جنوب سوريا بعد عام على المصالحة: اغتيالات واحتقان... وتنافس روسي ـ إيراني

تحقيق لـ«الشرق الأوسط» عن ريف درعا بعد عودة الحكومة

تظاهرة احتجاجية في درعا (الشرق الاوسط)
تظاهرة احتجاجية في درعا (الشرق الاوسط)
TT

جنوب سوريا بعد عام على المصالحة: اغتيالات واحتقان... وتنافس روسي ـ إيراني

تظاهرة احتجاجية في درعا (الشرق الاوسط)
تظاهرة احتجاجية في درعا (الشرق الاوسط)

مرّ عام على اتفاق التسوية القاضي بفرض الاستقرار الأمني والعسكري جنوب سوريا برعاية روسية، أواخر شهر يوليو (تموز) من العام الماضي، لتتحول بموجبه المعارضة إلى «فصائل مصالحة»، وبالتالي تنخرط ضمن تشكيلات الجيش والقوى الأمنية.
وخلال الفترة الماضية، تجلى التنافس الروسي - الإيراني على كسب ولاء أبناء المنطقة، ما أفضى إلى تدهور الأوضاع مجدداً، حيث عاد مشهد الاغتيالات ليخيم على مجرى الأحداث، ويخلط الأوراق من جديد، إذ اعتقد البعض أن سيطرة النظام والقضاء على «داعش» في المنطقة ستنهي تلك الحالة، لكن زادت تلك الحوادث بشكل مريب، وتطورت لتشمل قيادات في فصائل التسوية، وقيادات عسكرية وأمنية في صفوف النظام، إضافة لشخصيات مدنية مقربة من النظام، ومساهمة في الاتفاق، من ضمنها رؤساء بلديات ومخاتير وقيادات حزبية وعشائرية.
بحسب «أبو محمود الحوراني»، المسؤول الإعلامي في «تجمع أحرار حوران»، فإن الأسبوع الماضي شهد أعنف سلسلة من العمليات العسكرية التي شكّلت تطوراً لافتاً، إذ خلال 72 ساعة نفذت نحو 15 عملية اغتيال طالت قادة معارضين سابقين، وآخرين مقرّبين من النظام، تزامناً مع إطلاق النظام سراح عشرات القادة الأمنيين في تنظيم «داعش» سابقاً.
وتابع «الحوراني»: «أبرز تلك العمليات كانت يوم السبت 27 يوليو، عندما دارت اشتباكات بالأسلحة الرشاشة، تلاها انفجار عنيف تبين أن سببه قيام عنصر مرتبط بتنظيم (داعش)، بالتحصن في مزرعة صغيرة ببلدة مليحة شرق درعا، وتفجير نفسه عند محاولة اعتقاله من قبل عناصر تابعين للنظام، رفقة عناصر تابعين للفيلق الخامس التابع لروسيا».
وفي أعقاب تلك العملية نشر تنظيم داعش بياناً تبنى فيه مسؤوليته عن العملية، وذكر البيان أن أحد عناصره «المدعو أبو مالك الأنصاري» اشتبك مع عناصر النظام، قبل أن يقوم بتفجير حزامه الناسف وقتل 8 عناصر، وإصابة 10 آخرين. بعد ساعات من العملية شنت قوات النظام حملة دهم واعتقالات في بلدة مليحة العطش، أسفرت عن اعتقال شخصين، واقتيادهما إلى فرع الأمن العسكري بمدينة إزرع.
وفي إطار الحديث عن أبرز الشخصيات المستهدفة حديثاً، أفاد الناشط حسان عبد الله، بأسماء أبرز الشخصيات، وقال: «تم إطلاق النار على القياديين في فصائل المصالحة يوسف البكار وأبو عدنان الصبيحي ببلدة تل شهاب بريف درعا الغربي، ما أدى إلى مقتل الصبيحي، وإصابة البكار بجروح خطيرة، أُسعف على أثرها إلى المشفى الوطني مدينة درعا، تلاه اغتيال إياد النمر وهو أحد رجال المصالحات المقرّبين من فرع المخابرات الجوية السورية، على يد مجهولين في مدينة الحراك شرق درعا، ثم اغتيال مجهولين للشاب محمد جهاد الحلقي المقرّب من قياديين في (حزب الله)، خلال الأسبوع الماضي، بينما اغتيل رؤساء بلديتي اليادودة وجلين، وعلي سعدون الحسن المقرب من حزب الله مساء الجمعة 2 أغسطس (آب) الحالي».
