محاولة نضالية أدبية لـ«تحرير القراءة» واستعادة الممارسة النقدية

عبد الدائم السلامي يفكك «كنائس النقد»

عبد الدائم السلامي
عبد الدائم السلامي
TT

محاولة نضالية أدبية لـ«تحرير القراءة» واستعادة الممارسة النقدية

عبد الدائم السلامي
عبد الدائم السلامي

يفتتح الناقد عبد الدائم السلامي كتابه (كنائس النقد) بعبارة ترغيبية شهية «هذا الكتاب يدعوكم إلى منطقة نواياه... ولكل كتاب ما نوى». في إشارة صريحة إلى المنزع اللاحيادي لمغزى الكتابة. وهو مقصد يتأكد من خلال العتبة العنوانية للكتاب المحتقنة بالدلالات الأصولية القابلة للكسر. حيث النية المبيتة لتهشيم طمأنينة «حُسن نوايا الواقع». وتبديد الحاسّة الكلْبيِّة، حسب تعبيره، التي تجيد بها الأنظمة «شمّ مضمرات المكتوب ونواياه، وتعرف جيداً مدى تأثير النص في المتلقي، فلا تتعاطى معه إلا بارتياب وحذر شديدين خشية مما قد تمثله الكتابة من خطورة في توجيهها الرأي العام صوب ما لا ترتضيه هي من وجهات».
إنه كتاب نضالي بالمعنى والمغزى الأدبي، يحاول فيه الناقد «تحرير القراءة» واستعادة الممارسة النقدية كخطاب إبداعي، انطلاقاً من مساءلة الناقد العربي عن أسباب عجزه في مهمة صناعة المعنى، ودفعه للتخلي عن رحلته العبثية للبحث عن المعنى الغيري، ليتمكن من صناعة معناه الذاتي «ليمحو المسافة الجافة بينه وبين قارئه». بمعنى تفكيك الأصولية النقدية العربية، من خلال فحص أعراض «هنات الفعل النقدي الراهن، ضمن مقالات يحاول فيها الإحاطة بأظهر وجوه اضطرابه من حيث صلته بالمقروء وصلته بالقارئ وصلته بالمناهج وصلته بالواقع». وهو ما يعني، بمفهومه «تمثّل أرضية للكتابة النقدية لأن تتكون أدبياً، أي أن أتجاوز مفهوم الشعرية السائد وأدفع الكتابة النقدية إلى حدها الأقصى: إلى الأدبية».
في الفصل الأول يتساءل عن إمكانية وجود «شخصية ثقافية للنص الأدبي تمثل بالنسبة إلى النصوص هويتها التي تميزها عن بعضها بعضاً داخل جغرافيات الثقافة الإنسانية؟»، مع التأكيد على صفاء تواصل القارئ مع النص. وهو هنا يستدعي جدليات تجنيس النص واستنسابه إلى سلالات الشعر أو المسرح أو السرد وغيرها من الأجناس والألوان. وكذلك تصنيفات الانتماء الجغرافي التي تنحاز بالنص إلى الفضاء العربي أو الغربي أو الأفريقي، ليقوضها على حافة الإنساني العابر للقارات. ليحتكم في نهاية المطاف إلى «المكانيات» كمعادل للهوية الذوقية. حيث يمثل بحكايات (ألف ليلة وليلة) التي تتحقق مقروئية معانيها ضمن سياق كتابتها وتاريخ جغرافيتها. بالنظر إلى أن انتماء أي نص إلى جنس أدبي لا يعادل قيمة انتمائه إلى الثقافة، مهما استوفى من شروط التجنيس.
