إيطاليا... أمام مفترق طرق

دعوات إلى قطع الطريق أمام زعيم اليمين المتطرف ماتيو سالفيني للوصول إلى رئاسة الحكومة

إيطاليا... أمام مفترق طرق
TT

إيطاليا... أمام مفترق طرق

إيطاليا... أمام مفترق طرق

هل انتهت التجربة الشعبوية الأولى في الاتحاد الأوروبي، التي شهدت النور في المختبر السياسي الإيطالي، مطلع الصيف الماضي، بين حركة النجوم الخمس اليسارية الميول وحزب الرابطة اليميني المتطرف؟ أو أنها توطئة لمشهد سياسي جديد على أوروبا أن تعتاد عليه من الآن فصاعداً؟
التطورات التي تسارعت على الساحة السياسية الإيطالية في الأيام الماضية تنذر بأن الصبي الأوروبي المشاكس يقف على مفترق حاسم قد يتوقف عليه مصير المشروع الأوروبي بأكمله. زعيم حزب الرابطة ماتيو سالفيني يدق ناقوس الانتخابات المبكرة على صهوة استطلاعات الرأي التي منذ ثلاث سنوات تفرز صعوداً مضطرداً في شعبيته، ولا يتردد في الذهاب إلى ما لم يجرؤ عليه سياسي أوروبي منذ موسوليني، ويناشد مواطنيه الإقبال بكثافة على صناديق الاقتراع وتفويضه بـ«كامل الصلاحيات».
كيف وصلت إيطاليا إلى هذا الشفير السياسي الذي أصبح كابوساً يقضّ مضاجع الحريصين على المشروع الأوروبي الذي يعيش أكثر مراحله اضطراباً؟
في الرابع من مارس (آذار) 2018 ذهب الإيطاليون إلى صناديق الاقتراع بعد أربع سنوات من الحكم اليساري تعاقبت عليه ثلاث حكومات مختلفة من الحزب الديمقراطي نفسه، الذي كانت تياراته الداخلية تواصل التناحر التقليدي بينها، وتفتح شهية الأحزاب اليمينية للانقضاض مجدداً على السلطة، في ظل استياء شعبي واسع، ونقمة عارمة من تداعيات الأزمة المالية وركود الوضع الاقتصادي وتفاقم أزمة المهاجرين غير الشرعيين الذين كانوا يتدفقون بعشرات الآلاف على السواحل الإيطالية القريبة من أفريقيا.
يومها فشل اليسار مرة أخرى في توحيد صفوفه أمام الانتخابات، في الوقت الذي كان حزب رابطة الشمال اليمينية المتطرفة قد تخلى عن مطالبه الانفصالية مع زعيمه الجديد ماتيو سالفيني الذي حصر كامل نشاطه السياسي وحملته الانتخابية في وعود بوقف تدفق موجات المهاجرين، وبينما كانت حركة النجوم الخمس قد بدأت تستنزف القاعدة الشعبية للأحزاب التقدمية رافعة شعارات محاربة الفساد المستشري وتطهير أجهزة الحكم من الأدران التي تراكمت عليها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
خسر الحزب الديمقراطي نصف شعبيته في تلك الانتخابات لصالح النجوم الخمس التي أصبحت القوة البرلمانية الأولى، فيما ارتفعت شعبية حزب الرابطة إلى 17 في المائة بعد أن كانت لا تتجاوز 9 في المائة في نهاية عام 2017. لم يكن أمام القوى السياسية الممثلة في البرلمان بعد انتخابات العام الماضي سبيل لتشكيل أغلبية حاكمة سوى خيارَين لا ثالث لهما، هما حكومة تكنوقراطية كانت الخيار المفضل عند رئيس الجمهورية سرجيو ماتاريلا، وعند المؤسسات الأوروبية، لاجتياز مرحلة المطبات المالية التي كانت تتخبط فيها إيطاليا، ولا تزال، بعد أزمة عام 2008 والركود المتواصل في نموها الاقتصادي.
وضعت رئاسة الجمهورية كامل ثقلها يومذاك لتشكيل حكومة ائتلافية بين الحزب الديمقراطي وحركة النجوم الخمس، وساعدتها في ذلك بعض العواصم الأوروبية التي كانت تخشى وصول الشعبويين واليمين المتطرف إلى الحكم، لكن الديمقراطيين أبوا السير في ذلك الاتجاه، خشية أن تكون فيه بداية انهيارهم النهائي أمام الحركة.
هنا وجد سالفيني فرصته الذهبية للوصول إلى مركز القرار الرئيسي، هو الذي كان ينادي بانفصال المقاطعات الشمالية عن إيطاليا، ودخل في مفاوضات مكثفة لتشكيل ائتلاف حكومي مع حركة النجوم الخمس التي أبدت تجاوباً، مخافة أن يلجأ رئيس الجمهورية إلى تكليف شخصية محايدة تشكيل حكومة تكنوقراطية.
طالت مفاوضات تشكيل الائتلاف الحاكم بين الحزبين النقيضين اللذين يجمعان الأكثرية في البرلمان، وتعثرت في مراحل عدة. لكن سالفيني كان يعرف أنها فرصة قد لا تتكرر في المشهد السياسي الإيطالي المعروف بزئبقيته وتحولاته السريعة، ووضع نصب عينيه عدداً محدوداً من الأهداف، أولها حقيبة الداخلية، وعرض على النجوم الخمس إبرام عقد تقوم على أساسه حكومة تختار الحركة رئيسها وتتولى الحقائب الأساسية الأخرى فيها... وولدت هكذا حكومة هجينة لا يجمع بين طرفيها سوى شهوة السلطة التي لم يسبق لأي منهما أن مارسها.
منذ اليوم الأول الذي تسلمت فيه الحكومة الائتلافية مهامها، مطلع الصيف الماضي، تبدى بوضوح جلي أن سالفيني هو نجمها بلا منازع، رغم أن لحزبه نصف المقاعد البرلمانية التي للحركة، وأن زمام المبادرة لا يفلت أبداً من يده. وقد حول وزارة الداخلية إلى منصة إعلامية تروج لتصريحاته وأنشطته وتحركاته، بما فيها الشخصية، ورفع لواء حرب شاملة على المهاجرين والمنظمات الإنسانية التي تساعدهم، كانت تتخللها هدنة قصيرة من حين لآخر يخصصها لتوجيه سهام سامة إلى المؤسسات الأوروبية وشركاء إيطاليا في الاتحاد، وصلت إلى حد استدعاء باريس سفيرها في روما للمرة الأولى منذ عهد موسوليني.
ولم يكن وارداً في حسابات سالفيني أن يتراجع عن مواقفه وإجراءاته التي أثارت انتقادات شديدة في الاتحاد الأوروبي لتعارضها مع الاتفاقات المعقودة وانتهاكها أحكام المعاهدات الدولية، لأنه بقدر ما كان يتمادى في هجومه ويتشدد في مواقفه، كانت شعبيته ترتفع، إلى أن بات من المرجح أن يحصد وحده الأغلبية المطلقة في البرلمان إذا دُعي الإيطاليون غداً إلى صناديق الاقتراع. في غضون ذلك كانت شعبية حركة النجوم الخمس تتراجع باطراد عند كل موعد انتخابي محلي أو أوروبي، مما جعلها رهينة استراتيجية سالفيني الذي كان يلوح باستمرار إلى الانتخابات المسبقة التي تخشاها الحركة، لكن بالتأكيد على أنه لا يريدها، وأن ما يهمه هو تنفيذ برنامج الحكومة والبنود العزيزة على قلبه وعلى رأسها قانون الهجرة والإجراءات الأمنية.
منذ مطلع هذا العام، لم تهدأ الطبول التي تعلن سقوط الحكومة بين لحظة وأخرى بسبب من الخلافات المتراكمة بين طرفي الائتلاف والانتقادات المباشرة التي يتبادلها زعيما النجوم الخمس والرابطة. لكن شهوة السلطة والخوف من المفاجآت التي تحفل بها السياسة الإيطالية عند تشكيل التحالفات، دفعا بالطرفين أكثر من مرة إلى وأد خلافات عميقة، والإبقاء على الحكومة فيما يشبه غرفة العناية الفائقة.
لكن ساعة الصفر كان لا بد أن تأتي لتضع حداً لهذه التجربة السياسية غير المسبوقة في التاريخ الإيطالي، والفريدة من نوعها في الاتحاد الأوروبي، لتشكيل حكومة بين جسمين سياسيين متناقضين في كل شيء تقريباً: حزب يميني متطرف، سيادي وعنصري، نزع عنه القناع الانفصالي الذي كان سبب تأسيسه، وآخر شعبوي مناهض للنظام القائم وحريص على البيئة. وقد أزفت الساعة يوم الجمعة من الأسبوع الماضي، عندما تقدم سالفيني، الذي يلقبه أنصاره بالقبطان، بطلب لسحب الثقة من رئيس الحكومة جيوزيبي كونتي، الذي يشغل هو منصب نائبه إلى جانب حقيبة الداخلية، منهياً بذلك تجربة الحكم التي لم تدم سوى أربعة عشر شهراً.