ولدى السؤال عن المدبر لتلك العمليات أجاب عبد الله إن «عدة أطراف تتسابق لكسب ولاء أبناء المنطقة لصفها، وتعمد إلى أتباع أساليب الخطف والاغتيال المتبادل، عوضاً عن المواجهة المباشرة، فبينما تجند روسيا الشباب ضمن الفيلق الخامس ذراعها في المنطقة، وتدبر اغتيال قادة داعمين لوجود إيران، تقدم الميليشيات الموالية لإيران البطاقات الأمنية والإغراءات المالية، وتكثف نشاطاتها الاجتماعية من خلال نشر الجمعيات الخيرية، وتكليف عملاء محليين بإنشاء مراكز دراسات وأبحاث مهمتها معرفة الشخصيات الرافضة لمشروعها، ثم اعتقالها أو قتلها، وبين هذا وذاك، تتبنى حركة تسمي نفسها المقاومة الشعبية بعض تلك العمليات».
وفي هذا الشأن وثق «مكتب توثيق الشهداء في درعا» 125 عملية ومحاولة اغتيال وإعدام ميداني، خلال العام الأول من اتفاقية التسوية، أدت إلى مقتل 73 شخصاً وإصابة 38 آخرين، بينما نجا 14 شخص من محاولة الاغتيال، ووفقاً لتقرير المكتب شكلت عمليات الاعتقال التي طالت المدنيين والمقاتلين السابقين أحد أبرز الانتهاكات التي مارستها قوات النظام خلال هذا العام، حيث اعتقلت قوات النظام 634 شخصاً تحت تصنيفات مختلفة، تم إطلاق سراح 166 منهم في وقت لاحق، بينما قُتِل 9 منهم تحت التعذيب في سجون قوات النظام (يضم المكتب ناشطين عملوا على توثيق الجرائم والاغتيال وضحايا الحرب منذ أعوام، ويصدر تقارير دورية توثق ما يجري بدرعا)
هذه الاضطرابات لاقت اهتماماً خاصاً من معهد الشرق الأوسط للأبحاث في واشنطن، لذلك نشر تقريراً مفصلاً ذكر فيه أن خطر فقدان السيطرة على درعا مجددا وارد جداً، في ظل زيادة وتيرة العمليات خلال الأشهر الثلاثة الماضية، وبحسب التقرير فإن الهجمات المتكررة على الحواجز، والحرائق المفتعلة، والاشتباكات المتقطعة، تسببت بإحداث فوضى تنذر بعودة الصراع من جديد إلى المنطقة.
أما عن ردة فعل أهالي الجنوب تجاه ما يجري، دعا القيادي السابق في المعارضة أدهم الأكراد الشباب إلى «العصيان»، وعمل على جمع تواقيع مئات الفعاليات المدنية والوجاهية بمدينة درعا احتجاجاً على ممارسات النظام، في ظل انشغال القيادة الروسية بمعارك الشمال، وإخلالها بوعود الاتفاق، وتغلغل الميليشيات الإيرانية جنوب سوريا، وتجنيدها للشباب، فضلاً عن تروجيها المخدرات، وذلك ما لا يقبله السكان المحليون بحسب الأكراد، لا سيما بعد وقف العمل ببطاقات التسوية، ثم تهديد الشباب بالاعتقال أو الالتحاق بالخدمة العسكرية مباشرة، والإخلال بوعود تأجيل آلاف للطلاب الجامعين العائدين لدراستهم بموجب مرسوم رئاسي.
أدهم أكراد أحد أطراف الاتفاق مع الروس، لكنه رفض الانخراط ضمن فصائل المصالحة، شجع على العصيان والتظاهر، احتجاجاً على ممارسات النظام السوري.