على هذا الأساس يجادل مفهوم الأدبية، بما هي «أرقى مراقي الكتابة الإبداعية»، وذلك في فصل «الحدث القرائي»، حيث يستخلص القيمة التفاعلية المتخلقة في ثلاثة أنواع من النصوص «نص الواقع، ونص الكاتب، ونص القارئ-الناقد». وفي هذه المعادلة يشكل الواقع قاعدة الهرم، فيما يتربع القارئ على قمته، ويتوسطهما نص الكاتب. وذلك ضمن حركة ذهابية وإيابية من القاعدة إلى القمة والعكس «من الخام إلى المصنع، ومن التفصيل إلى التكثيف، ومن الكثرة إلى القلة، ومن العادي إلى الممتع، ومن الشخصي إلى الإنساني، ومن الساذج إلى القيمي». ومن ذلك المنطلق بالتحديد صار ينظر إلى النص الأدبي بوصفه كياناً واحداً، من دون فصل ما بين الشكل والمحتوى، كما قرر التحرر من مفردة «النقد» بما تختزنه من معاني الفرز والتقويم والتجريح، مؤثراً استخدام مفردة «قراءة» كمعادل لفعل المساءلة، المولدة بالضرورة لمنتج ثانٍ للنص.
النقد الجديد - بتصوره - «هو ذاك الذي يتخلى بجرأة عن مفهوم النقد، ويتمرد على سلطة الناقد المزعومة، ويكتب نصوصه المبدعة بنصوصنا الإبداعية»، بمعنى ابتكار قراءة نصية مجاورة، لا تتقصد البحث عما هو مشين وسيئ في النص. ولا إطرائه أيضاً. وهذا يرتد إلى نص الواقع، النص الهلامي الخام اللامكتمل، محاولاً القبض عليه وهو في حالة السهو وتأمل رحلته من «حال الإمكان إلى التحقّق»، ومتسائلاً عن أدبية نص الواقع التي تتشكل بدورها على إيقاع «الفكر المبدع الذي يقرأ نص الواقع ليكتب به نصاً موازياً يخلق فيه واقعاً متخيّلاً مرغّباً للناس في تمثله وهم يصنعون حياتهم».
أما الكاتب ذاته، فهو مفردة - برأيه - من مفردات نص الواقع «له سردية قد تكون متفقة مع سرديات غيره من المفردات داخل ذاك النص، أو تكون مختلفة معها في شيء، أو ربما مضادة لها». وهذا يعني أنه - أي الكاتب - هو المعني بالبحث وانتهاك السكونية، والالتزام بلحظته ومجموعته الاجتماعية، فهو لا يكتب نصه لذاته، أو لأي غرض استعمالي «إنما يكتبه بجهد عقلي عالٍ وفي ذهنه قارئ يردد حيرته بحثاً عن نافذة يجدد من خلالها رؤيته الواقع رغبة في تطويره». بمعنى أن نصه بمثابة الحامل الفني لمنظومة من القيم، التي تنأى عن التعليم والوعظ والتلقين وادعاء احتكار المعرفة بالواقع. فهو نص تأديب دنيوي لا نص تأديب أخروي. وبالتالي فإن «نص الكاتب أكثر غنى دلالياً من نص الواقع، ؟ أو هكذا يجب أن يكون». ومهما أوتي من طاقة خيالية فإنه لا يتخيل إلا عبر واقعه. على اعتبار أن «الواقع هو باب الخيال المغلق الذي ينتظر ملكة إبداعية تفتحه لتبعث فيه الحياة وتمنع عبثيتها».
وإذ لا حياة لكتاب من دون قارئ يستنتج في نص القارئ أن «أخطر سجن في الدنيا هو كتاب مغلق». وهو هنا لا يعني بالقراءة حالة التلقي الاعتيادية الاستعمالية، بل القراءة المجادلة. فالإنسان، حسب تصوره لم يخلق ليكتب بل ليقرأ «فأن نقرأ رواية أو قصيدة أو قصة أو أغنية يعني أن نمنح أنفسنا هدنة مع الحزن وهدنة مع حماقة ما نعيش، وهدنة مع الموت، لأن القراءة تحيي الموتى، موتى المألوف وسلطة السائد، إنها تسْكت الوحش الإنساني الذي يعوي داخلنا عواء الفتك والانتقام، فالإنسان وحش لاحم لولا القراءة». وعلى هذا المعنى تنبني القراءة بالنسبة له على الشك، ليس بمعنى فقدان الثقة بالكاتب وتبييت سوء النية، إنما بالانتباه إلى «مكر النص بوصفه مخلوقاً مراوغاً ولعوباً: يميل إلى قول ما