سياسة بوتين السورية... وتحدي توازن المصالح

انفجار الوضع في إدلب وعودة شبح «الحسم العسكري» يثيران أسئلة حول «صفقات» لإعادة رسم مناطق النفوذ

سياسة بوتين السورية... وتحدي توازن المصالح
TT

سياسة بوتين السورية... وتحدي توازن المصالح

سياسة بوتين السورية... وتحدي توازن المصالح

بينما كانت موسكو تحتفي الأسبوع الماضي، بمرور عشرين عاما على تولي الرئيس فلاديمير بوتين مقاليد السلطة في البلاد، يعقد محللون مقارنات كثيرة بين أحوال روسيا ومكانتها على الساحة الدولية حاليا، ووضعها عندما وضع رجل المخابرات السابق قدمه للمرة الأولى في الكرملين. وبرز الحضور الروسي في سوريا بكل تداعياته، ليشكل واحدا من أبرز معالم تحولات السياسة الروسية على المستويين الإقليمي والدولي.
ومع النقاشات الكثيرة الدائرة حول النجاحات العديدة التي حققتها السياسة الروسية في سوريا، والإخفاقات التي منيت بها هناك، وأظهرتها منعطفات عدة، فإن أسئلة ما زالت تطرح حول الاستراتيجية التي عمل الكرملين على بلورتها خلال السنوات الأخيرة، ومدى قدرة موسكو على إدارة ملفات الصراع على مناطق النفوذ في سوريا، والمحافظة على التوازن الصعب الذي رسمته موسكو في علاقاتها مع الأطراف المنخرطة في الأزمة.

وفقا لخبراء فإنها ليست مجرد صدفة أن يكون الانتقال القوي إلى سوريا، وهو المنعطف الذي شكل أحد أبرز عناوين الصعود للسياسة الروسية، وعكس قدرة الكرملين على «تغيير قواعد اللعبة» وتعزيز آليات الرد على محاولات تطويق روسيا عسكريا وسياسيا، جاء بعد مرور عام واحد على التحدي الكبير الذي أطلقه بوتين في وجه الغرب عندما قرر في العام 2014 ضم شبه جزيرة القرم، وفتح ملف الصراع مع أوكرانيا والغرب من خلفها. وبالمعنى ذاته فإن هذه «الاندفاعة الروسية» جاءت في سياق سياسة متسقة وتصاعدية برزت مقدماتها الأولى منذ العام 2008 من خلال الحرب الروسية – الجورجية التي أسفرت عن اقتطاع إقليمي ابخازيا واوسيتيا الجنوبية ووضع مقدمات لإعادة ترتيب خرائط النفوذ في الفضاء السوفياتي السابق.