من جهته، أوضح الباحث السياسي نصر فروان، حقيقة مرسوم الجيش، بالقول: «إن هذه الوعود تأتي ضمن خطة منظمة لفرض حالة الاستقرار في مناطق المصالحة، لحين الانتهاء من العمليات العسكرية في الشمال السوري، ثم وضع شريحة الشباب ضمن دائرة الارتياح ومحاولة استئناسهم، تمهيداً لجذبهم طوعياً للمؤسسة العسكرية، وإعادة بنائها برعاية روسية، بعدما تحول الجيش إلى الحالة الميليشياوية التي تحبذها إيران».
ونبه فروان إلى أن النظام يعمل على إعادة التأهيل السياسي للشباب الذين كانوا في مناطق المعارضة من خلال التوجيه الإعلامي، وعقد الندوات ودورات الانتساب لـ«حزب البعث»، كي «لا يفكروا بالهروب، أو الانضمام للحركات المضادة له كالمقاومة الشعبية، فقيادته السياسية متفطنة للآثار النفسية التي تركتها عقليتهم الأمنية ضد المناطق التي انتفضت بوجهها، وحريصة على محاربة أي خطاب إعلامي معادٍ لنهجها، من شأنه تأجيج الشباب ضدها من جديد».
إلا أن تلك الوعود والتطمينات لم تثنِ آلاف الشباب من أبناء المناطق الموقّعة على اتفاق التسوية في محافظات ريف دمشق ودرعا والقنيطرة عن الانشقاق، وترك تشكيلات الجيش، مع انطلاق معارك الشمال السوري، في حين آثر المئات الهروب إلى لبنان أو تركيا بطرق غير شرعية، وبتكلفة قد تصل إلى 5 آلاف دولار خوفاً من إقحامهم بتلك المعارك.
وفي هذا السياق، قال أحد العناصر المصابين حديثاً بجروح بالغة خلال الاشتباكات الدائرة شمال حماة إن أحد ضباط النظام برتبة عقيد قام بإطلاق النار على 15 عنصراً من عناصر التسويات، وقتلهم شمال حماة، بعد رفضهم التقدم على محوري تل ملح والجبين قبل أسابيع، مشيراً إلى أن قوات النظام تتعمد الزج بمقاتلين سابقين في «الجيش الحر» من الموقّعين على التسوية في الواجهة خلال المعارك، وتركهم فريسة سهلة للكمائن التي تنصبها فصائل المعارضة، دون مؤازرتهم.
وأكد أنه يفضل البقاء في بيته بدلاً من زجه بتلك المعارك، بعدما ظهرت موجة انشقاق جديد، تصدرها مئات العناصر من المنضمين حديثاً إلى صفوف الجيش السوري، بموجب التسويات بدرعا، حينما عادوا إلى منازلهم رافضين الالتحاق بقطعهم العسكرية مرة أخرى.
في غضون ذلك، حذر باحث من مغبة استفزاز الأهالي، وأطلعنا على أبرز التحديات التي أعاقت الحركة الاقتصادية عقب مرور عام على سيطرة النظام على الجنوب، قائلاً: «أدى اختفاء منظمات المجتمع المدني إلى انتشار البطالة في صفوف الشباب، بعدما كانت توفر أكثر 20 ألف فرصة عمل، ناهيك بانقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تزيد على مائة ألف طرد غذائي يوزع على العائلات مجاناً بشكل شهري، إضافة لتردي قطاع الزراعة الذي يزاوله معظم أبناء المنطقة، بسبب عدم توفر الوقود اللازم للري، وعدم توفر المال الكافي لشراء البذور، وضعف سوق تصريف المحاصيل، وانخفاض أسعار الليرة السورية المستمر أمام العملات الأجنبية».
وختم: «يبدو أن زيادة وتيرة العمليات العسكرية، وتردي الأوضاع الاقتصادية، وعزوف الشباب عن الالتحاق بالخدمة العسكرية، سيضع المنطقة وسط حالة تأهب واستعداد للعودة إلى المناوشات والعمليات القتالية بين أهالي الجنوب والنظام، بسبب انعدام الثقة بين الطرفين، وانتكاس اتفاق المصالحة المزعوم».