نشاء له أن يقول الصمت عما عليه أن يقول». الأمر الذي يحتم الانحراف عن كراس الشروط النقدية. أي قراءة كليات النص، خصوصاً بالنسبة للنقاد العاجزين «الذين لا يحولون قراءاتهم النصوص الإبداعية إلى نصوص إبداعية جديدة. نصوص ممتعة بعباراتها ومقنعة بمضمون إشاراتها، وهو ما يشي بكونهم عاجزين عن فعل القراءة الأدبية». جدارة نص الكاتب بالقراءة تعتمد على كونه حيّاً، أي «أن يكسر عمود جنسه أو نوعه» ولذلك يشترط وجود حكاية قوية وبليغة في كل نص، حكاية عن الحرب أو الحب أو الفشل أو الموت وهكذا، فالحكاية هي «لذة كل شيء ومنتهاه، هي فعل احتفالي، فعل ضدي للوحدة، ودعوة إلى التيه المؤقت في أحد ما أو في شيء ما». أما اللغو فلا يصنع مجد الكتابة الأدبية. على هذا الأساس يطالب بالكف عن ترديد مفردات: الشعرية، والتطريس، والعتبات، والتبئير، وغيرها من عتاد المعرفة العالمة التي كان يتمترس بها الناقد. كما يطالب بإعادة النظر في جدوى النظريات الوافدة، والمقولات التي تشكل سلطة مكبلة للقراءات الأدبية. لنتمكن بالفعل من الاستماع إلى ما تقوله النصوص، لا إلى ما يتأوله النقاد. وهذا هو واجبنا كقراء ونقاد إزاء النصوص الأدبية.
ومن ذلك المنطلق التقعيدي للقراءة الأدبية يستدعي ثلاثة نماذج روائية ليؤكد على مرئياته بشأن استغراق الكاتب في نمط كتابي وفق خطاطة فنية واحدة. بن سالم حميش الذي يكتب عدداً من رواياته ليعالج أسباب ضعف ديار الإسلام اتكاءً على شخصية تاريخية تصادف حتماً ظهور امرأة تملأ فراغات التاريخ. وواسيني الأعرج الذي تتشكل معظم رواياته حول امرأة مغرمة بالفن تحب مثقفاً أكاديمياً بالضرورة ويعيش في المنفى. أما روايات جمال الغيطاني فهي تقريباً تدور في ذات المدار الذي تتحرك فيه روايات بن سالم حميش، حيث الجدل حول مفهوم السلطة وعلاقة الحاكم بالمحكوم. وبذلك تتأكد فكرة أن «نصوصنا الروائية الحديثة لا تزيد عن كونها نغمات للحن سردي واحد».
يزداد الغباء النقدي كثرة حينما يكون الناقد ممتلئاً بالثوابت واليقينيات، ولن يفلح ناقد في نقده، كما يقول «إلا متى أثبت إبداعية نصه النقدي قبل أن ينتدب نفسه حكماً لإثبات إبداعية نصوص الآخرين». وهذا هو بالتحديد ما دعاه في فصل «الوصاية النقدية» إلى خلع الشرعية عن الممارسة النقدية العربية المعاصرة، فهو نقد مدرسي، اجتراري، متعالم، نمطي. لدرجة أنه صار شكلاً من أشكال الاعتراف الكنسي، حيث يجلس النص قبالة الناقد «ليعترف بذنوبه الفنية والدلالية أملاً منه في التطهر منها». في الوقت الذي تبدو فيه أغلب الكتابات النقدية وكأنها «تمثل عينات تشخيصية لأمراض النقاد النفسية والثقافية والاجتماعية، وذلك من جهة ما تكتظ به من نوايا قرائية مسقطة على النصوص سواء أكانت تروم مدحها أم ذمّها». وعليه فإن النقد «مدعوّ إلى محاورة مدونته الأدبية والانفتاح على جميع المناهج وجميع الفنون والعلوم انفتاحاً حُرّا لا يخالطه الرضوخ لإكراه تعاليمها». وهذا هو ما سيحقق للنقد أهلية الحضور كإنتاج إبداعي.
- ناقد سعودي



