الرهان على حشر جنبلاط لم يكن في محله وباسيل أخطأ في حساباته

TT

الرهان على حشر جنبلاط لم يكن في محله وباسيل أخطأ في حساباته

قال أحد الوزراء ممن واكبوا الاتصالات التي توّجت بلقاء المصالحة والمصارحة الذي رعاه رئيس الجمهورية ميشال عون الأسبوع الماضي، بأن مجموعة من المعطيات السياسية والاقتصادية دفعت في اتجاه إسقاط الذرائع التي كانت تحول دون انعقاد اللقاء، وأكد أن المشاركين فيه أعادوا الاعتبار لاقتراح رئيس المجلس النيابي نبيه بري، الذي ينطلق من تحقيق المصالحة بصفتها ممراً إلزامياً لوقف تعطيل جلسات مجلس الوزراء.
وأكد هذا الوزير لـ«الشرق الأوسط»، أن ارتفاع منسوب التأزّم الاقتصادي بات يقترب من تجاوز الخطوط الحمر، ويُنذر بإقحام البلد بانهيار اقتصادي ما لم تبادر الحكومة إلى تداركه بسرعة. ورأى أن الاجتماع الاقتصادي والمالي الذي ترأسه رئيس الجمهورية وجاء بالتزامن مع إنجاز المصالحة لم يكن وليد الصدفة، وإنما عكس الواقع الاقتصادي الذي لم يعد يحتمل التأزيم السياسي.
ولفت الوزير نفسه إلى أن الفريق الذي كان يخطط لتطويق ومحاصرة رئيس الحزب «التقدّمي الاشتراكي» وليد جنبلاط من خلال إصراره على إحالة حادثة قبرشمون إلى المجلس العدلي بادر إلى مراجعة حساباته، واضطر إلى سحب «العقوبات» التي كان يهدده بها جنبلاط في مقابل موافقة الأخير على أن يرعى عون لقاء المصالحة بعدما كان يطالب بأن يرعاه بري.
وأكد أن عون قرر أخيراً أن يتبنّى اقتراح بري رغم أنه كان أول من اعترض عليه، وقال إن قيادة «حزب الله» قررت التعامل بمرونة ليس مع اقتراح رئيس المجلس الذي أيّدته على بياض، وإنما لوقف مطالبتها بإحالة حادثة قبرشمون إلى المجلس العدلي، وهذا ما عبّر عنه الأمين العام للحزب حسن نصر الله بقوله في آخر إطلالة متلفزة له بأنه لا بد من بحث هذه القضية في مجلس الوزراء، من دون أن يأتي على ذكر الإحالة.
كما أن الحديث عن وجود مخطط لاغتيال رئيس «التيار الوطني الحر» الوزير جبران باسيل سرعان ما اختفى من التداول، مع أن رئيس الجمهورية كان أول من طرحه في العلن، وأن الكشف عن هذا المخطط أدى حكماً إلى إحداث تشويش لدى الفريق المناوئ لجنبلاط وتحديداً النائب طلال أرسلان الذي اتهم «التقدّمي» بأنه كان ينصب كميناً لاغتيال الوزير صالح الغريب.
في هذا السياق، قال الوزير نفسه كما يُنقل عنه، إن الفريق الداعم لجنبلاط بقي صامداً، وإن رئيسي البرلمان نبيه بري والحكومة سعد الحريري قالا كلمتهما بصراحة بأن لا مجال لإحالة الحادثة إلى المجلس العدلي، وأن لا جلسة للحكومة في حال أصر البعض على ذلك. ورأى أن صمودهما إضافة إلى الموقف الداعم لكل من حزبي «القوات اللبنانية» و«الكتائب»، شكّل رافعة في مقابل وجود أصوات داخل «تكتل لبنان القوي» برئاسة باسيل لا تحبّذ ما يشاع عن وجود مخطط تارة لاغتيال الغريب وتارة أخرى لاغتيال باسيل.
وتوقف الوزير أمام نفي النائب (من تكتل «لبنان القوي») شامل روكز وجود كمين أو مخطط لاغتيال أحد الوزراء، وكشف عن أن أصدقاء لرئيس الجمهورية ومعظمهم من النواب كانوا أول من نصح بوجوب السيطرة على تداعيات حادثة الجبل والعمل على استيعابها. وسأل الوزير: ماذا ربح أرسلان من المعركة السياسية التي خاضها ضد جنبلاط؟ وقال، لقد جنى حتى الآن ظهوره في الصورة الجامعة للمصالحة في بعبدا مع وعد بأن يُحسب له حساب في التعيينات الإدارية، رغم أن هناك من يتوقع ترحيلها. وأضاف أن حلفاء أرسلان، وتحديداً «التيار الوطني» والفريق الوزاري المحسوب على رئيس الجمهورية، تمكنوا من تثبيته على أنه الندّ لجنبلاط مع اختلاف في ميزان القوى الذي يميل بنسبة عالية لمصلحة الأخير.
ورأى هذا الوزير أن أرسلان سحب من التداول، وفور مشاركته في مصالحة بعبدا، الشروط التي كان وضعها لحضور الوزير الغريب جلسات مجلس الوزراء، وأبرزها إحالة الحادث إلى المجلس العدلي والتصويت عليها في مجلس الوزراء والإعداد لاغتيال الغريب. كما فوجئ أرسلان بمبادرة رئيس الجمهورية إلى الإعلان عن وجود مخطط لاغتيال باسيل، بعد أن وجّه اتهامه إلى الحزب «التقدمي» بالتخطيط لاغتيال الغريب. لذلك؛ فإن حلفاء أرسلان تسببوا له بالإحراج في ظل وجود روايتين حول الإعداد لاغتيال الغريب قبل أن تُسحب ويتم التركيز على استهداف باسيل.
