إيطاليا... أمام مفترق طرق

دعوات إلى قطع الطريق أمام زعيم اليمين المتطرف ماتيو سالفيني للوصول إلى رئاسة الحكومة

إيطاليا... أمام مفترق طرق
TT

إيطاليا... أمام مفترق طرق

إيطاليا... أمام مفترق طرق

هل انتهت التجربة الشعبوية الأولى في الاتحاد الأوروبي، التي شهدت النور في المختبر السياسي الإيطالي، مطلع الصيف الماضي، بين حركة النجوم الخمس اليسارية الميول وحزب الرابطة اليميني المتطرف؟ أو أنها توطئة لمشهد سياسي جديد على أوروبا أن تعتاد عليه من الآن فصاعداً؟
التطورات التي تسارعت على الساحة السياسية الإيطالية في الأيام الماضية تنذر بأن الصبي الأوروبي المشاكس يقف على مفترق حاسم قد يتوقف عليه مصير المشروع الأوروبي بأكمله. زعيم حزب الرابطة ماتيو سالفيني يدق ناقوس الانتخابات المبكرة على صهوة استطلاعات الرأي التي منذ ثلاث سنوات تفرز صعوداً مضطرداً في شعبيته، ولا يتردد في الذهاب إلى ما لم يجرؤ عليه سياسي أوروبي منذ موسوليني، ويناشد مواطنيه الإقبال بكثافة على صناديق الاقتراع وتفويضه بـ«كامل الصلاحيات».
كيف وصلت إيطاليا إلى هذا الشفير السياسي الذي أصبح كابوساً يقضّ مضاجع الحريصين على المشروع الأوروبي الذي يعيش أكثر مراحله اضطراباً؟
في الرابع من مارس (آذار) 2018 ذهب الإيطاليون إلى صناديق الاقتراع بعد أربع سنوات من الحكم اليساري تعاقبت عليه ثلاث حكومات مختلفة من الحزب الديمقراطي نفسه، الذي كانت تياراته الداخلية تواصل التناحر التقليدي بينها، وتفتح شهية الأحزاب اليمينية للانقضاض مجدداً على السلطة، في ظل استياء شعبي واسع، ونقمة عارمة من تداعيات الأزمة المالية وركود الوضع الاقتصادي وتفاقم أزمة المهاجرين غير الشرعيين الذين كانوا يتدفقون بعشرات الآلاف على السواحل الإيطالية القريبة من أفريقيا.
يومها فشل اليسار مرة أخرى في توحيد صفوفه أمام الانتخابات، في الوقت الذي كان حزب رابطة الشمال اليمينية المتطرفة قد تخلى عن مطالبه الانفصالية مع زعيمه الجديد ماتيو سالفيني الذي حصر كامل نشاطه السياسي وحملته الانتخابية في وعود بوقف تدفق موجات المهاجرين، وبينما كانت حركة النجوم الخمس قد بدأت تستنزف القاعدة الشعبية للأحزاب التقدمية رافعة شعارات محاربة الفساد المستشري وتطهير أجهزة الحكم من الأدران التي تراكمت عليها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
خسر الحزب الديمقراطي نصف شعبيته في تلك الانتخابات لصالح النجوم الخمس التي أصبحت القوة البرلمانية الأولى، فيما ارتفعت شعبية حزب الرابطة إلى 17 في المائة بعد أن كانت لا تتجاوز 9 في المائة في نهاية عام 2017. لم يكن أمام القوى السياسية الممثلة في البرلمان بعد انتخابات العام الماضي سبيل لتشكيل أغلبية حاكمة سوى خيارَين لا ثالث لهما، هما حكومة تكنوقراطية كانت الخيار المفضل عند رئيس الجمهورية سرجيو ماتاريلا، وعند المؤسسات الأوروبية، لاجتياز مرحلة المطبات المالية التي كانت تتخبط فيها إيطاليا، ولا تزال، بعد أزمة عام 2008 والركود المتواصل في نموها الاقتصادي.
وضعت رئاسة الجمهورية كامل ثقلها يومذاك لتشكيل حكومة ائتلافية بين الحزب الديمقراطي وحركة النجوم الخمس، وساعدتها في ذلك بعض العواصم الأوروبية التي كانت تخشى وصول الشعبويين واليمين المتطرف إلى الحكم، لكن الديمقراطيين أبوا السير في ذلك الاتجاه، خشية أن تكون فيه بداية انهيارهم النهائي أمام الحركة.
هنا وجد سالفيني فرصته الذهبية للوصول إلى مركز القرار الرئيسي، هو الذي كان ينادي بانفصال المقاطعات الشمالية عن إيطاليا، ودخل في مفاوضات مكثفة لتشكيل ائتلاف حكومي مع حركة النجوم الخمس التي أبدت تجاوباً، مخافة أن يلجأ رئيس الجمهورية إلى تكليف شخصية محايدة تشكيل حكومة تكنوقراطية.
طالت مفاوضات تشكيل الائتلاف الحاكم بين الحزبين النقيضين اللذين يجمعان الأكثرية في البرلمان، وتعثرت في مراحل عدة. لكن سالفيني كان يعرف أنها فرصة قد لا تتكرر في المشهد السياسي الإيطالي المعروف بزئبقيته وتحولاته السريعة، ووضع نصب عينيه عدداً محدوداً من الأهداف، أولها حقيبة الداخلية، وعرض على النجوم الخمس إبرام عقد تقوم على أساسه حكومة تختار الحركة رئيسها وتتولى الحقائب الأساسية الأخرى فيها... وولدت هكذا حكومة هجينة لا يجمع بين طرفيها سوى شهوة السلطة التي لم يسبق لأي منهما أن مارسها.
منذ اليوم الأول الذي تسلمت فيه الحكومة الائتلافية مهامها، مطلع الصيف الماضي، تبدى بوضوح جلي أن سالفيني هو نجمها بلا منازع، رغم أن لحزبه نصف المقاعد البرلمانية التي للحركة، وأن زمام المبادرة لا يفلت أبداً من يده. وقد حول وزارة الداخلية إلى منصة إعلامية تروج لتصريحاته وأنشطته وتحركاته، بما فيها الشخصية، ورفع لواء حرب شاملة على المهاجرين والمنظمات الإنسانية التي تساعدهم، كانت تتخللها هدنة قصيرة من حين لآخر يخصصها لتوجيه سهام سامة إلى المؤسسات الأوروبية وشركاء إيطاليا في الاتحاد، وصلت إلى حد استدعاء باريس سفيرها في روما للمرة الأولى منذ عهد موسوليني.