- تحديات جديدة
بهذا الترتيب ينظر خبراء روس إلى المنعطفات الأساسية التي مرت بها سياسة «الصعود الروسي» التي قادها بوتين، في مواجهة تداعيات الإحباطات الكثيرة والإخفاقات التي كانت تواجهها بلاده عندما تسلم مقاليد السلطة.
لكن، بعد مرور أربع سنوات على بدء التدخل العسكري الروسي المباشر في سوريا في نهاية سبتمبر (أيلول) 2015. يواجه الكرملين تحديات متزايدة وهو يرسم ملامح خطواته المقبلة في مرحلة حاسمة. إذ وضعت التفاهمات التركية الأميركية حول المنطقة الآمنة في الشمال السوري، بالتزامن مع تزايد المؤشرات إلى قيام واشنطن بتكثيف الحضور في مناطق الشمال والشرق، السياسة الروسية أمام تعقيد جديد، يهدد بتقويض جزءا مهما من الإنجازات التي فاخر الروس بتحقيقها في سوريا، وعلى رأسها الحديث عن «المحافظة على وحدة وسيادة سوريا على أراضيها».
كما أن استحقاق انفجار الوضع مجددا في إدلب، وعودة شبح «الحسم العسكري» إلى الواجهة بعد الانهيار السريع للهدنة الهشة التي أعلنت في إطار مفاوضات أستانة، يثير بدوره أسئلة حول احتمال التوصل إلى «صفقات» تتضمن إعادة رسم ملامح مناطق النفوذ في سوريا. وتبرز مع التطورين خريطة واسعة من التعقيدات التي لا تقل خطورة، وعلى رأسها الوضع في المنطقة الجنوبية ومساعي موسكو لاحتواء احتمالات تدهور الوضع نحو مواجهة بين إسرائيل والميليشيات القريبة من إيران، فضلا عن الصراع على النفوذ أصلا ضمن التشكيلات العسكرية والأمنية الكثيرة المنتشرة على الأرض السورية، وهو في جزء كبير منه يعكس احتدام التنافس ميدانيا وسياسيا يضاف إلى التنافس الاقتصادي الذي تبدو ملامحه أكثر وضوحا بين روسيا وإيران.
تقف موسكو أمام هذا الواقع وهي تحاول رسم خطواتها المقبلة وبلورة مقاربة سياسية شاملة للوضع، وبهذا المعنى فهي وفقا لخبراء تواجه استحقاق تحول واسع في سياستها السورية من «حملة سريعة هدفها تعزيز الحضور الروسي وترتيب موازين القوى لدفع عملية سياسية مقبولة» إلى «انخراط كامل في تعقيدات إقليمية ودولية، أسفر عن اضطرار الكرملين إلى زج كل قدراته في المسار السوري».
بهذا الفهم يتعامل فريق من الخبراء الروس مع الفارق على المستوى الميداني بين الرؤية الأولى لحجم وطبيعة التدخل الروسي في سوريا كما كان مرسوما، واضطرار موسكو تدريجيا إلى الانزلاق نحو «تورط» كامل في هذه الأزمة.
وكان خبراء لفتوا إلى أن غياب الرؤية الشاملة لما تريده موسكو في المحصلة من الحرب السورية ما زال يشكل معضلة جدية مع غياب القدرة على تحقيق إنجازات سياسية سريعة تواكب التقدم الميداني الذي أحرز خلال السنوات الماضية.