انهيار الائتلاف الحاكم أعاد تفعيل المختبر السياسي الإيطالي لاحتواء الأزمة التي كانت قد تحولت منذ أشهر إلى وقائع طلاق معلن، والتركيز في المرحلة الأولى على خيار من اثنين: تشكيل أغلبية برلمانية جديدة تسمح لكونتي الاستمرار حتى نهاية الولاية التشريعية، أو الذهاب إلى الانتخابات المبكرة التي يطالب بها زعيم اليمنين المتطرف سالفيني. وليس في ذلك أي مفاجأة في بلد سبق أن غير 6 حكومات خلال ولاية تشريعية واحدة، وتعاقبت عليه 71 حكومة، منذ عام 1943.
يدرك سالفيني أنه إذا كانت الحكومة الائتلافية قد شكلت فرصته الذهبية للوصول إلى الحكم والانطلاق من منصته لحشد هذه الشعبية الواسعة التي تأكدت في الانتخابات الأوروبية الأخيرة، فإن الانتخابات المقبلة قد تكرسه زعيماً بلا منازع على القوة الاقتصادية الثالثة في الاتحاد الأوروبي، والوحيدة التي تغازل واشنطن وموسكو في كل ما يتعلق بالأجندة اليمينية المتطرفة.
ويعرف زعيم الرابطة أن كلمته ستكون مسموعة عندئذ في المؤسسات الأوروبية التي لم تبخل عليه بالانتقاد والتحذير بقدر ما تعمدت تجاهله عند توزيع مناصب القيادة والمسؤولية العليا مؤخراً.
لكن نظيره، وشريكه في الائتلاف الحاكم حتى الآن، زعيم حركة النجوم الخمس لويجي دي مايو (أيار)، يشهد تراجعاً مستمراً في شعبيته منذ تشكيل الائتلاف الحاكم، لا يُقاس إلا بارتفاع شعبية سالفيني الذي هيمن بشخصيته وأسلوبه على الحكومة منذ اليوم الأول.
وإذا كانت زعامة دي مايو للحركة قد اهتزت بقوة بعد الانتخابات الأوروبية الأخيرة التي خسرت فيها النجوم الخمس نصف شعبيتها تقريباً، فإنها قد تصبح في حكم المنتهية إذا تقرر إجراء انتخابات مبكرة بات من المؤكد أن الحركة تحتاج لزعامة جديدة لخوضها.
بعد ساعات من تقديمه طلب سحب الثقة من رئيس الحكومة دعا سالفيني إلى مناقشته والتصويت عليه، قبل منتصف الشهر الحالي، لكن الكتل البرلمانية رفضت طلب سالفيني وقررت عقد جلسة طرح الثقة يوم الثلاثاء المقبل في مجلس الشيوخ، مما يؤشر على أن المساعي للبحث عن أغلبية برلمانية جديدة تقطع على سالفيني طريق الانتخابات المبكرة قد بدأت في كواليس السياسة الإيطالية السحيقة.
الخيار الوحيد المتاح لتشكيل أغلبية برلمانية جديدة يمر عبر التحالف بين حركة النجوم الخمس والحزب الديمقراطي، لكن هذا التحالف دونه عقبات كثيرة لا يتسع الوقت للمفاوضات التي قد تؤدي إلى تذليلها. في غضون ذلك، وبينما تضرب الكتل البرلمانية أخماسها بأسداسها، دعا سالفيني نواب حزبه إلى روما والبقاء فيها بحالة جهوزية تامة، فيما يواصل هو الضغط لإجراء الانتخابات في أقرب فرصة، ويجول على الشواطئ الإيطالية في حملة انتخابية اختار أن يركز فيها على المناطق التي تشكل معاقل حركة النجوم الخمس، وتراجعت فيها شعبيتها لصالح حزب الرابطة.
لكن ارتفاع شعبية سالفيني في الأشهر الأخيرة تزامن أيضاً مع تنامي ظاهرة جديدة غير مألوفة في المشهد السياسي الإيطالي، وهي الرفض المتزايد لسياسته حيث صارت المظاهرات المرحبة بتحركاته والمؤيدة لمواقفه تتواجه، وأحياناً تتصادم، مع مظاهرات ضده تصفه بالعنصري، وتعيب عليه دفاعه عن الشركات الكبرى، والطبقة الميسورة.
رئيس الحكومة جيوزيبي كونتي من جهته لم يبادر إلى تقديم استقالته إلى رئيس الجمهورية كما كان متوقعاً، وكما كان يتمنى سالفيني، بل شن هجوماً قاسياً على زعيم الرابطة واتهمه بأنه المسؤول الوحيد عن الأزمة التي «افتعلها من باب الأنانية وسعياً لتحقيق مآرب شخصية بعيدة كل البعد عن المصلحة العامة»، وأضاف رداً على مطالبة زعيم الرابطة بمناقشة طلب سحب الثقة فوراً في البرلمان: «ليس سالفيني مَن يحدد مواقيت المناقشات في البرلمان... كفى غطرسة!».
المواجهة الأخيرة بين الرابطة والنجوم الخمس كانت حول استئناف العمل بمشروع شق نفق عريض للمواصلات السريعة بين إيطاليا وفرنسا جمدت الحركة تنفيذه لأسباب بيئية وتصر الرابطة على إكماله. وكانت الحركة قد تقدمت باقتراح في مجلس الشيوخ لوقف العمل نهائياً بالمشروع، لكن الرابطة قررت التخلي عن حليفتها، وصوتت إلى جانب الأحزاب الأخرى التي يؤيد معظمها مواصلة تنفيذه. وقد جاءت خطوة سالفيني بتفجير الأزمة الحكومية بعد 48 ساعة من الموافقة النهائية في مجلس الشيوخ على قانون مكافحة الهجرة المثير للجدل، الذي كان لا بد لإقراره من أصوات النجوم الخمس.
رئيس الجمهورية من ناحيته هو الوحيد المخول بموجب الدستور حل البرلمان والدعوة لإجراء انتخابات مبكرة، يميل إلى إبقاء الحكومة في مهامها حتى الخريف المقبل لإنجاز قانون الموازنة العامة الذي يفترض أن تقدم نسخته الأولى إلى المفوضية الأوروبية، قبل نهاية الشهر المقبل، وكان موضع خلاف عميق وتجاذبات بين روما بروكسل، بسبب مستوى العجز العام الذي يتجاوز المعدلات القصوى المحددة في الضوابط المالية الأوروبية، الذي يشكل استمراره في إيطاليا للعام الخامس على التوالي خطراً على القطاع المصرفي، ويهدد الاستقرار المالي في منطقة اليورو بكاملها.
وتنصب جهود رئاسة الجمهورية في الوقت الراهن على تأمين أغلبية برلمانية مختلفة تمكن كونتي من الاستمرار في موقعه لفترة كافية تسمح بتجاوز استحقاق الموازنة، وتنفيس الاحتقان السياسي الذي يناسب أسلوب سالفيني، وترتفع فيه شعبيته.
ومنذ أن أطلق سالفيني رصاصة الرحمة على الحكومة مطالباً بإجراء انتخابات مبكرة، ظهرت مجموعة مـؤشرات توحي بأن ثمة «جبهة جمهورية» تتشكل بين الحزب الديمقراطي والنجوم الخمس لصد هجوم زعيم الرابطة عبر تحالف برلماني أبدت عدة أحزاب صغيرة استعدادها أيضاً للانضمام إليه. وكان الأمين العام السابق للحزب الديمقراطي، والرئيس الأسبق للحكومة، ماتيو رنزي الذي يتزعم تياراً واسعاً داخل الحزب كان يستعد للانشقاق عنه وتأسيس حزب بيئي جديد، قد سارع فور مبادرة سالفيني إلى دعوة حزبه للتحالف مع حركة النجوم الخمس لتشكيل حكومة جديدة والحيلولة دون العودة مجدداً إلى صناديق الاقتراع.
أما زعيم الرابطة الواثق من أن لا مفر من الذهاب إلى الانتخابات المبكرة، فقد باشر البحث مع الحلفاء المحتملين في الأوساط اليمينية، تحسباً لعدم حصوله على الأغلبية الكافية التي تسمح له بتشكيل الحكومة منفرداً في حال تجاوزه حاجز الأربعين في المائة. وكان اتصاله الأول مع زعيم «فورزا إيطاليا» سيلفيو برلسكوني الذي يحكم بالتحالف معه عدداً من الأقاليم والمجالس البلدية بعد أن خاض كلاهما الانتخابات العامة الماضية على لائحة واحدة. لكن برلسكوني رفض اقتراح سالفيني خوض الانتخابات المقبلة ضمن لائحة الرابطة، وقال: «ما زلنا نطالب بتشكيل تحالف عريض يجمع أحزاب الوسط واليمين، لكننا لسنا على استعداد للتخلي عن تاريخنا وشعارنا، ولا عن لوائحنا الخاصة في الانتخابات المقبلة».
وفيما تمارس جهات عدة، إيطالية وأوروبية، ضغوطاً متزايدة على الحزب الديمقراطي للتحالف مع النجوم الخمس وقطع طريق الانتخابات أمام زعيم الرابطة، دعا ماتيو رنزي «جميع الأحزاب والقوى اليسارية والتقدمية إلى بذل قصارى جهدها لمنع وصول سالفيني إلى رئاسة الحكومة، مهما كلف الأمر». وقال رنزي إنه الذي تعرض أكثر من أي شخص آخر لانتقادات حركة النجوم الخمس «لكن لا مجال هنا للمشاعر الشخصية، وعلينا جميعاً أن ننقذ إيطاليا».