اليمن يسعى لتعزيز مكانته في التجارة الدولية باستحداث ميناءين

اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
TT

اليمن يسعى لتعزيز مكانته في التجارة الدولية باستحداث ميناءين

اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)

في خطوة تستهدف تعزيز مكانة اليمن على خريطة التجارة الدولية، أعلنت الحكومة المعترف بها دولياً استحداث ميناء على ساحل بحر العرب وآخر على المحيط الهندي، مع التخطيط لإنشاء ميناء ثالث على خليج عدن، بالتزامن مع البدء في المرحلة الثانية لتوسعة مداخل ميناء عدن.

ويأتي هذا التوجه وسط تفاؤل حكومي بإمكانية أن تلعب موانئ البلاد الممتدة على سواحل البحر العربي وخليج عدن، دوراً حيوياً في مستقبل التجارة الدولية وخدمة دول الجوار العربي، استناداً إلى المتغيرات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية، وهو ما يدفع وزارة النقل إلى تسريع العمل في تطوير ميناء عدن واستحداث موانئ جديدة في حضرموت وشبوة وسقطرى.

وأكد وزير النقل محسن العمري، خلال وضع حجر الأساس للمرحلة الثانية من مشروع توسعة مداخل ميناء عدن، أن هذه الخطوة تمثل محطة مهمة في إطار تطوير البنية التحتية للميناء وتعزيز قدرته التشغيلية، مشيراً إلى أن المشروع واجه تعثراً خلال الفترة الماضية، قبل أن يُرفع إلى رئيس الوزراء شائع الزنداني، الذي وجّه بسرعة تنفيذه نظراً لأهميته الاستراتيجية في دعم النشاط الملاحي والتجاري.

وضع اللمسات الأخيرة لاستحداث ميناءين في حضرموت وسقطرى (إعلام حكومي)

ووصف الوزير المشروع بأنه أحد أبرز الإنجازات ضمن حزمة من المشاريع التطويرية الجاري تنفيذها في قطاع النقل والموانئ، التي تشمل مشاريع موانئ في محافظة حضرموت وأرخبيل سقطرى، إلى جانب عدد من المشاريع الأخرى المتوقفة التي يجري العمل على إعادة تنشيطها خلال المرحلة الراهنة، ضمن رؤية أوسع لإعادة تأهيل قطاع النقل البحري ورفع جاهزيته لاستيعاب متطلبات المرحلة المقبلة.

وأعرب العمري عن أمله في أن تسهم هذه الخطوة في استعادة ميناء عدن لمكانته الطبيعية والتاريخية بصورة تدريجية، من خلال تعزيز كفاءته التشغيلية ورفع مستوى الخدمات المقدمة للسفن والخطوط الملاحية، وزيادة قدرته على استيعاب الحركة التجارية المتنامية، بما يعزز دوره الحيوي بوصفه ميناء محورياً في المنطقة ويسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية والتجارية ورفد الاقتصاد الوطني.

