حساسية المطاعم تجاه حساسيات الطعام

بعد قضية أثارت الرأي العام البريطاني

حساسية المطاعم تجاه حساسيات الطعام
TT

حساسية المطاعم تجاه حساسيات الطعام

حساسية المطاعم تجاه حساسيات الطعام

ازداد الوعي البريطاني بقضايا الحساسية ضد بعض أنواع الطعام بعد حادث مأساوي توفيت على أثره فتاة عمرها 15 عاما على متن طائرة الخطوط البريطانية بعد تناول ساندويتش من محل في مطار هيثرو احتوى على السمسم الذي كانت تعاني من حساسية ضده. وأظهرت التحقيقات أن السمسم لم يكن ضمن المكونات المكتوبة على الساندويتش وأن الفتاة، ناتاشا عدنان - لابروس، استغاثت بوالدها الجالس بجوارها لإنقاذها لعدم قدرتها على التنفس. وتوفيت الفتاة في المستشفى عقب وصول الطائرة إلى مقصد الرحلة وهي مدينة نيس الفرنسية.
في أميركا وحدها، هناك نحو 15 مليون شخص يعانون من الحساسية الغذائية ضد أنواع معينة من الأطعمة تشمل الحليب والبيض والفول السوداني والأسماك والأحياء البحرية والقمح وفول الصويا. وهذه هي الأطعمة الرئيسية التي تسبب الحساسية وتمثل 90 في المائة من حالات المعاناة، في حين هناك أنواع أخرى من الأطعمة تدخل في نطاق الحساسية التي يمكن أن يسببها أي نوع من الطعام. الغريب في حالات الحساسية أن مجرد وجود نسب ضئيلة منها في الطعام يمكن أن يسبب رد فعل يتسم بالخطورة لدى المصاب بالحساسية.
وتتسبب هذه الحساسيات بنقل 30 ألف أميركي سنويا إلى أقسام الطوارئ في المستشفيات، ووفاة ما بين 150 إلى 200 حالة كل سنة. ولا يوجد حتى الآن أي علاج لحالات الحساسية والأسلوب الوحيد للتعامل معها هو تجنب الإصابة بها.
قضية الحساسية تعد حيوية لبعض المطاعم لأنها يمكن أن تؤدي إلى الإفلاس في حالات التعويض الكبير جزاء للإهمال في مراعاة حوادث الحساسية. وفي أميركا تتكلف المطاعم سنويا 25 مليون دولار تدفع تعويضات لضحايا حالات الحساسية، أو في صيغة غرامات مالية. والأخطر من الغرامات والتعويضات هي سمعة المطعم نفسه الذي يمكن أن يفقد زبائنه مع تكرار حوادث الإصابة بحساسيات الطعام.
وفي بريطانيا، نتج عن حادث الفتاة ناتاشا تغيير في القانون بحيث يجب الآن عرض كل محتويات الأطعمة المبيعة للجمهور حتى تلك التي يتم تحضيرها داخل المطعم أو المقهى نفسه. والجانب الأهم في القضية أن وعي المطاعم وأصحابها زاد حول تداعيات إغفال جانب الحساسية، خصوصا بعد ملاحظة أن نسبة مبيعات الأطعمة الخالية من الغلوتين زاد في العام الماضي بنسبة 140 في المائة.
وفي الماضي كان المصابون بحساسيات من أي نوع يتجنبون تناول الأطعمة خارج المنازل لعدم الثقة في خلو وجبات المطاعم من مكونات قد تكون ضارة بحالات الحساسية التي يعانون منها. ولكن هذا الوضع تغير الآن بعد توجيه المطاعم عناية خاصة لقضية الحساسية.
