محاولة نضالية أدبية لـ«تحرير القراءة» واستعادة الممارسة النقدية

عبد الدائم السلامي يفكك «كنائس النقد»

عبد الدائم السلامي
عبد الدائم السلامي
TT

محاولة نضالية أدبية لـ«تحرير القراءة» واستعادة الممارسة النقدية

عبد الدائم السلامي
عبد الدائم السلامي

يفتتح الناقد عبد الدائم السلامي كتابه (كنائس النقد) بعبارة ترغيبية شهية «هذا الكتاب يدعوكم إلى منطقة نواياه... ولكل كتاب ما نوى». في إشارة صريحة إلى المنزع اللاحيادي لمغزى الكتابة. وهو مقصد يتأكد من خلال العتبة العنوانية للكتاب المحتقنة بالدلالات الأصولية القابلة للكسر. حيث النية المبيتة لتهشيم طمأنينة «حُسن نوايا الواقع». وتبديد الحاسّة الكلْبيِّة، حسب تعبيره، التي تجيد بها الأنظمة «شمّ مضمرات المكتوب ونواياه، وتعرف جيداً مدى تأثير النص في المتلقي، فلا تتعاطى معه إلا بارتياب وحذر شديدين خشية مما قد تمثله الكتابة من خطورة في توجيهها الرأي العام صوب ما لا ترتضيه هي من وجهات».
إنه كتاب نضالي بالمعنى والمغزى الأدبي، يحاول فيه الناقد «تحرير القراءة» واستعادة الممارسة النقدية كخطاب إبداعي، انطلاقاً من مساءلة الناقد العربي عن أسباب عجزه في مهمة صناعة المعنى، ودفعه للتخلي عن رحلته العبثية للبحث عن المعنى الغيري، ليتمكن من صناعة معناه الذاتي «ليمحو المسافة الجافة بينه وبين قارئه». بمعنى تفكيك الأصولية النقدية العربية، من خلال فحص أعراض «هنات الفعل النقدي الراهن، ضمن مقالات يحاول فيها الإحاطة بأظهر وجوه اضطرابه من حيث صلته بالمقروء وصلته بالقارئ وصلته بالمناهج وصلته بالواقع». وهو ما يعني، بمفهومه «تمثّل أرضية للكتابة النقدية لأن تتكون أدبياً، أي أن أتجاوز مفهوم الشعرية السائد وأدفع الكتابة النقدية إلى حدها الأقصى: إلى الأدبية».
في الفصل الأول يتساءل عن إمكانية وجود «شخصية ثقافية للنص الأدبي تمثل بالنسبة إلى النصوص هويتها التي تميزها عن بعضها بعضاً داخل جغرافيات الثقافة الإنسانية؟»، مع التأكيد على صفاء تواصل القارئ مع النص. وهو هنا يستدعي جدليات تجنيس النص واستنسابه إلى سلالات الشعر أو المسرح أو السرد وغيرها من الأجناس والألوان. وكذلك تصنيفات الانتماء الجغرافي التي تنحاز بالنص إلى الفضاء العربي أو الغربي أو الأفريقي، ليقوضها على حافة الإنساني العابر للقارات. ليحتكم في نهاية المطاف إلى «المكانيات» كمعادل للهوية الذوقية. حيث يمثل بحكايات (ألف ليلة وليلة) التي تتحقق مقروئية معانيها ضمن سياق كتابتها وتاريخ جغرافيتها. بالنظر إلى أن انتماء أي نص إلى جنس أدبي لا يعادل قيمة انتمائه إلى الثقافة، مهما استوفى من شروط التجنيس.
