صحافيو تركيا ضحايا تهمة «إهانة الرئيس»

انتقادات دولية واسعة... وتزايد الاتجاه الرسمي نحو التضييق

صورة أرشيفية لمظاهرة احتجاجية في إسطنبول عام 2016 للمطالبة بفك القيود عن حرية الصحافة
صورة أرشيفية لمظاهرة احتجاجية في إسطنبول عام 2016 للمطالبة بفك القيود عن حرية الصحافة
TT

صحافيو تركيا ضحايا تهمة «إهانة الرئيس»

صورة أرشيفية لمظاهرة احتجاجية في إسطنبول عام 2016 للمطالبة بفك القيود عن حرية الصحافة
صورة أرشيفية لمظاهرة احتجاجية في إسطنبول عام 2016 للمطالبة بفك القيود عن حرية الصحافة

أصبحت جريمة «إهانة الرئيس» من أكثر الجرائم التي يواجهها الصحافيون في تركيا والتي بسببها صدر كثير من أحكام الحبس لتزيد هذه الجريمة من حجم الضغوط الواقعة عليهم في ظل بيئة عمل غير مواتية، حسبما تؤكد تقارير المنظمات الدولية المعنية بحرية الصحافة والتعبير وحقوق الإنسان.
وواجه العشرات من الصحافيين والكتاب والفنانين والأكاديميين وغيرهم من الفئات، بينهم مواطنون بسطاء وأحد طلاب المرحلة الثانوية، أحكاما بالسجن في دعاوى قضائية بتهمة إهانة رئيس الجمهورية، بسبب تغريدات على «تويتر» أو تدوينات على «فيسبوك» أو مقالات رأي بالصحف.
وقبل أسبوعين، ألقت قوات الأمن التركية على الصحافي علي أفجو، رئيس تحرير صحيفة «يورت» المعارضة، بتهمة «إهانة إردوغان»، واعتقل الصحافي أثناء توجهه إلى مدينة بولو (غرب) من أجل حضور أحد الاجتماعات، واقتيد إلى النيابة العامة للتحقيق بتهمة إهانة الرئيس.
وفي شهر يونيو (حزيران) الماضي، قضت محكمة تركية بحبس الصحافي ياووز سليم دميراغ، كاتب العمود في صحيفة «يني تشاغ» بالحبس لمدة 11 شهرا و20 يوما بتهمة إهانة إردوغان، وذلك بعد أن تعرض الصحافي ذاته، في مايو (أيار) الماضي، لضرب مبرح من قبل مجهولين بمضارب البيسبول، وأصيب بجروح بليغة في وجهه وأنحاء جسمه لدى خروجه من قناة تلفزيونية يعمل بها في إسطنبول وانتقادات وجهت للحكومة في برنامجه بسبب قرار إعادة الانتخابات المحلية في مدينة إسطنبول.
وبالتهمة نفسها؛ «إهانة إردوغان»، وبالعقوبة ذاتها، حكم على الصحافي مصطفى يايلا، في واقعة تعود إلى 3 سنوات مضت، عندما كان يعمل في صحيفة «آيدن» المحلية في ولاية «آيدن» جنوب البلاد، وكتب عبر حسابه في «فيسبوك» عبارات انتقد فيها مناخ حرية التعبير والإعلام، استفزت أحد المحامين الموالين لإردوغان، فقدم ضده بلاغا يتهمه فيه بإهانة الرئيس.
وصدر الحكم عن المحكمة الابتدائية بمدينة آيدن، ورغم طعن الصحافي يايلا عليه، فإن طلب الطعن رفض من قبل المحكمة، ولم يتم إبلاغه بالرفض، وقامت قوات الشرطة باعتقاله بعد أيام من حفل زفافه وأودع السجن لقضاء فترة عقوبته.
وفي واحدة من هذه القضايا أيضا، قضت محكمة تركية العام الماضي بالحبس 14 شهرا على الكاتبة الصحافية نازلي إيليجاك بتهمة إهانة إردوغان، استنادا إلى تغريدة على «تويتر» نشرتها في 23 فبراير (شباط) عام 2016 انتقدت فيها الرئيس التركي.
وفي دفاعها أمام المحكمة أفادت إيليجاك، التي تحاكم في الوقت ذاته بتهمة دعم محاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016 والمسجونة لهذا السبب، بأنها نشرت التغريدة المشار إليها بسبب سجن إردوغان لصلاح الدين ديمرتاش الرئيس المشارك السابق لحزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد.
