سياسة بوتين السورية... وتحدي توازن المصالح

انفجار الوضع في إدلب وعودة شبح «الحسم العسكري» يثيران أسئلة حول «صفقات» لإعادة رسم مناطق النفوذ

سياسة بوتين السورية... وتحدي توازن المصالح
TT

سياسة بوتين السورية... وتحدي توازن المصالح

سياسة بوتين السورية... وتحدي توازن المصالح

بينما كانت موسكو تحتفي الأسبوع الماضي، بمرور عشرين عاما على تولي الرئيس فلاديمير بوتين مقاليد السلطة في البلاد، يعقد محللون مقارنات كثيرة بين أحوال روسيا ومكانتها على الساحة الدولية حاليا، ووضعها عندما وضع رجل المخابرات السابق قدمه للمرة الأولى في الكرملين. وبرز الحضور الروسي في سوريا بكل تداعياته، ليشكل واحدا من أبرز معالم تحولات السياسة الروسية على المستويين الإقليمي والدولي.
ومع النقاشات الكثيرة الدائرة حول النجاحات العديدة التي حققتها السياسة الروسية في سوريا، والإخفاقات التي منيت بها هناك، وأظهرتها منعطفات عدة، فإن أسئلة ما زالت تطرح حول الاستراتيجية التي عمل الكرملين على بلورتها خلال السنوات الأخيرة، ومدى قدرة موسكو على إدارة ملفات الصراع على مناطق النفوذ في سوريا، والمحافظة على التوازن الصعب الذي رسمته موسكو في علاقاتها مع الأطراف المنخرطة في الأزمة.

وفقا لخبراء فإنها ليست مجرد صدفة أن يكون الانتقال القوي إلى سوريا، وهو المنعطف الذي شكل أحد أبرز عناوين الصعود للسياسة الروسية، وعكس قدرة الكرملين على «تغيير قواعد اللعبة» وتعزيز آليات الرد على محاولات تطويق روسيا عسكريا وسياسيا، جاء بعد مرور عام واحد على التحدي الكبير الذي أطلقه بوتين في وجه الغرب عندما قرر في العام 2014 ضم شبه جزيرة القرم، وفتح ملف الصراع مع أوكرانيا والغرب من خلفها. وبالمعنى ذاته فإن هذه «الاندفاعة الروسية» جاءت في سياق سياسة متسقة وتصاعدية برزت مقدماتها الأولى منذ العام 2008 من خلال الحرب الروسية – الجورجية التي أسفرت عن اقتطاع إقليمي ابخازيا واوسيتيا الجنوبية ووضع مقدمات لإعادة ترتيب خرائط النفوذ في الفضاء السوفياتي السابق.

- تحديات جديدة
بهذا الترتيب ينظر خبراء روس إلى المنعطفات الأساسية التي مرت بها سياسة «الصعود الروسي» التي قادها بوتين، في مواجهة تداعيات الإحباطات الكثيرة والإخفاقات التي كانت تواجهها بلاده عندما تسلم مقاليد السلطة.
لكن، بعد مرور أربع سنوات على بدء التدخل العسكري الروسي المباشر في سوريا في نهاية سبتمبر (أيلول) 2015. يواجه الكرملين تحديات متزايدة وهو يرسم ملامح خطواته المقبلة في مرحلة حاسمة. إذ وضعت التفاهمات التركية الأميركية حول المنطقة الآمنة في الشمال السوري، بالتزامن مع تزايد المؤشرات إلى قيام واشنطن بتكثيف الحضور في مناطق الشمال والشرق، السياسة الروسية أمام تعقيد جديد، يهدد بتقويض جزءا مهما من الإنجازات التي فاخر الروس بتحقيقها في سوريا، وعلى رأسها الحديث عن «المحافظة على وحدة وسيادة سوريا على أراضيها».
كما أن استحقاق انفجار الوضع مجددا في إدلب، وعودة شبح «الحسم العسكري» إلى الواجهة بعد الانهيار السريع للهدنة الهشة التي أعلنت في إطار مفاوضات أستانة، يثير بدوره أسئلة حول احتمال التوصل إلى «صفقات» تتضمن إعادة رسم ملامح مناطق النفوذ في سوريا. وتبرز مع التطورين خريطة واسعة من التعقيدات التي لا تقل خطورة، وعلى رأسها الوضع في المنطقة الجنوبية ومساعي موسكو لاحتواء احتمالات تدهور الوضع نحو مواجهة بين إسرائيل والميليشيات القريبة من إيران، فضلا عن الصراع على النفوذ أصلا ضمن التشكيلات العسكرية والأمنية الكثيرة المنتشرة على الأرض السورية، وهو في جزء كبير منه يعكس احتدام التنافس ميدانيا وسياسيا يضاف إلى التنافس الاقتصادي الذي تبدو ملامحه أكثر وضوحا بين روسيا وإيران.
تقف موسكو أمام هذا الواقع وهي تحاول رسم خطواتها المقبلة وبلورة مقاربة سياسية شاملة للوضع، وبهذا المعنى فهي وفقا لخبراء تواجه استحقاق تحول واسع في سياستها السورية من «حملة سريعة هدفها تعزيز الحضور الروسي وترتيب موازين القوى لدفع عملية سياسية مقبولة» إلى «انخراط كامل في تعقيدات إقليمية ودولية، أسفر عن اضطرار الكرملين إلى زج كل قدراته في المسار السوري».
بهذا الفهم يتعامل فريق من الخبراء الروس مع الفارق على المستوى الميداني بين الرؤية الأولى لحجم وطبيعة التدخل الروسي في سوريا كما كان مرسوما، واضطرار موسكو تدريجيا إلى الانزلاق نحو «تورط» كامل في هذه الأزمة.
وكان خبراء لفتوا إلى أن غياب الرؤية الشاملة لما تريده موسكو في المحصلة من الحرب السورية ما زال يشكل معضلة جدية مع غياب القدرة على تحقيق إنجازات سياسية سريعة تواكب التقدم الميداني الذي أحرز خلال السنوات الماضية.

