمه الصيادون قديماً، أقدم بنحو خمسة آلاف سنة من أقدم حيوان ينتمي لفصيلة الكلاب معروف سابقاً وتم التأكد منه وراثياً.

وأضافوا أن تاريخ كلب بينار باشي وعدة كلاب أخرى، تم تحديدها في مواقع أخرى في أوروبا تعود إلى العصر نفسه تقريباً، تُظهر أن تلك الحيوانات كانت منتشرة على نطاق واسع وجزءا لا يتجزأ من الثقافة البشرية قبل آلاف السنين من ظهور الزراعة.

وجرى استعراض النتائج الجديدة في ورقتين علميتين نُشرتا، الأربعاء، في مجلة «نيتشر»، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقال وليام مارش الباحث في مختبر علم الجينوم القديم بمعهد فرنسيس كريك في لندن والمشارك في إعداد إحدى الدراستين إن أدلة الحمض النووي تشير إلى أن الكلاب كانت موجودة في مناطق مختلفة في غرب أوراسيا منذ 18 ألف عام، وكانت بالفعل مختلفة جينياً تماماً عن الذئاب.

وأضاف مارش: «نتصور أن مجموعتي الكلاب والذئاب انفصلتا قبل ذلك بكثير، على الأرجح قبل ذروة العصر الجليدي الأخير أي قبل 24 ألف عام. ومع ذلك، لا يزال هناك الكثير من عدم اليقين».

طريقة جديدة للتمييز وراثياً

كان الكلب، الذي ينحدر من سلالة ذئاب قديمة منفصلة عن الذئاب الحديثة، أول حيوان استأنسه الإنسان قبل حيوانات أخرى مثل الماعز والأغنام والماشية والقطط.

وقال عالم الوراثة أندرس بيرجستروم من جامعة إيست أنجليا في إنجلترا، المؤلف الرئيسي للدراسة الأخرى: «ظلت الكلاب رفيقة للبشر حين مروا بتحولات كبيرة في نمط الحياة وظهرت مجتمعات معقدة».

وأضاف بيرجستروم: «من المثير للاهتمام أيضاً أنه، على عكس معظم الحيوانات المستأنسة الأخرى، لا يكون للكلاب دائماً أدوار أو أغراض محددة بوضوح بالنسبة للبشر. ربما يكون دورها الأساسي في كثير من الأحيان هو مجرد الرفقة».

وأجرى بيرجستروم وفريقه بحثاً مستفيضاً عن الكلاب في العصور القديمة في أوروبا باستخدام طريقة جديدة للتمييز وراثياً بين الذئاب والكلاب من بين 216 من البقايا القديمة يتراوح عمرها بين 46 ألف سنة وألفي سنة من بلجيكا والدنمارك وفرنسا وألمانيا وهولندا واسكتلندا والسويد وسويسرا وتركيا. وهذه أكبر دراسة من نوعها لهذه البقايا حتى الآن.

عظام الفك العلوي لكلب عُثر عليها في كهف بسويسرا ويعود تاريخها إلى نحو 14 ألف عام (رويترز)

وتمكن الباحثون من تحديد 46 كلباً و95 ذئباً. ونظراً لأن الهياكل العظمية للكلاب والذئاب كانت متشابهة جداً في المراحل المبكرة من استئناس الكلاب، فإن الدراسات الجينية ضرورية للتمييز بينها في البقايا القديمة.

وأقدم الكلاب التي حددها فريق بيرجستروم يعود تاريخه إلى 14 ألفاً و200 عام من موقع كهف كيسلرلوخ في سويسرا. وتبين أن أقدم الكلاب الأوروبية التي حددتها هذه الدراسة تشترك في الأصل مع الكلاب في آسيا وبقية العالم مما يدل على أن هذه المجموعات المختلفة من الكلاب لم تنشأ من حالات استئناس منفصلة.

أسئلة دون إجابة

ويعد كلب بينار باشي، في الدراسة التي عمل عليها مارش، دليلاً على منزلته الكبيرة لدى الصيادين الذين كانوا يربون الكلاب.

وقال مارش: «في بينار باشي، توجد مدافن للبشر والكلاب ودُفنت الكلاب بجوار البشر».

وهناك أدلة أيضاً على أن سكان بينار باشي كانوا يطعمون كلابهم السمك.

وحددت هذه الدراسة خمسة كلاب يعود تاريخها إلى ما بين 15 ألفاً و800 و14 ألفاً و300 سنة، بما في ذلك بقايا كلاب من كهف جوف بالقرب من تشيدر في إنجلترا.