- علاقة ملتبسة مع واشنطن
فتح الإعلان عن توصل واشنطن وأنقرة إلى تفاهمات حول «المنطقة الآمنة» في الشمال السوري، على واقع أربك الخطط الروسية التي راهنت لفترة طويلة على تضاؤل فرص التفاهم بين واشنطن وأنقرة بسبب تباين التحالفات واختلاف الرؤى حول الترتيبات النهائية في المنطقة.
وبرغم أن موسكو تجنبت على المستوى الرسمي المسارعة في التعليق على التطور، لكن أوساطا دبلوماسية لا تخفي قلقا من أنه «يضع واقعا جديدا في منطقة الشمال السوري، لا يقتصر على منح الوجود الأميركي غير الشرعي وضعا مختلفا، لكنه يزيد أيضا من تعقيدات بلورة ملامح التسوية السياسية في سوريا».
حتى فترة قريبة، كانت موسكو تراقب التحركات الأميركية عن قرب، وتكرر دعواتها إلى واشنطن بالانسحاب من الأراضي السورية، لكن في الوقت ذاته، سادت قناعة لدى أوساط روسية بأن واشنطن ليست معنية بوجود دائم في سوريا.
لكن إشارات عدة برزت أخيرا، أوحت من وجهة نظر خبراء روس بحدوث تغيير في المقاربة الأميركية للوضع في سوريا، بينها العمل على تعزيز الحضور الأميركي في مناطق الشمال والشرق، والاتفاق الأميركي – التركي، فضلا عن إمعان واشنطن في تجاهل الدعوات الروسية لفتح قنوات حوار حول الوضع النهائي للتسوية الممكنة في سوريا، وتجاهلها جهود موسكو في إطار «مسار أستانة» وهو موقف تصاعد إلى مستوى التصريح بضرورة حصر المسار السياسي في جنيف ومقاطعة كل جهد آخر تقوم به موسكو.
وفي إطار الترقب الروسي للخطوات الأميركية جاء تحذير الخارجية الروسية من محاولات لـ«فصل» شمال شرقي سوريا، والتأكيد على ضرورة حل المشاكل في تلك المناطق على أساس «سيادة سوريا وبواسطة الحوار بين دمشق والأكراد».
برغم ذلك، لا يخفي خبراء تحدثت إليهم «الشرق الأوسط» أن وراء الصمت الروسي حيال التطورات الجارية في الشمال، تبرز حسابات لموسكو تقوم على أن موافقة واشنطن على فكرة «المنطقة الآمنة» قد تكون ضمن ترتيبات أميركية للوضع في المنطقة، تضمن لتركيا تقليص الهواجس الأمنية، وتضع في الوقت ذاته ضمانات للأكراد بعدم السماح باستهداف واسع لمناطقهم، في إطار مسعى أميركي لإنجاز الانسحاب من المنطقة مع حلول العام المقبل. ويربط الخبراء هذا بحاجة الرئيس دونالد ترمب لإظهار الالتزام بتعهداته في هذا الشأن قبل حلول موعد الانتخابات الأميركية.
ومن زاوية فإن هذا التطور الذي يلبي تطلعات تركيا الأمنية يمنح موسكو هامشا أوسع للحسم في إدلب، في إطار تفاهم يمكن التوصل إليه مع الجانب التركي. وهذا يفسر تصاعد حدة العمليات العسكرية في إدلب وتسريع عملية «قضم» المناطق المحيطة بها.
وفي كل الأحوال يرى خبراء أن التطورات الميدانية الجارية في الشمال والشرق السوريين، سوف تسفر عن انتهاء مرحلة من الأزمة السورية، وبروز خريطة جديدة لتوزيع مناطق النفوذ للأطراف المختلفة وأن هذه المناطق سوف تنعكس بالتأكيد في آليات إطلاق عملية التسوية.
ووفقا لخبير فإن الحاجة إلى مسار أستانة قد تتراجع بشكل ملموس في الفترة المقبلة، في مقابل تنامي أهمية إيجاد آلية لفتح الحوار وإنشاء قناة لنقاش جدي بين موسكو وواشنطن حول آليات التسوية النهائية في سوريا.