- علاقة ملتبسة مع واشنطن
فتح الإعلان عن توصل واشنطن وأنقرة إلى تفاهمات حول «المنطقة الآمنة» في الشمال السوري، على واقع أربك الخطط الروسية التي راهنت لفترة طويلة على تضاؤل فرص التفاهم بين واشنطن وأنقرة بسبب تباين التحالفات واختلاف الرؤى حول الترتيبات النهائية في المنطقة.
وبرغم أن موسكو تجنبت على المستوى الرسمي المسارعة في التعليق على التطور، لكن أوساطا دبلوماسية لا تخفي قلقا من أنه «يضع واقعا جديدا في منطقة الشمال السوري، لا يقتصر على منح الوجود الأميركي غير الشرعي وضعا مختلفا، لكنه يزيد أيضا من تعقيدات بلورة ملامح التسوية السياسية في سوريا».
حتى فترة قريبة، كانت موسكو تراقب التحركات الأميركية عن قرب، وتكرر دعواتها إلى واشنطن بالانسحاب من الأراضي السورية، لكن في الوقت ذاته، سادت قناعة لدى أوساط روسية بأن واشنطن ليست معنية بوجود دائم في سوريا.
لكن إشارات عدة برزت أخيرا، أوحت من وجهة نظر خبراء روس بحدوث تغيير في المقاربة الأميركية للوضع في سوريا، بينها العمل على تعزيز الحضور الأميركي في مناطق الشمال والشرق، والاتفاق الأميركي – التركي، فضلا عن إمعان واشنطن في تجاهل الدعوات الروسية لفتح قنوات حوار حول الوضع النهائي للتسوية الممكنة في سوريا، وتجاهلها جهود موسكو في إطار «مسار أستانة» وهو موقف تصاعد إلى مستوى التصريح بضرورة حصر المسار السياسي في جنيف ومقاطعة كل جهد آخر تقوم به موسكو.
وفي إطار الترقب الروسي للخطوات الأميركية جاء تحذير الخارجية الروسية من محاولات لـ«فصل» شمال شرقي سوريا، والتأكيد على ضرورة حل المشاكل في تلك المناطق على أساس «سيادة سوريا وبواسطة الحوار بين دمشق والأكراد».
برغم ذلك، لا يخفي خبراء تحدثت إليهم «الشرق الأوسط» أن وراء الصمت الروسي حيال التطورات الجارية في الشمال، تبرز حسابات لموسكو تقوم على أن موافقة واشنطن على فكرة «المنطقة الآمنة» قد تكون ضمن ترتيبات أميركية للوضع في المنطقة، تضمن لتركيا تقليص الهواجس الأمنية، وتضع في الوقت ذاته ضمانات للأكراد بعدم السماح باستهداف واسع لمناطقهم، في إطار مسعى أميركي لإنجاز الانسحاب من المنطقة مع حلول العام المقبل. ويربط الخبراء هذا بحاجة الرئيس دونالد ترمب لإظهار الالتزام بتعهداته في هذا الشأن قبل حلول موعد الانتخابات الأميركية.
ومن زاوية فإن هذا التطور الذي يلبي تطلعات تركيا الأمنية يمنح موسكو هامشا أوسع للحسم في إدلب، في إطار تفاهم يمكن التوصل إليه مع الجانب التركي. وهذا يفسر تصاعد حدة العمليات العسكرية في إدلب وتسريع عملية «قضم» المناطق المحيطة بها.
وفي كل الأحوال يرى خبراء أن التطورات الميدانية الجارية في الشمال والشرق السوريين، سوف تسفر عن انتهاء مرحلة من الأزمة السورية، وبروز خريطة جديدة لتوزيع مناطق النفوذ للأطراف المختلفة وأن هذه المناطق سوف تنعكس بالتأكيد في آليات إطلاق عملية التسوية.
ووفقا لخبير فإن الحاجة إلى مسار أستانة قد تتراجع بشكل ملموس في الفترة المقبلة، في مقابل تنامي أهمية إيجاد آلية لفتح الحوار وإنشاء قناة لنقاش جدي بين موسكو وواشنطن حول آليات التسوية النهائية في سوريا.

- «عقدة» إيران
في مقابل تعقيدات الوضع في الشمال، تبرز معضلة أخرى أمام موسكو تتمثل في المحافظة على توازن المصالح الذي أقامته في علاقاتها مع طهران من جانب ومع تل أبيب من جانب آخر، وبرغم نجاح روسيا في إبرام صفقة لـ«إبعاد» الإيرانيين عن منطقة الجنوب لمسافة نحو 80 كيلومترا العام الماضي، لكن سرعان ما اتضح أن هذا الاتفاق كان شكليا، وبرزت تقارير كثيرة خلال الشهور الأخيرة تتحدث عن تعزيز إيران والقوات الحليفة لها وجودها في مناطق الجنوب ما بات يشكل عنصر توتر دائم ويفاقم المخاوف الروسية من انزلاق الوضع نحو مواجهة مباشرة أو غير مباشرة في المنطقة.
وكان لافتا خلال الفترة الأخيرة أن وسائل إعلام روسية حذرت من أن قدرة موسكو على «ضبط» التحركات الإسرائيلية ضد المواقع الإيرانية ومواقع الميليشيات التابعة لطهران، باتت أضعف من السابق.
ونشرت وسائل إعلام روسية معطيات تفيد بأن إسرائيل لن تطلب في المستقبل من روسيا إذنا لمهاجمة سوريا. وأنها ستتوقف حتى عن إعلام موسكو بالعمليات القادمة. والسبب من وجهة نظر الخبراء الروس هو مواصلة «حزب الله» حشد قواته على الحدود السورية الغربية والجنوبية.
ويرى المستشرق الروسي – الإسرائيلي أوليغ غوشين أن «لدى إسرائيل أسبابا كافية للقلق». ويزيد أن إسرائيل وسوريا، «بحاجة إلى إعادة المناطق الحدودية إلى الحالة التي كانت عليها قبل بدء الحرب. بالنسبة لتل أبيب، كانت الحدود مع الجمهورية العربية السورية، بلا مبالغة، الأكثر أمانا».
وتراقب موسكو بدقة تحذيرات أوساط بأن «حزب الله» بدأ استعدادات لفتح جبهة مع إسرائيل، على خلفية تصعيد التوتر بين إيران والولايات المتحدة في الخليج ويبدو أن الصراع الجاري على النفوذ ضمن التشكيلات العسكرية والأمنية بين الموالين لموسكو والأطراف الموالية لطهران دخلت مرحلة أكثر اتساعا.
وراقبت موسكو الانتقادات المتصاعدة للتفاهمات التي رعتها في الجنوب وبينها انتقادات أطلقها بعض رموز النظام السوري المقربون من إيران ورأوا فيها أن سياسات روسيا في درعا والاتفاق الذي رعته العام الماضي (المصالحات وتسليم المنطقة للنظام) أدى لحدوث فوضى جديدة، لأنها تعاملت مع أطراف الاتفاق كنِدّين وأبقت بعض السلاح بحوزة مجموعات من الجيش الحر لتأمين المناطق، وأن «على النظام أن يفرض سيطرة كاملة على كل المناطق» لكن موسكو في المقابل تفضل عدم نقل خلافاتها مع إيران إلى العلن، كما أنها أعلنت بوضوح أنها «لن تقبل صفقات على حساب مصالح الحلفاء» وفقا لتعبير الرئيس بوتين.
بهذا المعنى فإن موسكو وفقا لخبراء تسعى إلى تجنب انزلاق الموقف نحو مزيد من التعقيد في الجنوب، لكنها «إما لا ترغب أو ليست قادرة على ضبط التحركات الإيرانية» كما أنها أصلا «حريصة على إبقاء التحالف مع إيران في ملفات أخرى عدة لأنه يلبي مصالحها على المستوى الإقليمي» وفقا لخبير أوضح لـ«الشرق الأوسط» وجهة نظره بأنه «حتى لو سعت موسكو إلى الضغط على إيران لتقليص وجود الميليشيات في سوريا وهو أمر يلبي مصالح أطراف عدة بينها موسكو، لكنها في الوقت ذاته ليست قادرة على التحكم بهذه العملية نظرا لتغلغل الإيرانيين الواسع في سوريا، وإذا أخرجنا جنودهم من منطقة فسوف يعودون في لباس مدني إليها أو في لباس تشكيلات عسكرية سورية».
لكن في المقابل، لفتت أوساط محللين عسكريين الأنظار إلى أن موسكو عملت على مواكبة التطورات المتلاحقة في سوريا وبينها اتفاق «المنطقة الآمنة» وتعزيز الوجود الأميركي في مناطق الشرق بتسريع تحركات ميدانية لمواجهة غموض الموقف الأميركي، فهي في الرقة مثلا تقوم برعاية «مصالحات» عشائرية مع النظام، وعملت في الجنوب على تسهيل عودة قوات تابعة لإيران، بهدف الإبقاء على أهمية ورقة الرعاية الروسية لإجراءات تضمن أمن إسرائيل. في هذا الإطار أشارت تقارير أخيرا إلى أن القوات الروسية العاملة في سوريا سمحت للميليشيات المسلحة التابعة للحرس الثوري الإيراني بتوسيع الحضور في مواقعها جنوبي سوريا.
ووفقا للتقارير فإن موسكو التي تشرف على إقامة منطقة أمنية عازلة جنوبي البلاد، قامت على امتداد الحدود السورية مع إسرائيل والأردن، بالسماح لوحدات صغيرة تنتمي لـ«فيلق القدس» التابع للحرس الثوري الإيراني، ووحدات من «حزب الله»، بالعودة والانتشار في مواقع قريبة تقع على مسافة لا تزيد عن 10 إلى 15 كيلومتراً من الحدود، وأخلت الوحدات الروسية بعض المواقع ما يتيح للإيرانيين السيطرة على المناطق المحيطة بها.
وأشارت المعطيات إلى أن اتصالات إسرائيلية – أميركية تمت على مستوى عالٍ أخيرا بسبب تلك التحركات.

