محاولة نضالية أدبية لـ«تحرير القراءة» واستعادة الممارسة النقدية

عبد الدائم السلامي يفكك «كنائس النقد»

عبد الدائم السلامي
عبد الدائم السلامي
TT

محاولة نضالية أدبية لـ«تحرير القراءة» واستعادة الممارسة النقدية

عبد الدائم السلامي
عبد الدائم السلامي

يفتتح الناقد عبد الدائم السلامي كتابه (كنائس النقد) بعبارة ترغيبية شهية «هذا الكتاب يدعوكم إلى منطقة نواياه... ولكل كتاب ما نوى». في إشارة صريحة إلى المنزع اللاحيادي لمغزى الكتابة. وهو مقصد يتأكد من خلال العتبة العنوانية للكتاب المحتقنة بالدلالات الأصولية القابلة للكسر. حيث النية المبيتة لتهشيم طمأنينة «حُسن نوايا الواقع». وتبديد الحاسّة الكلْبيِّة، حسب تعبيره، التي تجيد بها الأنظمة «شمّ مضمرات المكتوب ونواياه، وتعرف جيداً مدى تأثير النص في المتلقي، فلا تتعاطى معه إلا بارتياب وحذر شديدين خشية مما قد تمثله الكتابة من خطورة في توجيهها الرأي العام صوب ما لا ترتضيه هي من وجهات».
إنه كتاب نضالي بالمعنى والمغزى الأدبي، يحاول فيه الناقد «تحرير القراءة» واستعادة الممارسة النقدية كخطاب إبداعي، انطلاقاً من مساءلة الناقد العربي عن أسباب عجزه في مهمة صناعة المعنى، ودفعه للتخلي عن رحلته العبثية للبحث عن المعنى الغيري، ليتمكن من صناعة معناه الذاتي «ليمحو المسافة الجافة بينه وبين قارئه». بمعنى تفكيك الأصولية النقدية العربية، من خلال فحص أعراض «هنات الفعل النقدي الراهن، ضمن مقالات يحاول فيها الإحاطة بأظهر وجوه اضطرابه من حيث صلته بالمقروء وصلته بالقارئ وصلته بالمناهج وصلته بالواقع». وهو ما يعني، بمفهومه «تمثّل أرضية للكتابة النقدية لأن تتكون أدبياً، أي أن أتجاوز مفهوم الشعرية السائد وأدفع الكتابة النقدية إلى حدها الأقصى: إلى الأدبية».
في الفصل الأول يتساءل عن إمكانية وجود «شخصية ثقافية للنص الأدبي تمثل بالنسبة إلى النصوص هويتها التي تميزها عن بعضها بعضاً داخل جغرافيات الثقافة الإنسانية؟»، مع التأكيد على صفاء تواصل القارئ مع النص. وهو هنا يستدعي جدليات تجنيس النص واستنسابه إلى سلالات الشعر أو المسرح أو السرد وغيرها من الأجناس والألوان. وكذلك تصنيفات الانتماء الجغرافي التي تنحاز بالنص إلى الفضاء العربي أو الغربي أو الأفريقي، ليقوضها على حافة الإنساني العابر للقارات. ليحتكم في نهاية المطاف إلى «المكانيات» كمعادل للهوية الذوقية. حيث يمثل بحكايات (ألف ليلة وليلة) التي تتحقق مقروئية معانيها ضمن سياق كتابتها وتاريخ جغرافيتها. بالنظر إلى أن انتماء أي نص إلى جنس أدبي لا يعادل قيمة انتمائه إلى الثقافة، مهما استوفى من شروط التجنيس.