وفي مارس (آذار) 2015 قضت محكمة في إسطنبول، بالسجن 11 شهرا على رسامَي كاريكاتير في صحيفة «بينغوين» الساخرة، أدينا بإهانة الرئيس رجب طيب إردوغان. ولاحقا خفف القضاة عقوبة الرسامين بهادير باروتر، وأوزر أيدوغان، إلى غرامة تبلغ 7 آلاف ليرة تركية.
وتعليقا على قضايا إهانة إردوغان التي يواجهها الصحافيون والكتاب في تركيا بشكل لافت للنظر، قالت الصحافية بيلين أونكر، التي نجت بالكاد من حكم لمدة سنة في السجن بعد أن أعلنت المحكمة براءتها من تهم تشهير جاءت نتيجة تغطيتها أخبارا عن شركات خارجية مرتبطة بالسياسيين الأتراك وعائلاتهم، منهم عائلة رئيس الوزراء والبرلمان السابق بن علي يلدريم،: «لا يريد إردوغان وحزبه الحاكم أن يكون هناك صحافة حقيقية في البلاد ولا يريدون أن يكونوا موضوعا لقصة خبرية إذا لم يكن الهدف هو الإشادة بهم».
من جانبها، قالت إيما سنكلير ويب من منظمة «هيومن رايتس ووتش» إن «تركيا تملك ماضيا مثقلا في الملاحقات بتهمة التشهير، لكن سجن أشخاص بتهمة الإهانة يشكل توجها جديدا مثيرا للقلق لا سابق له في السنوات العشر الأخيرة».
وبلغ عدد القضايا التي رفعت من قبل النيابة العامة في تركيا بتهمة «إهانة إردوغان» في عام 2017 وحده، نحو 20 ألفا و539 قضية، نظرت محاكم الجنايات التركية منها 6 آلاف و33 قضية، ونفذت الأحكام في ألفين و99 قضية منها.
وأكدت منظمة «هيومن رايتس ووتش»، في تقريرها السنوي الصادر مطلع العام الحالي أن الإعلام التركي يفتقر لأدنى درجات الاستقلالية والحرية، وأن أغلب الصحف والقنوات تحولت لمساندة الحكومة حفاظا على بقائها.
وذكر التقرير أن الأحكام القضائية الصادرة بحق صحافيين، جميعها بدوافع سياسية، فيما لا تعدو أن تكون أدلة الإدانة سوى مجرد تقارير مهنية لم ترق لإردوغان وحكومته.
وشنت حكومة إردوغان حملة قاسية عقب محاولة الانقلاب الفاشلة، تسببت في تزايد أعداد الصحافيين القابعين في السجون في تركيا إلى أكثر من 130 صحافيا، إضافة إلى إغلاق أكثر من 140 منفذا إعلاميا.
واعتبر نائب رئيس لجنة حماية الصحافيين في تركيا إمره كيزيل كايا، أنه إذا كان هناك صحافي واحد قابعا في السجن، أو يخشى قول الحقيقة أو تعرض للطرد من عمله لأنه قالها، فإن هذا مشكلة كبيرة لأي ديمقراطية.
وتحتل تركيا حاليا المرتبة 157 من بين 180 دولة على مؤشر حرية الصحافة التابع لمنظمة «مراسلون بلا حدود». وقال مدير برامج «حرية الصحافة» في المعهد الدولي للصحافة سكوت غريفن، إن المعهد يراقب ما يصنفه أنه انهيار لحكم القانون والإجراءات القانونية للصحافيين في تركيا، لافتا إلى أن الصحافيين اليساريين، والعلمانيين والأكراد جميعهم مستهدفون بشكل خاص.
وفي تقريرها الدولي لعام 2019، قالت منظمة «هيومن رايتس ووتش»، إن تركيا ما زالت الأولى عالميا في سجن الصحافيين، حيث يبقي النظام الحاكم على 175 منهم رهن الحبس والسجن بتهم مختلفة ومزاعم عن علاقات بتنظيمات إرهابية أو دعم الإرهاب.