على هذا الأساس يجادل مفهوم الأدبية، بما هي «أرقى مراقي الكتابة الإبداعية»، وذلك في فصل «الحدث القرائي»، حيث يستخلص القيمة التفاعلية المتخلقة في ثلاثة أنواع من النصوص «نص الواقع، ونص الكاتب، ونص القارئ-الناقد». وفي هذه المعادلة يشكل الواقع قاعدة الهرم، فيما يتربع القارئ على قمته، ويتوسطهما نص الكاتب. وذلك ضمن حركة ذهابية وإيابية من القاعدة إلى القمة والعكس «من الخام إلى المصنع، ومن التفصيل إلى التكثيف، ومن الكثرة إلى القلة، ومن العادي إلى الممتع، ومن الشخصي إلى الإنساني، ومن الساذج إلى القيمي». ومن ذلك المنطلق بالتحديد صار ينظر إلى النص الأدبي بوصفه كياناً واحداً، من دون فصل ما بين الشكل والمحتوى، كما قرر التحرر من مفردة «النقد» بما تختزنه من معاني الفرز والتقويم والتجريح، مؤثراً استخدام مفردة «قراءة» كمعادل لفعل المساءلة، المولدة بالضرورة لمنتج ثانٍ للنص.
النقد الجديد - بتصوره - «هو ذاك الذي يتخلى بجرأة عن مفهوم النقد، ويتمرد على سلطة الناقد المزعومة، ويكتب نصوصه المبدعة بنصوصنا الإبداعية»، بمعنى ابتكار قراءة نصية مجاورة، لا تتقصد البحث عما هو مشين وسيئ في النص. ولا إطرائه أيضاً. وهذا يرتد إلى نص الواقع، النص الهلامي الخام اللامكتمل، محاولاً القبض عليه وهو في حالة السهو وتأمل رحلته من «حال الإمكان إلى التحقّق»، ومتسائلاً عن أدبية نص الواقع التي تتشكل بدورها على إيقاع «الفكر المبدع الذي يقرأ نص الواقع ليكتب به نصاً موازياً يخلق فيه واقعاً متخيّلاً مرغّباً للناس في تمثله وهم يصنعون حياتهم».
أما الكاتب ذاته، فهو مفردة - برأيه - من مفردات نص الواقع «له سردية قد تكون متفقة مع سرديات غيره من المفردات داخل ذاك النص، أو تكون مختلفة معها في شيء، أو ربما مضادة لها». وهذا يعني أنه - أي الكاتب - هو المعني بالبحث وانتهاك السكونية، والالتزام بلحظته ومجموعته الاجتماعية، فهو لا يكتب نصه لذاته، أو لأي غرض استعمالي «إنما يكتبه بجهد عقلي عالٍ وفي ذهنه قارئ يردد حيرته بحثاً عن نافذة يجدد من خلالها رؤيته الواقع رغبة في تطويره». بمعنى أن نصه بمثابة الحامل الفني لمنظومة من القيم، التي تنأى عن التعليم والوعظ والتلقين وادعاء احتكار المعرفة بالواقع. فهو نص تأديب دنيوي لا نص تأديب أخروي. وبالتالي فإن «نص الكاتب أكثر غنى دلالياً من نص الواقع، ؟ أو هكذا يجب أن يكون». ومهما أوتي من طاقة خيالية فإنه لا يتخيل إلا عبر واقعه. على اعتبار أن «الواقع هو باب الخيال المغلق الذي ينتظر ملكة إبداعية تفتحه لتبعث فيه الحياة وتمنع عبثيتها».
وإذ لا حياة لكتاب من دون قارئ يستنتج في نص القارئ أن «أخطر سجن في الدنيا هو كتاب مغلق». وهو هنا لا يعني بالقراءة حالة التلقي الاعتيادية الاستعمالية، بل القراءة المجادلة. فالإنسان، حسب تصوره لم يخلق ليكتب بل ليقرأ «فأن نقرأ رواية أو قصيدة أو قصة أو أغنية يعني أن نمنح أنفسنا هدنة مع الحزن وهدنة مع حماقة ما نعيش، وهدنة مع الموت، لأن القراءة تحيي الموتى، موتى المألوف وسلطة السائد، إنها تسْكت الوحش الإنساني الذي يعوي داخلنا عواء الفتك والانتقام، فالإنسان وحش لاحم لولا القراءة». وعلى هذا المعنى تنبني القراءة بالنسبة له على الشك، ليس بمعنى فقدان الثقة بالكاتب وتبييت سوء النية، إنما بالانتباه إلى «مكر النص بوصفه مخلوقاً مراوغاً ولعوباً: يميل إلى قول ما