على هذا الأساس يجادل مفهوم الأدبية، بما هي «أرقى مراقي الكتابة الإبداعية»، وذلك في فصل «الحدث القرائي»، حيث يستخلص القيمة التفاعلية المتخلقة في ثلاثة أنواع من النصوص «نص الواقع، ونص الكاتب، ونص القارئ-الناقد». وفي هذه المعادلة يشكل الواقع قاعدة الهرم، فيما يتربع القارئ على قمته، ويتوسطهما نص الكاتب. وذلك ضمن حركة ذهابية وإيابية من القاعدة إلى القمة والعكس «من الخام إلى المصنع، ومن التفصيل إلى التكثيف، ومن الكثرة إلى القلة، ومن العادي إلى الممتع، ومن الشخصي إلى الإنساني، ومن الساذج إلى القيمي». ومن ذلك المنطلق بالتحديد صار ينظر إلى النص الأدبي بوصفه كياناً واحداً، من دون فصل ما بين الشكل والمحتوى، كما قرر التحرر من مفردة «النقد» بما تختزنه من معاني الفرز والتقويم والتجريح، مؤثراً استخدام مفردة «قراءة» كمعادل لفعل المساءلة، المولدة بالضرورة لمنتج ثانٍ للنص.
النقد الجديد - بتصوره - «هو ذاك الذي يتخلى بجرأة عن مفهوم النقد، ويتمرد على سلطة الناقد المزعومة، ويكتب نصوصه المبدعة بنصوصنا الإبداعية»، بمعنى ابتكار قراءة نصية مجاورة، لا تتقصد البحث عما هو مشين وسيئ في النص. ولا إطرائه أيضاً. وهذا يرتد إلى نص الواقع، النص الهلامي الخام اللامكتمل، محاولاً القبض عليه وهو في حالة السهو وتأمل رحلته من «حال الإمكان إلى التحقّق»، ومتسائلاً عن أدبية نص الواقع التي تتشكل بدورها على إيقاع «الفكر المبدع الذي يقرأ نص الواقع ليكتب به نصاً موازياً يخلق فيه واقعاً متخيّلاً مرغّباً للناس في تمثله وهم يصنعون حياتهم».
أما الكاتب ذاته، فهو مفردة - برأيه - من مفردات نص الواقع «له سردية قد تكون متفقة مع سرديات غيره من المفردات داخل ذاك النص، أو تكون مختلفة معها في شيء، أو ربما مضادة لها». وهذا يعني أنه - أي الكاتب - هو المعني بالبحث وانتهاك السكونية، والالتزام بلحظته ومجموعته الاجتماعية، فهو لا يكتب نصه لذاته، أو لأي غرض استعمالي «إنما يكتبه بجهد عقلي عالٍ وفي ذهنه قارئ يردد حيرته بحثاً عن نافذة يجدد من خلالها رؤيته الواقع رغبة في تطويره». بمعنى أن نصه بمثابة الحامل الفني لمنظومة من القيم، التي تنأى عن التعليم والوعظ والتلقين وادعاء احتكار المعرفة بالواقع. فهو نص تأديب دنيوي لا نص تأديب أخروي. وبالتالي فإن «نص الكاتب أكثر غنى دلالياً من نص الواقع، ؟ أو هكذا يجب أن يكون». ومهما أوتي من طاقة خيالية فإنه لا يتخيل إلا عبر واقعه. على اعتبار أن «الواقع هو باب الخيال المغلق الذي ينتظر ملكة إبداعية تفتحه لتبعث فيه الحياة وتمنع عبثيتها».
وإذ لا حياة لكتاب من دون قارئ يستنتج في نص القارئ أن «أخطر سجن في الدنيا هو كتاب مغلق». وهو هنا لا يعني بالقراءة حالة التلقي الاعتيادية الاستعمالية، بل القراءة المجادلة. فالإنسان، حسب تصوره لم يخلق ليكتب بل ليقرأ «فأن نقرأ رواية أو قصيدة أو قصة أو أغنية يعني أن نمنح أنفسنا هدنة مع الحزن وهدنة مع حماقة ما نعيش، وهدنة مع الموت، لأن القراءة تحيي الموتى، موتى المألوف وسلطة السائد، إنها تسْكت الوحش الإنساني الذي يعوي داخلنا عواء الفتك والانتقام، فالإنسان وحش لاحم لولا القراءة». وعلى هذا المعنى تنبني القراءة بالنسبة له على الشك، ليس بمعنى فقدان الثقة بالكاتب وتبييت سوء النية، إنما بالانتباه إلى «مكر النص بوصفه مخلوقاً مراوغاً ولعوباً: يميل إلى قول ما