أمين بن رشيد: «لمن يجرؤ» يبحث عن استعادة الحرية عبر الحب

الممثل السوداني أمين بن رشيد (الشرق الأوسط)
الممثل السوداني أمين بن رشيد (الشرق الأوسط)
TT

أمين بن رشيد: «لمن يجرؤ» يبحث عن استعادة الحرية عبر الحب

الممثل السوداني أمين بن رشيد (الشرق الأوسط)
الممثل السوداني أمين بن رشيد (الشرق الأوسط)

قال الممثل السوداني أمين بن رشيد إنه لم يرغب في تقديم شخصية «عثمان» التي يجسدها في فيلم «لمن يجرؤ»، بوصفها رجلاً ينتظر الشفقة، مؤكداً أن هشاشته أمام ظروف المنفى لا تسلبه كرامته أو قدرته على الحب والاختيار.

وأضاف بن رشيد، في حواره مع «الشرق الأوسط» أن ما جذبه إلى «عثمان» هو إصراره على مواصلة الحياة رغم الخوف، ورغبته في أن يحب وأن يشعر بأنه محبوب، لافتاً إلى أن المنفى يفسر جانباً من تجربته، لكنه لا يختصر هويته؛ لأن بحث الشخصية عن الحب يرتبط أيضاً بمحاولتها استعادة حريتها، والإحساس بأنها لا تزال قادرة على الحلم، واتخاذ القرارات.

ويتناول الفيلم اللبناني «لمن يجرؤ» الذي انطلق عرضه في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي»، وعرض أخيراً في مهرجان «الجونة السينمائي» علاقة تنشأ في بيروت بين «سوزان»، التي تؤديها الممثلة الفلسطينية هيام عباس، وهي أرملة في الستينات من عمرها، و«عثمان» الشاب السوداني الذي يعيش بلا أوراق رسمية، وبين فارق العمر واختلاف الخلفيات، ورفض المحيطين بهما، يحاول الاثنان حماية علاقتهما، بينما يضاعف اضطراب الواقع من حولهما صعوبة البحث عن حياة مشتركة، ويضع مشاعرهما أمام اختبارات تتجاوز ما يملكانه من رغبة في البقاء معاً.

وأوضح بن رشيد أن فهم شخصية «عثمان» اقتضى تخيّل حياة تسبق ظهوره الأول على الشاشة، بما تحمله من خسارات وذكريات وأمور يحتفظ بها لنفسه مشيراً إلى أنه بحث عما تركته هذه التجارب في نظرات الشخصية وحركتها وطريقتها في الاقتراب من الآخرين، حتى يشعر المشاهد بوجود ماضٍ يؤثر فيها، من دون أن يحتاج الفيلم إلى روايته كاملاً أو تفسير كل تصرف يصدر عنها.

ولفت إلى أن وضع «عثمان» القانوني يفرض عليه شعوراً مستمراً بعدم اليقين، يمتد أثره إلى أبسط تفاصيل يومه وقدرته على تصور المستقبل، موضحاً أنه أراد إبقاء هذا القلق حاضراً في الأداء من دون إظهاره في كل لحظة، فيواصل الحب والرغبة واتخاذ القرارات، بينما يظل احتمال فقدان ما يبنيه قائماً، وهو التوتر الذي وجده أساسياً في فهم الشخصية.

وأضاف أمين بن رشيد أن تداخل الحب مع الحاجة إلى الأمان كان من الجوانب التي حرص على تركها مفتوحة داخل الشخصية؛ إذ يمكن للقاء عاطفي أن يصبح ملاذاً لإنسان يعيش عدم الاستقرار، من دون أن ينفي ذلك صدق مشاعره. موضحاً أن «عثمان» يحمل احتياجات تتجاوز علاقته بـ«سوزان».