الأردن بين قرارات حكومية مثيرة للجدل وضغوط «الإخوان»

طائرة حربية أردنية في مناورة فوق مدينة الزرقاء (أ.ب)
طائرة حربية أردنية في مناورة فوق مدينة الزرقاء (أ.ب)
TT

الأردن بين قرارات حكومية مثيرة للجدل وضغوط «الإخوان»

طائرة حربية أردنية في مناورة فوق مدينة الزرقاء (أ.ب)
طائرة حربية أردنية في مناورة فوق مدينة الزرقاء (أ.ب)

انتبهت الحكومة الأردنية متأخرةً لأهمية وضع المواطنين في صورة التحدّيات المتوقعة مع استمرار الحرب الإيرانية الدائرة، والمخاوف من تأثير النمط الاستهلاكي على توافر كميات من المخزونات الاحتياطية للغذاء والدواء والطاقة، والحد من المبالغة في التخزين. الحكومة التي اجتهدت منذ الأيام الأولى للحرب ببث «رسائل تطمينية» حول المخزونات الاستراتيجية من الغذاء والطاقة، اضطرت إلى إعادة ضبط لهجة خطابها مع الشارع المحلي، فأعلنت عن جملة إجراءات تقشفية تتعلق بضبط موازنات السفر الرسمي واستهلاك المؤسسات الحكومية من المحروقات، وقرارات أخرى تتعلق ببث شعور عام بحجم التحديات الاقتصادية المتوقعة.

 

 

الإعلان الحكومي لفت انتباه الساسة الأردنيين إلى احتمال «إعلان حالة الطوارئ» التي تسمح للحكومة بإصدار أوامر دفاع تمكّنها من تنفيذ قراراتها بضبط الإنفاق العام، ويسمح بمرور القرارات الاقتصادية الصعبة الحاصلة على قبول شعبي نسبي، بعيداً عن استفزاز غضب المواطنين من تصريحات بعض المسؤولين التنفيذيين.