نشاء له أن يقول الصمت عما عليه أن يقول». الأمر الذي يحتم الانحراف عن كراس الشروط النقدية. أي قراءة كليات النص، خصوصاً بالنسبة للنقاد العاجزين «الذين لا يحولون قراءاتهم النصوص الإبداعية إلى نصوص إبداعية جديدة. نصوص ممتعة بعباراتها ومقنعة بمضمون إشاراتها، وهو ما يشي بكونهم عاجزين عن فعل القراءة الأدبية». جدارة نص الكاتب بالقراءة تعتمد على كونه حيّاً، أي «أن يكسر عمود جنسه أو نوعه» ولذلك يشترط وجود حكاية قوية وبليغة في كل نص، حكاية عن الحرب أو الحب أو الفشل أو الموت وهكذا، فالحكاية هي «لذة كل شيء ومنتهاه، هي فعل احتفالي، فعل ضدي للوحدة، ودعوة إلى التيه المؤقت في أحد ما أو في شيء ما». أما اللغو فلا يصنع مجد الكتابة الأدبية. على هذا الأساس يطالب بالكف عن ترديد مفردات: الشعرية، والتطريس، والعتبات، والتبئير، وغيرها من عتاد المعرفة العالمة التي كان يتمترس بها الناقد. كما يطالب بإعادة النظر في جدوى النظريات الوافدة، والمقولات التي تشكل سلطة مكبلة للقراءات الأدبية. لنتمكن بالفعل من الاستماع إلى ما تقوله النصوص، لا إلى ما يتأوله النقاد. وهذا هو واجبنا كقراء ونقاد إزاء النصوص الأدبية.
ومن ذلك المنطلق التقعيدي للقراءة الأدبية يستدعي ثلاثة نماذج روائية ليؤكد على مرئياته بشأن استغراق الكاتب في نمط كتابي وفق خطاطة فنية واحدة. بن سالم حميش الذي يكتب عدداً من رواياته ليعالج أسباب ضعف ديار الإسلام اتكاءً على شخصية تاريخية تصادف حتماً ظهور امرأة تملأ فراغات التاريخ. وواسيني الأعرج الذي تتشكل معظم رواياته حول امرأة مغرمة بالفن تحب مثقفاً أكاديمياً بالضرورة ويعيش في المنفى. أما روايات جمال الغيطاني فهي تقريباً تدور في ذات المدار الذي تتحرك فيه روايات بن سالم حميش، حيث الجدل حول مفهوم السلطة وعلاقة الحاكم بالمحكوم. وبذلك تتأكد فكرة أن «نصوصنا الروائية الحديثة لا تزيد عن كونها نغمات للحن سردي واحد».
يزداد الغباء النقدي كثرة حينما يكون الناقد ممتلئاً بالثوابت واليقينيات، ولن يفلح ناقد في نقده، كما يقول «إلا متى أثبت إبداعية نصه النقدي قبل أن ينتدب نفسه حكماً لإثبات إبداعية نصوص الآخرين». وهذا هو بالتحديد ما دعاه في فصل «الوصاية النقدية» إلى خلع الشرعية عن الممارسة النقدية العربية المعاصرة، فهو نقد مدرسي، اجتراري، متعالم، نمطي. لدرجة أنه صار شكلاً من أشكال الاعتراف الكنسي، حيث يجلس النص قبالة الناقد «ليعترف بذنوبه الفنية والدلالية أملاً منه في التطهر منها». في الوقت الذي تبدو فيه أغلب الكتابات النقدية وكأنها «تمثل عينات تشخيصية لأمراض النقاد النفسية والثقافية والاجتماعية، وذلك من جهة ما تكتظ به من نوايا قرائية مسقطة على النصوص سواء أكانت تروم مدحها أم ذمّها». وعليه فإن النقد «مدعوّ إلى محاورة مدونته الأدبية والانفتاح على جميع المناهج وجميع الفنون والعلوم انفتاحاً حُرّا لا يخالطه الرضوخ لإكراه تعاليمها». وهذا هو ما سيحقق للنقد أهلية الحضور كإنتاج إبداعي.
- ناقد سعودي