وعليه، فإن عوامل عدة كانت وراء «الانقلاب» في المشهد السياسي فور انعقاد لقاء المصالحة، رغم أن وزير الدفاع إلياس بوصعب الذي شارك في لقاء عون بالوزير الغريب قبل التئام مجلس الوزراء، حاول تهيئة الأجواء إفساحاً في المجال أمام الغريب ليكون له كلمة مختصرة بعد الكلمة التي افتتح بها رئيس الجمهورية الجلسة.
وعلمت «الشرق الأوسط» أن بوصعب سعى إلى جس نبض الوزير أكرم شهيب لعله يحصل على موافقته، لكنه عارض مسعاه بقوة، مؤكداً له بأن الاتفاق الذي أُبرم لتأمين انعقاد الجلسة حصر الكلام بالرئيس. كما أن الحريري بادر إلى التدخّل؛ ما أدى إلى تفويت الفرصة على الغريب ليكون له كلمة بعد عون.
وبالنسبة إلى العوامل والاعتبارات التي كانت وراء تعويم مبادرة بري، علمت «الشرق الأوسط» نقلاً عن مصادر وزارية بارزة، أن هذه العوامل دفعت مناوئي جنبلاط إلى سحب كل اعتراضاتهم بعد صمود بري والحريري وعدم تراجعهما عن موقفهما.
وكشفت المصادر الوزارية، عن أن خصوم جنبلاط أخطأوا في تقدير مدى قدرته على الصمود، وكانوا يراهنون على رضوخه للضغوط التي تستهدفه. وقالت إنهم انطلقوا من تراجع جنبلاط عن إصراره على حصر التمثيل الدرزي في الحكومة بـ«التقدمي» وموافقته على تمثيل أرسلان بالوزير الغريب، وكذلك مبادرته إلى إيداع ملف حادثة الشويفات في عهدة رئيس الجمهورية الذي لم يتمكن من تطويق ذيولها بسبب رفض أرسلان تسليم المتهم بقتل علاء أبو فرج، أي أمين السوقي المتواري عن الأنظار في سوريا.
ولفتت إلى أن خصوم جنبلاط كانوا يراهنون على أن «حزب الله» ماضٍ في معركته إلى جانب أرسلان، لكنهم فوجئوا بأن الحزب الذي لا يخفي انزعاجه من بعض مواقف جنبلاط لن يذهب إلى ما لا نهاية في محاصرته، وقالت إن التطورات الأمنية والسياسية في المنطقة تحضّ الحزب على توفير الحماية لشبكة الأمان التي تحميه وعدم تعريضها إلى خروق من شأنها أن تؤدي إلى تعطيل الحكومة.
وبكلام آخر، فإن خصوم جنبلاط لم يقدّروا تأييد «حزب الله» وعلى بياض لمبادرة بري؛ لأن السير بها - بحسب المصادر الوزارية - يقطع الطريق على إقحام الصراع الداخلي في لعبة التدويل مع صدور البيان الأميركي، وفيه تشديد على عدم تسييس حادثة الجبل وإخضاعها لمراجعة قضائية عادلة وشفافة.
ورأت المصادر نفسها، أن باسيل لم يكن مرتاحاً للقاء المصالحة. وقالت إن تبرير غيابه بارتباطه بمواعيد سابقة، لا يُصرف في مكان لأنه ليس بعيداً عن التحضيرات التي جرت لإنجاز المصالحة، واعتبرت أن التغريدة التي صدرت عنه بتأييده المصالحة ربما كانت ضرورية من باب رفع العتب. وأكدت أن أرسلان تردّد في الموافقة على المصالحة؛ لأنها خلت من الشروط التي كان وضعها، لكنه استجاب لطلب «حزب الله» الذي ألحّ عليه بالحضور.
وعليه، فإن المصالحة أعادت وصل ما انقطع بين عون وأبرز المكوّنات المشاركة في الحكومة، ويمكن أن تسهم في تعويم الحوار الذي لم يعد قائماً؛ لأن هناك ضرورة للتواصل، فمن غير الجائز استمرار القطيعة بين قوى رئيسة وبين رئيس الجمهورية الذي بات في حاجة إلى إحداث صدمة إيجابية تتيح له أن يكون الحَكَم والجامع بين اللبنانيين بصرف النظر عن الوضع الراهن لباسيل الذي هو على خلاف مع قوى رئيسة، ما عدا «حزب الله» الذي تجمعه به «ورقة تفاهم» وحركة «أمل»، وإن كان تواصله مع قيادتها يقتصر على البحث في كل ملف على حدة.
فهل يستفيد الجميع من المصالحة للمضي في توفير كل ما يلزم لتحقيق الانفراج السياسي ولتدارك تصاعد الأزمة الاقتصادية، أم أن المتضرر منها سيضطر إلى التصرف على أنه خسر جولة، ولا بد من أن يستعد للتعويض عن خسارته، خصوصاً أن المصالحة أُرسيت على حسابات الربح والخسارة بعيداً عن تبادل المجاملات، وبالتالي حشر جنبلاط لم يكن في محله فيما أخطأ باسيل في حساباته.