هيام عباس وأمين بن رشيد في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

وأشار إلى أن فارق العمر لم يكن نقطة الانطلاق في بناء العلاقة مع البطلة، بل تاريخ كل شخصية وما تحمله من جراح ووحدة ورغبات، وما يمكن أن تجده لدى الأخرى. مشيراً إلى أن الوصول إلى ألفة مقنعة تطلّب الإصغاء والحضور والاستعداد للمفاجأة، لقناعته بأن صدق العلاقة أمام الكاميرا ينشأ من تفاعل الممثلين وثقتهما بما يحدث بينهما في أثناء المشهد.

واستعاد بن رشيد توجيهاً من المخرجة دانيال عربيد ظل حاضراً في ذهنه خلال العمل، حين قالت له إنها تريد إظهار الحب، موضحاً أن هذه الرؤية أثرت في تعامله مع مشاهد القرب العاطفي دفعته إلى البحث عن الحنان وحاجة كل شخصية إلى الأخرى، والانتباه إلى النظرات ومساحات الصمت وطريقة وجود «عثمان» بجوار «سوزان»، حتى يصل إحساسهما إلى المشاهد من دون تأكيد مباشر.

وتابع أن العمل إلى جانب هيام عباس عزز لديه أهمية أن يظل الممثل منفتحاً على شريكه، مهما بلغ استعداده للمشهد، مشيراً إلى أن التحضير يمنحه فهماً للشخصية، لكنه يحتاج في أثناء التصوير إلى استقبال ما يحدث أمامه والاستجابة له، وهذه التجربة عمّقت ثقته بأداء يسمح للمشهد بالتطور.

وعن غضب «عثمان» أمام رفض الآخرين للعلاقة التي تربطه بالبطلة، أوضح بن رشيد أنه يرتبط بشعوره بأنهم يحكمون عليه قبل معرفته، فيجد نفسه موزعاً بين الدفاع عن كرامته وحماية علاقته بسوزان، لافتاً إلى أنه حاول التعبير عن هذا التوتر بدرجات مختلفة، فيظهر الغضب أحياناً، ويبقى مكبوتاً أحياناً أخرى، بينما يحاول «عثمان» ألا يمنح نظرات المحيطين به القدرة على تقرير مصير ما يجمعه بالمرأة التي يحبها.

صناع الفيلم خلال حضور عرضه العالمي الأول في برلين (إدارة مهرجان برلين)

وأكد أنه لم يكن مطالَباً بالاتفاق مع جميع قرارات الشخصية كي يؤديها، بل بفهم دوافعها وما يجعلها ممكنة بالنسبة لها، خصوصاً أن تصرفاً يبدو غامضاً من الخارج قد يصبح مفهوماً عند النظر إلى تاريخ صاحبه ومخاوفه ورغباته.

وأعرب بن رشيد عن أمله في أن يرى المشاهد في «عثمان» رجلاً يحب ويرغب ويشك في نفسه، ويحمل كبرياءه وضعفه معاً، بعيداً عن التصنيفات التي تسبق أحياناً معرفة الأفراد، مؤكداً أن ما يهمه في السينما هو قدرتها على تقريبنا من أشخاص نجهل حكاياتهم، وإتاحة التعرف إلى ما يجمعنا بهم، مع الاحتفاظ بخصوصية تجاربهم وما يميز مساراتهم.

وعن طموحاته المقبلة، قال إنه يتطلع إلى شخصيات معقدة تمر بتحولات عميقة، وتتيح له الخروج من الصورة التي قد يتوقعها الآخرون منه، معرباً عن رغبته في خوض أدوار تاريخية ونفسية، وتجارب تتطلب أداءً جسدياً مختلفاً، أو تنتمي إلى عوالم خيالية مع سعيه إلى بناء مسيرة دولية تتسع لشخصيات تتنوع أصولها وحكاياتها.


مصر تراهن على تطوير السياحة النيلية باستثمارات صينية

السياحة النيلية في مصر (الهيئة العامة للاستعلامات)
السياحة النيلية في مصر (الهيئة العامة للاستعلامات)
TT

مصر تراهن على تطوير السياحة النيلية باستثمارات صينية

السياحة النيلية في مصر (الهيئة العامة للاستعلامات)
السياحة النيلية في مصر (الهيئة العامة للاستعلامات)

تراهن مصر على السياحة النيلية لتعزيز قدرة هذا النمط على جذب مزيد من السائحين والاستثمارات السياحية، بعد الاتفاق مع شركة صينية متخصصة لبناء وتشغيل سفينتين سياحيتين «5 نجوم» للعمل في رحلات نيلية بين الأقصر وأسوان.