وفي المطاعم الكبرى، تنال قضية الحساسية أهمية خاصة، حيث توجد إدارة خاصة تشرف على طريقة تحضير الطعام وإعداد قوائم منفصلة للأطعمة الملائمة لذوي الحساسيات الخاصة. كما تشرف الإدارة على الفصل التام في المطابخ بين الأطعمة الخالية من الغلوتين وبين أي أطعمة أخرى قد ينتقل منها الغلوتين أثناء الإعداد.
من المهم أيضا التواصل مع الزبائن بعرض كل المكونات وتقديم قوائم طعام خاصة بالحساسية، مثل الأطعمة الخالية من الغلوتين. ويجب على كل مطعم أن تكون له خططه الخاصة بإعداد هذه الأطعمة. ومن الأفضل أن يكون ضمن طاقم الإعداد خبير في كيفية إعداد الأطعمة لذوي الحساسيات الغذائية.
من مهام هذا الخبير أن يستشيره طاقم الخدمة عن كيفية مراعاة الزبائن الذين يطلبون وجبات خاصة وأساليب إعداد هذه الوجبات. ومن الإعدادات المتعارف عليها أن يتم تطهير أسطح المطبخ التي يتم عليها إعداد الوجبات الخالية من الغلوتين مع ارتداء الطهاة لقفازات تمنع لمس الأطعمة باليد. ويتم وضع علامات واضحة على تذكرة طلب الطعام من المطبخ حول الوجبات الخاصة ونوع الحساسية.
ومن الأفضل تعيين نادل خاص بطلبات زبائن يعانون من الحساسية ليكون نقطة الوصل الوحيدة بين هؤلاء الزبائن وبين فريق إعداد الوجبات في المطبخ. ويمنع مثل هذا الأسلوب اختلاط الأمور وانقطاع التواصل بين المطبخ وبين طلب الزبائن الخاص. والصراحة مطلوبة في كل الأحوال من فريق العاملين في المطعم. فإذا كان النادل لا يعرف مكونات وجبة معينة فعليه أن يعترف بذلك ولا يجتهد في أمور هو غير متأكد منها. ويمكن تحقيق ذلك برسم سياسة خاصة للمطعم للتعامل مع حالات الحساسية، يلتزم بها الجميع. ويجب التعامل بجدية واحترام مع الزبائن من ذوي الحساسيات الغذائية. فإذا كانت الحساسية مثلا ضد البيض، فلا يجب أن يحتوي الطعام على أي أثر للبيض أو يتم استخدام أدوات مطبخ سبق استخدامها في إعداد البيض لزبائن آخرين، ويجب تطهير سطح المطبخ الذي يتم عليه إعداد الوجبة الخالية من البيض.
وحتى يتاح الاختيار الواضح لذوي الحساسيات الخاصة يجب طباعة قوائم طعام منفصلة. وفي تكساس هناك مطعم اسمه «أولد دك» (البطة العجوز) يطبع يوميا سبع قوائم طعام مختلفة للتعامل مع الحساسيات المختلفة التي تمنع مكونات مثل الغلوتين والأحياء البحرية وتقديم الأطعمة النباتية لمن يرغبها. وهناك تقنيات تستخدم في بعض المطاعم لتنبيه المطبخ بالصوت واللون إلى وجود زبون من ذوي الحساسيات الخاصة.
ويجب أن تكون المعلومات حول الحساسيات مكتوبة بلغة واضحة يفهمها الجميع، خصوصا إذا كان أفراد طاقم الخدمة من جنسيات مختلفة ولا يعرفون اللغة الرئيسية التي يتعامل بها الزبائن. كما يجب التعلم من الأخطاء إذا وقعت وتغيير سياسة المطعم لكي يتم تلافي هذه الأخطاء في المستقبل.
من المهم أيضا أن يتم تدريب فريق السقاة على التعامل مع مطالب الزبائن من ذوي الحساسيات وأن يكون هذا التعامل بجدية لخطورة تداعيات الإهمال. كما يجب أن يكون لدى كل مطعم خطة طوارئ معروفة لجميع العاملين لاستدعاء فرق الإسعاف لأي حالة رد فعل سيئ من الحساسية. وتوفر بعض المطاعم دورات تدريب للعاملين فيها على الإنترنت تتضمن أحدث القواعد والممارسات المتعلقة بالتعامل مع الحساسيات.