تعزيز القدرة التشغيلية

من جانبه، أكد رئيس مجلس إدارة مؤسسة موانئ خليج عدن محمد أمزربه، أن مشروع تطوير مداخل الميناء يُعدّ من المشاريع الاستراتيجية المهمة في مجال البنية التحتية، لافتاً إلى أنه سيمثل نقلة نوعية في تطوير العمل ورفع كفاءة التشغيل بالميناء، من خلال تحسين انسيابية الحركة وتعزيز قدرات المناولة والشحن والتفريغ.

وأوضح أن المشروع سيسهم في تسهيل حركة دخول وخروج الشاحنات، بما يعزز كفاءة عمليات المناولة ويقلل من مدة بقاء السفن في الميناء، الأمر الذي سينعكس إيجاباً على خفض تكاليف الشحن وتحسين مستوى الخدمات الملاحية، بما يجعل ميناء عدن أكثر قدرة على المنافسة واستقطاب الخطوط الملاحية العالمية.

رهان يمني على دور فاعل لميناء سقطرى على المحيط الهندي (إعلام محلي)

ووفق ما ذكره أمزربه، فإن المشروع يتضمن تنفيذ أعمال تطوير بطول يقارب كيلومتراً ونصف الكيلومتر في ميناء المعلا، و3 كيلومترات ونصف الكيلومتر في ميناء كالتكس، مشيراً إلى أن المرحلة الأولى تم تنفيذها خلال السنوات الماضية، فيما جرى تدشين المرحلة الثانية بعد استكمال الإجراءات والمناقصات العامة، ضمن خطة متدرجة تستهدف تحديث البنية التحتية للميناء وفق احتياجاته التشغيلية المتنامية.

وأكد أن أعمال التطوير والتحديث في هذه الموانئ تحظى بدعم حكومي مستمر، حيث يجري العمل على تنفيذ عدد من المشاريع الحيوية الأخرى، من بينها الورشة الفنية الخاصة برصيف السياح، إلى جانب مشاريع سيتم طرحها وتنفيذها وفق مراحل زمنية محددة، بما يسهم في تعزيز مكانة ميناء عدن واستعادة دوره الاقتصادي والتجاري.

خريطة موانئ جديدة

قال وزير النقل اليمني إن رؤية الوزارة لا تتوقف عند حدود ميناء عدن؛ بل تمتد لتشمل خريطة متكاملة لتطوير الموانئ اليمنية، من «بروم» في حضرموت إلى «قرمة» في سقطرى، وصولاً إلى إعادة تنشيط جميع المشاريع المتوقفة، انطلاقاً من قناعة رسمية بأن الموانئ تمثل قاطرة التنمية، وأن بناء بنية تحتية بحرية حديثة بات ضرورة لمواكبة التحولات المتسارعة في حركة الملاحة الدولية.

وفي هذا السياق، ناقش وزير النقل الخطوات والإجراءات اللازمة لاستئناف العمل بمشروعي إنشاء مينائي «قرمة» بمحافظة سقطرى و«بروم» بمحافظة حضرموت، لما يمثله المشروعان من أهمية استراتيجية في تنشيط حركة النقل البحري والتجاري، ودورهما المتوقع في توسيع قدرة اليمن على استقبال الحركة الملاحية وتوزيعها على أكثر من منفذ بحري حيوي.

كما استعرض مع نائب وزير الصناعة والتجارة سالم سلمان، مستوى الإنجاز في الدراسات والإجراءات الفنية والإدارية المرتبطة بالمشروعين، إضافة إلى التحديات التي واجهت سير التنفيذ خلال الفترة الماضية، موجهاً بوضع آلية عملية لتسريع استكمال الإجراءات الفنية والإدارية، والعمل على تحديث التكاليف التقديرية تمهيداً لاستكمال إجراءات طرح المناقصات وفقاً للمعايير والشروط المعتمدة.