جاء ذلك ضمن لقاءات عقدها وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، مع مسؤولي ومديري شركة «Century Cruises of China»، إحدى الشركات الصينية الكبرى العاملة في مجال السياحة النهرية على مستوى العالم، التي تتمتع بحضور قوي في السوقين الصينية والأميركية، خلال المشاركة المصرية في بورصة لندن الدولية للسياحة (WTM London 2026). وبحث الوزير مع مسؤولي الشركة سبل التعاون المشترك في مجال السياحة النيلية، وتعزيز الاستثمارات والتوسع في هذا المنتج السياحي المهم. وفق بيان للوزارة.

واستعرض مسؤولو الشركة الصينية حجم أعمالها في مصر، وخططها التوسعية المستقبلية بالسوق المصرية، مشيرين إلى اعتزامها بناء وتشغيل سفينتين سياحيتين في مصر من فئة الخمس نجوم، للعمل في مجال السياحة النيلية بين مدينتي الأقصر وأسوان، على أن يتم تشغيلهما اعتباراً من عام 2028.

السياحة النيلية تزدهر في مصر (الهيئة العامة للاستعلامات)

وأوضحوا الخطط التسويقية لإطلاق هذه السفن ومناقشة إمكانية التعاون مع الهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي لتنفيذ حملات ترويجية مشتركة ومتنوعة للترويج للسفينتين والبرامج التي تنظمها الشركة لمنتجات سياحية أخرى، مثل سياحة الحوافز والمؤتمرات.

وأبدى شريف فتحي ترحيبه بالخطط الاستثمارية التي تعتزم الشركة تنفيذها في مصر، مؤكداً أن التوسع في بناء وتشغيل السفن السياحية ذات المستوى المتميز من شأنه دعم الطاقة الاستيعابية لمنتج السياحة النيلية، وتعزيز تنافسية مصر في مجال السياحة الفاخرة.

وتراهن مصر على تنوع الأنماط السياحية بها، مثل السياحة الثقافية والترفيهية والشاطئية والعلاجية والبيئية وسياحة السفاري والمؤتمرات، وتنضم السياحة النيلية لهذه الأنماط بوصفها نمطاً سياحياً قابلاً للاستثمار فيه وتعزيز مقوماته في مصر، خصوصاً في العاصمة والمدن التي تزدهر فيها السياحة الثقافية وتنتشر بها المواقع الأثرية مثل الأقصر وأسوان.

ويرى الخبير السياحي المصري، محمد كارم، أن «الاستثمار الصيني في السياحة النيلية من شأنه أن يعزز قدرة مصر على المنافسة في الأسواق السياحية، كما أن التوجه لبناء وتشغيل سفينتين بين الأقصر وأسوان باستثمارات صينية لا يؤدي لزيادة الطاقة الفندقية أو الاستيعابية للسياحة النيلية فقط، بل يمتد أثره ليشمل الاستفادة من خبرات كبيرة في السياحة النهرية».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «كما أن هذا التوجه يعطي تجربة سياحية تجمع بين الرفاهية والسياحة والتاريخ، وتجمع بين الإقامة الفندقية والرحلات النيلية وزيارة المواقع السياحية في الأقصر وأسوان، ويجذب شريحة من السائحين مرتفعي الإنفاق».

السياحة النيلية لها أشكال ومظاهر عدة (الشرق الأوسط)

لافتاً إلى ضرورة «دعم هذا التوجه بتحسين ودعم الخدمات والإنشاءات، مع ضرورة مشاركة الشركات في التشغيل والتنظيم».