في بحث ميداني من معهد أميركي متخصص في الحساسيات الغذائية اسمه «إليوت آند روزالين جاف» تبين أن نسبة الربع من كل المطاعم التي شملها البحث تعتقد أن كميات صغيرة من المكونات التي تثير الحساسية ليست خطيرة على الزبائن. وهذا بالطبع خطأ خطير، فأي كميات، مهما كانت ضئيلة يمكنها أن تثير رد فعل يتسم بالخطورة في الأشخاص المصابين بالحساسية.
وعبرت نسبة 35 في المائة من المطاعم عن اعتقادها بأن حرارة المقلاة تقضي على المكونات المثيرة للحساسية. وهو اعتقاد خاطئ لأن هذه المكونات تبقى آثارها في المقلاة وتظهر في مكونات الوجبة التالية التي يتم إعدادها في المقلاة نفسها.
وذكرت نسبة 25 من المطاعم أنه يكفي إزالة المكونات المتسببة في الحساسية مثل الفول السوداني أو الأحياء البحرية من الوجبات قبل تقديمها من أجل تجنب الحساسية. وهذا أيضا اعتقاد خاطئ فحتى آثار هذه المكونات يمكنها أن تثير رد فعل يتسم بالشدة وهو ناجم عن الحساسية.
وتفرض القوانين الأميركية وضوح مكونات الوجبات الغذائية في المطاعم بحيث تدعم وعي المستهلك بالحساسيات المتوقعة. وبدلا من كتابة «كعكة تفاح» يجب الإشارة في القائمة إلى «كعكة تفاح بالجوز»، كما يجب أن تتحول وجبة «دجاج مقلي بطريقة ستير فراي» إلى «دجاج مقلي وكاشو ستير فراي». كما يجب توضيح أن النوادل يحتوي على زبد الفول السوداني وأن صلصة بيستو تحتوي على المكسرات، وهكذا.
- التواصل والصراحة من وسائل الحماية
> هناك بعض القواعد التي يجب أن يلتزم بها الشخص المصاب بالحساسية ضد أنواع معينة من الغذاء. وهي تبدأ بعدم التردد في تحديد أنواع الأطعمة التي تسبب الحساسية والتي يجب تجنبها. وفي المطاعم أو حفلات العشاء الخاصة يجب التواصل بصراحة مع المسؤول عن إعداد الطعام.
ويعمد البعض إلى طباعة بطاقة صغيرة عليها المكونات غير المرغوب فيها بسبب الحساسية. وتوفر بعض مواقع حساسية الطعام على الإنترنت هذه البطاقات بأكثر من لغة. وهي تحذر المطاعم بلغة بسيطة من تقديم بعض أنواع الطعام التي قد تسبب الوفاة.
ويمكن تناول قضية الحساسية عند الحجز في المطاعم أو طلب توصيل الطعام للمنزل. وتوفر بعض المواقع فرصة ذكر أنواع الحساسية التي يجب مراعاتها. ولا يجب الاعتماد على قراءة مكونات الوجبات فهناك إضافات قد تكون غير مذكورة، وقد يتعرض الطعام إلى الاختلاط أثناء الإعداد بمواد تسبب الحساسية.
وتوفر بعض المطاعم إمكانية التواصل مع الشيف لإعداد وجبة خاصة خالية من أي مواد تسبب الحساسية. وفي كل الأحوال يجب إبلاغ النادل بالحساسية وسؤاله عما إذا كان المطعم يوفر قوائم طعام أو وجبات خاصة لمنع الحساسية. ولا بد من حمل أي أدوية يمكن استخدامها في حالات الطوارئ مع بطاقة عليها أنواع الحساسية حتى يمكن الاطلاع عليها في حالات الإسعاف السريع.