نشاء له أن يقول الصمت عما عليه أن يقول». الأمر الذي يحتم الانحراف عن كراس الشروط النقدية. أي قراءة كليات النص، خصوصاً بالنسبة للنقاد العاجزين «الذين لا يحولون قراءاتهم النصوص الإبداعية إلى نصوص إبداعية جديدة. نصوص ممتعة بعباراتها ومقنعة بمضمون إشاراتها، وهو ما يشي بكونهم عاجزين عن فعل القراءة الأدبية». جدارة نص الكاتب بالقراءة تعتمد على كونه حيّاً، أي «أن يكسر عمود جنسه أو نوعه» ولذلك يشترط وجود حكاية قوية وبليغة في كل نص، حكاية عن الحرب أو الحب أو الفشل أو الموت وهكذا، فالحكاية هي «لذة كل شيء ومنتهاه، هي فعل احتفالي، فعل ضدي للوحدة، ودعوة إلى التيه المؤقت في أحد ما أو في شيء ما». أما اللغو فلا يصنع مجد الكتابة الأدبية. على هذا الأساس يطالب بالكف عن ترديد مفردات: الشعرية، والتطريس، والعتبات، والتبئير، وغيرها من عتاد المعرفة العالمة التي كان يتمترس بها الناقد. كما يطالب بإعادة النظر في جدوى النظريات الوافدة، والمقولات التي تشكل سلطة مكبلة للقراءات الأدبية. لنتمكن بالفعل من الاستماع إلى ما تقوله النصوص، لا إلى ما يتأوله النقاد. وهذا هو واجبنا كقراء ونقاد إزاء النصوص الأدبية.
ومن ذلك المنطلق التقعيدي للقراءة الأدبية يستدعي ثلاثة نماذج روائية ليؤكد على مرئياته بشأن استغراق الكاتب في نمط كتابي وفق خطاطة فنية واحدة. بن سالم حميش الذي يكتب عدداً من رواياته ليعالج أسباب ضعف ديار الإسلام اتكاءً على شخصية تاريخية تصادف حتماً ظهور امرأة تملأ فراغات التاريخ. وواسيني الأعرج الذي تتشكل معظم رواياته حول امرأة مغرمة بالفن تحب مثقفاً أكاديمياً بالضرورة ويعيش في المنفى. أما روايات جمال الغيطاني فهي تقريباً تدور في ذات المدار الذي تتحرك فيه روايات بن سالم حميش، حيث الجدل حول مفهوم السلطة وعلاقة الحاكم بالمحكوم. وبذلك تتأكد فكرة أن «نصوصنا الروائية الحديثة لا تزيد عن كونها نغمات للحن سردي واحد».
يزداد الغباء النقدي كثرة حينما يكون الناقد ممتلئاً بالثوابت واليقينيات، ولن يفلح ناقد في نقده، كما يقول «إلا متى أثبت إبداعية نصه النقدي قبل أن ينتدب نفسه حكماً لإثبات إبداعية نصوص الآخرين». وهذا هو بالتحديد ما دعاه في فصل «الوصاية النقدية» إلى خلع الشرعية عن الممارسة النقدية العربية المعاصرة، فهو نقد مدرسي، اجتراري، متعالم، نمطي. لدرجة أنه صار شكلاً من أشكال الاعتراف الكنسي، حيث يجلس النص قبالة الناقد «ليعترف بذنوبه الفنية والدلالية أملاً منه في التطهر منها». في الوقت الذي تبدو فيه أغلب الكتابات النقدية وكأنها «تمثل عينات تشخيصية لأمراض النقاد النفسية والثقافية والاجتماعية، وذلك من جهة ما تكتظ به من نوايا قرائية مسقطة على النصوص سواء أكانت تروم مدحها أم ذمّها». وعليه فإن النقد «مدعوّ إلى محاورة مدونته الأدبية والانفتاح على جميع المناهج وجميع الفنون والعلوم انفتاحاً حُرّا لا يخالطه الرضوخ لإكراه تعاليمها». وهذا هو ما سيحقق للنقد أهلية الحضور كإنتاج إبداعي.
- ناقد سعودي