وأكد التقرير أن مناخ الإعلام في تركيا يفتقر لأدنى درجات الاستقلالية والحرية، وأن أغلب الصحف والقنوات تحولت لمساندة الحكومة حفاظا على بقائها، فيما تصدر الأحكام القضائية بحق صحافيين بدوافع سياسية، ولا تكون أدلة الإدانة سوى تقارير مهنية لا تدعو للعنف لكنها لا توافق هوى السلطة. ورصد التقرير حجب المواقع الإلكترونية، وتعرض الآلاف لتحقيقات جنائية ومحاكمات بسبب تعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي، فضلا عن استمرار حجب موقع «ويكيبيديا».
وعلى الرغم من هذه التقارير والانتقادات، منحت الحكومة التركية هيئة الرقابة على الإذاعة والتلفزيون، سلطات واسعة للإشراف على محتوى الإنترنت، في خطوة تهدف، بحسب مراقبين، إلى إرساء مبادئ تنظيم البث الإذاعي والتلفزيوني.
وبحسب قانون نشر في الجريدة الرسمية التركية، فإنه يتوجب على جميع مقدمي خدمات المحتوى عبر الإنترنت الحصول على تراخيص البث من هيئة الرقابة على الإذاعة والتلفزيون، والتي ستقوم بعد ذلك بالإشراف على المحتوى المقدم من هذه الشركات. ويسعى القانون إلى إرساء أساليب ومبادئ تنظيم خدمات البث الإذاعي والتلفزيوني... ومنح تراخيص البث لمقدمي الخدمات الإعلامية، ومنح سلطة البث لمديري المنصات والإشراف على البث المعني.
وبموجب القانون، ستخضع منصات البث المباشر مثل «نتفليكس» والمواقع الإخبارية، ومنصات أخرى مثل موقعي البث المحليين «بوهو تي في» و«بلو تي في»، التي أنتجت في السنوات الأخيرة برامج حظيت بشعبية واسعة، للإشراف واحتمال توقيع غرامات عليها أو سحب تراخيصها.
ويخضع القانون المواقع الإخبارية المجانية، التي تعتمد على الإعلانات لتحقيق إيرادات، للإجراءات نفسها، ويمنح الشركات التي لا تمتثل للقانون ولتوجيهات هيئة الإذاعة والتلفزيون مهلة 30 يوما لتعديل محتواها بما يتفق مع المعايير المطلوبة، وإلا فستواجه احتمال تعليق ترخيصها لمدة ثلاثة أشهر قبل سحبه لاحقا.
يذكر أن تركيا تواجه انتقادات لتدني حرية الصحافة في البلاد في السنوات الأخيرة. ففي ديسمبر (كانون الأول) من عام 2018، وجَّه حلف شمال الأطلسي (ناتو) انتقادات للتطورات التي شهدتها تركيا في الفترة الماضية على صعيد الديمقراطية وحقوق التعبير. وذكر تقرير أعدته الجمعية البرلمانية لحلف الناتو، أن تركيا هي الدولة الوحيدة ضمن دول الحلف المصنفة «بلداً غير حر». وقالت أورسولا شميت، العضو في البوندستاغ الألماني، إن تركيا مرَّت بتحول مقلق بعد محاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها في منتصف يوليو (تموز) عام 2016. ولفت التقرير إلى أن حلفاء تركيا الغربيين وجماعات حقوق الإنسان رأوا أن تصرفات حكومة أنقرة في أعقاب محاولة الانقلاب كانت غير ملائمة. وتم التعبير عن هذا الرأي بشكل متكرر من قبل أعضاء حلف الناتو خلال الدورة السنوية للجمعية في إسطنبول في نوفمبر (تشرين الثاني) 2016.
ﻭﺃﻓﺎﺩ التقرير بأن 50 ألف ﺷﺨﺺ ﺍﺣﺘُﺠﺰﻭﺍ (إضافة إلى من ﺃﻓﺮﺝ عنهم بعد التحقيق معهم)، ﻭﺃﻥ أكثر من 150 ألف موظف مدني ﻭﺃﻛﺎﺩيميين ﻓﻘﺪﻭا ﻭﻇﺎﺋﻔﻬﻢ، فضلاً عن إغلاق 1500 ﻣﻦ ﻣﺆﺳﺴﺎﺕ المجتمع ﺍلمدني ﻭ19 اتحاداً عمالياً ﻭﺃﻛﺜﺮ ﻣﻦ 2000 مدرسة و170 مؤسسة ومنصة إعلامية.
وتوالت الانتقادات الموجهة إلى سياسة الحكومة التركية في التعامل مع ملف حرية الإعلام، وأصدرت مفوضة حقوق الإنسان في المجلس الأوروبي، دونغا مياتوفيتش، تقريراً حول حرية التعبير في تركيا، ناقشت فيه إساءة استخدام القوانين من قبل السلطات التركية ودورها السلبي على حرية التعبير.



السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
TT

السعودية تُعزز وعي صُنَّاع المحتوى بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي

اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)
اللقاء تناول التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى (واس)

نظمت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، بالتعاون مع هيئة تنظيم الإعلام، لقاء «ذكاء التأثير»، بمشاركة أكثر من 250 مؤثراً وصانع محتوى، وبحضور عدد من كبار المسؤولين، ونخبة من قيادات وطلبة الإعلام والمتخصصين، وذلك بمدينة الرياض، الأربعاء، تزامناً مع «عام الذكاء الاصطناعي 2026».

ويهدف اللقاء إلى تعزيز الوعي بالاستخدام المسؤول والأخلاقي لتقنيات الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، وتعريف المشاركين والحضور بالفرص التي تتيحها لتطوير العمل الإعلامي والإبداعي، ورفع مستوى المعرفة بالتحديات المرتبطة بالمحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي والتزييف العميق والمعلومات المضللة.

وتناول اللقاء التحولات التي أحدثتها تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراحل صناعة المحتوى، بدءاً من توليد الأفكار والبحث وكتابة السيناريو، مروراً بالإنتاج والتحرير، ووصولاً إلى تحليل تفاعل الجمهور وقياس الأثر، مع استعراض حالات تطبيقية توضح كيفية الاستفادة من هذه الإمكانات في إنتاج محتوى مبتكر وموثوق يحافظ على القيم والهوية الوطنية.

واستعرض المختصون مبادئ وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الإعلام، وأهمية الشفافية والإفصاح عند استخدام أدواته في إنتاج المحتوى أو تعديله، ومسؤولية صانع المحتوى عن التحقق من دقة المعلومات ومصادرها قبل النشر.

كما ناقشوا الالتزامات المهنية والتنظيمية المرتبطة بصناعة المحتوى، بما يشمل ضوابط النشر والإعلان الرقمي، وحماية الخصوصية، والمحافظة على حقوق المؤلف والملكية الفكرية.

المختصون ناقشوا الالتزامات المهنية والتنظيمية المرتبطة بصناعة المحتوى (واس)

وشهد اللقاء معرضاً تعريفياً مصاحباً، شاركت فيه «سدايا» ممثلةً بمكتب إدارة البيانات الوطنية وأكاديميتها، والتطبيق الوطني الشامل «توكلنا»، و«هيئة تنظيم الإعلام».

وضمّ المعرض أركاناً توعوية وتجارب تطبيقية عرّفت الحضور بمبادئ الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى، ومتطلبات الامتثال وضوابط النشر الإعلامي، ومخاطر التزييف العميق وأساليب التحقق من المحتوى.

وجرى الإعلان عن برنامج تدريبي متخصص لـ«صنّاع التأثير»، يستهدف تمكين المؤثرين وصناع المحتوى من الاستخدام المسؤول والأخلاقي للذكاء الاصطناعي، إذ يتضمن تدريباً معرفياً وتطبيقياً على الممارسات المهنية المرتبطة بإنتاج المحتوى والتحقق منه.

وحظي اللقاء بتفاعل كبير، إذ ناقش الحضور أبرز الفرص والتحديات التي يواجهها القطاع الإعلامي في ظل التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب مداخلات وأسئلة حول ضوابط استخدام الأدوات التوليدية، وآليات التحقق من المحتوى، والمسؤولية المهنية قبل النشر، وسبل تحقيق التوازن بين الابتكار والمحافظة على المصداقية.

ويأتي تنظيم «ذكاء التأثير» ضمن الجهود الوطنية الساعية لتحويل مبادئ الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي إلى ممارسات عملية في البيئة الإعلامية، وتعزيز التعاون بين «سدايا» وهيئة تنظيم الإعلام في رفع الوعي وبناء القدرات، بما يسهم في تطوير محتوى رقمي مبتكر وموثوق، وتحقيق مستهدفات «عام الذكاء الاصطناعي».


الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
TT

الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)
جانب من تشييع ضحايا الكنيسة الأحد (مديرية الأمن العام بالأردن)

كان من الطبيعي أن تنشغل كل المؤسسات الإعلامية، على اختلاف وسائلها وأنواعها وأدواتها، بالحادثة «غير المسبوقة» في الأردن، أخيراً، بعد الاستهداف الإرهابي لكنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك. وقد راح ضحيته 9 شهداء، وأكثر من 40 جريحاً.