ولم يكن وارداً في حسابات سالفيني أن يتراجع عن مواقفه وإجراءاته التي أثارت انتقادات شديدة في الاتحاد الأوروبي لتعارضها مع الاتفاقات المعقودة وانتهاكها أحكام المعاهدات الدولية، لأنه بقدر ما كان يتمادى في هجومه ويتشدد في مواقفه، كانت شعبيته ترتفع، إلى أن بات من المرجح أن يحصد وحده الأغلبية المطلقة في البرلمان إذا دُعي الإيطاليون غداً إلى صناديق الاقتراع. في غضون ذلك كانت شعبية حركة النجوم الخمس تتراجع باطراد عند كل موعد انتخابي محلي أو أوروبي، مما جعلها رهينة استراتيجية سالفيني الذي كان يلوح باستمرار إلى الانتخابات المسبقة التي تخشاها الحركة، لكن بالتأكيد على أنه لا يريدها، وأن ما يهمه هو تنفيذ برنامج الحكومة والبنود العزيزة على قلبه وعلى رأسها قانون الهجرة والإجراءات الأمنية.
منذ مطلع هذا العام، لم تهدأ الطبول التي تعلن سقوط الحكومة بين لحظة وأخرى بسبب من الخلافات المتراكمة بين طرفي الائتلاف والانتقادات المباشرة التي يتبادلها زعيما النجوم الخمس والرابطة. لكن شهوة السلطة والخوف من المفاجآت التي تحفل بها السياسة الإيطالية عند تشكيل التحالفات، دفعا بالطرفين أكثر من مرة إلى وأد خلافات عميقة، والإبقاء على الحكومة فيما يشبه غرفة العناية الفائقة.
لكن ساعة الصفر كان لا بد أن تأتي لتضع حداً لهذه التجربة السياسية غير المسبوقة في التاريخ الإيطالي، والفريدة من نوعها في الاتحاد الأوروبي، لتشكيل حكومة بين جسمين سياسيين متناقضين في كل شيء تقريباً: حزب يميني متطرف، سيادي وعنصري، نزع عنه القناع الانفصالي الذي كان سبب تأسيسه، وآخر شعبوي مناهض للنظام القائم وحريص على البيئة. وقد أزفت الساعة يوم الجمعة من الأسبوع الماضي، عندما تقدم سالفيني، الذي يلقبه أنصاره بالقبطان، بطلب لسحب الثقة من رئيس الحكومة جيوزيبي كونتي، الذي يشغل هو منصب نائبه إلى جانب حقيبة الداخلية، منهياً بذلك تجربة الحكم التي لم تدم سوى أربعة عشر شهراً.
انهيار الائتلاف الحاكم أعاد تفعيل المختبر السياسي الإيطالي لاحتواء الأزمة التي كانت قد تحولت منذ أشهر إلى وقائع طلاق معلن، والتركيز في المرحلة الأولى على خيار من اثنين: تشكيل أغلبية برلمانية جديدة تسمح لكونتي الاستمرار حتى نهاية الولاية التشريعية، أو الذهاب إلى الانتخابات المبكرة التي يطالب بها زعيم اليمنين المتطرف سالفيني. وليس في ذلك أي مفاجأة في بلد سبق أن غير 6 حكومات خلال ولاية تشريعية واحدة، وتعاقبت عليه 71 حكومة، منذ عام 1943.
يدرك سالفيني أنه إذا كانت الحكومة الائتلافية قد شكلت فرصته الذهبية للوصول إلى الحكم والانطلاق من منصته لحشد هذه الشعبية الواسعة التي تأكدت في الانتخابات الأوروبية الأخيرة، فإن الانتخابات المقبلة قد تكرسه زعيماً بلا منازع على القوة الاقتصادية الثالثة في الاتحاد الأوروبي، والوحيدة التي تغازل واشنطن وموسكو في كل ما يتعلق بالأجندة اليمينية المتطرفة.
ويعرف زعيم الرابطة أن كلمته ستكون مسموعة عندئذ في المؤسسات الأوروبية التي لم تبخل عليه بالانتقاد والتحذير بقدر ما تعمدت تجاهله عند توزيع مناصب القيادة والمسؤولية العليا مؤخراً.
لكن نظيره، وشريكه في الائتلاف الحاكم حتى الآن، زعيم حركة النجوم الخمس لويجي دي مايو (أيار)، يشهد تراجعاً مستمراً في شعبيته منذ تشكيل الائتلاف الحاكم، لا يُقاس إلا بارتفاع شعبية سالفيني الذي هيمن بشخصيته وأسلوبه على الحكومة منذ اليوم الأول.
وإذا كانت زعامة دي مايو للحركة قد اهتزت بقوة بعد الانتخابات الأوروبية الأخيرة التي خسرت فيها النجوم الخمس نصف شعبيتها تقريباً، فإنها قد تصبح في حكم المنتهية إذا تقرر إجراء انتخابات مبكرة بات من المؤكد أن الحركة تحتاج لزعامة جديدة لخوضها.
بعد ساعات من تقديمه طلب سحب الثقة من رئيس الحكومة دعا سالفيني إلى مناقشته والتصويت عليه، قبل منتصف الشهر الحالي، لكن الكتل البرلمانية رفضت طلب سالفيني وقررت عقد جلسة طرح الثقة يوم الثلاثاء المقبل في مجلس الشيوخ، مما يؤشر على أن المساعي للبحث عن أغلبية برلمانية جديدة تقطع على سالفيني طريق الانتخابات المبكرة قد بدأت في كواليس السياسة الإيطالية السحيقة.