- بوتين أمام استحقاق
عند بداية التدخل الروسي المباشر في سوريا قال أحد الخبراء المقربين من الكرملين بأن الأهمية الأساسية للاندفاعة الروسية نحو سوريا تكمن في فهم الكرملين بأن هذه هي الفرصة الأخيرة لموسكو لتوسيع دائرة تأثيرها وخروجها من إطار منطقة نفوذها الاستراتيجي إلى مستوى أوسع عالميا. ووفقا للخبير فإن الفهم الروسي انطلق من زاوية أن حجم تأثير ودور القوى الإقليمية والدولية المنخرطة حاليا في الأزمة السورية سوف ينعكس بالتأكيد على قدرات هذه الأطراف على لعب أدوار في رسم ملامح النظام الإقليمي لاحقا والدولي على المستوى الأوسع. هذا الفهم يعكس الأهمية التي توليها السياسة الروسية للربط بين الأزمة السورية بكل تعقيداتها بالنسبة إلى موسكو، وضرورات المحافظة على نسق شامل في السياسة الإقليمية يلبي تلك الغاية ويمنح موسكو درجة التأثير المطلوبة في الملفات المختلفة المطروحة إقليميا. ووفقا لخبراء فإن ميزة الكرملين الرئيسية تمثلت في اتساق واستقرار سياساته في المنطقة، وهي السياسات التي أسفرت عن انفتاح شركاء موسكو في الشرق الأوسط، على روسيا، في مقابل تزايد فقدان الثقة بثبات السياسات الغربية في المنطقة.
أيضا، يرى خبراء أن إصرار موسكو على المحافظة على علاقات مع جميع أطراف النزاعات القائمة في الشرق الأوسط يمنحها قدرة أوسع على لعب أدوار جديدة ومتنوعة، في مقابل تقلص هذه الفرص لدى أطراف غربية على رأسها الولايات المتحدة، ويضع بعض الخبراء ملف التسوية في الشرق الأوسط، مثالا واضحا على هذه الرؤية، إذ قاد انحياز واشنطن الكامل إلى إسرائيل إلى تعقيد فرصها في أن تكون وسيطا مقبولا لدى كل الأطراف.
لكن في مقابل هذه الميزات، تواجه موسكو صعوبات متزايدة في المحافظة على التوازن القائم في علاقاتها مع الأطراف المختلفة، ويقف الرئيس الروسي الذي لا يرغب في عقد صفقات تجعله يخسر شركاء مهمين مثل تركيا أو إيران أمام استحقاق صعب، خصوصا بعدما نجح في بناء أطر لها أهمية استراتيجية للتعاون مع البلدين.


مقالات ذات صلة

الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

حصاد الأسبوع نتنياهو (غيتي)

الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

تلقى منصور عباس مساء الخميس اتصالاً من أحد المقربين من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، محاولاً جس نبضه إن كان مستعداً لترك معسكر غادي آيزنكوت

نظير مجلي (القدس)
حصاد الأسبوع إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)

رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

لقد فرضت نتائج الانتخابات الإسرائيلية على المجتمع اليهودي وأحزابه وقادته أن ينظروا إلى أنفسهم بالمرآة، فيما يتعلق بموقفهم من العرب. ففي السنوات الأولى لقيام

حصاد الأسبوع السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

في الثالث من أكتوبر (تشرين الأول) وقفت إليسا سلوتكين إلى جانب المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عبدول (عبد الرحمن) السيد، في لقاء انتخابي بمدينة وارن بولاية

إيلي يوسف ( واشنطن)
حصاد الأسبوع أوكازيو - كورتيز (أ.ف.ب/ غيتي)

ديمقراطيو 2028... أسماء كثيرة وبطاقة لم تتبلور بعد

لم تتبلور بعد بطاقة ديمقراطية للرئاسة الأميركية، والأسماء المتداولة لا تزال تحت الاختبار. فنتائج الانتخابات النصفية ستؤثر على مكانة المتنافسين وعلى السؤال الذي

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
حصاد الأسبوع مناصرو الرئيس اليساري يحتشدون في ساو باولو كبرى مدن البرازيل وعاصمتها الاقتصادية (أ.ب)

«لولا» ربح معركته الأخيرة ضد اليمين اللاتيني... لكن انتصاره مهدّد

كثيرة هي العبر التي يمكن استخلاصها من الانتخابات الرئاسية البرازيلية التي، خلافاً لمعظم التوقعات، جدّد فيها لويس إيغناسيو دا سيلفا «لولا» ولايته رغم الخسارة