«عصافير الحرب» يوثق قصة حب صحافي سوري وزميلته اللبنانية

استعان مخرجا الفيلم بأرشيفهما الخاص (الشركة المنتجة)
استعان مخرجا الفيلم بأرشيفهما الخاص (الشركة المنتجة)
TT

«عصافير الحرب» يوثق قصة حب صحافي سوري وزميلته اللبنانية

استعان مخرجا الفيلم بأرشيفهما الخاص (الشركة المنتجة)
استعان مخرجا الفيلم بأرشيفهما الخاص (الشركة المنتجة)

يذهب فيلم «عصافير الحرب» إلى منطقة مختلفة داخل عالم الوثائقي، منطقة لا تُعنى بتقديم إجابات جاهزة بقدر ما تطرح تجربة حياتية بكل تناقضاتها، لا يحاول الفيلم الذي أنتج بتمويل بريطاني - سوري - لبناني أن يكون مرجعاً سياسياً يشرح ما جرى في سوريا أو لبنان، بل يقترب من الحكاية عبر بابها الأكثر هشاشة وصدقاً، ويكون بطلها العلاقة الإنسانية.

من هنا، تتشكل التجربة بين الصحافية اللبنانية جناي بولس وزميلها السوري الذي أصبح زوجها لاحقاً الصحافي عبد القادر حبق، فلا تنفصل الحكاية الشخصية عن السياق العام، لكنها أيضاً لا تذوب فيه، بل تحتفظ بمساحتها الخاصة، كأنها مقاومة هادئة لفكرة اختزال الإنسان في الحدث.

فيلم «عصافير الحرب» بدأ رحلته في مهرجان «صندانس السينمائي» بنسخته الماضية وحصد جائزة «لجنة التحكيم الخاصة للتأثير الصحافي»، ليكون عرضه الأول أوروبياً في مهرجان «سالونيك الدولي للأفلام الوثائقية»، حيث نال 4 جوائز مختلفة منها جائزة «الإسكندر الفضي» بالمسابقة الدولية، وجائزة «الاتحاد الدولي للنقاد» (فيبرسي) لأفضل فيلم، وقد شارك الثنائي الصحافي العائلي في إخراجه.

وثق الفيلم قصة حب الثنائي السوري واللبناني خلال الثورات (الشركة المنتجة)

تبدأ جناي بولس حديثها عن الفيلم لـ«الشرق الأوسط» من نقطة تبدو بعيدة تماماً عن الشكل الذي انتهى إليه الفيلم، إذ تشير إلى أن الفكرة الأولى كانت مرتبطة برغبتها في توثيق ما جرى في لبنان، خصوصاً خلال لحظة الثورة والانهيار الاقتصادي في 2019، إلى جانب تجربتها كونها صحافية كانت في قلب التغطية اليومية لهذه الأحداث.