الخيار الوحيد المتاح لتشكيل أغلبية برلمانية جديدة يمر عبر التحالف بين حركة النجوم الخمس والحزب الديمقراطي، لكن هذا التحالف دونه عقبات كثيرة لا يتسع الوقت للمفاوضات التي قد تؤدي إلى تذليلها. في غضون ذلك، وبينما تضرب الكتل البرلمانية أخماسها بأسداسها، دعا سالفيني نواب حزبه إلى روما والبقاء فيها بحالة جهوزية تامة، فيما يواصل هو الضغط لإجراء الانتخابات في أقرب فرصة، ويجول على الشواطئ الإيطالية في حملة انتخابية اختار أن يركز فيها على المناطق التي تشكل معاقل حركة النجوم الخمس، وتراجعت فيها شعبيتها لصالح حزب الرابطة.
لكن ارتفاع شعبية سالفيني في الأشهر الأخيرة تزامن أيضاً مع تنامي ظاهرة جديدة غير مألوفة في المشهد السياسي الإيطالي، وهي الرفض المتزايد لسياسته حيث صارت المظاهرات المرحبة بتحركاته والمؤيدة لمواقفه تتواجه، وأحياناً تتصادم، مع مظاهرات ضده تصفه بالعنصري، وتعيب عليه دفاعه عن الشركات الكبرى، والطبقة الميسورة.
رئيس الحكومة جيوزيبي كونتي من جهته لم يبادر إلى تقديم استقالته إلى رئيس الجمهورية كما كان متوقعاً، وكما كان يتمنى سالفيني، بل شن هجوماً قاسياً على زعيم الرابطة واتهمه بأنه المسؤول الوحيد عن الأزمة التي «افتعلها من باب الأنانية وسعياً لتحقيق مآرب شخصية بعيدة كل البعد عن المصلحة العامة»، وأضاف رداً على مطالبة زعيم الرابطة بمناقشة طلب سحب الثقة فوراً في البرلمان: «ليس سالفيني مَن يحدد مواقيت المناقشات في البرلمان... كفى غطرسة!».
المواجهة الأخيرة بين الرابطة والنجوم الخمس كانت حول استئناف العمل بمشروع شق نفق عريض للمواصلات السريعة بين إيطاليا وفرنسا جمدت الحركة تنفيذه لأسباب بيئية وتصر الرابطة على إكماله. وكانت الحركة قد تقدمت باقتراح في مجلس الشيوخ لوقف العمل نهائياً بالمشروع، لكن الرابطة قررت التخلي عن حليفتها، وصوتت إلى جانب الأحزاب الأخرى التي يؤيد معظمها مواصلة تنفيذه. وقد جاءت خطوة سالفيني بتفجير الأزمة الحكومية بعد 48 ساعة من الموافقة النهائية في مجلس الشيوخ على قانون مكافحة الهجرة المثير للجدل، الذي كان لا بد لإقراره من أصوات النجوم الخمس.
رئيس الجمهورية من ناحيته هو الوحيد المخول بموجب الدستور حل البرلمان والدعوة لإجراء انتخابات مبكرة، يميل إلى إبقاء الحكومة في مهامها حتى الخريف المقبل لإنجاز قانون الموازنة العامة الذي يفترض أن تقدم نسخته الأولى إلى المفوضية الأوروبية، قبل نهاية الشهر المقبل، وكان موضع خلاف عميق وتجاذبات بين روما بروكسل، بسبب مستوى العجز العام الذي يتجاوز المعدلات القصوى المحددة في الضوابط المالية الأوروبية، الذي يشكل استمراره في إيطاليا للعام الخامس على التوالي خطراً على القطاع المصرفي، ويهدد الاستقرار المالي في منطقة اليورو بكاملها.
وتنصب جهود رئاسة الجمهورية في الوقت الراهن على تأمين أغلبية برلمانية مختلفة تمكن كونتي من الاستمرار في موقعه لفترة كافية تسمح بتجاوز استحقاق الموازنة، وتنفيس الاحتقان السياسي الذي يناسب أسلوب سالفيني، وترتفع فيه شعبيته.
ومنذ أن أطلق سالفيني رصاصة الرحمة على الحكومة مطالباً بإجراء انتخابات مبكرة، ظهرت مجموعة مـؤشرات توحي بأن ثمة «جبهة جمهورية» تتشكل بين الحزب الديمقراطي والنجوم الخمس لصد هجوم زعيم الرابطة عبر تحالف برلماني أبدت عدة أحزاب صغيرة استعدادها أيضاً للانضمام إليه. وكان الأمين العام السابق للحزب الديمقراطي، والرئيس الأسبق للحكومة، ماتيو رنزي الذي يتزعم تياراً واسعاً داخل الحزب كان يستعد للانشقاق عنه وتأسيس حزب بيئي جديد، قد سارع فور مبادرة سالفيني إلى دعوة حزبه للتحالف مع حركة النجوم الخمس لتشكيل حكومة جديدة والحيلولة دون العودة مجدداً إلى صناديق الاقتراع.
أما زعيم الرابطة الواثق من أن لا مفر من الذهاب إلى الانتخابات المبكرة، فقد باشر البحث مع الحلفاء المحتملين في الأوساط اليمينية، تحسباً لعدم حصوله على الأغلبية الكافية التي تسمح له بتشكيل الحكومة منفرداً في حال تجاوزه حاجز الأربعين في المائة. وكان اتصاله الأول مع زعيم «فورزا إيطاليا» سيلفيو برلسكوني الذي يحكم بالتحالف معه عدداً من الأقاليم والمجالس البلدية بعد أن خاض كلاهما الانتخابات العامة الماضية على لائحة واحدة. لكن برلسكوني رفض اقتراح سالفيني خوض الانتخابات المقبلة ضمن لائحة الرابطة، وقال: «ما زلنا نطالب بتشكيل تحالف عريض يجمع أحزاب الوسط واليمين، لكننا لسنا على استعداد للتخلي عن تاريخنا وشعارنا، ولا عن لوائحنا الخاصة في الانتخابات المقبلة».
وفيما تمارس جهات عدة، إيطالية وأوروبية، ضغوطاً متزايدة على الحزب الديمقراطي للتحالف مع النجوم الخمس وقطع طريق الانتخابات أمام زعيم الرابطة، دعا ماتيو رنزي «جميع الأحزاب والقوى اليسارية والتقدمية إلى بذل قصارى جهدها لمنع وصول سالفيني إلى رئاسة الحكومة، مهما كلف الأمر». وقال رنزي إنه الذي تعرض أكثر من أي شخص آخر لانتقادات حركة النجوم الخمس «لكن لا مجال هنا للمشاعر الشخصية، وعلينا جميعاً أن ننقذ إيطاليا».



ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
TT

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد، من وجهة نظر كثيرين، «القوة القادرة» على كسر ثنائية الصراع التقليدي بين شرق البلاد وغربها. وبسقوط هذا «الرهان»، لم تعد العملية السياسية في ليبيا تُقرأ بوصفها خريطة نفوذ انتخابي مقسّمة بين «الثلاثة الكبار» كما كانت. إذ زاد «زلزال» اغتيال سيف من تعقيدات المشهد المعقّد بالأساس، ما يؤثر أولاً على مسار «المصالحة الوطنية»، ومن ثم يمدّد الصراع السياسي ويطيل أمد عقد الانتخابات المأمولة.

هاتا تيتيه (وكالة الأنباء الليبية)

 

سيف الإسلام القذافي، الذي رحل عن عمر (53 سنة)، ظل ليبيون - من بينهم أنصاره - يعدونه الوجه الإصلاحي لنظام والده، والوريث المحتمل للسلطة، و«الخيار الثالث» في مواجهة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس.

أما الآن، فيتوقّع لهذه المساحة التي تركها «الخيار الثالث» خلفه أن تتحوّل إلى ساحة للصراع بين القوى المهيمنة التي تسابق الزمن لاستقطاب ما تبقى من هذا التيار، في محاولة لإعادة التوازن لمركب سياسي بات يغرق في لجة التجاذبات الإقليمية والجمود الدستوري.

مع هذا، يرى سياسيون ومحللون التقتهم «الشرق الأوسط» أن موت سيف «لن يترتب عليه أي شيء يتعلق بحلحلة الأزمة، ما دام بقيت الأطراف والأجسام السياسية الحالية تتصدر المشهد العام»، بينما يَعِدُ موالون لتياره بـ«لملمة شملهم والاصطفاف من جديد خلف قيادة مرتقبة».

مفترق طرق تاريخي

والحقيقة، أن ليبيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يؤدي التشظي السياسي إلى ولادة بدائل وطنية جديدة تنقذ البلاد، وإما تظل الأوراق مبعثرة بانتظار معجزة تلمّ الشمل في مشهد لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات أو المماطلة.

فليبيا تعاني منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، صراعاً مريراً على السلطة بين جبهتي غرب ليبيا وشرقها. وتسعى البعثة الأممية منذ قدومها إلى ليبيا من أجل العمل على تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة، من دون تقدم حتى الآن.

والمبعوثة الأممية هانا تيتيه تواصل مسارها التحاوري مع الساسة والنخب الليبية، سعياً من أجل التوصل إلى نتيجة قبل الاتجاه إلى مجلس الأمن الدولي في 18 فبراير (شباط) الحالي لتقديم إحاطتها الجديدة، بينما يتمسك المتحكمون في السلطة بـ«اشتراطاتهم» من أجل إجراء الانتخابات. كذلك يستبق ذهاب تيتيه إلى مجلس الأمن تعقيدات عدة تتحكم في المشهد العام، وتصلّب في المواقف بين رئيسي مجلس النواب و«الأعلى للدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة، فضلاً عن دم سيف المسفوح، الذي لم يُعلم - حتى الآن - قاتله، وسط استنتاجات عدة بتمدد الصراع وليس طيه.

بمناطق عدة في وسط وشمال وجنوب ليبيا، لا يزال أنصار سيف الإسلام والقبائل المحبّة له يتلقون فيها العزاء، آملين في «الاقتصاص لدمه» قريباً، وعاقدين العزم على «رصّ الصفوف من جديد». إذ ظلت مدينة الزنتان (غرب ليبيا) تأوي سيف القذافي منذ اعتقلته «كتيبة أبو بكر الصديق» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، وبقي تحت حمايتها حتى سقط قتيلاً بعد اغتياله مساء 3 فبراير الحالي.

التحقيق في الاغتيال

النيابة العامة في طرابلس فتحت تحقيقاً في مقتل سيف. إذ أوفد مكتب النائب العام الصديق الصور فريقاً يضمّ أطباء شرعيين وخبراء إلى الزنتان وفحصوا جثته، التي أفادت تقارير غير رسمية بأنها تلقت 18 رصاصة.

وخلّفت جنازة سيف الحاشدة، التي احتضنتها مدينة بني وليد، حالة من التجاذب الحاد؛ فالأنصار - ومن بينهم شقيقه الساعدي - عدّوها «استفتاءً شعبياً ووطنياً على شعبية الرجل الذي فاز بالانتخابات وهو ميت»، بينما رآها المعارضون «صُنعت على مواقع التواصل وبواسطة الذكاء الاصطناعي».

«التهويل» و«التهوين» اللذان اكتنفا الجنازة عكسَا قدراً من الاحتقان المتراكم والمرشح للظهور أكثر في مقبل الأيام، الأمر الذي استدعى الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس الفريق السابق لسيف القذافي بملف «المصالحة الوطنية»، للدخول على خط الأزمة. أبو سبيحة عدّ «الجموع الزاحفة» لحضور جنازة سيف، أنها «تريد القول بصوت واحد للذين يحلمون بسقوط مشروعه: أنتم واهمون»، مصعداً من حديثه توبيخاً دون أن يأتي على اسم أحد: «لقد سقط مشروعكم بإذلال الشعب الليبي وتفتيته ورهن خيراته وإرادته وحريته واستقلاله لأعدائه».

إرباك المشهد السياسي

كان ظهور سيف الإسلام - بعد اختفائه لدى الزنتان قرابة 10 سنوات، لتقديم ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021 - قد تسبب في إرباك المشهد السياسي وحسابات «خصومه». وفي هذه الأثناء، طعنت مفوضية الانتخابات بترشحه، لكن بعد مداولات ومظاهرات من أنصاره قضت محكمة سبها (جنوب ليبيا) برفض الطعن وإلزامها بإعادته إلى السباق، علماً بأن الانتخابات أُجلت بداعي وجود «قوة قاهرة» حالت دون استكمالها.

حينها، قال عماد السايح، رئيس المفوضية، إن عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكّلت «قوة قاهرة» منعت عقدها في موعدها، مشترطاً زوالها ومصادقة مجلس النواب لإجرائها، وذلك بالنظر إلى وجود ما سميت «شخصيات جدلية» أرادت خوض السباق الانتخابي.

أما الآن، بعد خروج سيف من دائرة الضوء، لم يتبقَّ من تلك الشخصيات، وفق مراقبين، سوى رئيس حكومة «الوحدة»، بالإضافة إلى القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويسود اعتقاد لدى بعض المتابعين أنه برحيل سيف الإسلام، زالت إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا، لكن هذه النظرة التفاؤلية تصطدم بواقع يكرّسه العداء والجهوية و«الدم الجديد» الذي سال في مكان قصي بالزنتان.