شوقي الريّس (مدريد)

الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

نتنياهو (غيتي)
نتنياهو (غيتي)
TT

الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

نتنياهو (غيتي)
نتنياهو (غيتي)

تلقى منصور عباس مساء الخميس اتصالاً من أحد المقربين من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، محاولاً جس نبضه إن كان مستعداً لترك معسكر غادي آيزنكوت والانضمام إليه في الجهود لتشكيل حكومة وحدة وطنية، وما الثمن الذي يطلبه لقاء ذلك. وحدّد رسول نتنياهو السؤال أكثر: «هل سترغب في الانضمام للحكومة وتحظى بمنصب وزير أو ستكتفي بالدعم من الخارج مقابل ميزانيات ومطالب مدنية محددة؟». مَن يقرأ هذه الكلمات يستصعب تصديقها؛ لأن هذا الاتصال جاء في وقت كانت فيه إسرائيل تغلي كالمرجل بسبب الحملة التي شنها نتنياهو على الأحزاب العربية لتجريدها من شرعيتها، ولتخويف آيزنكوت من التفكير في تشكيل حكومة بمساندتها. لقد كانت وسائل الإعلام غارقة في متابعة «قطر غيت» ثانية؛ إذ أعلن «الشاباك» أنه «يحقق في معلومات عن تدخّل قطر ودول أخرى في الانتخابات الإسرائيلية عبر تمويل بعشرات ملايين الشواقل»، لكن تبين أن القصة غير جادة ولم تؤثر على نتائج الانتخابات. وكانت مشغولة أيضاً في اتهامات حول تزوير الانتخابات لدى العرب، وهذا أيضاً لم يثبت. ولجنة الانتخابات أكدت أنه لا يوجد شك في نزاهة الانتخابات لدى العرب. لكن نتنياهو نجح في إثارة عاصفة مخيفة.

كان واضحاً أن بنيامين نتنياهو ليس مهتماً حقاً بالدعم الخارجي للأحزاب العربية ولا أي أحزاب؛ فجميع الأحزاب الإسرائيلية تحصل على دعم خارجي، وهو نفسه يتباهى بالدعم الخارجي الذي يحصل عليه معنوياً ومالياً من عدة جهات في اليمين الأميركي، ويعرف أن الدعم الذي حصل عليه من الرئيس دونالد ترمب لا يقدّر بثمن. لكن القضية هي أن نتنياهو يقرأ جيداً نتائج الانتخابات ويدرك أنه خسرها.

صحيح أنه حقق نتائج أفضل مما كان متوقعاً؛ فالاستطلاعات كانت تشير إلى أنه سيخسر ربع قوته، لكنه وفق النتائج النهائية وشبه الرسمية، التي أعلنتها لجنة الانتخابات، خسر خُمس قوته، ولن يكون بمقدوره العودة إلى الحكم بحكومة يمين كامل.

وهذه النتائج تشير بوضوح إلى أن الجمهور الإسرائيلي يريد بغالبيته تغيير هذه الحكومة؛ إذ منح أكثرية 67 مقعداً من مجموع 120 مقعداً للمعسكر المناوئ بقيادة غادي آيزنكوت.

جبارين (الأناضول)

النتائج التفصيلية

بعد فرز 100 بالمائة من مجمل أصوات انتخابات الكنيست، بما يشمل المغلفات المزدوجة، أعلنت لجنة الانتخابات المركزية النتائج شبه الرسمية (النتائج الرسمية تسلّم لرئيس الدولة يوم الأربعاء المقبل)، ويتّضح منها أن معسكر نتنياهو استقر عند 53 مقعداً، في حين استقر معسكر أحزاب المعارضة الصهيونية عند 48 مقعداً، بالإضافة إلى 19 مقعداً للقائمتين العربيتين («المشتركة» بـ11 مقعداً، و«الموحّدة» بـ8 مقاعد).

من جهة ثانية، تبين أن أصوات الجنود والمرضى في المستشفيات أحدثت تغييرات طفيفة داخل المعسكرات؛ فبسببها خسرت «القائمة العربية المشتركة» مقعداً واحداً ربحته «القائمة العربية الموحّدة»، وخسر حزب «شاس» الحريدي الشرقي مقعداً ربحه «الليكود». وبناء عليه، ستتوزّع المقاعد كما يلي: «الليكود» بقيادة نتنياهو 27 مقعداً (1.16 مليون صوت)، و«يشار» بقيادة آيزنكوت 21 مقعداً (910 آلاف صوت)، و«بياحد» بقيادة نفتالي بينيت ويائير لبيد 12 مقعداً (529 ألفاً)، و«القائمة المشتركة» بقيادة يوسف جبارين وأحمد الطيبي وسامي أبو شحادة 11 مقعداً (499 ألفاً)، و«الديمقراطيون» بقيادة يائير غولان 8 مقاعد (458 ألفاً)، و«القائمة الموحّدة» بقيادة منصور عباس 8 مقاعد (336 ألفاً)، و«يسرائيل بيتينو» بقيادة أفيغدور ليبرمان 7 مقاعد (322 ألفاً)، و«يهدوت هتوراه» للحريديم الأشكناز 7 مقاعد (311 ألفاً)، و«عوتسما يهوديت» بقيادة إيتمار بن غفير 7 مقاعد (325 ألفاً)، و«شاس» بقيادة أرييه درعي 6 مقاعد (298 ألفاً)، و«الصهيونية الدينية» بقيادة بتسلئيل سموتريتش 6 مقاعد (288 ألف صوت).

بحسب لجنة الانتخابات، بلغت نسبة التصويت 77.7 بالمائة؛ إذ كان عدد المقترعين 5.697.290 مقترعاً (من مجموع 7.3 مليون صاحب حق اقتراع)، وعدد صناديق الاقتراع 12.884 صندوقاً. وقد أُلغي 25 ألفاً و756 صوتاً، وبقي 5.671.534 صوتاً صحيحاً.

وفي قراءة أولية لهذه النتائج، يتضح أن حزب نتنياهو زاد عدد أصواته من 1.11 مليون صوت عام 2022 إلى 1.16 ألف؛ أي بزيادة 48 ألف صوت جديد. لكن عدد المقاعد التي حصل عليها في الانتخابات السابقة بلغ 32 مقعداً (لا تشمل 4 مقاعد جلبها إليه جدعون ساعر عندما انشق عن بيني غانتس)، وهبط في هذه الانتخابات إلى 27 مقعداً. والسبب في هذا الهبوط يعود إلى الارتفاع الكبير في نسبة التصويت. وحصل هذا الارتفاع بسبب التجنيد الكبير للقوى التي قرّرت إسقاط نتنياهو، وفي مقدمتهم العرب، الذين ارتفعت نسبة التصويت لديهم من 53 بالمائة في 2022 إلى 80 بالمائة هذه المرة.