الأردنيون عادة في مثل الأحداث يتابعون الأخبار المتعلقة بالأحداث المحلية من وسائلهم الإعلامية، ووسط عمليات التشويش، ظلت الرواية الرسمية في المقدمة.

إلى حد كبير، يمكن اعتبار الإعلام الأردني بمختلف أنواعه ومشاربه، «إعلاماً محافظاً»؛ إذ يتمسك الصحافيون الأردنيون في مؤسساتهم بتقاليد الصياغات المهنية الخالية تماماً من جمل «الشتائم ولغة التجريح». كذلك لم يكن الإعلام الأردني منصة لحروب الآخرين السياسية، سواءً من جهة قوى سياسة من الداخل، أو تلك القوى الموجهة من الخارج، لا سيما في العقدين الأخيرين، بحسب زملاء في المهنة.

لكن هؤلاء أكدوا، في لقاءات مع «الشرق الأوسط»، أن نمط الإعلام المحافظ، المتمسك بتقاليد المهنة، أسهم إلى حد كبير في بروز ظاهرة منصّات التواصل الاجتماعي المتحرّرة من الأعباء الأخلاقية والمهنية، التي عادة ما تلتزم بها المؤسسات الإعلامية، بموجب أحكام ترخيصها، وتعريف مرجعية المسؤوليات القانونية داخلها عند وقوع الخطأ.

دور التواصل الاجتماعي

شهداء كنيسة حمود الذين سقطوا برصاص ثلاثة إرهابيين، ثبُتَ تورّطهم مع جهات خارجية وتلقيهم تعليمات من تنظيم إرهابي يُعتقد على نطاق واسع بأنه تنظيم «داعش». وذكرت مصادر إعلامية وأمنية لـ«الشرق الأوسط» أنه أعاد تشكيل خلاياه، داخل قرى في الجنوب السوري، حيث أقام أفراده في منازل، وسط مجاميع سكانية، فحوّلوا المدنيين «دروعاً بشرية» عند كشف أمرهم ومخطّطاتهم.

بعض وسائل التواصل الاجتماعي، للأسف، استُغلت لزرع الفتنة في البلاد، لكن الإرهاب اختار المكان الخاطئ لتنفيذ خطته، فمحافظة الكرك (120 كلم) جنوب عمّان، هي النموذج الأردني الأكثر وضوحاً في التآخي الإسلامي والمسيحي. وتُعتبر العادات والتقاليد في المحافظة مذيبةً للفوارق، التي قد تتسرب منها الفتنة.

وحقاً، ظلت الكرك مضرباً لأمثال العيش المشترك، مستحضرين مقولات ومواقف صهرت معادن الطوائف والمذاهب والجهات المختلفة ورفض مصطلح «الأقليات»، عند حسابات «الهوية الوطنية الأردنية». كذلك سجلت الكرك مواقف في الحزن المشترك والفرح المشترك. وعاش طويلاً الموقف الذي يروى عن شيخ دعا إلى أن «تكون الصلاة في الكنيسة والعزاء في المسجد». في صورة تؤكد أن لا وجود للحساسيات والفتن بين سكان المحافظة الواحدة.

مع ذلك ثمة من رمى على واحدة من منصّات التواصل الاجتماعي جملة من الفتاوى التي تتعلق بالعيش المسيحي - الإسلامي، وطرح أسئلة بهدف ضرب العلاقات بين فئات الشعب الواحد. لتثار أسئلة مثل: هل يجوز تعزية المسيحيين؟ وهل يجوز تهنئهم بأعيادهم الدينية؟ الأمر الذي تسبّب في إحراج لمراجع الإفتاء الرسمية، والبرامج الدينية الإعلامية، كالبرامج المخصصة لـ«فتاوى على الهواء» التي تلقى رواجاً على الإذاعات الأردنية الدينية، والتي تُصنف في استطلاعات الرأي على أنها الأكثر استماعاً» من بين ألوان الإعلام المتعدد في البلاد.

اتجاهات سياسية

محاولة زرع الفتنة تورّطت فيها اتجاهات سياسية محلية، حاولت أيضاً طرح مواضيع مثل «سيطرة الإسلام السياسي على المناهج الدراسية والمعلمين منذ سبعينات وثمانينات القرن الماضي»، والتي تسببت، برأي شخصيات محسوبة على تيار اليسار الأردني، باحتكار لون واحد لسياسات التعليم.