محللون كثيرون، منهم ناصر أبو ديب، يرون أن الوضع في ليبيا بعد موت سيف لا يختلف عما قبله، ويعتقدون أن الأمر «سيبقى على ما هو عليه» ما دام ارتبط بـ«سلطة الأمر الواقع». بل إن محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف الوضع في ليبيا بأنه «عدميٌّ وعبثيٌّ». ودافع بعيو عن وجهة نظره في حوار مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا يوجد شيء يسمى كتلة النظام السابق، وأن سيف الإسلام كان يمثل نتوءاً للغاضبين». وأردف: «هؤلاء ليسوا كتلة بقدر ما هم حالة هلامية، ومَن حضر جنازته ليسوا ملايين بقدر ما كانوا 20 ألفاً على الأكثر». ثم تابع: «لم يكن لدى سيف أي حظوظ لحكم البلاد؛ وليبيا لن يحكمها أحد بعد معمر القذافي؛ وكنت أقول هذا الكلام وهو على قيد الحياة... وأعتقد الوضع في ليبيا سيظل هكذا في حالة سيولة بعيداً عن سلطة موحدة؛ فالدولة لن تتشكل في المدى المنظور، وستكون البلاد ساحة صراعات دولية وتصفية حسابات».

الأسرة القذافية... والولاءات المحلية

تنتمي أسرة القذافي إلى مدينة سرت (وسط ليبيا) الخاضعة حالياً لحكم المشير حفتر، في حين تقع مدينة بني وليد في (شمال غرب)، وكان سيف الإسلام يحظى فيها بدعم اجتماعي وسياسي.

وظلّ فريق سيف القذافي - الذي يقوده أبو سبيحة - منخرطاً في كل الفعاليات السياسية المتعلقة بـ«المصالحة الوطنية» حتى قبل اغتيال سيف بقرابة شهر، إذ حضر الاحتفال الذي عقده المجلس الرئاسي في 7 يناير (كانون الثاني) الماضي للتوقيع على «الميثاق الوطني للمصالحة».

راهناً، يتخوّف متابعون من عودة العنف السياسي على خلفية غضبة موالين لسيف، خصوصاً إذا ما عُرف الطرف الذي قتله، لكن هذا التخوّف يترجم إلى معطى آخر يتمثل في تعطّل مسار «المصالحة» الذي كان يشارك فيه أنصاره، وهو ما يراكم الضغينة والغضب في النفوس.

وحقاً، تتصارع في المشهد الليبي المعاصر عدة تيارات آيديولوجية وسياسية، يسعى كل منها لفرض رؤيته وتثبيت سيطرته على مفاصل الدولة، ما خلق حالة من الاستقطاب الحاد. وتتوزّع الولاءات في ليبيا بين ثلاث كتل رئيسية تمثل محطات مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، هي:

- التيار «السبتمبري» أو «الخضر»، وهم الموالون لنظام القذافي.

- تيار «17 فبراير» وتمثله القوى التي ثارت عام 2011، وترفض أي عودة لحكم الفرد أو «النظام الجماهيري».

- وتيار «الكرامة»، وهو التكتل الذي يلتف حول عملية الكرامة والقوات المسلحة بشرق ليبيا.

وهنا يسلّط أبو ديب الضوء على الوضع الراهن، معتقداً أن ليبيا «لن تشهد أي حلحلة سياسية ما دام بقيت ما تسمى (الأجسام الفاعلة في المشهد) التي تحرك الخيوط في شرق البلاد وغربها»، ومن ثم تُمدِّد الصراع، وقال إن «سيف القذافي على مدى 15 عاماً لم يفعل شيئاً، ولم يقدم مشروعاً سياسياً لوطنه». وأضاف: «الأجسام الموجودة في المشهد تعطّل أي حراك سياسي، وتبدد أي نقطة ضوء في الأفق البعيد؛ وبالتالي أعتقد أن المشهد سيبقى على ما هو عليه».

«ليبيا الغد»

جدير بالذكر، أن سيف الإسلام القذافي أطلق مشروع «ليبيا الغد» قبل عام 2011 بوصفه رؤية إصلاحية شاملة لبناء دولة حديثة عبر مشاريع تنموية، تتضمن جامعات ومناطق حرة، أبرزها تطوير «زوارة - رأس أجدير». وهو المشروع الذي توقف بسقوط نظام والده.

ويرجع أبو ديب خلال كلامه إلى «الشرق الأوسط» إشكالية ما يجري في بلده «إلى الليبيين أنفسهم؛ وتأزّم الأمر بوجود بعثة الأمم المتحدة وما تسميه الحوار المهيكل، والتدخلات الأميركية من جهة ثانية، وصفقات البيزنس»، ويزيد: «لن تكون هناك حلحلة سياسية بوجود هذه الأطراف، بل أعتقد أن المسألة ستزداد تعقيداً».

وانتهى أبو ديب إلى أن «الخيار الثالث ذهب دون رجعة؛ ولن يجد أنصار سيف رمزية يضعونها في المقدمة لصعوبة التوافق على شخصية يمكن أن تقود هذا الخيار. فبمقتل سيف انتهى هذا الخيار، وسيذوب المؤيدون في المجتمع الليبي من أجل الإصلاح».

هذا، ولا تزال في ليبيا مدن عدة على ولائها للنظام السابق، من بينها سرت (في الوسط) وبني وليد (شمال غرب)، بالإضافة إلى غات وأوباري (جنوباً) وزليتن وصبراتة (غرباً). وكل عام تلوّح بصور القذافي ونجله سيف الإسلام، والرايات الخضراء المعبرة عن الحقبة «الجماهيرية» أثناء الاحتفال بـ«ثورة الفاتح». ويُعتقد تصادم أصحاب هذه المشاريع الثلاثة وهم: «السبتمبريون» و«الفبرايريون» و«الكرامة». يبقى الصراع على السلطة هو المحرك الأساسي الذي يعيق الوصول إلى توافق وطني شامل يجمع شتات هذه التوجهات تحت مظلة دولة مدنية واحدة. ويخلص الدكتور مصطفى الزايدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية» أمين «اللجنة التنفيذية للحركة الشعبية» إلى أن جريمة اغتيال سيف الإسلام سيكون لها تأثير مدمر على عملية «المصالحة الوطنية»، ذلك أن «الرصاصات الغادرة التي أُطلقت عليه أصابت، فيمن أصابت، مشروعَ المصالحة الذي رُفع كشعار من كثير من القوى الوطنية للخروج من المأساة التي سببتها (مؤامرة 2011) على ليبيا والليبيين».

وأضاف الزايدي في مقال لصحيفة «الموقف الليبي» عن أن «نسبة كبيرة من (الخضر)، وفي مقدمتهم الشهيد الدكتور سيف الإسلام، صدَّقوا أو تقبَّلوا لأسباب أخلاقية، كذبة روّجها المجتمع الدولي بأن انتخابات حرة ونزيهة قد تكون نقطة البداية لعملية مصالحة تاريخية، هدفها مساعدة الليبيين في طيِّ ملف الأزمة». واختتم: «لكن مع مضي الوقت ثبت أن ذلك لم يكن سوى دعاية في محاولة لمكياج وجه المؤامرة، وإعادة تقديمها في صورة مقبولة لليبيين».