ويؤكد أن هذا التوجه «فرصة لتحويل السياحة النيلية لتجربة سياحية عالمية على مدار العام، ويربط بين السوقين السياحيتين المصرية والصينية، ويؤدي إلى جذب الاهتمام العالمي بهذه السياحة، ما يعود بالنفع على السياحة النيلية وعلى التنمية السياحية، خصوصاً بمحافظات الصعيد».

وسبق أن أعلنت وزارة السياحة المصرية عن خطط لتنمية وتعزيز السياحة النيلية، ضمن خطتها للترويج للأنماط والمقاصد السياحية المصرية في حملات دعائية، أو عبر المعارض السياحية، وتستهدف مصر نمواً في قطاع السياحة، ليصل عدد السائحين إلى 30 مليون شخص سنوياً بحلول عام 2030.


«البحرين السينمائي» يحتفي بمشوار يسرا الفني

يسرا خلال تسلم تكريمها من وزير الإعلام البحريني (وكالة أنباء البحرين - بنا)
يسرا خلال تسلم تكريمها من وزير الإعلام البحريني (وكالة أنباء البحرين - بنا)
TT

«البحرين السينمائي» يحتفي بمشوار يسرا الفني

يسرا خلال تسلم تكريمها من وزير الإعلام البحريني (وكالة أنباء البحرين - بنا)
يسرا خلال تسلم تكريمها من وزير الإعلام البحريني (وكالة أنباء البحرين - بنا)

توّج مهرجان البحرين السينمائي الفنانة المصرية يسرا بجائزة «الإنجاز مدى الحياة» خلال حفل افتتاح دورته السادسة، الذي أقيم الخميس، بحضور وزير الإعلام البحريني الدكتور رمزان بن عبد الله النعيمي، وعدد من الشخصيات الفنية البحرينية ونجوم السينما العربية.

وظهرت الفنانة يسرا بإطلالة لافتة، وقالت خلال تسلمها الجائزة: «لقد مضى على حياتي الفنية 50 سنة من عمري وأنا أحب الفن وأقدره، والحب الذي بيني وبينكم وبين كل الناس في جميع أنحاء العالم كان وراءه الفن». وأضافت: «أشكركم لأنكم تمنحونني جائزة على مدى الحياة، وقد شرفت أنني تعاملت مع أهم المخرجين والفنانين في تاريخ الفن المصري والعربي، وحقيقة لم أشعر بمُضي هذه السنوات، لكنني أؤكد لكم أنني أعيش بمحبتكم ومساندتكم».

وعبّرت يسرا عن سعادتها بالتكريم، وقالت في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «أشعر بسعادة كبيرة لهذا التكريم وتزداد سعادتي أن يحظى الفن في الوطن العربي بتقدير كبير، وأن تكون قيمته كبيرة لدى الجمهور، وأشكر مهرجان وجمهور البحرين، وأقدر كثيراً الرقي والذوق الذي يتعاملون به».

ويأتي تكريم «البحرين السينمائي» ليسرا، بحسب المهرجان، احتفاء بمسيرة فنية ممتدة رسّخت حضورها في السينما العربية، وجعلتها واحدة من أبرز نجمات الشاشة على مدى عقود، وتقديراً لأعمالها الفنية التي اتسمت بالتنوع والقدرة على مواكبة التحولات الاجتماعية، واستمراراً لحضورها الفني على مدى أجيال متعددة، وطرحها أفلاماً لامست قضايا المجتمع والإنسان.

كما شهد حفل الافتتاح تكريم رائد السينما البحرينية نادر المسقطي، ومنحه جائزة «الريادة في الثقافة السينمائية البحرينية» تقديراً لدوره في تأسيس «نادي البحرين للسينما» قبل أكثر من نصف قرن، ما وفّر مساحة للحوار عبر أجيال تفاعلت مع الفن السابع، وهو النادي الذي يقيم مهرجان البحرين السينمائي سنوياً.