مقالات ذات صلة

مجموعة قرصنة مرتبطة بإيران تعلن اختراق أكبر شبكة رعاية صحية في إسرائيل

شؤون إقليمية قالت مجموعة القرصنة عبر وسائل التواصل الاجتماعي إنها «نشرت بيانات طبية حساسة لأكثر من 10 آلاف مريض» من الشبكة الإسرائيلية (رويترز)

مجموعة قرصنة مرتبطة بإيران تعلن اختراق أكبر شبكة رعاية صحية في إسرائيل

أعلنت مجموعة قرصنة تُعرف باسم «حنظلة» يُعتقد أنها مرتبطة بإيران، الأربعاء، أنها نجحت في اختراق أنظمة أكبر شبكة رعاية صحية في إسرائيل، وهي شبكة «كلاليت».

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
صحتك لم تعد حمية اليويو تُعتبر مجرد تجربة فاشلة بل يمكن النظر إليها بوصفها جزءاً من رحلة طويلة نحو تحسين الصحة (بيكسلز)

تعرّف على فوائد حمية اليويو

تشير أبحاث حديثة إلى أن هذه حمية اليويو أو تقلّب الوزن، قد تحمل بعض الفوائد الصحية المهمة، حتى في حال استعادة الوزن لاحقاً.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك الثوم يحتوي على كميات أكبر من بعض الفيتامينات والمعادن مقارنةً بالزنجبيل (بيكسباي)

الثوم أم الزنجبيل: أيهما أفضل لصحتك ويدعم مناعتك أكثر؟

يُعدّ كلٌّ من الثوم والزنجبيل من أكثر المكونات الطبيعية استخداماً في المطابخ حول العالم، ليس فقط لنكهتهما المميزة، بل أيضاً لفوائدهما الصحية المحتملة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك الشوكولاته الساخنة تحتوي على كمية أقل بكثير من الكافيين مقارنة بالقهوة (بيكسلز)

ماذا يحدث عند شرب الشوكولاته الساخنة بدلاً من القهوة صباحاً؟

إذا مللت من الاعتماد على القهوة لبدء صباحك، فقد يكون كوب من الشوكولاته الساخنة خياراً يستحق التجربة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك  نقص النوم يؤثر في قدرة جهاز المناعة على مقاومة العدوى (بيكسلز)

من أمراض القلب إلى السرطان… ثمن السهر باهظ

قد يظن البعض أن السهر لعدة ساعات إضافية أمر يمكن تعويضه لاحقاً لكن الحرمان المتكرر من النوم لا يمرّ من دون ثمن صحي 

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

أكلات «تُخاصم» موائد المصريين في أوائل رمضان

معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
TT

أكلات «تُخاصم» موائد المصريين في أوائل رمضان

معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)

لا تبدو بعض الأكلات الشعبية المصرية قادرة على الصمود أمام زحف الأيام الرمضانية الأولى بموائدها العامرة وعزائمها التي تتبارى فيها الأسر احتفاءً بكرم الشهر الفضيل، فلا شيء يعلو فوق حضور «المحشي»، و«الملوخية»، وأطباق اللحوم والدواجن، بما تتيحه «الميزانية»، في استقبال عزيز لمدفع «الإفطار» بعد ساعات الصيام الطويلة.

في هذا السياق، تنزاح بعض الأطباق اليومية بامتياز مثل «الكشري» إلى الهامش، رغم مكانته الراسخة كأحد أكثر الأطباق شعبية في مصر، لينحسر مؤقتاً لصالح «الشهية» الرمضانية في مطلعها، فكما يرتبط «الفسيخ» بشم النسيم، و«الكعك» بالعيد، يرتبط «الكشري» عند كثيرين بنهايات شهر رمضان لا ببدايته، وكأن لكل موسم أطباقه، وشهيته الخاصة.

وحسب تعبير فاطمة القاضي، مُعلمة وربّة أسرة في الخمسين من عمرها، فإنه «في الثقافة الرمضانية المصرية لا يُنظر إلى الطعام بوصفه سداً للجوع وكسراً للصيام فحسب، بل تعبيراً عن الكرم و(اللمة)، لذلك لا يشتهي الصائمون في بدايات الشهر أطباقاً مثل الكشري أو الأسماك، ربما لارتباطها بالعطش، بينما يستقبل الناس أذان المغرب بالعصائر والطواجن والمقبلات، وعلى رأسها السمبوسك التي ترتبط بشكل خاص في المائدة المصرية بشهر رمضان».

وتضيف القاضي لـ«الشرق الأوسط»: «مع ضغط الأكل الدسم وساعات الطهي المرهقة في الأيام الأولى، نبدأ مع النصف الثاني من رمضان البحث عن أكلات أخف، وقد نكسر الروتين بطبق من السمك كنوع من التغيير».

الكشري ليس من الأطعمة المفضلة في بداية الشهر الفضيل بمصر (الشرق الأوسط)

ولا يبدو ارتباط بعض الأطعمة بالعطش مجرد انطباع عابر، بل يتصل بذاكرة جسدية متراكمة لدى الصائمين، فالكشري، بما يحويه من عدس وحمص وصلصة الطماطم التقليدية «المسبكة»، والبصل المُحمّر، يُنظر إليه كوجبة «حارة» بعد ساعات الصيام، بينما يرتبط السمك، خصوصاً المُملَّح والمُتبل بالثوم، بالعطش الممتد لساعات بعد تناوله، لذلك مع الأيام الأولى من رمضان، حين يكون الجسد لا يزال في طور التكيّف مع نظام الصيام، يميل كثيرون إلى تجنّب ما قد يُضاعف الإحساس بالجفاف في اليوم التالي، فتتقدّم الأطباق الغنية بالمرق والطواجن إلى الواجهة.