هجمات حوثية دامية على المساكن والأعيان المدنية في تعز

منظر عام لمدينة تعز المحاصرة من قبل الحوثيين (إعلام حكومي)
منظر عام لمدينة تعز المحاصرة من قبل الحوثيين (إعلام حكومي)
TT

هجمات حوثية دامية على المساكن والأعيان المدنية في تعز

منظر عام لمدينة تعز المحاصرة من قبل الحوثيين (إعلام حكومي)
منظر عام لمدينة تعز المحاصرة من قبل الحوثيين (إعلام حكومي)

​وسَّعت الجماعة الحوثية المدعومة من إيران هجماتها على الأحياء السكنية والمنشآت المدنية في محافظة تعز جنوب غربي اليمن، مع احتدام المعارك وسعيها إلى تحقيق تقدم ميداني في محيط المدينة، في تصعيد أسفر عن مقتل 5 مدنيين وإصابة 17، خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، وفق بيانات حقوقية.

وامتدت الهجمات التي استخدمت فيها الجماعة المدعومة من إيران قذائف المدفعية، و«الهاون»، وصواريخ «الكاتيوشا»، وقذائف الدبابات، والطائرات المُسيَّرة، إلى منازل المدنيين ومرافق صحية ودور عبادة ومركبات خاصة، وسط تحذيرات من تفاقم المخاطر التي تهدد السكان؛ خصوصاً الأطفال والنساء وكبار السن.

وأفادت تقارير حقوقية يمنية بأن القصف أوقع إصابات في أحياء مدينة تعز، وألحق أضراراً بسبعة منازل سكنية، بينما سقط قتلى وجرحى في القرى الواقعة في ريف المحافظة. وأوضحت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أنها وثَّقت 43 جريمة وانتهاكاً خلال يوم واحد، شملت سقوط الضحايا وتضرر الممتلكات والمنشآت المدنية.