ثم إن الارتباك الحكومي تسبّب في اندفاع المواطنين لشراء وتخزين المواد الغذائية والمحروقات، وهو ما يعكس نسبة الثقة الشعبية المتدنية بالرواية الرسمية، وحسب مراقبين فإن الفريق الاقتصادي في الحكومة «أخفق في رسم خريطة إجراءات تتناسب مع تطورات القلق واستمرار أيام الحرب». والحال أن الأردنيين لا يخافون التجمهر عند سقوط شظايا الصواريخ والمسيّرات المتفجرة في سماء المملكة، لكنهم يخشون من صحة التصريحات الرسمية حول توافر مخزون السلع والمواد الغذائية والأدوية في الأسواق، ويخشون من قفزات صادمة في الأسعار، وسط غياب الرقابة الرسمية، حسب متابعين.

تقدير عسكري أمني لمخاطر محتملة

في الواقع، لا يتوقع رسميون أردنيون توقّف الحرب بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، بل اعتبروا أن استئناف العمليات العسكرية النوعية سيحمل معه اشتداداً للقصف والقصف المضاد خلال الأيام القليلة المقبلة.

وهذا ما ينعكس بالتهديد عبر زيادة الضغط الإيراني في استهداف دول الخليج والأردن، وهي استراتيجية صار واضحاً أن الإيرانيين يرغبون في استخدامها ورقة ضغط لتخفيف الشروط والتنازلات المطلوبة من سلطات طهران.

طبيعة الاستهداف الذي يتوقعه مطلعون في العاصمة الأردنية قد تهدّد حياة المدنيين، لأن زيادة الهجمات قد يقابلها محدودية جهود الدفاع والتصدي للأجسام الصاروخية الموجهة نحو أهداف أردنية. ولقد بات معلوماً في الأردن طبيعة التهديدات الإيرانية وسعيها لاستهداف انتقامي من المملكة. ومع أن عمّان، قد لا تكون أولوية في «بنك الاستهدافات» الإيرانية في حربها اليوم، تبقى طهران راغبة في تحقيق انتصارات على الجبهة الأردنية التي لطالما سعت إلى استهدافها في أكثر من مناسبة.

عمليات إرهابية محتملة

المخاوف التي نقلتها مصادر خاصة لـ«الشرق الأوسط» تتمثل في سعي إيران لتنفيذ «عمليات إرهابية داخل الأراضي الأردنية». وفي ضوء ذلك، كثفت الجهات المختصة عمليات الرقابة على الحدود الشرقية مع العراق، والشمالية مع سوريا، لقطع الطريق على استمرار محاولات النظام الإيراني استهداف الأمن الأردني عبر متسللين.

وقبل أيام نفذت طائرات سلاح الجو الأردني في الجنوب السوري «غارات قصفت من خلالها مجموعات كانت تُحضّر لإدخال متفجرات عبر متسلّلين محسوبين على بقايا الميليشيات الإيرانية في سوريا إلى الأردن، مستغلّة غياب الاستقرار على طول الحدود البالغة نحو (375 كلم)». وشدّد مصدر مطلع في كلامه لـ«الشرق الأوسط» على أن «جهوداً استخباراتية متقدّمة قطعت الطريق على استكمال تنفيذ مخططات انتقامية وتخريبية في البلاد».

وقريباً من المسألة عينها، فإن «المعلومات المتوفرة تؤكد نشاطاً مسلحاً لميليشيات عراقية شيعية تتموضع في مناطق من محافظة الأنبار وصحرائها على الحدود العراقية الأردنية. وأن تلك الميليشيات تتسلّح بما يزعج الأمن الأردني بعد إعادة تزويدها بصواريخ ومسيّرات إيرانية بقدرات نارية متقدمة». ويشدد المصدر نفسه على أنه «تم توجيه ضربات دفاعية استباقية لتدمير قدرات تلك الميليشيات، التي تصرّ على استهداف إسرائيل عبر الأراضي الأردنية وليس عبر حليفها (حزب الله) اللبناني الأقرب جغرافياً لتل أبيب».

بالتوازي ثمة معلومات موثقة بأن القوات المسلحة الأردنية (الجيش العربي) تحتاط بـ«معلومات استخبارية من شأنها إفشال هجمات أو الحد من فعالية أي مخططات إرهابية ضد الأمن الأردني»، مع الإشارة إلى أن العناصر المنتمية لميليشيات مسلحة تابعة للنظام الإيراني تتحرك بذريعة محاربة إسرائيل ومناصرة إيران في الحرب المستعرة.

دور سلاح الجو

حتى كتابة هذا التقرير، نجحت طائرات سلاح الجو الأردني في إسقاط جميع الصواريخ والمسيّرات الإيرانية التي استهدفت مراكز سيادية في البلاد بإسناد من القوات البريطانية والفرنسية والأميركية الموجودة في قواعد عسكرية أردنية. وقد استمرت هذه الجهود في حماية البلاد، على الرغم من تدمير «رادارات منظومة صواريخ الثاد المنشورة في شرقي المملكة»، حسب المصادر. وباستثناء شظايا الأجسام المتفجّرة في السماء، لم تتمكّن الصواريخ أو المسيّرات الإيرانية من تحقيق أهدافها.

تقديرات أردنية

تشير التقديرات الرسمية الأردنية إلى أن استمرار الحرب متوقع، ولا نهاية في الأفق لعهد إيران في استهداف أمن المنطقة. ووفقاً لمصدر رسمي «القتل والدمار من أهداف إيران الصريحة»، وسياسة «الغريق لا يخشى البلل» قد تزيد من حدة استهدافاتها، والتركيز على ترك أثرٍ يشفع لها في مسلسل الانكسارات المتحققة بفعل واقعها الاقتصادي الذي قد لا يسعفها في معركة الصمود والنفس الطويل في هذه الحرب.

أيضاً، وفق المصادر الرسمية المتابعة، فإن استمرار الحرب المشتعلة هو النتيجة الحتمية بعد «عسكرة» الشرق الأوسط بالقوات الأميركية، وطبيعة أنواع الأسلحة التي وصلت إلى المنطقة، وهذا طبعاً، إلى جانب رغبة تل أبيب في إطالة أمد الحرب من أجل تحقيق أهداف سياسية تتعلق بمستقبل حكومة اليمين المتطرف بقيادة بنيامين نتنياهو.

من جانب آخر، بعدما كشف «حزب الله» اللبناني عن مستودعات أسلحة وصواريخ ما زال يهدد إسرائيل بها، لا بد من القول إن دخول الحزب على جبهة الحرب إسناداً لطهران ونظامها الديني والسياسي إنما جاء بعد سلسلة الاغتيالات التي نفذتها إسرائيل لقيادات الحزب، والتي تسببت فعلياً في اختلالات داخل مراكز القيادة والقوة داخل تنظيمه، كذلك رفعت الاغتيالات التي نفذتها إسرائيل خلال الأشهر الماضية، مستويات الارتباك في قرارات الحزب داخلياً وخارجياً.