إقبال لافت على الأسماك في النصف الثاني من رمضان بمصر (فيسبوك)

وتنعكس تلك «الذائقة» الرمضانية أيضاً على حركة السوق؛ فيقول كمال السيد، أحد العاملين في محل لبيع الكشري بشارع جامعة الدول العربية بمحافظة الجيزة (غرب القاهرة): «بات من المألوف أن تُغلق محلات بيع الكشري خلال النصف الأول من شهر رمضان؛ لأن الناس عادة تعزِف عن تناول الكشري في مطلع الشهر، فيما نعاود العمل مع النصف الثاني منه، ليكون الكشري أحياناً وجبة سحور سريعة، وأحياناً يطلب منا القائمون على موائد الرحمن إمدادهم بالأرز أو المكرونة لوجبات الإفطار، لذلك تتغير ملامح نشاطنا خلال الشهر».

مصريون يلجأون للأسماك بعد الاعتماد على اللحوم في الأيام الأولى من رمضان (فيسبوك)

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «هناك محلات كشري تُغلق خلال شهر رمضان بأكمله، حسب قدرة صاحب المحل على تحمّل إجازة بأجر مدفوع للعاملين بها، خصوصاً في المطاعم الكبرى، ويستغل بعضهم أيام الإغلاق تلك كفرصة سنوية لصيانة المحل وتجديده استعداداً للموسم الأكبر للإقبال على الكشري، الذي يبدأ مع صلاة العيد مباشرة»، موضحاً: «الكشري في العيد الصغير يعد طقساً احتفالياً للإفطار، بعد شهر من الصيام والاشتياق».


«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
TT

«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)

في قلب جدة التاريخية، وعلى مقربة من سوق السمك، يقف مطعم البصلي للأسماك شاهداً على حكاية لم تبدأ مشروعاً تجارياً، بل حياة يومية تشكّلت حول البحر، وانتقلت من الأب إلى الأبناء، جيلاً بعد جيل.

قبل نحو سبعة وسبعين عاماً، أسّس والد عائلة البصلي مطعماً صغيراً لا يتجاوز طوله مترين ونصف المتر، في منطقة كانت تعيش على إيقاع الصيد والتجارة. لم يكن الاسم مخططاً له، بل خرج من تفاصيل المكان: سوق السمك، وحبة بصلة، واسم «البصلي» الذي التصق بالموقع قبل أن يصبح علامة يعرفها أهل جدة وزوارها.

كبر المطعم، لكن روحه بقيت كما هي. ومع مرور السنوات، تحوّل من مساحة ضيقة إلى عنوان ثابت في ذاكرة المدينة، في حين ظلّ البحر حاضراً في كل طبق يُقدَّم.

تعلُّم بالممارسة... لا بالوصفات

انتقلت المهنة داخل العائلة عبر الحضور اليومي في المكان، لا عبر وصفات مكتوبة أو تعليمات جاهزة. نبيل حامد، الذي تسلّم إدارة المطعم منذ أكثر من عشرين عاماً، تعلّم المهنة كما عاشها من سبقوه: من اختيار السمك في السوق، إلى تنظيفه، وطريقة طهيه، وتبديل الزيت، وحتى ترتيب الأطباق. كانت الخبرة تُبنى خطوة بخطوة، وتتراكم مع الوقت.

يقول إن الوصفات بقيت كما هي، وإن الاسم لم يتغير؛ لأن الزبائن يأتون بحثاً عن «طعم زمان»، الطعم الذي لم تحكمه موضة، ولم يتبدّل مع تغيّر الأذواق.

مرّ المطعم بمحطات دقيقة، خصوصاً مع التحوّل الذي شهدته جدة التاريخية، وانتقالها من منطقة تجارية إلى فضاء تراثي وثقافي وسياحي مسجل في قائمة «يونيسكو» للتراث العالمي. في تلك المرحلة، كان التحدي الأساسي هو كيفية الاستمرار من دون فقدان العلاقة بالمكان أو بالناس الذين اعتادوا عليه. ومع تزايد الإقبال وامتداد طوابير الانتظار، تبلورت قناعة بأن المطعم أصبح جزءاً من تجربة جدة التاريخية نفسها.