آثار قذيفة حوثية استهدفت أحد المنازل في مدينة تعز (فيسبوك)

وحسب مكتب حقوق الإنسان في محافظة تعز، أصيب 17 مدنياً، بينهم 6 من كبار السن و5 نساء و6 أطفال، جرَّاء القصف الذي استهدف أحياء سكنية داخل المدينة. وفي الريف، قُتل 5 مواطنين وأُصيب آخرون، في وقت تزداد فيه المخاوف من اتساع دائرة الاستهداف، لتشمل مزيداً من المناطق المأهولة بالسكان.

ومن بين الضحايا الطفلة أحلام عبد السلام، البالغة 5 سنوات، التي قُتلت داخل منزل أسرتها في منطقة حيصبان بمديرية المسراخ؛ إثر قصف استهدف المنطقة. وأعاد مقتل الطفلة تسليط الضوء على المخاطر التي يواجهها الأطفال في المناطق التي تشهد مواجهات أو تتعرض للقصف.

وفي حادثة منفصلة، أصيب 5 مدنيين، بينهم 3 أطفال، بشظايا قذائف استهدفت أحياء سكنية في مدينة تعز. وأفادت مصادر طبية بأن 4 من المصابين ينتمون إلى أسرة واحدة، وأصيبوا في منطقة الظهرة، بينما أصيبت امرأة في الثلاثين من عمرها جرَّاء قصف طال منطقة بئر باشا.

وشملت قائمة المصابين أطفالاً تتراوح أعمارهم بين 4 سنوات و12 سنة، وفق البيانات الطبية المنشورة، ما يعكس الأثر المباشر للقصف على الأسر التي تعيش في الأحياء المستهدفة.

مستشفى تحت القصف

وفي تطور زاد المخاوف بشأن سلامة المرافق الصحية، تعرض مستشفى الصفوة الواقع وسط مدينة تعز لقصف مباشر، فجر الثلاثاء، ما أدى إلى إصابة مدني وإلحاق أضرار مادية بأقسام المستشفى ونوافذ غرف المرضى.

وقالت مصادر محلية إن الاستهداف وقع عقب قصف أحياء سكنية وسقوط ضحايا مدنيين، بينما كان المسعفون يتجمعون لنقل الجرحى وإسعافهم. وأدى تناثر الزجاج داخل غرف المرضى إلى إثارة الخوف والهلع بينهم وبين أفراد الطاقم الطبي.

عنصر حوثي في محيط مدينة تعز يطلق النار باتجاه مواقع القوات الحكومية (إ.ب.أ)

ولم تقتصر الأضرار التي وثَّقتها الشبكة اليمنية للحقوق والحريات على المستشفى؛ إذ شملت أيضاً جامع «السعيد»، إلى جانب 7 منازل سكنية و12 مركبة خاصة. وأشارت الشبكة إلى أن هذه الهجمات تهدد سلامة المدنيين، وتعرِّض قدرتهم على الوصول إلى الخدمات الصحية للخطر، في محافظة تعاني أصلاً من أوضاع إنسانية صعبة.

ويكفل القانون الدولي الإنساني حماية المنشآت الطبية والعاملين فيها أثناء النزاعات المسلحة، كما يفرض على أطراف القتال التمييز بين المدنيين والمقاتلين والأعيان المدنية والأهداف العسكرية، واتخاذ الاحتياطات اللازمة لتجنب إلحاق الأذى بالسكان.

تحذيرات من أزمة إنسانية

وقالت الشبكة الحقوقية إن الجماعة الحوثية أطلقت أكثر من 180 مقذوفاً على الأحياء السكنية في مديريات المحافظة، خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، مستخدمة أنواعاً متعددة من الأسلحة، إلى جانب الطائرات المُسيَّرة. وربطت الشبكة تصاعد الانتهاكات بتفاقم المخاوف على حياة السكان وممتلكاتهم، في ظل استمرار القصف والقيود المفروضة على حركة المدنيين ووصول الإمدادات.

وحذَّرت من أن شح السلع الأساسية والارتفاع الحاد في أسعار الغذاء والمياه والوقود والأدوية يزيد من معاناة الأُسَر، ولا سيما الأطفال والمرضى وكبار السن، داعية المجتمع الدولي والأمم المتحدة إلى التحرك لوقف استهداف المناطق المدنية، وحماية المنشآت الصحية ودور العبادة.