- «عقدة» إيران
في مقابل تعقيدات الوضع في الشمال، تبرز معضلة أخرى أمام موسكو تتمثل في المحافظة على توازن المصالح الذي أقامته في علاقاتها مع طهران من جانب ومع تل أبيب من جانب آخر، وبرغم نجاح روسيا في إبرام صفقة لـ«إبعاد» الإيرانيين عن منطقة الجنوب لمسافة نحو 80 كيلومترا العام الماضي، لكن سرعان ما اتضح أن هذا الاتفاق كان شكليا، وبرزت تقارير كثيرة خلال الشهور الأخيرة تتحدث عن تعزيز إيران والقوات الحليفة لها وجودها في مناطق الجنوب ما بات يشكل عنصر توتر دائم ويفاقم المخاوف الروسية من انزلاق الوضع نحو مواجهة مباشرة أو غير مباشرة في المنطقة.
وكان لافتا خلال الفترة الأخيرة أن وسائل إعلام روسية حذرت من أن قدرة موسكو على «ضبط» التحركات الإسرائيلية ضد المواقع الإيرانية ومواقع الميليشيات التابعة لطهران، باتت أضعف من السابق.
ونشرت وسائل إعلام روسية معطيات تفيد بأن إسرائيل لن تطلب في المستقبل من روسيا إذنا لمهاجمة سوريا. وأنها ستتوقف حتى عن إعلام موسكو بالعمليات القادمة. والسبب من وجهة نظر الخبراء الروس هو مواصلة «حزب الله» حشد قواته على الحدود السورية الغربية والجنوبية.
ويرى المستشرق الروسي – الإسرائيلي أوليغ غوشين أن «لدى إسرائيل أسبابا كافية للقلق». ويزيد أن إسرائيل وسوريا، «بحاجة إلى إعادة المناطق الحدودية إلى الحالة التي كانت عليها قبل بدء الحرب. بالنسبة لتل أبيب، كانت الحدود مع الجمهورية العربية السورية، بلا مبالغة، الأكثر أمانا».
وتراقب موسكو بدقة تحذيرات أوساط بأن «حزب الله» بدأ استعدادات لفتح جبهة مع إسرائيل، على خلفية تصعيد التوتر بين إيران والولايات المتحدة في الخليج ويبدو أن الصراع الجاري على النفوذ ضمن التشكيلات العسكرية والأمنية بين الموالين لموسكو والأطراف الموالية لطهران دخلت مرحلة أكثر اتساعا.
وراقبت موسكو الانتقادات المتصاعدة للتفاهمات التي رعتها في الجنوب وبينها انتقادات أطلقها بعض رموز النظام السوري المقربون من إيران ورأوا فيها أن سياسات روسيا في درعا والاتفاق الذي رعته العام الماضي (المصالحات وتسليم المنطقة للنظام) أدى لحدوث فوضى جديدة، لأنها تعاملت مع أطراف الاتفاق كنِدّين وأبقت بعض السلاح بحوزة مجموعات من الجيش الحر لتأمين المناطق، وأن «على النظام أن يفرض سيطرة كاملة على كل المناطق» لكن موسكو في المقابل تفضل عدم نقل خلافاتها مع إيران إلى العلن، كما أنها أعلنت بوضوح أنها «لن تقبل صفقات على حساب مصالح الحلفاء» وفقا لتعبير الرئيس بوتين.
بهذا المعنى فإن موسكو وفقا لخبراء تسعى إلى تجنب انزلاق الموقف نحو مزيد من التعقيد في الجنوب، لكنها «إما لا ترغب أو ليست قادرة على ضبط التحركات الإيرانية» كما أنها أصلا «حريصة على إبقاء التحالف مع إيران في ملفات أخرى عدة لأنه يلبي مصالحها على المستوى الإقليمي» وفقا لخبير أوضح لـ«الشرق الأوسط» وجهة نظره بأنه «حتى لو سعت موسكو إلى الضغط على إيران لتقليص وجود الميليشيات في سوريا وهو أمر يلبي مصالح أطراف عدة بينها موسكو، لكنها في الوقت ذاته ليست قادرة على التحكم بهذه العملية نظرا لتغلغل الإيرانيين الواسع في سوريا، وإذا أخرجنا جنودهم من منطقة فسوف يعودون في لباس مدني إليها أو في لباس تشكيلات عسكرية سورية».
لكن في المقابل، لفتت أوساط محللين عسكريين الأنظار إلى أن موسكو عملت على مواكبة التطورات المتلاحقة في سوريا وبينها اتفاق «المنطقة الآمنة» وتعزيز الوجود الأميركي في مناطق الشرق بتسريع تحركات ميدانية لمواجهة غموض الموقف الأميركي، فهي في الرقة مثلا تقوم برعاية «مصالحات» عشائرية مع النظام، وعملت في الجنوب على تسهيل عودة قوات تابعة لإيران، بهدف الإبقاء على أهمية ورقة الرعاية الروسية لإجراءات تضمن أمن إسرائيل. في هذا الإطار أشارت تقارير أخيرا إلى أن القوات الروسية العاملة في سوريا سمحت للميليشيات المسلحة التابعة للحرس الثوري الإيراني بتوسيع الحضور في مواقعها جنوبي سوريا.
ووفقا للتقارير فإن موسكو التي تشرف على إقامة منطقة أمنية عازلة جنوبي البلاد، قامت على امتداد الحدود السورية مع إسرائيل والأردن، بالسماح لوحدات صغيرة تنتمي لـ«فيلق القدس» التابع للحرس الثوري الإيراني، ووحدات من «حزب الله»، بالعودة والانتشار في مواقع قريبة تقع على مسافة لا تزيد عن 10 إلى 15 كيلومتراً من الحدود، وأخلت الوحدات الروسية بعض المواقع ما يتيح للإيرانيين السيطرة على المناطق المحيطة بها.
وأشارت المعطيات إلى أن اتصالات إسرائيلية – أميركية تمت على مستوى عالٍ أخيرا بسبب تلك التحركات.