مطعم محلي ومحطة سياحية

ومع هذا الحضور المتراكم، لم يعد مطعم البصلي وجهة لأهالي جدة أو زوارها من داخل المملكة فقط، بل أصبح جزءاً من خريطة السياحة في المدينة، ومحطة تُدرج ضمن برامج زيارة جدة التاريخية. فكما تُزار الأسواق القديمة والمعالم، بات المطعم حاضراً في خطط كثير من القادمين إلى الحي.

الترانزيت الذي لم يكتفِ بالانتظار

ضمن هذا السياق، يروي نبيل حامد قصة مسافر بريطاني من أصول هندية، كان يمر عبر مطار جدة في رحلة ترانزيت لا تتجاوز خمس ساعات. سمع عن «البصلي» قبل وصوله، فقرّر أن يخرج من المطار، يتجه مباشرة إلى جدة التاريخية، يتناول وجبته، ثم يعود ليكمل رحلته.

قال لي: «عندي ساعتان فقط، وجئت خصيصاً لأجرب المطعم»، يذكرها كواقعة تعبّر عن تحوّل المكان إلى وجهة يُقصد لها، حتى في الرحلات العابرة.

اعتراف عالمي جاء بصمت

هذا الحضور لم يكن محلياً فقط. ففي عام 2025، نال مطعم البصلي جائزة أفضل مطعم سمك من مجلة Time Out العالمية، بعد زيارات متكررة قام بها فريق التقييم من دون تعريف مسبق، وفق آلية تعتمد على التجربة الفعلية والتصويت.

وبالنسبة للعائلة، جاءت الجائزة تتويجاً لمسار طويل حافظ فيه المطعم على طعمه وهويته، من دون أن يسعى إلى الشهرة.

جائزة تايم آوت العالمية التي حصل عليها مطعم البصلي لعام 2025 (الشرق الأوسط)

قديم وجديد... بلا قطيعة

اليوم، يعمل «البصلي» بصيغتين: مطعم قديم حافظ على شكله وروحه، وتجربة أحدث استوعبت الإقبال المتزايد. لم يكن التوسع رغبة في الانتشار، بقدر ما كان محاولة لتخفيف الضغط عن المكان الأصلي، مع الإصرار على أن يبقى الطعم واحداً.

نسبة كبيرة من الزبائن اليوم من خارج السعودية، إلى جانب عائلات جدة التي تؤكد، في كل زيارة، أن النكهة لم تتغير. بعضهم يقطع عشرات الكيلومترات، بل يزور المطعم مرات عدة في الأسبوع؛ بحثاً عن مذاق لا يجده في مكان آخر.

مأكولات بحرية يقدمها مطعم البصلي باهتمام دقيق بالتفاصيل (الشرق الأوسط)

السمك... التفاصيل تصنع الفارق

حين يُسأل نبيل حامد عن سر الاستمرارية، لا يتحدث عن التسويق، بل عن التفاصيل: نوعية السمك، نظافته، طريقة التعامل معه منذ خروجه من البحر وحتى وصوله إلى الطبق. ويؤكد أن الحضور اليومي في المطعم، ومتابعة الفريق، وسماع الملاحظات، كلها جزء من فلسفة العمل.

تحضير السمك الطازج داخل مطعم البصلي (الشرق الأوسط)

الماضي... أساس المستقبل

لا يرى «البصلي» المستقبل بعيداً عن الماضي. فالطعم الذي بقي لعقود هو ما منح المطعم شرعيته اليوم، وهو ما يدفعه للتفكير في أي خطوة قادمة بحذر، من دون أن يفقد المكان جذوره.

في مطعم البصلي، لا يُقدَّم السمك بوصفه وجبة فقط، بل بوصفه حكاية عائلة، وذاكرة مدينة، ودليلاً على أن بعض الأماكن تصبح جزءاً من السياحة... لأنها بقيت صادقة مع نفسها.


«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر
TT

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

في قلب حي مصر الجديدة بالقاهرة، الذي يجمع بين العراقة والرقي، يقع واحد من أهم المطاعم العائلية ذات التاريخ الطويل، هو مطعم Le Chantilly «لو شانتييه» الذي يقدم أطباقاً سويسرية ببعض اللمسات الأوروبية المتنوعة.