عظام فك كلب عمرها 14 ألفاً و300 عام عُثر عليها في كهف بإنجلترا (أ.ب)

وخلصت الدراسة إلى أن كلاب بينار باشي وكهف جوف أكثر ارتباطاً بأسلاف السلالات الأوروبية والشرق أوسطية الحالية مثل البوكسر والسلوقي، مقارنة بالسلالات القطبية مثل الهاسكي السيبيري.

ووفقاً للباحثين، فإلى جانب الرفقة ربما ساعدت الكلاب القديمة البشر في الصيد أو الحراسة، نوعاً ما كنظام إنذار في العصر الجليدي. وقالوا إنه على عكس عدد من سلالات الكلاب في عصرنا الحالي، من المرجح أن تلك الكلاب القديمة كانت لا تزال تشبه إلى حد كبير الذئاب المنحدرة منها.

وأوضح بيرجستروم أن «الأسئلة المتعلقة بمتى وأين وسبب ترويض البشر للكلاب تظل دون إجابة إلى حد كبير... نعتقد أن ذلك حدث على الأرجح في مكان ما في آسيا لكن لا يزال يتعين تحديد المكان بدقة أكبر».


لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟
TT

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

لماذا يفقد الجمهور ثقته في الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

انطلق عصر الذكاء الاصطناعي بوعودٍ واسعة النطاق ونقاشاتٍ حول إمكانياتٍ لا حدود لها، كما تكتب لويز ك. ألين(*).

تفاؤل وخيبة

والآن، وبعد سنواتٍ من الخبرة العملية، لا يزال الخبراء متفائلين بشأن التأثير طويل الأمد للذكاء الاصطناعي. وفي الوقت نفسه، يتفق معظم الناس على أن مساهماته في الحياة اليومية كانت مخيِّبة للآمال، إن لم تكن أسوأ من ذلك.

وحتى بصفتي واحدة من العاملات في القيادة التقنية بهذا المجال، لا بد لي من الاعتراف بأن استياء المستهلكين من الذكاء الاصطناعي له ما يبرره إلى حد كبير، فقد اتسمت تجربة المواطن الأميركي العادي مع الذكاء الاصطناعي التوليدي، حتى الآن، بتراجع الجودة وازدياد انعدام الثقة.

قصص وهمية في وسائل الاتصال الاجتماعي

تعجّ وسائل التواصل الاجتماعي بأشخاصٍ وقصصٍ وهمية، وتمتلئ الأسواق الإلكترونية بشكلٍ متزايد بعمليات الاحتيال المدعومة بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تفشل مبادرات الشركات في تحقيق التوقعات المالية، بل إن عدداً منها زاد من صعوبة حياة العاملين.

لقد بات فشل أدوات الذكاء الاصطناعي العام في تحقيق الضجة الإعلامية الكبيرة التي أثيرت حولها، أمراً مُسلَّماً به عالمياً، حتى إن قاموس ميريام-ويبستر نفسه أعلن اختياره كلمة «هراء» ككلمة عام 2025.

«التحديد الدقيق والموجّه»

ومع ذلك، تتاح للجمهور، الآن، فرصة لتغيير هذا الواقع في عام 2026. ويبدأ ذلك بتوظيف مفهوم «التحديد الدقيق (specificity)» ككلمة تُعرِّف ما هو مقبل.

وفي حقيقة الأمر، فإن شركات التكنولوجيا وباحثي الذكاء الاصطناعي بالغوا في تقدير القدرات الفعلية لهذه التقنية منذ البداية، فقد ركّز هؤلاء الرواد على الإمكانات الكامنة، بدلاً من النتائج العملية. لقد صوّروا الذكاء الاصطناعي على أنه ضرورة يجب على الشركات اتباعها لمواكبة التطورات، بدلاً من كونه أداةً يمكن للمؤسسات والأفراد استخدامها لتحقيق أهداف محددة.

التكنولوجيا وسيلة وليست غاية

لتطوير هذه التقنية وتحقيق رؤيتهم لمستقبل مُحسَّن بالذكاء الاصطناعي، سيتعيّن على القادة التوقف عن مناشدة الجمهور لتغيير الخطاب حول الذكاء الاصطناعي.

إن الطريق إلى الأمام بسيط للغاية، إذ يحتاج قادة التكنولوجيا إلى العودة إلى أساسيات المنتج. عليهم أن يتقبلوا فكرة أن التكنولوجيا وسيلة لتحقيق غاية، وليست غاية في حد ذاتها، وهذا يعني إعادة تركيز استراتيجيات التطوير والتواصل على حلول للمشاكل الحقيقية.