أيضاً، على صعيد ما يشغل الأردن إقليمياً، قللت مصادر مطلعة من مخاوف دخول الحوثيين في اليمن على خط جبهات الإسناد. واعتبرت جهات رسمية في عمّان أن «دخولهم الحرب قد لا يُحدث أثراً عسكرياً فارقاً، لا سيما بعد إقدام إسرائيل سابقاً على تدمير القدرات العسكرية للجماعة التي تشكل خطراً كبيراً على سلامة المرور في البحر الأحمر ومضيق باب المندب»، الأمر الذي يهدد الأمن الغذائي والطاقي لعدد من دول المنطقة.

ولكن، في المقابل، شخصيات سياسية قريبة من الخط الرسمي «قدّرت أن تضخم الوجود الأميركي في المنطقة قد يمهّد لدخول عسكري أميركي في اليمن».

كذلك، في ظل التطورات المتلاحقة أخيراً، والأخذ في الحسبان جميع الاحتمالات، فإن انخفاض نسبة الثقة لدى جمهور الساسة الرسميين الأردنيين بقرارات الرئيس الأميركي دونالد ترمب فيما يتعلق بمسألة «الثبات على موقف» أو «الالتزام بالمدد والمواعيد» التي يطلقها ارتجالياً، يفتح باب التكهنات.

هذه التكهنات التي غدت مألوفة محلياً، ترى أن «قرارات ترمب تشبه تصرفاته» وأن مناورات «سيد البيت الأبيض» هي رسالة ثلاثية التأثير:

- أولاً لإسرائيل لجهة ضرورة سرعة إنهاء سلة استهدافاتها داخل إيران.

- وثانياً لإيران المُستفزة من بث رسائل تفاوضية سرّية تكشف عن أسرار التنازلات الإيرانية بجرأة لا يملكها النظام السياسي في طهران.

- وثالثاً لدول الخليج والأردن بأن الحرب لن تطول.

مع هذا، يبدو الأردن مطمئناً لقدراته الدفاعية التي جنّبته ويلات الحرب الدائرة، وقد قطع من خلالها الطريق على مخطّطات إرهابية قادمة عبر القرار السياسي الإيراني. إلا أن استمرار الحرب وتطور القوة النارية المستخدمة بين أطراف المعركة لن تأتي بضمانات أمنية تحصن من المخاطر حتى نهاية فصول الحرب المشتعلة.

الجبهة الداخلية: تهديدات مصدرها منصات التواصل

داخلياً، ما زالت «جماعة الإخوان المسلمين»، المحظورة بعد تنفيذ قرار قضائي أردني سابق، فاعلة في المشهد السياسي من خلال ذراعها الحزبي والبرلماني حزب «جبهة العمل الإسلامي» الذي يشغل في البرلمان الأردني 31 مقعداً من أصل 138 مقعداً هي كامل أعضاء مجلس النواب الأردني.

هنا نذكر، أن حزب «جبهة العمل الإسلامي»، الذي أبدى مرونة باستجابته لمتطلبات قانونية تجبره على حذف كلمة «إسلامي» أو تغيير اسمه قبل نهاية شهر أبريل (نيسان) وتحت طائلة الحل ومصادرة ممتلكاته ومقراته، ما زال يمارس الضغط على عصب الدولة من خلال مطالباته الحكومة الأردنية بـ«إدانة الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل لاستخدامهما الأجواء والأراضي الأردنية في عدوانهما على إيران».

ولكن مقابل هذا، لم يصدر عن الحزب أي إدانة لطهران على استهدافها حياة الأردنيين، وهو ما يمكن متابعته من تصريحات رئيس «الكتلة الإسلامية» في المجلس الحالي صالح العرموطي. هذا الواقع دفع الجهات الرسمية إلى تثبيت فقرة الإحصائية اليومية لعدد الصواريخ والمسيّرات التي يتم إسقاطها بدفاعات جوية أردنية قبل استهدافها لمناطق حيوية في البلاد ومدن الكثافة السكانية في الشمال والوسط وخليج العقبة جنوب البلاد.

العرموطي كان قد حصد أعلى الأصوات في الدوائر الانتخابية المحلية في الانتخابات الأخيرة التي أجريت في سبتمبر (أيلول) عام 2024. وراهناً يجري تداول مداخلاته على نطاق واسع في منصات التواصل الاجتماعي (فيسبوك وX وإنستغرام وتيك توك ومجموعات الواتساب). وفي هذه المداخلات يشن رئيس «الكتلة الإسلامية» هجمات خطابية على الولايات المتحدة وإسرائيل، وعلى الرغم من محاولات وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي «تصويب الأخطاء المعلوماتية عند العرموطي»، فإن الأخير، الذي سبق أن كان نقيباً للمحامين الأردنيين لأكثر من دورة نقابية، يعرف تماماً ما «يُطرب الجمهور»، بصرف النظر عن مدى دقة تصريحاته، حسب مصدر نيابي فضل عدم الكشف عن نفسه.

ديناميكيات التعامل الإعلامي

بالتالي، في المشهد الرسمي أمام البرلمان الأردني، قد يصح القول، حسب مراقبين، إن رئيس الحكومة اختصر الأمر في مجلس النواب بضرورة التعامل «بحذر ناعم» مع «الكتلة الإسلامية»، من دون التعمق بتحالفات مع كتل محسوبة على الخط الرسمي تضمن له دعم جميع قراراته بالأغلبية المريحة.

وفي هذا المشهد يجد محلّلون أن رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان، وإن ترك أثراً على المستوى التنفيذي، فإنه يبتعد عن أي مواجهات أمام الإعلام، ما يمكن أن يترك انطباعاً بأنه يريد لفترته المتبقية في الحكومة أن تكون بعيدة عن المواجهات الشعبية. وحقاً، على الرغم من إصراره على إرسال تشريعات قد تفجر غضب الشارع مثل تعديلات قانون الضمان الاجتماعي وقانون الإدارة المحلية، يغيب رئيس الوزراء عن مشهد التعبير في السياسة الخارجية، كونه لا يميل إلى الظهور الإعلامي، ويفضّل البقاء بعيداً عن الكاميرات والتصريحات.

الموقف الرسمي... غير مفهوم شارعياً

بناءً عليه، يمكن القول إن التصريحات المتعلقة بالسياسة الخارجية تُختزل بشخص وزير الخارجية أيمن الصفدي. فهو رجل التواصل المتخصص، وصاحب القُدرة على تقديم رواية متصلة، حظيت بقبول شعبي إبان فترة العدوان الإسرائيلي على غزة، ونجح في إبراز الكارثة الإنسانية التي لحقت بسكان القطاع خلال حرب وصفها الأردن الرسمي بـ«حرب إبادة».