ميناء المكلا مرتكز حكومي لحركة التجارة في موانئ بحر العرب (إعلام محلي)

وفي موازاة ذلك، ناقش وزير النقل مع مجلس إدارة مؤسسة موانئ البحر العربي خريطة طريق تركز على تحويل الدراسات الفنية والاقتصادية إلى واقع ملموس، خصوصاً فيما يتعلق بمشاريع ميناء «بروم» الاستراتيجي في حضرموت، وميناء «قنا» في شبوة، وميناء «قرمة» في أرخبيل سقطرى، بالإضافة إلى مشروع توسعة ميناء المكلا الذي يُنظر إليه بوصفه ركيزة أساسية في النشاط الملاحي على سواحل بحر العرب.

وأكد الوزير أن الهدف لا يقتصر على التطوير الإنشائي؛ بل يمتد إلى تقديم أقصى التسهيلات والامتيازات للخطوط الملاحية والمستوردين، بما يضمن انسيابية الحركة التجارية وزيادة الإيرادات التي تخدم الاقتصاد الوطني، مشدداً على أن الوزارة، وبدعم من الشركاء، ماضية في تحويل موانئ البحر العربي إلى مراكز لوجستية عالمية تعزز من مكانة اليمن على خريطة التجارة الدولية.


العليمي: السلام يتحقق بردع الحوثيين وليس باسترضائهم

رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
TT

العليمي: السلام يتحقق بردع الحوثيين وليس باسترضائهم

رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)

في تصعيد يمني للخطاب السياسي تجاه الحوثيين، شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي على أن جوهر الأزمة في بلاده لا يرتبط بتباينات سياسية قابلة للتسوية، بل بمشروع سياسي مسلح قائم على احتكار السلطة، وادعاء الحق الإلهي في الحكم، ورفض مبدأ المواطنة المتساوية، مؤكداً أن أي مقاربة للسلام تتجاوز هذه الحقيقة لن تقود إلى تسوية عادلة، أو استقرار دائم.

وخلال استقباله نائب رئيس مجلس النواب الألماني الاتحادي (البوندستاغ) أوميد نوميبور، أوضح العليمي أن الشعب اليمني يواجه جماعة مسلحة استولت على مؤسسات الدولة بقوة السلاح، وانقلبت على التوافق الوطني، وفتحت البلاد أمام مشروع إقليمي عابر للحدود.

ويعكس هذا التوصيف من قبل العليمي تمسك القيادة اليمنية بقراءة ترى أن الصراع مع الحوثيين معركة مرتبطة باستعادة الدولة الوطنية، وحماية النظام الجمهوري، وليس مجرد نزاع داخلي محدود الأبعاد.

حشد للحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

وأشار رئيس مجلس القيادة اليمني إلى أن المحافظات الواقعة تحت قبضة الحوثيين تحولت إلى بعض أسوأ مناطق العيش في العالم، خصوصاً بالنسبة إلى الأقليات، والمرأة، والصحافة، والعمل المدني.

وأكد أن تحقيق السلام لن يكون عبر مكافأة المتمردين، أو منحهم شرعية سياسية على حساب الدولة، وإنما عبر دعم مؤسسات الدولة الوطنية، وحماية التعددية، وردع الميليشيا، وفتح أفق سياسي عادل لكل اليمنيين يضمن الشراكة، والحقوق المتساوية.

تثمين الدعم الألماني

وفي هذا السياق، ثمن العليمي اهتمام البرلمان الألماني بالشأن اليمني، والدور الذي تضطلع به ألمانيا بوصفها شريكاً أوروبياً مهماً في دعم السلام وبناء المؤسسات، وحماية الحقوق، والحريات، معرباً عن تطلعه إلى زيادة الدعم الألماني والأوروبي خلال المرحلة المقبلة، بما يشمل استئناف حضور المؤسسات الألمانية الفاعلة، خصوصاً في مجالات التدخلات الإنسانية، وبرامج التنمية، وبناء القدرات المؤسسية.