الجمهور أعطى رسالة لقادته وللعالم أن جرح «7 أكتوبر» عميق.. ونتنياهو ليس المفضّل لكنه يتمتع بجوانب يتمسكون بها

حصة نتنياهو

عملياً، كانت خسارة نتنياهو كبيرة على صعيد الحصص في معسكره (من 68 إلى 53 مقعداً). وأيضاً تراجع حزب «شاس» من 11 مقعداً إلى 6 مقاعد، ما يعد انهياراً؛ فهذا الحزب، الذي استقطب سابقاً معظم أصوات اليهود الشرقيين، ووصل إلى 17 مقعداً، يعاني اليوم من أزمة ثقة مع القيادة. وهو حزب فقر وفقراء، يعمل في مدارسه عشرات الألوف، لكن لا توجد مراقبة على حساباته. وجمهوره يتهم القيادات بالفساد (يحصل هذا الحزب مع حزب الحريديم الأشكناز على 11 مليار شيقل)؛ لأن المواطنين، بمن فيهم أعضاء الحزب، لا يشعرون بهذه الأموال.

الجناحان المتطرفان للمستوطنين خسرا أيضاً بعض قوتَيهما؛ إذ حصلا معاً على 14 مقعداً في الانتخابات السابقة، وهبطا حالياً إلى 13 (سموتريتش هبط من 8 إلى 6 مقاعد، وبن غفير ارتفع من 6 إلى 7 مقاعد، مع العلم أن الاستطلاعات كانت تمنح بن غفير 9 و10 مقاعد قبل شهرين).

وتتهم أحزاب اليمين نتنياهو بإدارة حملة منظّمة في الأسبوع الأخير من المعركة الانتخابية هدفها أن يصبح أكبر حزب، ولهذا الغرض «شفط» منها عشرات ألوف الأصوات وتسبب في تقليص قوتها.

معسكر آيزنكوت

في المقابل، تمكن آيزنكوت من إقناع الجمهور، ولو جزئياً، بأنه أفضل مَن يهزم نتنياهو. ومع أن حزبه يبلغ من العمر 13 شهراً فقط، وهو شخصياً يفتقر للكاريزما المطلوبة للشارع الإسرائيلي، تمكن من اقتحام معاقل «الليكود» وبعض قلاع الأحزاب الدينية، وحصل على 21 مقعداً، ورسّخ مكانته كأكبر أحزاب المعارضة، رغم أن حلفاءه في المعسكر (نفتالي بينيت ويائير لبيد وأفيغدور ليبرمان) رفضوا قبوله رئيساً للمعسكر، ومنعوه من الظهور كمرشح عنه لرئاسة الحكومة. وحتى بعد ظهور النتائج شبه الرسمية لا يعلن هؤلاء أنهم سيوصون رئيس الدولة بتكليفه بتشكيل الحكومة. وسيضطر إلى إدارة مفاوضات معهم في الموضوع.

وأما حزب «بياحد»، الذي كان يتمثل بـ24 مقعداً، فقد هبط إلى 12 مقعداً فقط، مع أن الاستطلاعات منحته 14 مقعداً في الأسبوع الأخير. في حين حصل ليبرمان على 7 مقاعد (كان لديه 6 مقاعد)، بعدما حصل في الشهور الأخيرة على 12 مقعداً في الاستطلاعات.

آيزنكوت (أ.ف.ب)

مفاجأة الانتخابات

في المقابل، كان العرب مفاجأة الانتخابات، أكان ذلك بنسبة التصويت (التي بلغت 80 بالمائة)، أم عدد المقاعد (إذ قفزوا من 10 مقاعد إلى 19 مقعداً). وهكذا ساهموا بقوة في إسقاط حكومة نتنياهو، والرد على محاولات القمع والكبت والتهميش والعنصرية، وأظهروا حضوراً لافتاً في الساحة السياسية.

وأيضاً، بخوضهم المعركة الانتخابية بقائمتين؛ «المشتركة» (التي تضم ثلاثة أحزاب)، و«الموحّدة» (التي تضم «الحركة الإسلامية» التي تحالفت مع ضابط شرطة كبير سابق)، تمكنوا من تجنّب إضاعة أي صوت. وحقاً، أوصلوا رسالة مجلجلة للمجتمع اليهودي بأنهم يواجهون بلا خوف الخطاب العنصري ضدهم، مؤكدين أنهم لا يضعون شروطاً قاسية على آيزنكوت.

من جهة ثانية، لم يُعرف بعد كيف رد منصور عباس على مقترح نتنياهو، لكنه اجتمع مع يائير غولان وتحدث إلى لبيد ومقربين من آيزنكوت. وأكد التزامه بالخطوات المقررة لإقالة رئيس الكنيست. فإذا تمكن من عقد لقاء مع نتنياهو أو مقرب منه، وكُشف الأمر للإعلام، سيساعد آيزنكوت على تشكيل حكومة تستند إلى العرب (قسم من داخل الحكومة وقسم من خارجها).

وما يُذكر هنا أن حزب «الديمقراطيين» - مع أنه حصل على 8 مقاعد فقط - خرج بقوة إلى العمل، واجتمع مع لبيد وعباس في محاولة للتقدّم نحو تشكيل حكومة أقلية، تضم «القائمة العربية الموحّدة». ويقول: «نحن مع (القائمة الموحّدة) 55 نائباً، مقابل معسكر نتنياهو المؤلف من 53 نائباً. ولدينا احتياطي ممثل في (القائمة المشتركة)، بـ11 نائباً؛ أي إنها تقف جسماً مانعاً أمام أي محاولة لنتنياهو لإسقاط الحكومة».

وهكذا، باختصار، أظهرت نتائج الانتخابات ما يلي:

أولاً: فشل الاستطلاعات.

ثانياً: فشل نتنياهو؛ إذ خسر خُمس قوة معسكره اليميني المتطرف، وليس بمقدوره العودة لتشكيل حكومة يمين خالص.

ثالثاً: ما زالت إسرائيل تعاني من أزمة قيادة؛ إذ لا وجود لزعيم «كاريزمي» يستطيع جرف الجمهور إلى جانبه، مثل بن غوريون أو مناحيم بيغن أو أرئيل شارون، أو حتى إيهود باراك.

رابعاً: ينتظر الجمهور اليميني اليوم أن ينجح نتنياهو في حملته ضد العرب ليمنع آيزنكوت من تشكيل حكومة معهم. وفي المقابل، ينتظر جمهور اليمين الوسط والليبراليون أن يشد آيزنكوت أزره ويشكّل حكومة مستقرة؛ إذ يوجد لديه الآن 67 نائباً مستعدون لتتويجه رئيس حكومة.


رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
TT

رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)

لقد فرضت نتائج الانتخابات الإسرائيلية على المجتمع اليهودي وأحزابه وقادته أن ينظروا إلى أنفسهم بالمرآة، فيما يتعلق بموقفهم من العرب. ففي السنوات الأولى لقيام الدولة العبرية، جرت عدة مداولات، كشف عنها النقاب بعد عدة عقود، موضوعها هل بقاء عرب في إسرائيل كان صحيحاً أم خطأ فاحشاً؟ كان هناك من قرر أنه خطأ جسيم. كما وضعت عدة خطط لترحيلهم، من بينها ارتكاب مجزرة كفر قاسم عام 1956.

وعام 1973، كشف الجنرال أهارون يريف، الرئيس الأسبق لشعبة الاستخبارات العسكرية، عن مخطط لدى الجيش الإسرائيلي لترحيل 600 – 700 فلسطيني من الضفة الغربية ومن الجليل في أول حرب تواجه إسرائيل.

لكن عام 1993، عندما احتاج إسحاق رابين إلى العرب لحماية حكومته من السقوط، تحالف مع الحزبين العربيين («الجبهة» بقيادة توفيق زياد و«الحزب الديمقراطي العربي» بقيادة عبد الوهاب دراوشة) اللذين تحوّلا إلى جسم مانع في وجه اليمين، ودعماه من خارج الحكومة.

في حينه أيضاً، تعرض رابين إلى هجمة شبيهة بالهجمة التي يواجهها آيزنكوت اليوم لاستناده إلى العرب. وفي تلك الفترة أيضاً، قاد الهجمة العنصرية نتنياهو نفسه. لكن رابين واجه تلك الهجمة بقوة، وقال: «عار ألا يتعامل اليهود مع العرب بمساواة... نحن اليهود عشنا تحت الظلم والتمييز والعنصرية مئات السنين في أوروبا. ولا يجوز لنا أن ننبذ العرب خارج الصفوف، ونتعامل معهم بعنصرية».

حتى نتنياهو، عندما احتاج إلى العرب لتثبيت حكومته عام 2015، تكلم عن العرب بطريقة مختلفة. واعتذر لهم على أنه تكلم يوم الانتخابات ضد تدفقهم إلى الصناديق. وبثّ شريط فيديو يقول فيه ما يلي: «مواطنينا العرب الأعزاء (بعدما قالها بالعبرية، أعادها بالعربية المكسّرة: مواتنونا العرب الأعزاء)، قبل أن يتم انتخابي قلت إن مواطنينا العرب تدفّقوا بجماهيرهم إلى صناديق الاقتراع. رغم أنني كنت أقصد حزباً سياسياً محدداً، فإن بعض المواطنين العرب شعروا أنني مسست بهم، وأفهم ذلك. اعتذرت عن الشكل الذي فهمت فيه أقوالي. أكثر من 20 في المائة من مواطنينا هم عرب. وأنتم وصلتم إلى إنجازات مذهلة. قضاة في المحكمة العليا وأعضاء كنيست. أدباء ذوو سمعة. أطباء وصيادلة ورجال أعمال وأصحاب شركات في الهايتك وعلماء. أنا أعتز بالدور الذي تقومون به لنجاح إسرائيل. وأريد أن يكبر دوركم أكثر. إن احترام الأقليات ليس الأمر الصحيح فقط، الذي يجب أن نقوم به، بل هو أمر حيوي لنا ولتقدمنا». وبعد هذا الموقف، صادقت حكومته على خطة لتطوير البلدات العربية بقيمة 5 مليارات شيكل (1.5 مليار دولار).

وعام 2021، عاد نتنياهو إلى تصريحات مشابهة، عندما تفاوض مع منصور عباس على التحالف ودعم حكومته، لكنه تراجع لأن حزب سموتريتش فرض «الفيتو» وهدّد بإسقاط الحكومة. فتوجّه عباس إلى بنيت ولبيد وأقام معهما تحالفاً. ويومها رفض عباس أن يكون جزءاً من الحكومة، لكنه كان جزءاً من الائتلاف البرلماني (في الكنيست). ولم تطل هذه التجربة، إذ تمكن نتنياهو من إسقاط الحكومة بعد 1.5 سنة، لكنها اعتبرت تجربة بالغة الأهمية. ويحاول عباس اليوم تكرارها.

كثيرون من أنصار السلام في إسرائيل يعيدون هذه الأيام نشر الفيديوهات الإيجابية التي تظهر تصريحات رابين ونتنياهو المذكورة أعلاه، لغرض تشجيع آيزنكوت على مواصلة هذا التوجه السليم. وفي هذه الأثناء، أجري استطلاع رأي، الخميس، قال فيه 59 في المائة من ناخبي معسكر آيزنكوت إنهم يؤيدون تشكيل حكومة مع العرب.

بالتالي، القضية اليوم المطروحة بعد نشر نتائج الانتخابات هي؛ هل سيتغلب آيزنكوت على حملة نتنياهو العنصرية، ويثبت أنه قائد قوي وجريء، ويقيم التحالف الذي يضمن له احترام إرادة الناخب وإسقاط حكم نتنياهو.

صحيح أن الجمهور أعطى رسالة لقادته وللعالم أن جرح «7 أكتوبر» عميق ويهيمن على كل زاوية ويغرقهم في كراهية جنونية للعرب، وصحيح أيضاً أن الجمهور لم يعد يرى في نتنياهو القائد المفضل، لكن نتنياهو يتمتع بجوانب قوة يتمسكون بها، ولا يجدونها بعد لدى آيزنكوت وغيره من الجنرالات الذين اهتزت بهم ثقة الناس.


السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟
TT

السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

في الثالث من أكتوبر (تشرين الأول) وقفت إليسا سلوتكين إلى جانب المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عبدول (عبد الرحمن) السيد، في لقاء انتخابي بمدينة وارن بولاية ميشيغان. في هذا اللقاء بالمدينة - بضواحي مدينة ديترويت - كانت السيناتورة اليهودية ذات الخلفية الاستخباراتية والمواقف الوسطية، تدعم مرشحاً مسلماً تقدمياً تختلف معه في قضايا خارجية، وتتحفظ عليه شخصيات يهودية بسبب مواقفه من إسرائيل. بالنسبة إليها، كان المشهد فرصة لإثبات إمكانية العمل المشترك رغم الخلاف. وبالنسبة إلى حزبها، كان اختباراً لقدرة مكوّناته على البقاء معاً عشية انتخابات قد تعيد توزيع السلطة في واشنطن. ومع أن سلوتكين لا تخوض انتخابات تجديد مقعدها الثلاثاء المقبل، لكن موقعها السياسي يخضع لاختبار من نوع آخر.