مع هذا، يرى كثيرون أن غياب التصريحات السياسية عن لسان وزير الإعلام أو وزراء الواجهة السياسية للحكومة، أمر يُعمّق أزمة عدم فهم الموقف الرسمي. وهو موقف يرفض العدوان الإيراني على الأردن، ولا يسمح لأطراف الحرب بانتهاك السيادة الأردنية على سمائها وأرضها ضمن الإمكانات المتاحة. لكن فضاءات التواصل الاجتماعي تُصّر على اجتزاء الموقف واللعب بكلماته لبث رسائل التشكيك والتشويش.

حساسيات ومحاذير

بالتالي، غياب الحياة السياسية في الأردن ترك فراغاً واسعاً. ويجد البعض أن كلفة «التغريد خارج سرب التصريحات الرسمية لا يخدم بعض النخب في نيل نصيبها من الرعاية الرسمية». وهذا، في حين وجد البعض الآخر أن هناك حاجةً إلى «إعادة تفسير المواقف الرسمية بعبارات مرنة سهلة الوصول بشكل مباشر للفهم العام»، ولا سيما، أمام خلفية إقصاء الرأي الآخر، وممارسات التضييق على الحريات الصحافية حفاظاً «على مشاعر الحكومة»، كما قال قيادي إعلامي لم يرغب بذكر اسمه.

عودة إلى مداخلات العرموطي النيابية، نشير إلى أنه سبق له أن كان واحداً من فريق الدفاع عن الرئيس العراقي السابق صدام حسين خلال فترة محاكمته ما بين عامي (2005-2006). وبالفعل، تحظى مداخلاته بشعبية جارفة على الرغم من محدودية المعلومات التي يطرحها واندفاعه العاطفي الذي يلعب على وتر الجماهير الكارهة لتل أبيب وواشنطن.

من ثم، تبدو الحالة الأردنية وكأنها على وجه الانقسام على منصات التواصل الاجتماعي. ولقد سعى البعض، بالذات، إلى ضرب العلاقة الأردنية - الفلسطينية، وهذا عنوان له حساسيته محلياً، وسط ضرورات تؤكد مصلحة البلاد العليا فيما يتعلق بأولوية حشد الصفوف وسد الثغرات أمام الفتن الموجهة من الخارج.


نبيل فهمي... دبلوماسي مخضرم على أعتاب رئاسة «بيت العرب»

امتازت رحلته في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة» و«الخطاب الرزين» والقدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء
امتازت رحلته في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة» و«الخطاب الرزين» والقدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء
TT

نبيل فهمي... دبلوماسي مخضرم على أعتاب رئاسة «بيت العرب»

امتازت رحلته في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة» و«الخطاب الرزين» والقدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء
امتازت رحلته في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة» و«الخطاب الرزين» والقدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء

في وضع سياسي مضطرب ووسط أزمات تعصف بالعالم العربي، يقترب الدبلوماسي المصري المخضرم السفير نبيل فهمي من رئاسة «بيت العرب»، بعدما اعتمد وزراء الخارجية العرب في اجتماعهم الأخير قراراً برفع توصية إلى القمة العربية المقبلة بترشيحه أميناً عاماً لـ«جامعة الدول العربية» بدايةً من يوليو المقبل، ولمدة 5 سنوات، خلفاً للأمين العام الحالي أحمد أبو الغيط، ليكون بذلك الأمين العام التاسع للجامعة العربية منذ إنشائها عام 1945. إنها مسؤولية أقر الدبلوماسي، الذي قاد حقيبة الخارجية المصرية عقب «ثورة 30 يونيو 2013» بأنها «كبيرة» في ظل ما تواجهه المنطقة من «تحديات غير مسبوقة، ومخالفات صارخة للقانون الدولي، من قِبل أطراف معتدية غدراً على دولنا وسلامتنا، وأخرى طال احتلالها لأراضينا وتعرقل تمكين أشقائنا من ممارسة حقوقهم المشروعة، فضلاً عن تعرض منطقتنا لمخططات تستهدف الهيمنة، والمساس بأمن واستقرار العالم العربي»، وفق تصريحاته تعقيباً على الترشيح.

يدخل نبيل فهمي معترك العمل العربي، مازجاً الخبرة العملية والأكاديمية، وعازماً على «التشاور مع أعضاء الجامعة العربية، للتصدي للتحدّيات من أجل تأمين مستقبل عربي أكثر أمناً واستقراراً وازدهاراً»، و«تعزيز مسارات البناء، وتنمية المصالح المشتركة والمتبادلة بين الدول الأعضاء».

من الاقتصاد إلى السياسة

ولد نبيل إسماعيل فهمي في نيويورك عام 1951 لعائلة دبلوماسية، فهو نجل وزير الخارجية المصري الأسبق إسماعيل فهمي، ما أتاح له الاحتكاك المبكّر بعالم السياسة والعلاقات الدولية. لكن رغم وجوده في عرين الدبلوماسية اختار فهمي لتخصصه الجامعي مجالاً آخر، فحصل على درجة بكالوريوس علوم في الفيزياء والرياضيات من الجامعة الأميركية بالقاهرة عام 1974.

ومن ثم، اتبع نصيحة والده بالبحث عن مسارات مهنية وفقاً لتفضيلاته المهنية، التي كانت آنذاك تتجه إلى العمل في المجال الاقتصادي، وهذا ما ذكره في كتاب صدر عام 2022، وثّق فيه سيرته الذاتية ورحلة الدبلوماسية المصرية تحت عنوان «في قلب الأحداث: الدبلوماسية المصرية في الحرب والسلام وسنوات التغيير».

بيد أن القدر كان يرسم لنبيل فهمي طريقاً آخر، ليتغير مسار حياته المهنية باتصال هاتفي تلقاه عقب تخرّجه من أشرف مروان، سكرتير الرئيس الراحل أنور السادات، دعاه فيه للعمل معه في مكتب الرئيس. ومع أن فهمي «لم يكن، بحسب تعبيره، يتطلع للعمل في الحكومة أو في مكتب رئيس الجمهورية، فإن شخصية مروان جذبته»، فقبل العمل وبدأ أولى خطواته المهنية في مسار مختلفٍ تماماً عمّا كان يخطط له.

من جهة ثانية، تزامن عمله في مكتب الرئيس مع استكماله لدراسة الماجستير في إدارة الأعمال، حيث كان لا يزال يسعى للعمل في الاقتصاد، في خطوة أجلّها لحين إتمام خدمته العسكرية. ولكن مرة أخرى قادته الصدفة إلى مسار آخر، عندما تحدّاه صديقه رمزي عز الدين رمزي للتقدّم والنجاح في اختبارات القبول بالسلك الدبلوماسي، ودفعه حماس الشباب لقبول التحدي.