ولكن، في محافظة الكرك على سبيل المثال، فإن نواب المقاعد المسيحية في المجالس النيابية المتعاقبة، يفوزون بأصوات المسلمين. وظل النائب السابق والمخضرم عبد الله غانم زريقات يفوز بعدد أصوات أكثر من الأصوات المسيحية المسجلة في محاضر الناخبين في المحافظة. وكذلك النائب الحالي هيثم الزيادين، الذي حافظ على مقعده لأكثر من 12 سنة في أربعة مجالس متعاقبة. وهذا المشهد مشهد معتاد بين الأردنيين، فالمنافسة الانتخابية لا يمكن اختزالها بديانة المرشح.

الفتنة الثانية

من ناحية أخرى، نفذ سلاح الجو الملكي، الثلاثاء الماضي، قصفاً جوياً على مناطق في الجنوب السوري ضد خلايا إرهابية كانت على اتصال مع منفذي عملية كنيسة حمود.

وأكدت مصادر أردنية أن القصف استهدف مناطق لا تسيطر عليها القوات النظامية السورية. ومع تأكيد الأردن لاحترام سيادة دول الجوار، طوّرت عمّان من قواعد الاشتباك مع الإرهاب، وصارت تُنفذ مهام خارجية تحت مظلة التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، الذي خُصّصت له قواعد عسكرية للقوات المشتركة في الأردن.

قابلت الحكومة السورية الأمر باستنكار شديد وإدانة، لكن الخارجية السورية أطلقت سلسلة بيانات وتصريحات، بلغة دبلوماسية، أكدت عمق علاقات الأخوة بين البلدين، واستمرار التعاون والتنسيق المشترك. و«تفهمت» عمّان «تحفظ» الموقف الرسمي السوري.

عمان ودمشق تتجاوزان عقدة «حرب التحريض الإلكترونية» بلغة دبلوماسية

الحادثة والتفاعل

من جهة أخرى، كشف تقرير صادر عن «معهد السياسة والمجتمع» عن أن الهجوم على كنيسة حمود بمحافظة الكرك استقطب ملايين التفاعلات الرقمية خلال الأيام الأربعة الأولى. وامتد النقاش بشأنه إلى أكثر من عشر لغات، وسط تباين بين تغطيات عربية ركزت على الوحدة الوطنية والتضامن مع الأردن، ومنشورات دولية قدّمت الحدث ضمن خطابات دينية وسياسية، برز في بعضها بالمقابل توظيف متطرّف معادٍ للمسلمين.

لقد أظهر التقرير تفاوتاً واسعاً بين حجم تداول الروايات الأولى عن الهجوم وحجم نشر التصريحات الرسمية اللاحقة، خصوصاً باللغة الإنجليزية، التي استحوذت على نحو 71 في المائة من مجموع المنشورات التي ربطت الهجوم بتنظيم «داعش» عبر اللغات المرصودة.

وحمل التقرير، عنوان «من حمود إلى العالم، الرصد الإعلامي والتفاعل الرقمي العالمي مع الهجوم على كنيسة القديس جاورجيوس في الكرك». وغطّى الفترة بين 23 و26 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، يوم الحادثة والأيام الثلاثة التي تلتها حتى إعلان انتهاء القبض على المنفذين، متتبعاً التغطية الإعلامية والمواقف الرسمية والنقاشات الرقمية المرتبطة بالهجوم، الذي وقع خلال مراسم جنازة وأسفر عن تسعة شهداء وعشرات المصابين.

المهم في التقرير أن المؤسسات والمواقع الإخبارية شكلت مصدراً رئيساً للمحتوى المتداول، وأن المؤسسات الإعلامية الأردنية أنتجت معظم المحتوى العربي الأعلى تفاعلاً، وأسهمت في إبراز البعد الوطني والإنساني للحدث من خلال متابعة قصص الضحايا ومواقف عائلاتهم ومشاهد التضامن معهم.


الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
TT

الملاحقات القانونية ضد «ميتا» تثير مخاوف ناشرين

شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)
شعار «ميتا» مطبوع بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد على لوحة مفاتيح كمبيوتر محمول (رويترز)

بين الحين والآخر تتجدّد مخاوف ناشرين بشأن شروط تفرضها شركة «ميتا» الأميركية العملاقة على تداول المحتوى، وتتعزّز هذه المخاوف مع ملاحقات قانونية للشركة المالكة لـ«فيسبوك» و«إنستغرام» أملاً في أن ينتصر القضاء للناشرين. وخلال منتصف الأسبوع الماضي، أعلنت كبرى المجموعات الإعلامية في النرويج عزمها اتخاذ تدابير قانونية لمنع «ميتا» من تنفيذ شروطها الجديدة للاستخدام.

لقد رأت 10 مجموعات إعلامية في النرويج أن شروط الاستخدام الجديدة المرتقب دخولها حيز التنفيذ في العشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، من شأنها أن تمنح «ميتا» الحقّ في جمع مقالاتها وصورها وتسجيلاتها المصوّرة، بما فيها تلك الخاضعة لرسوم اشتراك، واستخدامها لتطوير منتجات ذكاء اصطناعي.

ونقلت وكالة «الصحافة الفرنسية» عن رئيسة «جمعية شركات الإعلام النرويجية» ليني إلتفيك فيندفلد قولها إن «ثمة مخاوف من أن تستخدم هذه الصلاحيات للاستحواذ على حقوق خاصة بالمنشورات الصحافية». وأضافت أن «(ميتا) تستغلّ استثمارات المجموعات الإعلامية لتطوير خدمات الذكاء الاصطناعي، وهذا غير مقبول وغير نزيه على صعيد المنافسة».

مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة قال لـ«الشرق الأوسط» معلّقاً إن «أدوات الذكاء الاصطناعي تطوِّر نفسها ومداركها على المحتوى المنشور في فضاء الإنترنت؛ ما يفسر سبب إعلان (ميتا) عن شروطها الجديدة».

ثم أردف «شركة ميتا تملك كنزاً؛ لأن لديها أكبر قدرة على تجميع المحتوى بسبب امتلاكها منصّات ينشر الملايين محتواهم عليها بشكل يومي»، وأشار من ثم إلى أن «شروط (ميتا) الجديدة تمسّ جوهر عمل واستمرار المؤسسات الإعلامية، حيث ينفق الناشرون أموالاً لإنتاج المحتوى الذي تستفيد منه (ميتا) من دون بذل أي جهد».

ومن ناحية ثانية، أوضح كيالي أن «الخلاف بين المؤسسات الإعلامية وشركة (ميتا) ليس جديداً، فسابقاً كان الخلاف على استغلال الشركة العملاقة للمحتوى من خلال منصاتها التقليدية لجني أرباح عبر تقديم إعلانات مموّلة داخلها أو من خلالها... أما الآن فقد تغيّر شكل الاستغلال، وتحول من الإعلانات إلى تدريب أدوات الذكاء الاصطناعي، وتقديم محتوى للمستخدمين، من دون الإشارة إلى الناشر الأصلي».

ومن ثم، أعرب كيالي عن اعتقاده أن «المؤسسات الإعلامية لن تستطيع مواجهة شركات الذكاء الاصطناعي بشكل عام... لكن من الممكن، بناءً على حوادث سابقة، أن تتوصل إلى اتفاقات مع (ميتا) في بعض الدول».

جدير بالذكر، أنه تسري شروط استخدام «ميتا» الجديدة على كلّ أصحاب الحسابات المهنية، من مجموعات إعلامية وشركات وجهات بيع. ولقد أجلت «ميتا» تنفيذ الشروط إلى20 نوفمبر الحالي «بهدف إعطاء فرصة لتفسير الشروط الجديدة للشركاء»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

من جانبه، وفي لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال محمد الصاوي، المحاضر في الرصد والتحليل الإعلامي، إن «ما يجري بين (ميتا) والناشرين في أوروبا يتجاوز مجرّد تعديل شروط الاستخدام؛ بل هو يعكس صراعاً متصاعداً حول ملكية المحتوى الصحافي والحق في استثماره في عصر الذكاء الاصطناعي».

وتابع الصاوي شارحاً أن «التغييرات التي أعلنتها (ميتا) خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، والتي تتيح لبرامجها الآلية الوصول إلى محتوى المواقع المرتبطة بحسابات الأعمال على (فيسبوك) و(إنستغرام) أثارت مخاوف المؤسسات الإعلامية من استخدام موادها، بما فيها المحتوى المدفوع، في تطوير خدمات قد تنافسها مستقبلاً».