 

حقائق

ليبيا: جرائم كثيرة... و«الفاعل مجهول»

اتسعت قائمة الجرائم التي تعذّر التوصل إلى مرتكبيها في ليبيا لتشمل فئات متنوعة من المجتمع، بجانب عمليات الإخفاء القسري منذ إسقاط النظام السابق في عام 2011، لكنها تبرز نمط «الإفلات من العقاب» الذي ساد في فترات كثيرة.

وخلال الحروب والمعارك التي شهدتها ليبيا، حدثت اشتباكات واسعة وانتهاكات ضد المدنيين أدّت إلى قتل واختفاء عشرات الأشخاص في مناطق متعددة، وأحياناً بقيت هويات من ارتكبوا أعمال القتل مجهولة بسبب تداخل الجماعات المسلحة وتغيّر السيطرة على الأراضي. واستهلت عملية الاغتيالات في ليبيا بمقتل اللواء عبد الفتاح يونس رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الأسبق عام 2011، في ظروف غامضة بعد استدعائه للتحقيق، رغم وجود اتهامات لجهات معينة، من بينها ما كان يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي». وفيما يلي بعض أبرز جرائم الاغتيال:

- عام 2013: اغتيال المحامي والناشط السياسي عبد السلام المسماري، في مدينة بنغازي.

- عام 2014: اغتيال كل من الصحافية نصيب ميلود وخطيبها في مدينة سبها. ومفتاح بوزيد رئيس تحرير صحيفة «برنيق»، وسلوى بوقعيقيص المحامية والناشطة الحقوقية البارزة في بنغازي. والشيخ محمد بن عثمان في مصراتة. وفريحة البركاوي عضو «المؤتمر الوطني العام» السابقة، في درنة.

- عام 2016: اختطاف الشيخ نادر العمراني عضو دار الإفتاء بطرابلس، وتصفيته في ظروف غامضة.

- عام 2019: تصفية عضوة مجلس النواب سهام سرقيوة في بنغازي.

يضاف إلى ما سبق، صُدم المجتمع الليبي عام 2025 إثر مشاهدة مقاطع مصورة «مسربة» للنائب إبراهيم الدرسي، وهو على ما يبدو معتقلاً في زنزانة، والأغلال معلقة في عنقه، وكانت أسرته أعلنت عن خطفه في 18 مايو (أيار) 2024 من منزله ببنغازي، ومذاك التاريخ لم يكشف عن مصيره ولا عن الجناة.

 


أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
TT

أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة

منذ الأحد الماضي، تهبّ على البرتغال «رياح ثورية» جديدة، فيها من نكهة «ثورة القرنفل» التي أطاحت ديكتاتورية الدكتور أنطونيو سالازار في ربيع عام 1974 من غير إطلاق رصاصة واحدة، وتجدّد الأمل المتلاشي منذ سنوات في تغليب الخطاب السياسي المعتدل والجامع على جموح التطرّف اليميني والشعبوي الذي يهدد بإعادة أوروبا إلى عهد الظلمات الذي قطّع أوصالها في النصف الأول من القرن الفائت. هذه الرياح الثورية الجديدة تحمل اسم الاشتراكي أنطونيو خوسيه سيغورو، الذي كان غائباً عن المشهد السياسي البرتغالي مند عشر سنوات، لكنه عاد ليقرّر، ضد رغبة القيادات التاريخية للحزب، خوض الانتخابات الرئاسية التي أجريت دورتها الثانية مطلع هذا الشهر. وهذا ما حصل، بالفعل، وحقق سيغورو فوزاً كاسحاً على منافسه الشعبوي أندريه فنتورا، حامل لواء اليمين المتطرف والمفعم بالحنين إلى الحقبة الديكتاتورية التي طوى البرتغاليون صفحتها منذ خمسين سنة.

ثمة انتصارات عدة في الانتصار الذي حققه أنطونيو سيغورو، الأحد الماضي، في انتخابات البرتغال الرئاسية، منها: انتصار الأسلوب التوافقي الرزين على أسلوب التفرقة والتحريض الذي اتسم به الخطاب اليميني والشعبوي المتطرّف. ومنها أيضاً انتصار النهج اليساري الوسطي الذي يواجه أصعب مراحله في البرتغال منذ سقوط الحكم العسكري، ويعاني من تراجع مطّرد على امتداد المشهد السياسي الأوروبي. وهذا، ناهيك من انتصار الرجل الذي قرّر وحده الإبحار عكس رياح حزبه وخاض معركته منفرداً ضد الزعامات الاشتراكية الراسخة.

بالتالي، ليس مستغرباً أن قوى وأوساطاً أوروبية عدة، يسارية ومحافظة، سارعت إلى الإعراب عن ارتياحها لهذا الفوز، كونها ترى فيه تباشير انعطاف في المشهد السياسي الأوروبي القلق من تمدّد اليمين المتطرّف الذي بات يدقّ أبواب الحكم في أكثر من عاصمة.

النشأة والمسيرة

أبصر أنطونيو خوسيه سيغورو النور قبل 63 سنة في واحدة من أفقر القرى البرتغالية. وكان قد قرر العودة إليها عام 2014 عندما تخلّى عن النشاط السياسي بعدما خسر الانتخابات الأولية في حزبه ضد أنطونيو كوستا، الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي.

تلك كانت معركة قاسية جداً، بل من أبشع المعارك التي دارت داخل «البيت الاشتراكي» البرتغالي، شبيهة بتلك التي دارت ذات يوم بين الزعيم التاريخي خورخي سامبايو وأنطونيو غوتيريش، الأمين العام الحالي لمنظمة الأمم المتحدة. ويومذاك انتهت بشرخ حزبي عميق بقيت آثاره حتى اليوم، وساعدت اليمين المتطرف على مواصلة صعوده.