أطعمة تقوّي العظام وتقلّل الكسور

البرقوق المجفف من الأطعمة الداعمة لصحة العظام (جامعة هارفارد)
البرقوق المجفف من الأطعمة الداعمة لصحة العظام (جامعة هارفارد)
TT

أطعمة تقوّي العظام وتقلّل الكسور

البرقوق المجفف من الأطعمة الداعمة لصحة العظام (جامعة هارفارد)
البرقوق المجفف من الأطعمة الداعمة لصحة العظام (جامعة هارفارد)

تُعد صحة العظام من أهم ركائز الصحة العامة، خصوصاً مع التقدم في العمر، حيث يزداد خطر ضعف العظام والإصابة بالكسور. ورغم أن منتجات الألبان تُعرف بأنها المصدر الأساسي للكالسيوم، فإن هناك مجموعة من الأطعمة الأخرى غير المتوقعة التي يمكن أن تلعب دوراً مهماً في تقوية العظام والحفاظ على كثافتها والحد من خطر الكسور، وذلك حسب موقع كلية الطب بجامعة هارفارد الأميركية.

وتوضح الدكتورة ماليكا مارشال، اختصاصية التغذية الأميركية، أن تنويع النظام الغذائي لا يهدف فقط إلى المتعة، بل يمكن أن يشمل أطعمة ذات فوائد صحية واضحة، خصوصاً فيما يتعلق بصحة العظام. ومن بين هذه الأطعمة البرقوق المجفف، الذي يُستخدم عادة لتحسين الهضم، إلا أن الأبحاث تشير إلى دوره المحتمل في دعم العظام أيضاً.

فقد أظهرت نتائج أبحاث أن تناول 5 إلى 6 حبات من البرقوق يومياً لدى النساء بعد انقطاع الطمث يساعد في الحفاظ على كثافة المعادن في عظام الورك، مما قد يساهم في تقليل خطر الكسور. كما يُعتقد أن البرقوق يساعد في خفض المواد الالتهابية المرتبطة بتآكل العظام، وهو أمر مهم بشكل خاص بعد انقطاع الطمث، حيث تفقد النساء كثافة العظام بشكل أسرع نتيجة انخفاض هرمون الإستروجين الذي يلعب دوراً في حمايتها، مما يزيد من خطر الإصابة بمرض يجعل العظام ضعيفة وهشة.

وبالإضافة إلى فوائده المحتملة في الوقاية من هشاشة العظام، يحتوي البرقوق على مجموعة من العناصر الغذائية المفيدة للصحة العامة، إلى جانب وجود أطعمة أخرى غير متوقعة تقدم فوائد مماثلة للعظام. وتعتمد أغلب الأطعمة المفيدة للعظام على عنصر الكالسيوم، وهو المكوّن الأساسي للعظام، ويعمل بشكل أفضل عند اقترانه بفيتامين «د» الذي يساعد الجسم على امتصاصه.

ومن المصادر المعروفة للكالسيوم، منتجات الألبان مثل الحليب والزبادي والجبن، إضافة إلى الخضراوات الورقية الداكنة مثل الكرنب واللفت والسلق والبروكلي، كما تُدعّم بعض حبوب الإفطار والعصائر بالكالسيوم. وتشير مارشال إلى أنه من الطبيعي أن تمر العظام بعملية مستمرة من البناء والهدم تُعرف بإعادة التشكيل، حيث تطلق العظام الكالسيوم إلى الدم للقيام بوظائف حيوية مثل تخثر الدم وانقباض العضلات، بينما يتم تعويض هذا الفاقد من خلال الغذاء.