صورة من المدخل الغربي المتجه إلى مدينة تعز (إعلام محلي)

كما طالبت بضمان وصول المساعدات الإنسانية والإمدادات الأساسية بصورة آمنة ومنتظمة، ورفع القيود المفروضة على حركة السكان، واتخاذ خطوات لحماية الأطفال من التجنيد، وتأمين الرعاية والتأهيل اللازمين للأطفال المتضررين.

وتأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه تعز ضغوطاً عسكرية وإنسانية متزامنة؛ إذ لا يقتصر أثر المواجهات على خطوط القتال؛ بل يمتد إلى الأحياء السكنية والمرافق التي يعتمد عليها السكان في الحصول على العلاج والخدمات الأساسية.

ومع استمرار القصف، تزداد المخاوف من أن تتحول المدينة وأريافها إلى ساحة يدفع المدنيون فيها الثمن الأكبر.


مطامع التكسب من الإمدادات العسكرية تشعل خلافات حوثية

عنصر حوثي يردد الصرخة الخمينية خلال حشد في صنعاء دعا له زعيم الجماعة (إ.ب.أ)
عنصر حوثي يردد الصرخة الخمينية خلال حشد في صنعاء دعا له زعيم الجماعة (إ.ب.أ)
TT

مطامع التكسب من الإمدادات العسكرية تشعل خلافات حوثية

عنصر حوثي يردد الصرخة الخمينية خلال حشد في صنعاء دعا له زعيم الجماعة (إ.ب.أ)
عنصر حوثي يردد الصرخة الخمينية خلال حشد في صنعاء دعا له زعيم الجماعة (إ.ب.أ)

تجاوزت الخلافات داخل أجنحة الجماعة الحوثية تبادل الاتهامات بالفساد والاستيلاء على الأموال والإمدادات العسكرية، إلى الإقالات والاعتقالات والمواجهات المسلحة، وسط تصاعد الصراع على الموارد ومراكز النفوذ، وفق مصادر مطلعة تحدثت إلى «الشرق الأوسط».

وتزامنت هذه التطورات خلال الأسبوعين الأخيرين مع استمرار التصعيد العسكري للجماعة في تعز ومأرب والجوف والساحل الغربي، وازدياد الضغوط على مواردها المالية واللوجستية، في وقت تتصاعد فيه الاتهامات لقيادات ومشرفين بتحويل إمدادات مخصصة للمقاتلين إلى تجارة خاصة واستثمارات شخصية.

وتتركز الخلافات -حسب المصادر- بين قيادات محسوبة على جناح صعدة المقرب من زعيم الجماعة، وأجنحة أخرى تتمركز في صنعاء وعمران وذمار، في صراع يتجاوز إدارة الإمدادات إلى التنافس على عائدات الجبايات والمشتقات النفطية والمواد الغذائية والمحاصيل الزراعية والثروة الحيوانية التي تستولي عليها الجماعة، من السكان والتجار والمزارعين، تحت ذريعة تمويل المجهود الحربي.

سكان ريف صنعاء أُجبروا على تقديم التبرعات العينية للحوثيين (إكس)

وأفادت مصادر مطلعة في صنعاء بأن قيادات محسوبة على جناح صعدة أصدرت، منتصف الأسبوع الماضي، أوامر بإعفاء عدد من العناصر والمشرفين الميدانيين المسؤولين عن إدارة الإمدادات وتوزيعها على المقاتلين، بالتزامن مع توجيهات للأجهزة الأمنية باعتقال آخرين على خلفية اتهامات بالتلاعب بالمخصصات العسكرية وتسخيرها لمصالح شخصية.

وأوضح المصدر أن الاتهامات تتعلق، على وجه الخصوص، بتحويل كميات من الديزل والبنزين المخصصة للآليات العسكرية إلى التجارة الخاصة، وبيعها في السوق السوداء لتحقيق أرباح لصالح قيادات ومشرفين، بدعم من أطراف حوثية في صنعاء وعمران وذمار.

ولم تتوقف تداعيات الإجراءات عند الإقالات والاعتقالات؛ إذ امتدت إلى مواجهات مسلحة في مدينة إب، وسط اليمن؛ حيث اندلعت اشتباكات بين مشرفين حوثيين ومرافقيهم المنتمين إلى محافظة عمران، وقيادات أمنية تابعة للجماعة، عقب رفض المشرفين الاستجابة لأوامر الاعتقال، وفق المعلومات التي أوردتها المصادر.