سيغورو تولّى حقائب وزارية عدة في الحكومات الاشتراكية السابقة، وكان عضواً في البرلمان الأوروبي. وهو ينتمي إلى «تيار» غوتيرّيش الذي سبق أن ترأس عدة حكومات برتغالية نهجت خطاً يسارياً معتدلاً، وتميّز بالانفتاح على الحوار مع القوى الأخرى. وعندما وقعت البرتغال تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة - وكانت حينذاك تخضع لحكومة يمينية محافظة - أيّد سيغورو التدابير التقشّفية القاسية التي فرضها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وبرّر موقفه هذا بأن رئيس الوزراء الاشتراكي السابق جوسيه سقراط هو الذي كان تقدّم بطلب المساعدة من المؤسسات الدولية للخروج من الأزمة. وأطلق يومها عبارته الشهيرة التي تحولّت إلى شعاره السياسي الذي خاض به الانتخابات الرئاسية؛ إذ قال: «الحوار هو الأداة الأساسية لأي عمل سياسي».

لغة الحوار

من ثم، لعل انفتاح سيغورو الدائم على الحوار كان السبب الرئيس في حصوله على دعم قوى سياسية أخرى، من كتل اليمين واليسار؛ إذ أيّده كل من الرئيس اليميني السابق هنيبعل كافاكو سيلفا، والمرشح الشيوعي أنطونيو فيليبي الذي نافسه في الجولة الأولى. لكن الأغرب من ذلك كان الدعم الذي حصل عليه من أنصار رئيس المجلس الأوروبي والأمين العام السابق للحزب الاشتراكي، أنطونيو كوستا، الذي يعدّ ألدّ خصومه السياسيين داخل الحزب منذ سنوات. وكان كوستا قد سرّب عشية الانتخابات قراره دعم سيغورو، رغم تمايز الأخير عن نهجه، مردّداً: «كوستا يمثّل رجال الأعمال والشركات داخل الحزب الاشتراكي».

ما يُذكر أنه عندما أعلن سيغورو، مطالع الصيف الماضي، ترشحه للانتخابات الرئاسية، واجه معارضة واسعة وشديدة داخل الحزب الاشتراكي الذي ما زال يخضع لتأثير قوي من أنطونيو كوستا والقيادات الموالية له. إلا أن إصراره على الترشّح سواء بتأييد من الحزب أو من دونه، دفع معارضيه إلى التراجع، خاصة أن الشخصيات الاشتراكية النافذة فشلت في التوافق حول مرشح آخر، بل ربما لأن حظوظ أي مرشح اشتراكي في الفوز بدت شبه معدومة، كما كانت تظهر استطلاعات الرأي.

التدريس بعيداً عن السياسة

خلال السنوات الـ12 التي انكفأ سيغورو طيلتها عن العمل السياسي، انصرف إلى التدريس في جامعة لشبونة المستقلة والمعهد العالي للعلوم الاجتماعية والسياسية. وأسّس عدة مؤسسات صغيرة للسياحة الريفية والتصنيع الزراعي في مسقط رأسه بيناماكور. إلا أنه لمح بعد إعلان فوزه في الانتخابات أنه سيتخلّى عن أنشطته التجارية قبل تسلّم مهامه، مدركاً أن الحكومة السابقة التي شكّلها اليميني لويس مونتينغرو بعد هزيمة الاشتراكيين الأخيرة، إنما سقطت بسبب تضارب المصالح الذي نشأ عن إبقائه على المؤسسة العائلية التي كان يديرها بعد توليه رئاسة الحكومة.

لكن يبدو سيغورو مصراً على ألا يتخلّى عن حياته العائلية العادية؛ إذ أفاد بأن زوجته ستواصل نشاطها المهني في إدارة الصيدلية التي تملكها في العاصمة، وأنه لن يقيم في قصر بيليم (بيت لحم) الرئاسي إلا في الحالات الاستثنائية، بل سيقيم في منزله الواقع على بعد 90 كيلومتراً من لشبونة.

وللعلم، الرئيس المنتخب أمضى الأسبوعين الأخيرين من حملته الانتخابية في زيارات إلى المناطق المنكوبة بسبب الأعاصير المتلاحقة التي ضربت البرتغال وما زالت تداعياتها الكارثية ظاهرة إلى اليوم. ولقد وعد بتخصيص قدر كبير من اهتمامه في الأسابيع الأولى من ولايته لمتابعة ملف الأضرار التي نجمت عن تلك الأعاصير.

فوز تحدّى التوقعات

أبرز ما في الفوز الذي حققه سيغورو، ضد كل التوقعات، كان حصوله على ضعفي الأصوات التي نالها في الجولة الأولى من الانتخابات. وهو ما يؤكد تضافر الغالبية الساحقة من الناخبين لتأييد مرشح رئاسي يحترم قواعد اللعبة الديمقراطية بمواجهة منافسه الشعبوي المتطرف فنتورا، الذي أظهر غير مرة مناسبة ازدراءه بهذه القواعد واستعداده لتجاوز الأحكام الدستورية من أجل تحقيق أهداف مشروعه السياسي.

ناهزت حصيلة سيغورو 67 في المائة من الأصوات، بينما لم يتعدّى فنتورا الـ33 في المائة، مع أن هذا الأخير كان جمع في الجولة الأولى نسبة 31 في المائة متقدماً على 11 مرشحاً.

انعكاسات وتوقعات

في تصريحاته الأولى بعد الفوز، أعرب سيغورو عن شديد تأثره بالدعم الواسع الذي ناله من «الناخبين الذين يحرصون على القيم والمبادئ الدستورية التي رسختها ثورة القرنفل»، مذكراً ومفتخراً بانتمائه إلى الطبقة المتواضعة. وقال إن الغالبية التي صوّتت له أصبحت اليوم مجمل الشعب البرتغالي، وكرّر ما ردده مراراً خلال الحملة الانتخابية: «أنا حرّ، أعيش حياتي من غير مَراسٍ، وحريتي هي ضمان استقلاليتي». وكذلك شدّد على التزامه الثابت بـ«ثقافة الوفاق» لمعالجة المشاكل التي تعاني منها البلاد، معترفاً بأن نتيجة الاقتراع تجاوزت توقعاته.

وحقاً، يشكّل انتصار سيغورو أيضاً عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد عشرين سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية محافظة على رأس الدولة، لكنه بالتأكيد ليس انتصاراً للحزب الاشتراكي. أولاً، لأن الترشيحات لمنصب رئيس الجمهورية لها طابع شخصي وليست حزبية بموجب الدستور. وثانياً لأن ترشح سيغورو كان مرفوضاً في المرحلة الأولى من القيادات الاشتراكية.

واللافت أن اعتراض زملائه على ترشحه في البداية، تبدّد فور إعلان فوزه؛ إذ سارع الجميع إلى إعلان اصطفافهم بجانبه، بينما كان هو يؤكد طي صفحة الماضي بقوله: «ما يهمني هو المستقبل الذي سنبنيه معاً».