تكريم رائد السينما البحرينية نادر المسقطي (وكالة أنباء البحرين - بنا)

وتشهد الدورة السادسة التي تقام خلال الفترة من 5 إلى 10 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي مشاركة نحو 90 فيلماً، تُعرض عبر عدد من المسابقات، تختص إحداها بالأفلام البحرينية، وأخرى بالأفلام الوثائقية، إلى جانب مسابقة أفلام الطلبة ومسابقة الأفلام الروائية القصيرة التي تشهد مشاركات عربية، من بينها الفيلم المصري «آخر المعجزات» للمخرج عبد الوهاب شوقي، والفيلم اللبناني «لآخر رقصة» للمخرجة نور عقيقي، والفلسطيني «منع أمني» للمخرج تامر شوامرة، والسوري «نهار عابر» للمخرجة رشا شاهين، والمغربي «حدائق الجنة» للمخرجة صونيا الطراب.

وعَد الناقد السينمائي البحريني أسامة الماجد تكريم يسرا «هو تكريم لؤلؤة السينما العربية» وفق وصفه، مؤكداً أنها استحقت هذا الاحتفاء نظير ما قدّمته من أعمال خالدة وأدوار ما زالت عالقة في أذهان المشاهد العربي. وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «هي فنانة تمتلك حضوراً خاصاً وقدرة على منح شخصياتها حياة تبقى معنا طويلاً، وتكريمها تقديراً لمسيرة ثرية بالعطاء والإبداع».

كا عَد تكريم البحريني نادر المسقطي وفاءً مستحقاً لأحد رموز الإبداع والثقافة السينمائية وأحد الرواد الأوائل الذين أسهموا في تأسيس الوعي بالفن السابع وترسيخ حضوره، عاداً أنه أمر مهم أن يحتفي المهرجان بمن وضعوا اللبنات الأولى لهذه المسيرة.

وأشار إلي أن «البحرين السينمائي» يواصل ترسيخ مكانته بخطوات واثقة، وأن كل دورة تحقق تقدماً ملموساً عن سابقتها، سواء في عدد الأفلام المشاركة وجودتها، أو في تنوع الفعاليات واتساع آفاق اللقاء بين المبدعين.

ويرى الماجد أن «الورش التي يقيمها المهرجان تمنحه قيمة معرفية مهمة، وتفتح أمام الشباب مجالاً للتعلم والحوار والاحتكاك بأصحاب الخبرة، وتجعله مساحة لاكتشاف المواهب ومناقشة التجارب وتطوير أدوات صناعة الفيلم، وأن المهرجان يحضر بقوة على خريطة المهرجانات السينمائية العربية».

حضور عربي لافت في افتتاح «البحرين السينمائي» (وكالة أنباء البحرين - بنا)

فيما يرى الناقد المصري خالد محمود أن تكريم يسرا بمهرجان البحرين بمثابة حصاد لمشوار سينمائي قطعته بإصرار ونجاح، ومسيرة استثنائية لفنانة تركت أثراً في السينما المصرية والعربية. وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «يسرا قدّمت أدواراً أثقلت تجربتها مع كبار مخرجي وفناني السينما المصرية بأعمال مهمة، على غرار أفلامها مع المخرج الراحل يوسف شاهين، ومع الفنان الكبير عادل إمام، الذي شاركته البطولة في أفلام عديدة سياسية وكوميدية»، مؤكداً أنها «لا تزال تواصل حضورها الفني بنفس الإصرار والحماس».

وبدأت يسرا مسيرتها الفنية منتصف سبعينات القرن الماضي، عبر أدوار البطولة في أفلام «فتاة تبحث عن الحب»، و«قصر في الهواء» و«شباب يرقص فوق النار»، ولقبت في ذلك الوقت بـ«نجمة أفلام العلب»، بعد أن ظلّت أفلامها حبيسة العلب بعد تصويرها لعدة سنوات، لتنطلق مسيرتها بعد ذلك بأدوار لافتة، من بينها «الإنسان يعيش مرة واحدة» أمام الفنان عادل إمام، وإخراج سيمون صالح، و«لا تسألني من أنا» أمام الفنانة الراحلة شادية وإخراج أشرف فهمي، و«الصعاليك» إخراج داوود عبد السيد، وتواصلت أفلامها مع المخرج الكبير يوسف شاهين في «إسكندرية كمان وكمان»، و«المهاجر»، و«إسكندرية نيويورك».