السيناتورة إليسا سلوتكين، التي فازت عام 2024 في ولاية ميشيغان بشمال الولايات المتحدة التي اختارت يومذاك دونالد ترمب للرئاسة، تحاول اليوم المساهمة في إنقاذ الائتلاف الذي حملها إلى واشنطن. وهي بين خبرتها الأمنية، وهويّتها اليهودية، وعلاقتها بناخبين عرب ومسلمين، وطموحها الوطني المحتمل، تتشكّل شخصية استثنائية قد يصبح تأثيرها أكبر من عمر تجربتها القصيرة في مجلس الشيوخ.

جذور ومسارات

ولدت إليسا سلوتكين في مدينة نيويورك يوم 10 يوليو (تموز) 1976، ونشأت في ميشيغان حيث ارتبط تاريخ عائلتها بمزرعة في بلدة هولي وبشركة «هايغريد فودز» لتعليب اللحوم. ومن أشهر منتجات الشركة نقانق «بول بارك» التي ارتبطت بمدرّجات ملعب الـ«تايغر» التابع لنادي ديترويت تايغرز لكرة القاعدة (البيسبول) في مدينة ديترويت.

هذه تفاصيل تستحضرها سلوتكين في موقعها الرسمي عن سيرتها، لربط سيرة العائلة بتاريخ الولاية الصناعي وحياتها اليومية، بعيداً عن الصورة المجرّدة لموظفة أمن قومي سابقة آتية من واشنطن.

درست السيناتورة المستقبلية في جامعتين من أرقى جامعات أميركا، فحازت بكالوريوس في علم الاجتماع الريفي من جامعة كورنيل، ثم ماجستير العلاقات الدولية من جامعة كولومبيا عام 2003.

وبين الاختصاصين مسافة تبدو حاضرة في خطابها. اهتمام بالمجتمعات المحلية ومصادر عيشها، وانشغال بموقع الولايات المتحدة وأخطار العالم. لكنها لم تدخل السياسة الانتخابية مباشرة بعد تخرّجها من الجامعة، بل أمضت سنوات في مؤسسات اعتاد أن يعمل موظفوها بعيداً عن الجمهور.

بحسب روايتها، وقعت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) خلال أسبوعها الأول في نيويورك لبدء الدراسات العليا، فدفعتها إلى اختيار العمل الأمني. وبالفعل، التحقت بوكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) محللة لشؤون الشرق الأوسط، ثم أرسلت إلى بغداد في أولى 3 مهمات بالعراق.

لم تكن يومذاك عسكرية، بل عملت إلى جانب القوات والدبلوماسيين الأميركيين، في بيئة تداخلت فيها المعلومات الاستخباراتية بالمواجهات المسلحة وصراعات النفوذ.

ومن العراق، انتقلت إلى وظائف في مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية و«البنتاغون» (وزارة الحرب)، وخدمت في إدارتي جورج بوش الابن وباراك أوباما. ووصلت إلى منصب مساعد وزير الدفاع بالإنابة لشؤون الأمن الدولي.

هذه الخبرة منحت سلوتكين مادة سياسية مميّزة، وبالفعل قدّمت نفسها كموظفة خدمت الدولة تحت رئيسين من حزبين مختلفين، قبل أن تغدو ممثّلة منتخبة لأحدهما. لكنها أيضاً ارتبطت بمؤسّسة أمنية تواجه أسئلة متراكمة عن نتائج الحروب الأميركية وحدودها.

الأم والسياسةإذا كان العراق قد صاغ خبرة إليسا سلوتكين المهنية، فإن مرض والدتها شكّل العامل الشخصي الذي دفعها لدخول السياسة، بحسب روايتها. إذ شُخصت إصابة والدتها بسرطان المبيض في مرحلة متقدمة عام 2009، عندما كانت بلا تأمين صحي، وبعدما جعل تاريخ الإصابة بسرطان الثدي تكلفة التغطية المالية للعلاج مرهقة. وهنا تروي سلوتكين أن الأسرة كانت تبحث عن علاج ينقذ حياة الأم، وتملأ في الوقت نفسه أوراق إشهار إفلاسها.

توفيت والدتها عام 2011، لكن التجربة بقيت أساساً لموقفها من حماية المصابين بأمراض مُزمنة وخفض أسعار الأدوية. وحين حاول الجمهوريون إلغاء الحماية التي أتاحها «قانون الرعاية الصحية»، قرّرت خوض الانتخابات عن الديمقراطيين. وهكذا وجدت مسؤولة الأمن السابقة مدخلها إلى الناخبين في مسألة شخصية يمكن لملايين العائلات فهمها.

عضو مجلس النواب

عام 2018، انتخبت سلوتكين نائبة في مجلس النواب عن ميشيغان بعدما انتزعت مقعداً للجمهوريين، وكرّرت الفوز في عامي 2020 و2022. ثم انتقلت إلى المنافسة على مقعد السيناتورة الديمقراطية المتقاعدة ديبي ستابيناو عام 2024.

يومذاك، لم يكن انتصارها كاسحاً، إذ حصلت على نحو 2.713 مليون صوت متقدّمة بـ19 ألف صوت فقط على الجمهوري مايك روجرز، الذي ينافس اليوم عبدول السيد. بيد أن لهذا الهامش معنى يتجاوز الحساب الانتخابي. فهو يمنحها حجة بأنها تستطيع الفوز في بيئة لا تضمن نجاح الديمقراطيين، لكنه يذكّرها بأن أي خسارة محدودة بين المستقلين أو العمال أو الأقليات قد تقلب النتيجة. في تلك المعركة، ركّزت سلوتكين حملتها على تكاليف المعيشة والأدوية والتعليم، ودافعت عن حقوق الإجهاض، وحصلت على تأييد نقابة عمال السيارات، أي أن خبرتها الخارجية لم تغنها عن بناء صدقية في الشؤون المعيشية. ومن هذه التجربة تستمد اليوم اعتراضها على اختزال السياسة بالتصنيفات الآيديولوجية. فهي ترى أن الناخب الذي يقلقه التأمين الصحي أو استقرار عمله لا يبدأ بالضرورة من السؤال عما إذا كان المرشح وسطياً أو تقدمياً، بل ممّا يستطيع تقديمه.

ائتلاف يهودي - مسلم... تحت الضغط

تجسّد ولاية ميشيغان راهناً الصعوبة التي تواجه هذا المنطق حين تتداخل السياسة الخارجية بالهوية والتجارب العائلية. فالحضور العربي والمسلم واليهودي يضع الحرب في غزة والعلاقة مع إسرائيل في قلب النقاش المحلي، إلى جانب الوظائف والأسعار والسكن. ومن ثم، لا تستطيع سلوتكين التعامل مع هذه القضايا وكأنها ملفات بعيدة تخصّ لجان الكونغرس وحدها.

لكنها بالمقابل ترفض تصوير الجماعات الانتخابية ككتل متجانسة. وفي ظهورها مع السيد، شدّدت على اختلاف أولويات الناخبين اليهود، كما تختلف أولويات المسلمين والسود. ونقل موقع «جويش إنسايدر» عنها رغبتها في تقديم نموذج لامرأة يهودية ورجل مسلم يستطيعان النقاش والعمل معاً. وجاء موقفها هذا بينما تنتقد شخصيات يهودية ديمقراطية السيد، وبعضها يلوّح بحجب التأييد عنه أو دعم منافسه الجمهوري.