هذا الدافع كان أقرب إلى محاولة فهم الواقع أو إعادة ترتيبه بصرياً، لكن مع الوقت، ومع حضور زميلها السوري عبد القادر حبق في حياتها الذي أصبح زوجها بعد عملهما سوياً لفترة طويلة، بدأ هذا التصور يتغير تدريجياً. هنا يلتقط حبق الخيط، موضحاً أن التحول لم يكن مجرد إضافة عنصر جديد إلى القصة، بل إعادة تعريف كاملة لها، لأنهما أدركا أن الحكاية التي يمكن أن تُروى بصدق ليست حكاية بلدين بقدر ما هي حكاية شخصين يعيشان داخل هذا التعقيد.

تعود جناي لتؤكد أن هذا الإدراك كان حاسماً، وخصوصاً مع صعوبة تقديم سرد سياسي مباشر عن بلدين متداخلين مثل سوريا ولبنان، وهو ما كان سيؤدي إلى تشعب قد يبعد المشاهد بدلاً من جذبه، ومن هنا جاء القرار بالتركيز على قصة الحب باعتبارها مدخلاً، ليس بوصفها حيلة درامية، بل باعتبارها المساحة التي يمكن من خلالها فهم كل شيء آخر.

المخرج والصحافي السوري عبد القادر حبق

يؤكد حبق أن هذا الاختيار أتاح لهما أيضاً تجنب الوقوع في فخ التفسير الزائد، وترك مساحة للمشاهد كي يكوّن رؤيته الخاصة، بدلاً من تلقي خطاب مغلق، مؤكداً أنه كان يحتفظ بمواد مصورة تمتد لسنوات من عمله في سوريا، لكنها كانت بالنسبة له عبئاً نفسياً كبيراً، دفعه بعد وصوله إلى لندن إلى اتخاذ قرار واضح بعدم العودة إليها.

تتابع جناي الفكرة، مشيرة إلى أن إدخال هذا الأرشيف في الفيلم لم يكن قراراً سهلاً، لكنه أصبح ضرورياً مع تطور المشروع، لأنه يحمل جزءاً لا يمكن تجاهله من الحكاية، وهنا يوضح حبق أن التحدي لم يكن فقط في استخدام المواد، بل في كيفية التعامل معها دون أن تتحول إلى عبء جديد على الفريق.

تلتقط جناي هذه النقطة لتشير إلى أن العمل على الأرشيف فرض عليهم البحث عن آليات حماية نفسية، خصوصاً أن بعض المواد تحتوي على مشاهد قاسية للغاية، ويقول حبق إنهم اضطروا إلى تصنيف اللقطات وفق درجات حساسيتها، بحيث لا يتعرض أي فرد في الفريق لما قد يؤثر عليه بشكل مباشر دون استعداد، وهذا التنظيم لم يكن فقط إجراءً عملياً، بل كان جزءاً من فهم أعمق لطبيعة العمل، حيث لا يمكن فصل العملية الفنية عن أثرها الإنساني على من يشاركون فيها.

المخرجة والصحافية اللبنانية جناي بولس (الشركة المنتجة)

وعن مرحلة المونتاج؛ توضح جناي أن التحدي الأكبر لم يكن في توفر المواد، بل في اختيار ما يجب أن يبقى وما يجب أن يُستبعد، وهو اختيار وصفته بـ«المعقد»؛ لأن الذاكرة الشخصية كانت حاضرة بقوة، وهو ما جعل وجود فريق العمل عنصراً أساسياً في تحقيق التوازن، ليخرج الفيلم للجمهور بالصورة التي شاهدها الجمهور.


فرش أسنان مبتكرة تدمر البكتيريا في الفم

فرش الأسنان الجديدة تستهدف البكتيريا دون الإضرار بالفم (المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا)
فرش الأسنان الجديدة تستهدف البكتيريا دون الإضرار بالفم (المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا)
TT

فرش أسنان مبتكرة تدمر البكتيريا في الفم

فرش الأسنان الجديدة تستهدف البكتيريا دون الإضرار بالفم (المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا)
فرش الأسنان الجديدة تستهدف البكتيريا دون الإضرار بالفم (المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا)

كشف باحثون من المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا عن تطوير جيل جديد من فرش الأسنان يعتمد على تقنية «أكسيد الغرافين»، القادرة على القضاء على البكتيريا بشكل انتقائي دون الإضرار بخلايا الفم. وأوضح الباحثون أن هذا الإنجاز يمثل خطوة نوعية قد تُحدث ثورة في مجال العناية بالفم والنظافة الشخصية، ونُشرت النتائج، الجمعة، بدورية «Advanced Functional Materials».