وربط العليمي بين هذا الدعم والاستثمار المباشر في الأمن والاستقرار الوطني والإقليمي، في إشارة إلى أن تعزيز مؤسسات الدولة اليمنية يمثل -من وجهة نظر الحكومة الشرعية- المدخل الأكثر واقعية لمواجهة الانهيارات الاقتصادية والإنسانية، وخلق بيئة أكثر تماسكاً في مواجهة التحديات الأمنية والسياسية التي فرضتها الحرب.

كما تطرق إلى ما وصفها بالسرديات المضللة التي تروج لها بعض المنابر بشأن الحالة اليمنية، مؤكداً أن تصوير المشهد باعتباره نزاعاً سياسياً عادياً يتجاهل حقيقة الانقلاب المسلح على الدولة، وطبيعة المشروع الذي تحمله الجماعة الحوثية.


أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
TT

أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

مع اقتراب الشهر من نهايته، يخشى الموظفون اليمنيون في مناطق الحكومة الشرعية من عدم قدرتهم على الوفاء بالتزاماتهم المالية، بسبب عجزهم عن الحصول على رواتبهم، نتيجة أزمة السيولة التي تعيشها المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية منذ أشهر.

ولا تُعدّ أزمة السيولة النقدية التي يواجهها اليمنيون أزمة نقود في حد ذاتها، بل أزمة أوراق نقدية تعجز البنوك عن توفيرها للعملاء، وتكتفي بمنح كل عميل يحاول السحب من رصيده أو صرف عملات أجنبية 80 ألف ريال يمني فقط يومياً (الدولار يساوي 1560 ريالاً) وسط اتهامات لها بتدمير ثقة عملائها بها.

وتعرّض الاقتصاد اليمني لأزمات متتالية بسبب الحرب المستمرة منذ أكثر من عقد، والتلاعب والمضاربة بالعملات في الأسواق الموازية وتراجع الثقة بالبنوك، واستبدال قنوات موازية غير قانونية بالقنوات المصرفية الرسمية، إلى جانب اعتداءات الجماعة الحوثية على موانئ تصدير النفط وحرمان الحكومة الشرعية من أهم مصادر الإيرادات.

ويرى عبد السلام الأثوري، الخبير الاقتصادي اليمني، أن أزمة السيولة في مناطق الحكومة اليمنية ليست نقصاً في النقد، بل نتيجة اختلالات هيكلية عميقة في إدارة المال العام والنظام النقدي؛ إذ خرجت كتل نقدية كبيرة من الجهاز المصرفي، ما أضعف قدرة البنك المركزي اليمني على التحكم بالسيولة.

القاعة الرئيسية لإجراء المعاملات بالبنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

ويشير الأثوري في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى تآكل القنوات الرسمية للإيرادات، مع إيداع مؤسسات حكومية أموالها لدى شركات الصرافة بدل البنك المركزي؛ ما خلق قنوات مالية موازية، كما يبرز اختلال الإنفاق العام، خاصة في الرواتب، حيث تُصرف أموال لأسماء وهمية أو غير فعالة، وتتسرب لاحقاً إلى المضاربة وتحويل الأموال للخارج.

ومنذ أيام اتهم مسؤولان في البنك المركزي بعض السلطات المحلية والجهات الحكومية بمفاقمة الأزمة من خلال الامتناع عن التوريد لحساب الحكومة في البنك المركزي بعدن، وتجاهل قرار مجلس القيادة الرئاسي وخطة الإصلاحات الاقتصادية الشاملة المدعومة دولياً.

وحسب ما نقلت «رويترز» عن المسؤولين، فإن الحكومة لا تمتلك إيرادات كافية لتغطية نفقاتها، بسبب «هبوط حاد في الإيرادات العامة عقب توقف صادرات النفط منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2022، فضلاً عن آلاف المليارات من الريالات المكدسة في مخازن شركات الصرافة ورجال الأعمال، وهي عوامل تسببت في أزمة سيولة خانقة داخل المالية العامة».