الحوثيون أرغموا مزارعين وسكاناً على التبرع للمجهود الحربي (إكس)

وحسب المصادر، جاءت أوامر الإعفاء والاعتقال عقب تلقي قيادات حوثية تقارير ميدانية تحدثت عن أزمة لوجستية وتعثر متكرر في إيصال التعزيزات والإمدادات إلى المقاتلين في عدد من الجبهات. وأدى ذلك -وفق المعلومات- إلى تصاعد الشكوك بشأن وجود تقصير متعمد واستئثار بعض القيادات بالموارد المخصصة للعمليات العسكرية.

موارد تحت الصراع

تكشف هذه التطورات -حسب المصادر- عن فجوة بين حملات التعبئة التي تنفذها الجماعة لحشد مزيد من المقاتلين، والاتهامات الموجهة إلى بعض قياداتها بالاستيلاء على الموارد التي تجمعها من السكان والتجار والمزارعين تحت ذريعة تمويل الحرب.

وتشمل هذه الموارد المشتقات النفطية والمواد الغذائية والمحاصيل الزراعية والمواشي، في وقت يتنافس فيه المتنفذون داخل الجماعة على مصادر الدخل ومجالات السيطرة الاقتصادية في مناطق تخضع لسلطتها.

وتتزامن الانقسامات مع ضغوط مالية متزايدة تواجهها الجماعة، وسط تقارير عن انحسار بعض قنوات التمويل، وتشديد القيود على حركة الأموال، فضلاً عن الضربات الجوية التي استهدفت مخازن أسلحة، واعتراض شحنات تهريب بحرية، والقيود الدولية المفروضة على التحويلات المالية الخارجية.

الحوثيون يواصلون فرض تبرعات نقدية لدعم جبهاتهم (فيسبوك)

ويرى متابعون أن تقلص الموارد المتاحة يفاقم التنافس بين مراكز النفوذ الحوثية على عائدات الجبايات والضرائب والممتلكات المصادرة، ويزيد من احتمالات تحول الخلافات الإدارية والمالية إلى صدامات بين القيادات والمشرفين الذين يتقاسمون النفوذ والموارد.

وامتدت الخلافات -وفق المصادر- إلى التشكيك في نزاهة قيادات ومشرفين، واتهامهم باستغلال مواقعهم لتحقيق مكاسب شخصية على حساب احتياجات المقاتلين. كما تحدثت المصادر عن انشقاق عدد من القادة والمسؤولين على خلفية الصراعات الداخلية، من دون توفُّر تفاصيل مستقلة بشأن أعدادهم أو مواقعهم.


رسائل حب ومساندة مصرية للسعودية تحظى بتفاعل واسع

العَلم السعودي في شوارع القاهرة خلال الاحتفال باليوم الوطني للمملكة الشهر الماضي (الشرق الأوسط)
العَلم السعودي في شوارع القاهرة خلال الاحتفال باليوم الوطني للمملكة الشهر الماضي (الشرق الأوسط)
TT

رسائل حب ومساندة مصرية للسعودية تحظى بتفاعل واسع

العَلم السعودي في شوارع القاهرة خلال الاحتفال باليوم الوطني للمملكة الشهر الماضي (الشرق الأوسط)
العَلم السعودي في شوارع القاهرة خلال الاحتفال باليوم الوطني للمملكة الشهر الماضي (الشرق الأوسط)

في مشهد يعكس عمق العلاقات الشعبية بين مصر والمملكة العربية السعودية، شهدت منصات التواصل الاجتماعي في مصر خلال الأيام الماضية موجة من الرسائل والتعليقات على خلفية الاعتداءات الحوثية الأخيرة على المطارات السعودية، عبّر خلالها مصريون عن تضامنهم الكامل مع المملكة، ودعمهم لها قيادةً وشعباً وجيشاً وحكومة، مؤكدين متانة الروابط التاريخية التي تجمع البلدين.