بالفعل، نجح نبيل فهمي وصديقه في الاختبارات «بعد جهد شاق ومن دون تدخل» من والده - وزير الخارجية آنذاك - حسب ما ذكر في كتابه.

مع هذا، ورغم أن حلم الاقتصاد ظل يطارده حتى بعد نجاحه في الاختبارات، وحصل بالفعل على عرض للعمل بأحد البنوك براتب يعادل 21 ضعف ما سيتلقاه في بداية تعيينه بوزارة الخارجية المصرية، فإنه في النهاية اختار إكمال المسار الذي اقتيد إليه بالصدفة، والتحق بالعمل في وزارة الخارجية المصرية عام 1976، وحسب قوله «باعتباره مهنة تحتاج إلى اقتناعات عميقة وتنطوي على مسؤوليات جسام»، وبذا صار أبوه رئيسه في العمل، وانضم للعمل بمكتبه برغبة الأب الذي كان يريد «التأكد من أنه يعامل المعاملة العادية ملحقاً تحت الاختبار، ولا يدلل أو يعامل بشكل استثنائي في قطاعات أخرى بالوزارة».

رحلة دبلوماسية ممتدة

امتدت مسيرة نبيل فهمي داخل أروقة الدبلوماسية المصرية لنحو أربعة عقود، كانت تموج بالأحداث السياسية المهمة. إذ تنقّل إبّان عمله في الخارجية المصرية بين مناصب ومهمات وملفات حساسة عدة، من نزع السلاح في الأمم المتحدة إلى العمل مستشاراً سياسياً لوزير الخارجية الأسبق عمرو موسى.

لكن كثيرين يعتبرون محطته الأبرز هي عمله سفيراً لمصر لدى الولايات المتحدة بين 1999 و2008، لا سيما أن تلك الفترة شهدت أحداثاً مفصلية، على رأسها هجمات «11 سبتمبر/أيلول 2001». ولقد جاء تعيينه في سفارة مصر بواشنطن بناء على اختيار الرئيس الأسبق حسني مبارك.

ويروي فهمي في أحد لقاءاته أن «مبارك سأله في ختام زيارة لليابان، حيث كان آنذاك سفيراً لمصر في طوكيو، عن عمره دون أن يوضح سبب السؤال، ليجيبه في الـ47».، وبعد ذلك عيّن سفيراً لمصر في واشنطن، وقال له مبارك بعد ذلك إنه «اختاره للمنصب لأنه لا يخشى قول رأيه، وأنه لن يخشى الرد على الأميركان إذا اتخذوا مواقف خشنة بعض الشيء».

امتازت رحلة نبيل فهمي في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة»، و«الخطاب الرزين»، حسب مراقبين يرون في فهمي القدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء يتمازجان بدرجة من الصراحة والواقعية.

وحقاً، شغل فهمي مناصب حكومية ودولية عدة، وركز عمله على قضايا الأمن الدولي والإقليمي، ونزع السلاح وحظر الانتشار النووي، وتسوية النزاعات، والدبلوماسية العربية - الإسرائيلية، كما شغل منصب رئيس المجلس الاستشاري للأمم المتحدة لشؤون نزع السلاح، ونائب رئيس اللجنة الأولى للجمعية العامة للأمم المتحدة المعنية بنزع السلاح والأمن الدولي. وكان عضواً في الوفد المصري في مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، ومؤتمرات مراجعة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، ولجنة المبادئ في مؤتمر الأمم المتحدة لتعزيز التعاون الدولي في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، والعديد من الفعاليات متعددة الأطراف الأخرى. وعلى صعيد التقديرات، منح الإمبراطور الياباني ناروهيتو، فهمي، «الوشاح الأكبر لوسام الشمس المشرقة».

وزيراً للخارجيّة

على خطى أبيه، تولّى نبيل فهمي حقيبة الخارجية المصرية في فترة صعبة بين يوليو (تموز) 2013 ويونيو (حزيران) 2014، بعد أحداث «30 يونيو» التي شهدت الإطاحة بحكم تنظيم «الإخوان» الذي تصنّفه السلطات المصرية «إرهابياً».

اكتنفت تلك الفترة تحديات على الصعيدين الداخلي والدولي دفعت فهمي لصياغة استراتيجية «إعادة التوجيه»، إيماناً منه بأن قوة الدولة تقاس بتعدد خياراتها. وفتح فهمي، بالفعل، آفاقاً جديدةً في علاقات مصر الدولية والإقليمية مكرّساً مبدأ «الندّيّة الاستراتيجية».

لقد كان دائم التأكيد على أن العلاقات الدولية لا تُدار بمنطق «التحالفات المطلقة»، وأن العلاقات مع الدول تحكمها المصالح المتبادلة ولا يوجد فيها اتفاق دائم أو اختلاف دائم. وإبّان هذه الفترة أثار فهمي جدلاً بعدما تداولت وسائل الإعلام تصريحاً قاله في مقابلة مع الإذاعة الحكومية الأميركية، شبّه فيه العلاقة بين مصر والولايات المتحدة بـ«الزواج» لا «علاقة ليلة واحدة»، تعليقاً على التوتّر الذي يشوب العلاقات أحياناً. ودفعت تلك التصريحات إلى موجة من الهجمات على فهمي، لترد وزارة الخارجية المصرية، آنذاك، بالتأكيد على أن «ترجمة الحوار للعربية كانت غير دقيقة»، وأن فهمي قال إنه «بخلاف العلاقات العابرة بين الدول فإن العلاقات المصرية - الأميركية علاقات ممتدة على مدى طويل ومتشعبة، ومثل الزواج تحتاج للكثير من الجهد والمتابعة، ويُتخذ خلالها قرارات عديدة وفي مجالات متعددة، وقد تتعرّض بين الحين والآخر إلى بعض المشاكل».

العمل الأكاديمي... وبناء الأجيال

بعد انتهاء فترة عمل نبيل فهمي في واشنطن عام 2008 عاد إلى مصر، وانخرط في العمل الأكاديمي، حيث أسس «كلية الشؤون الدولية والسياسات العامة» (GAPP) في الجامعة الأميركية بالقاهرة عام 2009، وهي كلية متخصصة في القضايا الراهنة المتعلقة بالشؤون العامة، والقانون، والصحافة، فضلاً عن دراسات الشرق الأوسط، واللاجئين، ودراسات النوع الاجتماعي والدراسات الأميركية.

كذلك شغل منصب العميد المؤسّس للكلية من عام 2009 إلى 2022. وشارك في مراكز بحثية دولية، مقدّماً تحليلات حول الأمن الإقليمي وإعادة تشكيل النظام الدولي. ولنبيل فهمي العديد من المقالات والكتب التي يشرح فيها رؤيته للنظام الدولي والصراعات الدائرة على الساحة، ويحلل «تحديات فن إدارة الدولة»، وكيف يمكن للدبلوماسية أن تكون الدرع الأول لحماية الوطن في زمن الانتقال.