وتبلغ كثافة العظام ذروتها لدى النساء في سن الثلاثين تقريباً، ثم تستقر لفترة قبل أن تبدأ بالانخفاض بعد انقطاع الطمث، حين يصبح فقدان العظام أسرع من قدرة الجسم على تعويضه. وتشمل المصادر المعروفة للكالسيوم منتجات الألبان مثل الحليب والزبادي والجبن، إضافة إلى الخضراوات الورقية الداكنة مثل الكرنب واللفت والسلق والبروكلي، إلى جانب بعض حبوب الإفطار والعصائر المدعمة بالكالسيوم.

لكن إلى جانب هذه المصادر التقليدية، توجد أطعمة أخرى قد لا يعرفها الكثيرون رغم غناها بالكالسيوم ودورها في دعم صحة العظام. ومن بين هذه الأطعمة التين المجفف؛ إذ تحتوي حبتان منه على نحو 65 ملغ من الكالسيوم، ويمكن تناوله بإضافته إلى الشوفان أو العصائر أو حتى مع الجبن كوجبة خفيفة.

كما يُعد السلمون المعلب خياراً غذائياً مهماً؛ إذ تحتوي الحصة الواحدة (نحو 3 أونصات) على نحو 180 ملغ من الكالسيوم، ويعود ذلك إلى احتوائه على عظام صغيرة صالحة للأكل تزيد من قيمته الغذائية. وفي السياق نفسه، يُعتبر الحليب النباتي مثل حليب اللوز أو الصويا أو الأرز من البدائل الشائعة، وغالباً ما يكون مدعّماً بالكالسيوم ليصل إلى مستويات قريبة من الحليب الحيواني، مما يجعله مناسباً لمن لا يستهلكون منتجات الألبان.

أما التوفو، فهو من المصادر الغنية بالكالسيوم، ويوفر ما يصل إلى 430 ملغ في الحصة الواحدة، خصوصاً الأنواع المدعّمة، كما يُعتبر اللوز وزبدة اللوز من الخيارات المفيدة لصحة العظام؛ إذ يمدان الجسم بالكالسيوم إلى جانب فوائد إضافية لصحة القلب.

وتُعد الفاصوليا البيضاء المعلبة أيضاً مصدراً جيداً للكالسيوم، حيث تحتوي على نحو 190 ملغ لكل كوب، إضافة إلى كونها غنية بالبروتين، مما يجعلها خياراً غذائياً متكاملاً يدعم صحة العظام والجسم معاً.


«بيت بيروت» في الحرب: لقاء النزوح بذاكرة المدينة

رسومات صغيرة... بعيدة عن الحرب (بيت بيروت)
رسومات صغيرة... بعيدة عن الحرب (بيت بيروت)
TT

«بيت بيروت» في الحرب: لقاء النزوح بذاكرة المدينة

رسومات صغيرة... بعيدة عن الحرب (بيت بيروت)
رسومات صغيرة... بعيدة عن الحرب (بيت بيروت)

تفتح مبادرة «احكيلي» أبواب «بيت بيروت»، فتمنح هذا المبنى المُثقل بالذاكرة وظيفةً تبدو اليوم ألصَقَ بالحياة اليومية للناس، وأوسَعَ حاجةً إليها في مدينة تضيق فيها المساحات العامة المشتركة. هكذا يعود المكان عند «تقاطع السوديكو» إلى الناس، وهو المتحف أو المَعْلم الشاهد على الحرب الأهلية اللبنانية، ليُشكّل مساحة يمكن أن يلتقي فيها المقيمون والنازحون، والأطفال والأمهات، ويجدوا شيئاً من الانفتاح والطمأنينة وسط القلق.

مكان يترك للناس أن يجلسوا... ويكونوا (بيت بيروت)

تقول منسِّقة مبادرة «احكيلي»، نور نصر، لـ«الشرق الأوسط» إنّ التمسّك بالأماكن التي تجمع الناس بات ضرورة، «خصوصاً حين تصبح المدينة أقلّ قدرةً على توفير فضاءات عامة تحتضن أهلها». ومن هنا يكتسب فتح «بيت بيروت» للترفيه عن النازحين معناه الأبعد من قرار تنظيمي أو ثقافي. تصفه نصر بأنه «طريقة لنكون حاضرين من أجل المجتمع، خصوصاً من أجل الذين يعيشون في الأحياء المحيطة ومراكز الإيواء القريبة، عبر توفير مساحة يمكن للناس أن يُمضوا فيها وقتاً ويشعروا بالانفتاح والتواصل».