فيه يمكنك أن تستمتع بمذاقات مختلفة، يجمع بينها المطبخ السويسري الذي يتمتع بتاريخ يعكس التنوع اللغوي والثقافي والجغرافي لسويسرا.

ولا تقتصر خصوصية «لو شانتييه» على هذا الثراء في النكهات والمكونات، لكنه يُعد كذلك وجهة لاستعادة ذكريات رواده، واستدعاء لحظات دافئة من الماضي، فالمطعم الذي أُنشئ في نهاية عشرينات القرن الماضي يُعد من معالم الحي الهادئ.

داخل المطعم تلتقي بزبائن من مختلف الأعمار والفئات، بعضهم من كبار السن الذين اعتادوا تناول الإفطار من قائمة المعجنات والمخبوزات الموجودة في السلة، برائحتها المميزة، وأبرزها الباتيه و«لاوجن كرواسون» بالسالمون المدخن والجبن الأبيض، أو «حلومي بريس» التي تجمع بين خبز الشيباتا، والروكا، والريحان، والطماطم، والجبن الحلومي.

في «لو شانتييه» قد يفضل البعض اختيار أحد أنواع الكيك الذي يشتهر المكان بتقديمه ساخناً في الصباح، مثل «ماربل كيك»، أو «بسكويت كيك» أو «إنجلش كيك» بالـ«دراي فروت»، فضلاً عن الباتيه والكرواسون بالجبن أو سادة، وذلك مع القهوة في الصباح الباكر في منطقة «الأوبن إريا» الملحق بها تراس؛ ليستمتعوا بالشمس مع قراءة الصحف المتوفرة يومياً فيها باللغات الفرنسية، والإنجليزية، والعربية.

وينتظرهم كذلك الـcold cuts بأنواعها، مثل «كروك شانتييه» وهو خبز التوست الأسمر أو الأبيض باللحم الرومي المدخن مع الطماطم والفلفل وغراتين بالجبن مع البطاطس والسلطة الخضراء بالذرة، فضلاً عن ساندوتشات اللحم المدخن بصوص الفلفل، والتركي بالزعتر.

تقول مديرة المطعم السيدة جميلة لـ«الشرق الأوسط»: «(لو شانتييه) من أقدم المطاعم، بل الأماكن الموجودة على الإطلاق في حي مصر الجديدة، وهو وجهة لأبناء العائلات العريقة التي لا يزال معظمهم يعرف بعضهم الآخر». وتتابع: «حتى هؤلاء الذين هاجروا منذ عشرات السنوات فإنهم حين يعودون لزيارة مصر يأتون إلينا لطلب نفس الأطباق القديمة التي كانوا يطلبونها قبل؛ فقد حافظ المطعم على (كلاسيكيته) وأصالته وجودة الطعام بشهادة الضيوف».

دفء الأجواء

وتتابع بابتسامة: «بعض الزوار كانوا صغاراً إلى حد أنهم كانوا يشبون ليختاروا طلباتهم المفضلة من ثلاجة عرض الحلويات المخصصة (للتيك آواي)، الآن صاروا يصطحبون أحفادهم».

غالباً ما تعكس مطاعم المطبخ السويسري ثقافة جبال الألب الهادئة والدافئة؛ ولعل ذلك ما يفسر لنا بقاء هذا المطعم في وجدان أبناء حي مصر الجديدة؛ حيث يتميز بأجواء الترحاب والدفء المنزلي، مع عناصر ديكور ريفية مثل الأثاث الخشبي والمدافئ والأعمال الفنية المستوحاة من الجبال، وفي ظل هذه الأجواء الهادئة والمريحة يتناول رواد الطعام أطباقهم على مهل، كما لو كانوا في المنزل.

تنوع الأطباق

يقدم Le Chantilly قوائم متنوعة من الطعام، ما بين الإفطار والغداء والعشاء مع مجموعة واسعة من الجبن، بما في ذلك «فوندو الجبن السويسري».

ومن أشهر أطباقه شرائح الفيليه المشوية التي تقدم بطريقة «جنيفواز» بزبدة «الكافيه دي باري»، وتقدم مع السلطة المكونة من الخس بالمستردة، والخضراوات السوتيه والبطاطس. وكذلك يقدم طبق «فيل إسكالوب» مشوي بصوص المشروم الكريمي، مع «الجرين نودلز»، و«سكالوب بتلو» محشو بالجبن واللحم البقري المدخن.