لا يعني هذا أن سلوتكين تبنّت برنامجه. ووفق صحيفة «شيكاغو ماروون» أوضحت في نقاش بجامعة شيكاغو هذا الشهر، أنها لم تؤيده في الانتخابات التمهيدية، وأن خلافاتهما مستمرة وبخاصة في السياسة الخارجية. لكنها ترى أرضية مشتركة في حماية الديمقراطية والأمن الاقتصادي، بحسب قولها. ومن هنا تحاول صياغة انقسام بديل داخل الحزب، بين الاستعداد للمواجهة والانسحاب منها، بدلاً من الفصل التقليدي بين المعتدلين والتقدميين.

مع ذلك، يرى البعض أن هذا الاختيار ينطوي على أخطار. فتأييد مرشح مختلف عنها قد يساعد على توحيد الحزب، لكنه قد يضعف صورتها لدى بعض من اختاروها بسبب اعتدالها. وفي المقابل، فإن الابتعاد عنه كان سيجعل خطاب الوحدة أقل اقناعاً لدى التقدميين والناخبين الذين يريدون تغييراً في سياسة إسرائيل. والاختبار هنا ليس لقدرتها على إرضاء الجميع، بل على إقناع المختلفين بأن التعاون لا يستلزم تنازلهم عن جميع مواقفهم. ومن ثمّ، إذا أرادت قيادة وطنية، فهذه مهارة تحتاج إليها في حزب يصعب على أي جناح فيه الفوز منفرداً.

إسرائيل بلا تفويض

تظهر محاولة سلوتكين الموازنة في مواقفها بوضوح في تصويتها يوم 15 أبريل (نيسان) الماضي، لمنع نقل قنابل هجومية تزن ألف رطل وجرّافات عسكرية إلى إسرائيل، مع تأكيد استمرار دعمها أنظمة الدفاع، بينها «القبة الحديدية». وقالت إنها ستراجع الأسلحة الهجومية المموّلة أميركياً، كل حالة على حدة.

بذا وضعت السيناتورة فصلاً عملياً بين حماية إسرائيل وتأييد كل ما تطلبه حكومتها. وفي تفسيرها موقفها، أكدت تمسكها بـ«إسرائيل يهودية ديمقراطية»، لكنها رفضت مساواة تأييدها بالموافقة على أجندة رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو. وربطت موقفها بحق الأميركي في دعمها وانتقاد قيادتها. وأيضاً، استحضرت خبرتها في العراق لتشدّد على معارضتها النظام الإيراني وحلفائه، بالتزامن مع رفض حرب ترى أن «ترمب بدأها بلا تهديد وشيك مثبت أو أهداف واضحة» أو موافقة الكونغرس.

تتيح هذه الصيغة تصوّر أن تلعب سلوتكين دوراً في محاولة إعادة بناء العلاقة بين الديمقراطيين وإسرائيل. لكن لا توجد أدلة تتيح تقديمها بوصفها صاحبة خطة معلنة للعمل مع جماعات الضغط المحسوبة على اللوبي اليهودي لاستعادة الدعم غير المشروط لإسرائيل. فموقفها الموثّق أقرب إلى «إعادة تعريف التأييد» بحيث يتّسع للقيود والمحاسبة. هذا قد يجعلها محاورة مفيدة لبعض المنظمات والناخبين المؤيدين لإسرائيل، وموضع خلاف مع آخرين. في المقابل، هويّتها اليهودية لا تضمن قبول حجتها، مثلما لا يضمن تصويتها ضد أسلحة هجومية استعادة ثقة العرب والمسلمين. فعليها إقناع الطرفين بأن معاييرها ثابتة، وليست استجابة متغيرة لضغط الانتخابات.

وهنا تضيف الانتخابات الإسرائيلية بعداً جدياً لهذا الاختبار. فالمعطيات حتى الآن لا توضح الطرف الذي يملك غالبية محسومة، ويظل احتمال استمرار بنيامين نتنياهو مطروحاً ضمن مفاوضات الائتلاف. وإذا بقي، فقد يزداد الضغط على سلوتكين لإثبات أن الفصل بين إسرائيل وحكومتها يترجم إلى قرارات، لا لغة مريحة سياسياً فقط.

للعلم، بدأ انتقال سلوتكين إلى الجمهور الوطني مبكراً بعد دخولها مجلس الشيوخ، إذ اختارها الديمقراطيون في مارس (آذار) 2025 للرد على خطاب ترمب أمام الكونغرس. وأدلت بخطاب يستدعي قيماً مشتركة ويتوجّه إلى «الوسط» السياسي، بدليل أنها استعانت بإرث الرئيس الجمهوري الراحل رونالد ريغان لانتقاد مقاربة ترمب للعلاقات الدولية.

لكن نبرتها الأكثر مواجهة اليوم لا تعني تخلّيها عن الأولويات الاقتصادية. فقد طرحت خلال مشاركتها في مناقشات شيكاغو تسريع بناء المساكن والتأمين الصحي العام، منتقدة تقصير الديمقراطيين في مخاطبة مخاوف الأسر خلال انتخابات 2024. وهي بذا تحاول توسيع صورتها من «خبيرة أمن قومي» إلى «سياسية» ترى أن هشاشة الطبقة الوسطى تمسّ استقرار البلاد نفسه. وفي مسألة الإدارة، تدعو سلوتكين إلى تحقيقات محدّدة تستطيع كشف المسؤوليات مع تشريعات تمنع تكرار التجاوزات. وتتحفّظ عن التعويل على تكرار محاولات عزل الرئيس الشكلية من دون أصوات كافية لإدانته في مجلس الشيوخ. وهنا يظهر منطق عملها: «مواجهة أشد لكن بأهداف قابلة للتحقق لا مجرد رفع سقف الوعود».

من ناحية أخرى، أقرت سلوتكين بأنها تفكر في الترشح للرئاسة، من دون إعلان قرار، كما زارت ولاية نيفادا أخيراً وسط تكهنات بطموحها لعام 2028 بحسب موقع «أكسيوس».

ومع ذلك، فالفوز في ميشيغان لا يضمن اجتياز انتخابات تمهيدية وطنية، حيث تحتاج إلى شبكة تنظيمية وتمويل وتعريف أوسع بنفسها، وتواجه منافسين أقوى وأكثر شهرة.

وعشية الانتخابات النصفية، تبدو إليسا سلوتكين أمام اختبار يسبق إعلان أي طموح رئاسي: هل تستطيع مساعدة حزبها على الفوز من دون إخفاء خلافاته وأزماته، ومخاطبة ناخبين لا يثق بعضهم ببعض؟