يحمل المبنى عبئاً رمزياً لا يمكن فصله عن تاريخه... يقف على تماسّ مع ذاكرة الانقسام؛ إذ كان يوماً على «خطّ التماس»، وصار لسنوات طويلة تجسيداً مكانياً للفصل بين الناس. استعادته إلى المجال العام، بعد عقود من النضال والعمل على استرداده، منحته معنى آخر. توضح نصر أنّ فتح أبوابه في هذا التوقيت «لفتة مقصودة، فنستعيد هذا الحيّز للعموم ونحافظ عليه مكاناً يستطيع الناس أن يجتمعوا فيه، حتى عندما يبدو كلّ ما حولهم غير مؤكّد».

برنامج يومي يفتح مساحات صغيرة للحياة (بيت بيروت)

العودة لم تأتِ على هيئة برنامج موضوع سلفاً، ولم تُبنَ انطلاقاً من تصوّر جامد لِما يحتاج إليه الأطفال والشباب في الحرب والنزوح. أُقفلت الأبواب أمام الجمهور خلال الأسبوعين الأولين من اشتعال الحرب؛ إنما الإقفال لم يكن انسحاباً من الدور... كان فسحة للإصغاء والتشاور. جمعت «احكيلي» شركاء وممارسين، وأصغت إلى خبرات العاملين مع الأطفال والمجتمعات في أزمنة النزاع، مُحاولةً فهم ما الذي يمكن تقديمه «بمسؤولية ومعنى»، كما تقول نصر.

من هذا الإصغاء خرجت ملامح الفضاء الجديد. تحوَّلت الطبقة الأرضية ما يُشبه غرفة معيشة مفتوحة. ثمة زوايا للقراءة، وألعاب، ومحطات إبداعية تتيح للأطفال والعائلات تمرير الوقت على سجيتهم وبالوتيرة التي تناسبهم. وإلى جانب هذا الحضور الحُرّ، بدأت تتشكَّل أنشطة يومية تضمّ ورشاتٍ إبداعية، وجلساتِ سرد حكائي، وعروضَ أفلام، إلى جانب ورشات للشباب تُعنى بالتفكير النقدي والحركة. لا تريد «احكيلي» من هذه الأنشطة أن تضيف عبئاً على مَن يعيشون القلق، ولا أن تُحاكيَهم ببرنامج فوقي يفرض عليهم ما ينبغي أن يشعروا به؛ إنما مساحات تسمح بالخيال والتعبير والتواصل من دون إغراق أو ضغط.

حلقة حكاية... ومساحة أمان (بيت بيروت)

وتشرح نصر أنّ هذا البرنامج «يستمرّ في التطوّر» ويتشكّل «يوماً بيوم، استناداً إلى الحاجات والاستجابات والاقتراحات التي يقدّمها الأطفال والأمهات اللاتي ينضممن إلينا». يصبح العمل مشتركاً لجهتَي التنفيذ والمعنى حين يُبنى جماعياً مع الشركاء ويسترشد بخبراتهم، كما بأصوات الذين يشاركون فيه.

تبدو علاقة «بيت بيروت» بالذاكرة جزءاً أساسياً من هذا المسار. تراها نصر عمليةً مستمرّة في التشكُّل عبر التجربة؛ مما يمنح الحاضر وزناً استثنائياً، خصوصاً بالنسبة إلى الأطفال والشباب. فحين تُختَبر تجربة النزوح من «زاوية الخسارة أو الرفض أو الإقصاء» وحدها، فإنها قد تترك أثرها العميق في طريقة ارتباطهم بالمدينة وبالآخرين لاحقاً. أما حين تتخلّل هذه المرحلة أيضاً «لحظاتُ ترحيب وأَحْيِزَةٌ مشتركة وتجاربُ عناية وتضامن»، فإنّ الذاكرة يمكن أن تُصاغ على نحو مختلف وتحمل شيئاً أوثق إنسانيةً واتصالاً.