في المقابل، لا شك في أن هذا الفوز يعطي جرعة زائدة من التفاؤل للحزب الاشتراكي الذي يمرّ في أصعب مرحلة من تاريخه، لا سيما بعد الهزيمة القاسية التي تعرّض لها في الانتخابات العامة الأخيرة عندما حلّ في المرتبة الثالثة، وراء حزب «شيغا» اليميني المتطرف الذي أسسه فنتورا عام 2019.

وكان أوّل المحتفلين بفوز سيغورو، زعيم الحزب الاشتراكي جوزيه لويس كارنيرو، الذي وصف هذا الفوز بأنه انتصار «لجميع الديمقراطيين وللحقوق الدستورية»، ونوّه بالدعم الواسع الذي حظي به سيغورو خارج الدائرة الاشتراكية، بدليل نيله دعم العديد من الشخصيات اليمينية.

وعلى غرار ما فعل خلال الحملة الانتخابية، تعهّد سيغورو باحترام الولاء الدستوري للحكومة التي يقودها اليميني لويس مونتينغرو. وقال إنه لن يقف حجر عثرة في وجه تنفيذها برنامجها، لكنه نبّه إلى أنه سيكون حازماً في مطالبتها بالحلول الناجعة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وكان تفاقم بعضها بفعل الأعاصير الشديدة التي ضربت البرتغال خلال الأسابيع المنصرمة، وأحدثت دماراً واسعاً في المصانع والمحاصيل الزراعية والبنى التحتية. وشملت الخسائر وفاة العشرات وتشرّد الآلاف من المواطنين، ما استوجب تدخل القوات المسلحة إلى جانب أجهزة الدفاع المدني والإسعاف.

وفي المقابل، لقد أكد الرئيس المنتخب أنه لن يصادق على مشروع تعديل قانون العمل الذي وضعته الحكومة ولاقى معارضة شعبية واسعة انتهت بإضراب عام شلّ الحركة في البلاد.

أما فنتورا، فقد سارع من ناحيته إلى الاعتراف بفوز سيغورو، لكنه اعتبر أن نيله أكثر من ثلث الأصوات يشكّل إنجازاً بحد ذاته؛ لأنه كان يواجه «كل المنظومة التي أعلنت الحرب» ضد ترشحه.ويطمح فنتورا، الآن، من خلال هذا التأييد الذي ناله إلى تجاوز شعبية التحالف الحاكم بقيادة رئيس الحكومة مونتينغرو، ثم تشكيل الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، معتبراً أن حصوله على 1.7 مليون صوت بعد ست سنوات فقط من تأسيس «شيغا»، يمنحه الحق في قيادة اليمين البرتغالي، ومتوقعاً الوصول إلى سدة الحكم قريباً.


«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
TT

«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)

شاعت تسمية «ثورة القرنفل» (Revolucao dos Carvos) على الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام الديكتاتوري في البرتغال الذي كان يُعرف باسم «الدولة الجديدة»، وكان يحكم سيطرته على البلاد منذ عام 1926. أما سبب التسمية فكان أن الضبّاط والجنود الذين نفّذوا الانقلاب - والذين ينتمون إلى «تيار القوات المسلحة» - كانوا يجوبون شوارع العاصمة لشبونة صباح 25 أبريل (نيسان) 1974 واضعين أزهار القرنفل في فوهات بنادقهم ومدافع دباباتهم، بعدما أسقطوا النظام من غير إطلاق رصاصة واحدة.

ذلك الانقلاب قادته مجموعة من الضباط الشيوعيين واليساريين الذين سئموا الحروب التي زجّهم فيها النظام ضد الانتفاضات الشعبية والحركات المسلحة في المستعمرات البرتغالية. ولقد كانت إشارة انطلاقه أغنية بعنوان «وبعد الوداع» منتصف ليل 24 أبريل.

كان الانقلاب بداية مسار سريع تمخّض عن إعادة النظام الديمقراطي، وإجراء أول انتخابات حرة في العام التالي. وقبل نهاية ذلك العام، كانت جميع مستعمرات البرتغال في أفريقيا وآسيا؛ أي أنغولا والرأس الأخضر وغينيا بيساو وموزامبيق وسانتو تومي/ برنسيبي وتيمور الشرقية، قد نالت استقلالها. وبجانب ذلك تنازلت السلطة البرتغالية الجديدة عن جزيرة ماكاو لصالح الصين الشعبية (التي ضمّت الجزيرة رسمياً إليها عام 1999).

بعد أيام قليلة من إسقاط الديكتاتورية أطلق الانقلابيون سراح جميع المعتقلين السياسيين، وعاد الزعماء المنفيون في الخارج، يتقدّمهم الاشتراكي ماريو سواريش، والشيوعي آلفارو كونيال، اللذان لعبا دوراً سياسياً رئيساً في السنوات اللاحقة.

بعدها حاول الضباط الشيوعيون في الحركة الانقلابية توجيه دفّة التغيير نحو نظام اشتراكي إثر تأميم القطاع المصرفي بكامله، ومعظم الشركات الصناعية الكبرى. ولكن في الانتخابات الأولى التي أُجريت ربيع العام التالي كان الفوز حليف الاشتراكيين الديمقراطيين الذين كانوا يتمتعون بدعم من الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) في ألمانيا، ومن الحزب الاشتراكي الفرنسي.

وفي خريف عام 1975 فشلت مجموعة من الضباط الشيوعيين في محاولتها لقلب النظام، فأجرت الحكومة حملة تطهير واسعة في صفوف القوات المسلحة؛ أبعدت الشيوعيين عن المراكز القيادية، وأحالت المسؤولين عن المحاولة الانقلابية إلى المحاكمة.

وكان من الطبيعي أن يكون لـ«ثورة القرنفل» تأثير على الوضع في «الجارة» إسبانيا، حيث كان النظام الديكتاتوري يعيش مرحلة صعبة مع تدهور صحة الجنرال فرنشيسكو فرنكو، وبات يخشى تكرار التجربة البرتغالية التي شكّلت قفزة نوعية في الانتقال السلمي والسريع إلى الديمقراطية.

وهذا ما حصل فعلاً بعد وفاة فرنكو خريف عام 1975؛ إذ انتقلت إسبانيا بشكل سلمي إلى نظام ملكي دستوري، في عملية انتقال مثالية أصبحت مادة تدرّس في العديد من كليات العلوم السياسية في العالم.