- بوتين أمام استحقاق
عند بداية التدخل الروسي المباشر في سوريا قال أحد الخبراء المقربين من الكرملين بأن الأهمية الأساسية للاندفاعة الروسية نحو سوريا تكمن في فهم الكرملين بأن هذه هي الفرصة الأخيرة لموسكو لتوسيع دائرة تأثيرها وخروجها من إطار منطقة نفوذها الاستراتيجي إلى مستوى أوسع عالميا. ووفقا للخبير فإن الفهم الروسي انطلق من زاوية أن حجم تأثير ودور القوى الإقليمية والدولية المنخرطة حاليا في الأزمة السورية سوف ينعكس بالتأكيد على قدرات هذه الأطراف على لعب أدوار في رسم ملامح النظام الإقليمي لاحقا والدولي على المستوى الأوسع. هذا الفهم يعكس الأهمية التي توليها السياسة الروسية للربط بين الأزمة السورية بكل تعقيداتها بالنسبة إلى موسكو، وضرورات المحافظة على نسق شامل في السياسة الإقليمية يلبي تلك الغاية ويمنح موسكو درجة التأثير المطلوبة في الملفات المختلفة المطروحة إقليميا. ووفقا لخبراء فإن ميزة الكرملين الرئيسية تمثلت في اتساق واستقرار سياساته في المنطقة، وهي السياسات التي أسفرت عن انفتاح شركاء موسكو في الشرق الأوسط، على روسيا، في مقابل تزايد فقدان الثقة بثبات السياسات الغربية في المنطقة.
أيضا، يرى خبراء أن إصرار موسكو على المحافظة على علاقات مع جميع أطراف النزاعات القائمة في الشرق الأوسط يمنحها قدرة أوسع على لعب أدوار جديدة ومتنوعة، في مقابل تقلص هذه الفرص لدى أطراف غربية على رأسها الولايات المتحدة، ويضع بعض الخبراء ملف التسوية في الشرق الأوسط، مثالا واضحا على هذه الرؤية، إذ قاد انحياز واشنطن الكامل إلى إسرائيل إلى تعقيد فرصها في أن تكون وسيطا مقبولا لدى كل الأطراف.
لكن في مقابل هذه الميزات، تواجه موسكو صعوبات متزايدة في المحافظة على التوازن القائم في علاقاتها مع الأطراف المختلفة، ويقف الرئيس الروسي الذي لا يرغب في عقد صفقات تجعله يخسر شركاء مهمين مثل تركيا أو إيران أمام استحقاق صعب، خصوصا بعدما نجح في بناء أطر لها أهمية استراتيجية للتعاون مع البلدين.


مقالات ذات صلة

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

حصاد الأسبوع تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب

أحمد جمال (القاهرة)
حصاد الأسبوع صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع الدكتور محمد يونس (آ ب)

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
حصاد الأسبوع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مع السفير لدى «ناتو» ماثيو ويتيكر في بروكسل (غيتي)

جولة مع القراءة الفرنسية لسياسات واشنطن الجديدة

تواجه العواصم الأوروبية، وفي مقدمتها باريس، اختباراً وجودياً غير مسبوق أمام سياسات واشنطن الجديدة؛ حيث أدت الضغوط الأميركية للاستحواذ على غرينلاند والتدخلات

أنيسة مخالدي (باريس)
حصاد الأسبوع سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد،

جمال جوهر (القاهرة)

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.