بذلك لا يبدو خلق مساحة آمنة داخل «بيت بيروت» منفصلاً عن حفظ الذاكرة. المكان الذي مثَّل ذات يوم «خطاً للفصل»، يجري العمل على تحويله «مساحةً للقاء». وتقول نصر إنّ الفريق يتعمَّد خَلْق فرص للتفاعل بين المجتمعات النازحة وسكّان بيروت، حتى «يصبح هذا الفضاء فضاءَ تواصل؛ لا انفصال».

اللحظة وهي ترفض أن تُشبه ما حولها (بيت بيروت)

يمتدّ التوجُّه إلى العلاقة مع المحيط المباشر للمبنى. المبادرة، وفق نصر، «متجذِّرة جداً في إعادة وصل (بيت بيروت) بمحيطه المباشر». بدأت الخطوات بالتواصل مع الشركاء والممارسين، ثم بزيارة مراكز الإيواء القريبة، ولقاء المُنسّقين فيها، وفتح نقاش بشأن الحاجات والتوقّعات والإمكانات. بعد ذلك، استُقبل الجمهور مجدّداً في «بيت بيروت»، مع تكييف ما يُقدَّم تبعاً لحاجات مَن يعيشون تجربة النزوح ورغباتهم. ومع أنّ تقييم الأثر لا يزال مبكراً، فإنّ نصر تؤكّد أنّ المبادرة تنطلق من نيّة أساسية لدى «احكيلي»؛ هي «خَلْق لحظات من التواصل والتجربة المشتركة».

هكذا؛ يغدو «بيت بيروت» أكثر من فضاء ثقافي... يصير مكاناً يمكن للناس أن يجتمعوا فيه ويتأمّلوا ويتواصلوا وسط عدم اليقين. تصير الورشاتُ والحكايات والأفلام والزوايا المفتوحة وسائلَ لإعادة ترميم الإحساس بالرعاية وبإمكانية أن يُرحَّب بمَن يشعر أن العالم أُغلِق في وجهه. ولا يكتفي المبنى بحمل ذاكرة المدينة، فيشارك أيضاً في كتابة الذاكرة التي تتشكّل الآن. ذاكرة أليمة، لكنها تحمل معها أثراً من التضامن واللقاء والعناية المشتركة.


«إلى أين؟»... معرض فني يحتفي بسحر النوبة والهوية

لوحات الفنانة تحمل زخماً في الألوان والشخوص والرموز (الشرق الأوسط)
لوحات الفنانة تحمل زخماً في الألوان والشخوص والرموز (الشرق الأوسط)
TT

«إلى أين؟»... معرض فني يحتفي بسحر النوبة والهوية

لوحات الفنانة تحمل زخماً في الألوان والشخوص والرموز (الشرق الأوسط)
لوحات الفنانة تحمل زخماً في الألوان والشخوص والرموز (الشرق الأوسط)

بألوان تشعّ بهجة ولوحات تحمل أبعاداً أسطورية عن النيل والروح المصرية الأصيلة، تحتفي الفنانة رندا إسماعيل بسحر النوبة والهوية المصرية عبر معرضها الأحدث «إلى أين؟» المقام في غاليري «ضي» حتى 23 أبريل (نيسان) الحالي.

ويضم المعرض نحو 55 لوحة تتنوع بين رصد مشاهد من الحياة اليومية في النوبة وبين الرحلات في النيل عبر مركب يحمل طابعاً مصرياً قديماً، لتقدم لنا مزيجاً زمنياً مدهشاً عبر أعمالها الفنية التي تنتقل عبر الزمان مع تثبيت عامل المكان، لتقدم لنا نموذجاً للامتداد الحضاري الذي تمثله بلاد النوبة بعاداتها وتقاليديها وأجوائها الساحرة للحياة في مصر القديمة.