جاء هذا التفاعل متوافقاً مع الموقف الرسمي المصري المعلَن تجاه المملكة، حيث نشر مستخدمون آلاف التدوينات وصوراً تجمع قادة البلدين، عبر عدة «هاشتاغات» داعمة للمملكة على مختلف المنصات، حظيت بتفاعل واسع، جاء أبرزها: «#كلنا_مع_السعودية»، «#مصر_والسعودية_ايد_واحدة»، #لن_ترونا_إلا_معا»، «#مصر_السعودية_أشقاء».

وتركَّز الجانب الأكبر من التعليقات المصرية على إبداء التأييد والتضامن مع المملكة فيما تواجهه من هجمات استهدفت بنيتها التحتية ومواطنيها، مع إدانة للممارسات الحوثية وتصنيفها أعمالاً إرهابية وجرائم تخالف الأعراف الإنسانية والدينية، مع إعلان الدعم الكامل للمملكة في إجراءاتها للدفاع عن نفسها.

كما أبرزت تعليقات أخرى المكانة الوجدانية للمملكة لدى الشعب المصري، مستخدمين لغة صادقة تعكس الشعور بالألم المشترك والمساندة النفسية في أوقات الأزمات، مؤكدين أن ما يجمع البلدين «علاقة دم ومصير واحد وليس تحالفاً مؤقتاً».

وأكد قطاع واسع من رواد المنصات أن العلاقات الثنائية تستند إلى عمق تاريخي وجغرافي لا يتأثر بمحاولات الوقيعة الرقمية بين البلدين، مشددين على أنها «علاقة أقوى من تأثير الذباب الإلكتروني».

كما استعاد مغردون مواقف تاريخية متبادلة بين البلدين في أوقات الأزمات والتحديات، مؤكدين أن التضامن المتبادل يظل إحدى أبرز سمات هذه العلاقة، مستحضرين محطات طويلة من التعاون والتنسيق بين القاهرة والرياض.

وركز آخرون على أن استقرار المملكة مسؤولية تهم كل عربي ومسلم، كونها أرض الحرمين الشريفين، لافتين إلى أن السعودية وطن ثانٍ للمصريين، وتجمع الشعبين روابط اجتماعية وإنسانية وثقافية متجذرة عبر عقود.

الرئيس عبد الفتاح السيسي يستقبل الأمير محمد بن سلمان في القاهرة الشهر الماضي (الرئاسة المصرية)

بينما جاءت أبرز رسائل المحبة والمساندة المصرية للسعودية مع نشر السفارة السعودية بالقاهرة بياناً لمواطنيها بشأن مساعدة المتضررين منهم من إلغاء الرحلات الجوية مع اضطراب حركة الطيران في السعودية، حيث دعت السفارة المواطنين السعوديين الذين تأثرت رحلاتهم الجوية أو تعذر وصولهم إلى وجهاتهم بسبب الإلغاء أو التأخير، إلى التواصل معها لطلب المساعدة، وهو ما أثار ردود فعل واسعة من المصريين.

وأظهرت التفاعلات رفض الشارع المصري التعامل مع المواطن السعودي على أنه «غريب»، مع إطلاق دعوات ترحيب بمن يوجدون على الأراضي المصرية، لافتين إلى أن «بيوتنا مفتوحة... والدار داركم».

وأشار مغردون على مواقع التواصل الاجتماعي إلى أن للمملكة محبّة راسخة في قلوب المصريين، مؤكدين أن «السعودي في مصر بين أهله».

وأشار الإعلامي والبرلماني مصطفى بكري، في تغريدة على «إكس»، إلى تلقيّ سفير خادم الحرمين الشريفين بالقاهرة، صالح بن عيد الحصيني، عقب نشر بيان السفارة، اتصالات وبرقيات عديدة من المصريين يعلنون فيها التضامن مع أشقائهم في المملكة في مواجهة العدوان الحوثي ضد المدنيين.

في المقابل، تفاعل مدونون سعوديون مع تلك الدعوات والتعليقات المصرية، لافتين إلى عدم شكهم في حب المصريين للسعودية وأهلها، بينما أكد آخرون المحبة والأخوّة بين الشعبين.

كما تفاعل الأمير عبد الرحمن بن مساعد، على تعليقات المصريين على بيان السفارة، معلقاً عبر حسابه الرسمي في منصة «إكس»: «ردود المصريين على ما نشرته السفارة السعودية في القاهرة تثلج الصدر، أُشهد الله على حبك يا مصر وحب أهلك».