هذا المزج بين الخبرة العملية والتنظير الأكاديمي منح رؤية فهمي بعداً تحليلياً، وحضوراً واضحاً في النقاشات حول النظام الدولي وإصلاح المنظومة العربية. وراهناً، لا ينشغل بالجدل حول «ترجيح القوة أو القانون» في تفسير آليات النظام الدولي، كما أورد في أحد مقالاته، بل يرى أن «توسع الدول القوية في استخدام القوة» مؤشر على الاندفاع نحو «ترجيح المعادلات الصفرية» والاتجاه نحو «الانفرادية الأحادية المصلحة» على حساب «الجماعية والمصالح المتبادلة».

الجامعة العربية وتحديات المستقبل

اليوم يقترب نبيل فهمي من رئاسة «جامعة الدول العربية»، بينما تشهد المنطقة تحديات جساماً، وسط تشكيك في قدرة الجامعة على مواجهة التحدّيات. لكن، لم يكن العمل العربي غائباً عن فهمي الذي شرح في عدد من المقالات والحوارات رؤيته للعمل العربي المشترك، مؤكّداً أن «سياسة المرحلة المقبلة يجب أن تركّز على التطلع للمستقبل»، وضرورة أن يكون العالم العربي كتلةً واحدةً في مواجهة التحدّيات والأزمات الإقليمية، مع الاتجاه للتطوير والبناء لدعم الهوية العربية.


8 أمناء تعاقبوا على قيادة جامعة الدول العربية منذ تأسيسها

عمرو موسى (وكالة أنباء الأناضول)
عمرو موسى (وكالة أنباء الأناضول)
TT

8 أمناء تعاقبوا على قيادة جامعة الدول العربية منذ تأسيسها

عمرو موسى (وكالة أنباء الأناضول)
عمرو موسى (وكالة أنباء الأناضول)

تعاقب ثمانية أمناء على قيادة جامعة الدول العربية منذ تأسيسها عام 1945، جميعهم مصريون باستثناء تونسي واحد ترأس البيت العربي خلال فترة تعليق عضوية مصر بالجامعة ونقل مقرها إلى تونس عقب اتفاقية السلام مع إسرائيل. أما الأمناء الثمانية فهم:

عبد الرحمن عزام (1945 - 1952)

ولد يوم 8 مارس (آذار) 1893 في محافظة الجيزة، ودرس الطب في كلية سانت توماس الطبية بجامعة لندن عام 1912، ولقب بـ«غيفارا العرب» لمشاركته في حرب البلقان وفي النضال ضد الاستعمار الإيطالي في ليبيا والبريطاني في مصر.

كان أول مستشار للجمهورية الليبية الأولى. وانتخب في أول مجلس نواب مصري عام 1924. كما كان عضواً في الوفد المصري لوضع ميثاق جامعة الدول العربية، واختير بالإجماع كأول أمين عام للجامعة.

توفي يوم 2 يونيو (حزيران) 1976.

محمد عبد الخالق حسّونة (1952 - 1972)

ولد في القاهرة يوم 28 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1898، وتخرّج في كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1921. وحصل على درجة الماجستير في الاقتصاد والعلوم السياسية من جامعة كمبريدج ببريطانيا عام 1925.

كان عضواً في أول بعثة للسلك الدبلوماسى لوزارة الخارجية. وعُين محافظاً للإسكندرية، ووزيراً للشؤون الاجتماعية، ووزيراً للمعارف ثم للخارجية.

تولى أمانة الجامعة العربية من سبتمبر (أيلول) 1952، وتوفي عام 1992.

محمود رياض (1972 - 1979)

ولد يوم 8 يناير (كانون الثاني) 1917، وتخرّج في الكلية الحربية عام 1936. عيّن مديراً للمخابرات الحربية في غزة بشهر أغسطس (آب) 1948. وشغل مناصب عدة من بينها مستشار للشؤون السياسية للرئيسين جمال عبد الناصر وأنور السادات، ومندوباً لمصر في الأمم المتحدة، ووزيراً للخارجية. انتخب أميناً عاما للجامعة العربية في يونيو (حزيران) 1972 واستقال في مارس (آذار) 1979. توفي عام 1992.

الشاذلي القليبي (1979 - 1990)

ولد يوم 6 سبتمبر (أيلول) 1925 بمدينة تونس. وتخرّج في كلية الآداب بجامعة باريس - السوربون بفرنسا، وحصل على الإجازة في اللغة والآداب العربية عام 1947. وعُين مديراً عاماً للإذاعة والتلفزة الوطنية في تونس، وأسندت إليه مهمة تأسيس وزارة الشؤون الثقافية، كما تولى وزارتي الثقافة والإعلام. وانتخب أميناً عاماً لجامعة الدول العربية عام 1979.

د. أحمد عصمت عبد المجيد (1991 - 2001)

ولد في الإسكندرية يوم 22 مارس (آذار) عام 1923، وحصل على ليسانس الحقوق من جامعة الإسكندرية عام 1944، والدكتوراه في القانون الدولي من جامعة باريس.

شغل مناصب عدة في السلك الدبلوماسي المصري وصولاً إلى تولي حقيبة الخارجية عام 1984، وحصد عدة جوائز وأوسمة دولية، وانتخب أميناً عاماً للجامعة العربية بعد عودة مقرها للقاهرة عام 1991. توفي عام 2013.

عمرو موسى (2001 - 2011)

ولد يوم 3 أكتوبر (تشرين الأول) 1936، وتقلّد مناصب عدة وحصل على عدد من الأوسمة والأوشحة والجوائز من دول العالم. تخرّج في كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1957، والتحق بالسلك الدبلوماسي المصري حيث عمل بعدد من السفارات المصرية حول العالم. وتولّى وزارة الخارجية المصرية عام 1991. انتخب أميناً عاماً للجامعة العربية عام 1991.

د. نبيل العربي (2011 - 2016)

ولد يوم 15 مارس (آذار) عام 1935، وتقلد مناصب عدة كما حصل على عدد من الأوسمة والأوشحة والجوائز من دول العالم. تخرّج في كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1955، وحصل على درجة الدكتوراه في العلوم القانونية من كلية الحقوق بجامعة نيويورك، وتولى وزارة الخارجية المصرية عام 2011. كما شغل مناصب دولية عدة.

انتخب أميناً عاماً للجامعة العربية عام 2011. توفي عام 2024.

أحمد أبو الغيط (2016 - حتى الآن)

ولد يوم 12 يونيو (حزيران) 1942. وتخرج في كلية التجارة بجامعة عين شمس عام 1964. التحق بالسلك الدبلوماسي وشغل عدة مناصب وصولاً إلى حقيبة الخارجية عام 2004. وحصل على عدد من الأوسمة من دول عدة بينها؛ فرنسا وإيطاليا واليابان.