وتقول رندا إسماعيل إنها اختارت اسم المعرض «إلى أين؟» ليس على سبيل التساؤل ولكن لمحاولة رصد حالة نولد فيها ونمضي بها في رحلة لا تتوقف، وسعي لا يهدأ، دون طريق واضح أو وصول مؤكد، لكننا نمضي والأمل في قلوبنا نور لا ينطفئ.

اللوحات تحتفي بالنيل والحياة في النوبة (الشرق الأوسط)

وعن فلسفة المعرض تضيف الفنانة لـ«الشرق الأوسط»: «سعيت للتعبير عن حالة التساؤل (إلى أين؟) من خلال المركب المصري القديم، وهي ثيمة موجودة في كل لوحة، رمزاً للنجاة، أو رمزاً للأمل الذي ينير لنا الطريق للوجهة التي نريدها، في بعض اللوحات يمكننا أن نجد المركب يسير في النيل، وفي بعضها الآخر قد نجد المركب طائراً في السماء أو وسط البيوت. دائماً هو في حالة حركة متغيرة؛ يأخذ الناس إلى مكان آخر لا نعرفه، لكنْ هناك أمل دائماً في أن يكون المكان الذي يتجه إلى المركب أفضل»، وفق تعبير الفنانة.

حياة كاملة يحملها المركب (الشرق الأوسط)

في بعض اللوحات تحمل اللوحات أشخاصاً يرتدون الأزياء النوبية التقليدية، وفي بعضها الآخر تحمل الزرع والنخيل، أو تحمل منازل وبيوتاً وتمشي بها. أحياناً يصبح المركب وسيلة للصيد، وأحياناً أخرى وسيلة للتنقل والترحال أو الاحتفالات المبهجة، أو ربما يتحول إلى وعاء لتقديم القرابين على طريقة المصريين القدماء.

المركب الفرعوني يبدو طائراً في إحدى اللوحات (الشرق الأوسط)

توضح رندا إسماعيل أن هذا المعرض استغرق منها عاماً كاملاً تقريباً ترسم فيه من خلال الثيمة الرئيسية التي وجدتها معبّرة عن فكرتها، وهي رمزية المركب، والسؤال الذي يمثله هذا المركب، وتابعت: «اعتمدت على الألوان الهادئة المستوحاة من ألوان الطبيعة المصرية، سواء لون النيل أو الملابس أو السماء، أو الناس الطيبين الذين أرسمهم دائماً في لوحاتي».

وأشارت إلى اللوحة الرئيسية الكبرى في المعرض «الماستر بيس»، مؤكدةً أنها تحمل فلسفة أخرى حول من يحبسون أنفسهم في إطار محدود أو داخل «فقاعة الحياة اليومية» وتم رسمهم بألوان فاتحة جداً تكاد لا تبين، وفوقهم إذا خرجوا برؤوسهم من هذه الفقاعة سيجدون عالماً آخر متلألئاً، وهو مكان أفضل بكثير مما يعيشون فيه لكنهم يجب أن يتخذوا قراراً.

ومن ضمن الأعمال التي يضمها المعرض لوحة «دائرة الحياة – circle of life» التي تضم صيادين في مراكبهم يصطادون السمك وفي الأسفل توجد حركة بيع وشراء للسمك، كأنهم في دائرة سعي متواصلة.

لوحة دائرة الحياة تعبَّر عن فلسفة خاصة (الشرق الأوسط)

يعدّ هذا المعرض الفردي العاشر للفنانة رندا إسماعيل التي تفرغت للفن منذ عام 2004، وهي حاصلة على بكالوريوس العمارة من جامعة عين شمس، وتستلهم في أعمالها دائماً عمق الهوية المصرية وتفاصيلها الممتدة عبر الزمن بالإضافة إلى دفء اللحظة الإنسانية المتجسدة في الملامح البشرية، كما تعكس أعمالها نبض الحياة اليومية بما تتضمنه من مشاعر وتحديات.