وتُعد النظافة في المنتجات التي تلامس الجسم مباشرة، مثل الملابس والكمامات وفرش الأسنان، أمراً بالغ الأهمية، إذ تلعب دوراً مباشراً في منع انتقال البكتيريا والجراثيم. وبما أن هذه المنتجات تُستخدم يومياً وتبقى على تماس دائم مع الجلد أو الفم، فإنها تمثل بيئة محتملة لتراكم الميكروبات إذا لم تكن مصممة بخصائص مضادة للبكتيريا، وهو ما يفسّر الاهتمام المتزايد بتطوير مواد وتقنيات حديثة تعزز مستويات النظافة والسلامة الصحية.

وتمكّن الفريق من تحديد الآلية التي يجعل من خلالها «أكسيد الغرافين» مادة فعالة ضد البكتيريا، مع بقائه آمناً على الخلايا البشرية. وتعتمد الفُرش الجديدة على هذه المادة النانوية المتطورة، وهي طبقة رقيقة من الكربون مرتبطة بذرات أكسجين، تتميز بقدرتها على التفاعل مع البكتيريا بطريقة دقيقة وآمنة.

وأظهرت الدراسة أن الفرش تعمل عبر آلية «استهداف انتقائي»، حيث تلتصق المادة النانوية بأغشية الخلايا البكتيرية فقط، وتقوم بتدميرها، بينما تظل الخلايا البشرية سليمة.

ويعود ذلك إلى قدرة أكسيد الغرافين على التعرف على مكوّن دهني يُعرف باسم (POPG)، يوجد في أغشية البكتيريا ولا يتوافر في خلايا الإنسان، ما يمكّن المادة من تمييز الهدف بدقة عالية.

وبفضل هذه الخاصية، تستطيع الفرش التعرف على «هدف محدد» داخل البكتيريا وتدميره دون أي تأثير جانبي، وهو تقدم كبير في فهم آلية عمل المواد المضادة للبكتيريا على المستوى الجزيئي.

وأكد الباحثون أن هذه الخاصية تجعل فرش الأسنان الجديدة فعالة ضد مجموعة واسعة من البكتيريا، بما في ذلك السلالات المقاومة للمضادات الحيوية.

كما أظهرت التجارب أن المادة لا تقتصر على القضاء على البكتيريا فقط، بل تسهم أيضاً في تعزيز بيئة صحية داخل الفم، دون التسبب في التهابات أو آثار جانبية، مما يعزز أمان استخدامها اليومي.

كما أثبتت الألياف المصنوعة من هذه المادة قدرتها على الاحتفاظ بخواصها المضادة للبكتيريا حتى بعد الغسل المتكرر، ما يزيد من احتمالات توظيفها في مجالات صناعية متعددة، مثل الملابس والمنسوجات الطبية.

ووفق الباحثين، لم يعد هذا الابتكار فكرة مخبرية فحسب، فقد تم تطبيقه بالفعل في منتجات تجارية، حيث طُرحت فرش أسنان مضادة للبكتيريا باستخدام هذه التقنية عبر شركة ناشئة منبثقة عن المعهد، وحققت مبيعات تجاوزت 10 ملايين وحدة، في مؤشر واضح على نجاحها التجاري.

ويشير الفريق إلى أن هذه التقنية تمثل خطوة مهمة نحو تطوير بدائل آمنة وفعالة للمطهرات الكيميائية والمضادات الحيوية، مع إمكانية توسيع استخدامها لتشمل مجالات مثل الأجهزة القابلة للارتداء.