ولعشاق البطاطس بنكهاتها المختلفة، فإن «لو شانتييه» هو وجهتهم؛ حيث تُعد مكوناً منتشراً بكثرة في المطبخ السويسري، وتُستخدم بشكل خاص في طبق «روشتي»، وهو طبق شعبي يُؤكل في جميع أنحاء سويسرا، لكنك يمكنك الاستمتاع به في القاهرة داخل هذا المطعم مع شرائح البتلو بصوص المشروم الكريمي، التي تقدم مع بطاطس «روشتي» أو شرائط المكرونة الخضراء.

أما محبو الدجاج فتنتظرهم قائمة طويلة، منها «جريلد تشيكن بريست»، «تشيكن ستروغانوف»، صدور الدجاج المحشوة بالجبن واللحم البقري المدخن، «جريلد تشيكن» التي يعلوها جبن الموتزاريلا الذائبة، وتقدم مع نودلز بالزبدة والخضراوات، إضافة إلى أنواع الحساء المختلفة.

السيدة جميلة (إدارة المطعم)

«السلمون ستيك»، «جريلد» أو «فريد فيش فيليه» مع صوص الليمون، «جريلد سلمون فيليه» مع صوص الشبت الكريمي، «ريد سي شريمب»، هي أطباق تنتظر عشاق المأكولات البحرية في المطعم.

والرائع أن المطبخ يتيح لك المزج بين اللحوم والدجاج أو الأسماك في طبق واحد، في تجربة طعام مختلفة، على سبيل المثال يمكنك اختيار طبق «بيف ميداليون» مع صوص الفلفل مع «التشيكن كوردون بلو»، أو الدجاج المشوي مع صوص المشروم الكريمي، أو «جريلد بيف فيليه» يعلوه الجمبري «البترفلاي» والـ«هيرب بتر صوص».

«الطعام الصحي»

يجد محبو «الطعام الصحي» ترحيباً داخل المطعم أيضاً عبر قائمة من السلطات المميزة ذات النكهات المتنوعة والدريسنج الشهي، ومنها «فيجي حلومي تشيز سالاد» وتتكون من جرجير، خضار مشوي، جبنة حلومي مشوية يعلوها الريحان، تقدم مع «الفيردي دريسنج».

وأيضاً، «كينوا سالاد» وتتكون من ميكس خس، كينوا، الطماطم الشيري، خيار، مكعبات البصل، نعناع وفاكهة الموسم، والإيطاليان دريسنج، أو «شيف سالاد»، وهو طبق غني من السلطات مع شرائح الدجاج والجبن واللحم البارد بصوص «ثاوزند آيلاند».

أما إذا كنت من هواة سلطات «السي فود» فينتظرك «سلمون كراب سالاد» ويتكون من «سلمون مدخن» يقدم على شرائح الكابوريا المتبلة بصوص ميكس الخس، الجزر والـ«ريد بينز»، أو «سويت كورن» تقدم مع «مايو ليمون دريسنج».

ويعيش المطعم مع المصريين في كل مناسباتهم السعيدة مثل الكريسماس من خلال تقديم أفخر أنواع الشوكولاتة والحلوى التي تتخذ أشكال بابا نويل وعربة الغزالة وغير ذلك، كما يقدم الكنافة والقطائف في رمضان، والكعك والبسكويت في عيد الفطر، وفق جميلة.

وتلفت: «يركز المطعم على الضيافة وتجربة تناول طعام مختلفة معاً، منذ اللحظة الأولى يفتح لك باب المحل عامل بأسلوب خاص يسوده التهذيب، وكذلك الجرسونات أيضاً».

وبالرغم من أن «لو شانتييه» مطعم عتيق، فإنه على العكس من المطاعم المماثلة يسمح بتوصيل الأطباق إلى المنازل، بل إنه من مطاعم الـ«كاترينج» حيث يرحب بتقديم الطعام للمناسبات والتجمعات الكبيرة مثل الحفلات، والمؤتمرات، وغيرهما. وذلك في مختلف أنحاء مصر «من الإسكندرية (شمال مصر) إلى أسوان (جنوبها)».