خطوات التحديد الدقيق «الموجّه»

1. التصميم الموجَّه للأفراد لا «المستخدمين»

إن إغراء بناء أدوات عامة الأغراض مفهوم، لكن القيام بذلك باستخدام التكنولوجيا الحالية يُضعف فائدتها. وستكون أدوات الذكاء الاصطناعي، اليوم، أكثر فاعلية عندما تُصمم خصوصاً لأفراد محددين في أدوار محددة. يجب أن تُوجه هذه المعرفة عملية ابتكار المنتج، والتدريب، والتسويق، وتكتيكات المبيعات.

2. التركيز على النتائج بدلاً من القدرات

الذكاء الاصطناعي ليس مختلفاً عن أي منتج آخر. لن يستخدمه الناس إلا إذا حل مشكلة موجودة لديهم بالفعل. ويفشل كثير من أدوات الذكاء الاصطناعي في تحقيق هذا الهدف، فهي تركز على ما يمكن للنموذج فعله، بدلاً من التمعن في فهم أسباب أهمية ما يفعله.

3. التوقف عن تقديم وعود خيالية

قد يُمثل الذكاء الاصطناعي، اليوم، مستقبلاً يمكن فيه تحقيق التحسين الشامل، لكن هذا ليس صحيحاً. يجب أن تعكس خطط تطوير المنتجات هذه الحقيقة. إنّ الوضوح والمباشرة بشأن ما هو متاح الآن وما سيكون متاحاً في المستقبل يُساعدان على تخفيف الإرهاق الناتج عن الضجة الإعلامية واستعادة الثقة.

حان وقت إعادة النظر

بصفتي مديرة للمنتجات، شاهدتُ عدداً من الأمثلة على الاستخدام الأمثل للذكاء الاصطناعي، خلال السنوات القليلة الماضية.

ومع ذلك، أُدرك أن أسباب انعدام ثقة الجمهور أو عدم اهتمامه الواسع النطاق تقع في معظمها على عاتق قطاع التكنولوجيا، ذلك أن رغبة هذا القطاع في إنجاز كل شيء دفعة واحدة، خلقت بيئةً لا يثق فيها الناس بقدرة التكنولوجيا على القيام بأي شيء مفيد.

إنها حقيقةٌ يصعب تقبّلها، لكن أي قائد تقني يُنكر ذلك يُخدع نفسه. ومع ذلك، لم يفت الأوان بعدُ لتصحيح الوضع. إذا كان القادة على استعداد لتقبُّل هذه الحقيقة وإعادة توجيه استراتيجياتهم نحو «التحديد»، فسيكون هناك متسع من الوقت لإعادة النظر، وإعادة التقييم، وتحقيق رؤية مستقبلٍ مُحسَّن. يجب أن يحدث هذا قريباً، وإلا فسيضيع مستقبل الذكاء الاصطناعي هباءً.

*مجلة «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا»


مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
TT

مجتمعات كاملة وتجارب إنسانية... لا تزال خارج نطاق الذكاء الاصطناعي

نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر
نافذة على عالمين_ أحدهما لا يفهم الآخر

في القاعات الكبرى، حيث تُصاغ البيانات وتُعلن المبادئ بلغة تبدو مكتملة، يظهر الذكاء الاصطناعي كأنه يسير بثقة نحو مستقبل أكثر عدلاً وإنصافاً. تُرفع شعارات الشفافية، وتُكرَّر مفاهيم الحوكمة، وتُقدَّم العدالة الخوارزمية كأنها حقيقة قريبة لا جدال فيها.

لكن خلف هذا الانسجام الظاهري، يبقى سؤال أكثر إزعاجاً، وأقل حضوراً:

هل ما يُقال في هذه القاعات يعكس فعلاً ما يحدث خارجها، أم أنه يكتفي بصياغة عالمٍ مثالي لا وجود له في الواقع؟

أخلاقيات داخل حدود البيانات

تركّز معظم النقاشات العالمية حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي على قضايا تبدو مكتملة: التحيّز، والخصوصية، والشفافية، والمسؤولية. وهي دون شك قضايا حقيقية، لكنها تنطلق من افتراض خفيّ نادراً ما يُناقش: أن المشكلة تكمن في كيفية استخدام البيانات، لا في حدودها.

لكن السؤال الأكثر عمقاً، والأقل طرحاً، هو: ماذا عن أولئك الذين لا تُمثّلهم البيانات أصلاً؟ فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من تعقيد، لا يرى العالم كما هو، بل كما يُقدَّم له. وما لا يدخل في بياناته، لا يدخل في حساباته... ولا في قراراته. وهنا لا يكون الخطأ في الخوارزمية، بل في العالم الذي اختُصر داخلها.