«كامبريدج» تُقدِّم دورة في علم النبات ألهمت داروين

نبات التوت البري من رسم جون ستيفنز هينسلو وتُنشر لأول مرة (جامعة كامبريدج)
نبات التوت البري من رسم جون ستيفنز هينسلو وتُنشر لأول مرة (جامعة كامبريدج)
TT

«كامبريدج» تُقدِّم دورة في علم النبات ألهمت داروين

نبات التوت البري من رسم جون ستيفنز هينسلو وتُنشر لأول مرة (جامعة كامبريدج)
نبات التوت البري من رسم جون ستيفنز هينسلو وتُنشر لأول مرة (جامعة كامبريدج)

من المقرر استعانة الحديقة النباتية التابعة للجامعة بمواد دراسية وضعها جون ستيفنز هينسلو، مُعلّم داروين، قبل مائتي عام، ويأتي ذلك بعد استخراج عينات نباتية ومواد تعليمية، ألهمت تشارلز داروين وأهَّلته للعمل بوصفه عالماً مختصاً في علم الطبيعة على متن سفينة «إتش إم إس بيغل»، من أرشيف في كامبريدج. وستجري الاستعانة بها للمرة الأولى، لتعليم الطلاب المعاصرين في مجال علم النبات.

وتعود هذه العينات الهشة، والرسومات بالحبر، والرسومات المائية للنباتات، إلى أستاذ داروين ومُعلِّمه، البروفسور جون ستيفنز هينسلو. وقد جرى حفظها في معشبة جامعة كامبريدج لما يقرب من مائتي عام.

ويُعتقد أن بعض الرسومات المائية والرسومات «النادرة للغاية» التي نُشرت لأول مرة في صحيفة «الغارديان» البريطانية، تعد أقدم رسوم توضيحية نباتية وضعها هينسلو لتعليم طلابه، بينما تُعدُّ رسومات أخرى عينات من نباتات اطلع عليها داروين بنفسه.

في هذا الصدد، قالت الدكتورة رافايلا هول، القائمة بأعمال رئيس قسم التعليم بحديقة جامعة كامبريدج النباتية: «عندما وصل داروين إلى كامبريدج، درس علم النبات بشكل رسمي للمرة الأولى. وقد استمتع بدورة هينسلو، لدرجة أنه التحق بها ثلاث سنوات متتالية. وقد عرَّفه هينسلو على مفهوم التباين، ليرسي بذلك الأساس لنظرية التطور التي صاغها داروين لاحقاً».

وتولى هينسلو جمع العينات وتصميم الرسوم التوضيحية، ليتمكن من تقديم دورة سنوية في علم النبات لطلاب كامبريدج الجامعيين عام 1827.

وعندما وصل داروين إلى كامبريدج عام 1828، أصبح من أوائل الطلاب الذين التحقوا بدورة هينسلو الرائدة التي استمرت 5 أسابيع. وكان لدى داروين بالفعل اهتمام بالعالم الطبيعي، وقد ازداد اهتمامه به من خلال مجموعة التاريخ الطبيعي التي انضم إليها خلال دراسته للطب في جامعة إدنبره. إلا أنه ترك دراسة الطب بعد عامين، لإدراكه أنه لا يريد أن يسير على خطى والده ليصبح طبيباً، واتجه بدلاً من ذلك إلى كامبريدج، عاقداً العزم على أن يصبح رجل دين.

واصطحب هينسلو داروين وزملاءه الطلاب في «رحلات استكشافية للنباتات»، إلى مستنقعات كامبريدجشير، وعلمهم كيفية تحديد النباتات وتصنيفها وجمعها، مع مراقبة تكيفات أنواع النباتات المختلفة مع بيئتها في بريطانيا بشكل منهجي.