ما لا تراه الخوارزميات

عالم خارج الرؤية الخوارزمية

في مساحات واسعة من هذا العالم، لا تُقاس المعاناة ولا تُسجَّل، ولا تتحول إلى بيانات يمكن للآلة أن تفهمها. هناك أمراض لا تصل إلى مرحلة التشخيص، وصدمات لا تُوثَّق، وواقع صحي كامل يظل خارج أي نموذج تنبؤي.

في مثل هذه البيئات، لا يكون التحيّز نتيجة خلل تقني في الخوارزمية، بل نتيجة غياب الصورة من الأساس. فالمشكلة ليست في طريقة التحليل... بل فيما لم يُحلَّل أصلاً.

وهنا يتبدّل معنى العدالة نفسها. فكيف يمكن الحديث عن «عدالة خوارزمية» في عالمٍ لم يُمثَّل رقمياً بعد؟ وهل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون منصفاً... إذا كان لا يرى الجميع؟

عندما لا تكفي الأخلاقيات

في القمم العالمية، يُقدَّم الذكاء الاصطناعي كأداة يمكن تهذيبها أخلاقياً، وكأن المشكلة تكمن فقط في ضبط سلوك الخوارزمية من داخل النظام الذي أنشأها. تُناقش المبادئ، وتُصاغ الأطر، ويبدو وكأن الحل يكمن في تحسين ما هو قائم. لكن هذا التصور يخفي افتراضاً أعمق: أن جميع المشكلات قابلة للحل من داخل النظام نفسه. بينما يهمس الواقع بشيء مختلف تماماً.

فهناك معاناة لا تنتظر «حوكمة» الخوارزمية... بل تنتظر أن تُرى. وهناك بشر لا يحتاجون إلى خوارزميات أكثر عدلاً، بل إلى أن يدخلوا أصلاً في مجال رؤيتها.

ما بين الخطاب والواقع: درس من قمة الهند

كما ظهر في نقاشات القمة العالمية للذكاء الاصطناعي في الهند، التي رفعت شعار «الذكاء الاصطناعي المسؤول»، بدا أن التركيز ينصب على مبادئ الحوكمة، والشفافية، وتقليل التحيّز داخل الأنظمة. لكن ما تكشفه هذه النقاشات، رغم أهميتها، هو فجوة أعمق: أن الخطاب الأخلاقي العالمي يفترض وجود عالم ممثَّل بالكامل داخل البيانات... بينما الواقع مختلف تماماً. فما لا يُقال في هذه القاعات، ليس فقط حدود التقنية، بل حدود الرؤية نفسها... إذ توجد مجتمعات كاملة خارج نطاق النماذج، وتجارب إنسانية لا تصل إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي، وبالتالي لا تدخل في أي إطار أخلاقي يُناقش.

* عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية من العوامل التي لا يمكن قياسها ولا تدخل إلى الأدوات الذكية *

حدود ما يمكن قياسه

في دراسة حديثة نُشرت عام 2026 في مجلة «نيتشر ميديسن» (Nature Medicine)، أظهرت نماذج تنبؤية طوّرها باحثون في جامعة ستانفورد قدرة متقدمة على تحليل البيانات الصحية، واستباق المخاطر قبل حدوثها. ومع ذلك، توقفت هذه النماذج عند حدود واضحة عندما يتعلق الأمر بعوامل لا تُقاس بسهولة، مثل عدم الاستقرار البيئي أو الضغوط النفسية التي لا تجد طريقها إلى السجلات الطبية.

وهنا لا تنكشف حدود التقنية فحسب، بل حدود الفكرة التي تقوم عليها.

فالمشكلة ليست في دقة ما نقيس، بل في افتراضٍ أعمق: أن كل ما هو مهم... يمكن قياسه.

لكن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك. فبعض أهم محددات الصحة لا تُكتب في البيانات، ولا تُترجم إلى أرقام، ومع ذلك تظل الأكثر تأثيراً في حياة الإنسان.

ما بعد الأخلاقيات

قد تنجح القمم في صياغة مبادئ أخلاقية للذكاء الاصطناعي، وتبدو هذه المبادئ مكتملة في نصوصها ومنطقها. لكن التحدي الحقيقي لا يبدأ داخل هذه الأطر، بل خارجها.

في تلك المساحات التي لا تصلها البيانات، ولا تلامسها النماذج، ولا تختزلها الأرقام، هناك يتغيّر السؤال نفسه. فلا يعود السؤال:

هل الذكاء الاصطناعي أخلاقي؟ بل يصبح أكثر عمقاً وإلحاحاً: هل يستطيع أن يرى ما يجب أن يكون أخلاقياً تجاهه؟