وذكر مصدر مقرب من إدارة البنك المركزي اليمني في عدن لـ«الشرق الأوسط» أن من أسباب هذه الأزمة تجميد عقود طباعة العملة وإحجام التجار عن قبول الأوراق النقدية الممزقة والتالفة، والتي تمثل أكثر من 70 في المائة من الأوراق النقدية المتداولة، مع إصرار الكثير من السكان على تخزين الأوراق السليمة في منازلهم.

ابتلاع السيولة

وتعدّ هذه الأزمة إحدى تداعيات اقتصاد الحرب الذي تتراجع فيه الإيرادات العامة، وتفقد الدولة قدرتها على تنظيم السوق.

ويخشى المراقبون أن يتراجع دور البنوك أكثر مما هو حاصل فعلاً؛ إذ يستمر بقاء معظم الكتلة النقدية خارجها، ورغم الإجراءات التي اتبعها البنك المركزي في الصيف الماضي، فإنها لم تكن كافية لإعادة الدورة النقدية إلى وضعها القانوني، ومنع الاعتماد على الاقتصاد غير الرسمي.

ويصف عبد الحميد المساجدي، الباحث الاقتصادي اليمني، الأزمة الحالية بالاختلال العميق في بنية الدورة النقدية ذاتها نتيجة الاكتناز خارج البنوك؛ وهو ما أدى إلى شلل فعلي في وظيفة النقود وسيطاً للتبادل داخل النظام المالي الرسمي، وخلق مفارقة اقتصادية حادة تمثلت بشح داخل البنوك مقابل فائض غير منضبط في السوق الموازية، يُستخدم في المضاربة بالعملة.

وأوضح المساجدي لـ«الشرق الأوسط» أن البنوك فقدت جزءاً كبيراً من جاذبيتها لصالح قطاع الصرافة الذي يعمل بسرعة ومرونة أعلى وبقنوات أقل تعقيداً، وفي غياب الأدوات المالية الفعالة التي تستقطب السيولة، مثل شهادات الإيداع أو أدوات الدين الداخلي، تراجعت قدرة النظام المصرفي على أداء دوره وسيطاً مالياً، وتآكلت وظيفة خلق الودائع.

محل لبيع الأسماك في مدينة سيئون شرق اليمن (أ.ب)

وتتجلى الأزمة في تفاصيل يومية حصلت «الشرق الأوسط» على شهادات ميدانية عنها، مثل تأجيل المرضى زياراتهم للأطباء، وتحذيرات مدارس خاصة لأولياء أمور الطلاب من حرمان أبنائهم من إكمال العام الدراسي لعدم سداد الرسوم، وعجز تجار عن تجديد بضائعهم، مقابل عجز المستهلكين عن شراء السلع الأساسية إلا في أضيق الحدود.

ويشير حلمي الحمادي، الباحث المالي اليمني، إلى أن الأوراق النقدية وقعت فيما يسميه «مصيدة السيولة» التي نشأت بعد إجراءات البنك المركزي خلال العام الماضي، حيث كان المتحكمون بالإيرادات يضعون الأوراق النقدية في حوزة شركات الصرافة ويضاربون بها بالعملات الأجنبية، إلا أنهم الآن يحتفظون بها في المنازل.

ويخلص في توضيحه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن أخطر ما في هذه الأزمة أن النقود لا تدخل البنوك التي لا تستطيع تمويل الاقتصاد، والذي بدوره يعمل خارج النظام المالي، وأن تجزؤ الإيرادات جغرافياً وقطاعياً، في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، تسبب في تركيز وإدارة السيولة في مناطق ولدى فئات وجهات وأفراد محددين، لينشأ ما يمكن تسميته «اختناق السيولة الموضعي».

حِزم الأوراق النقدية اليمنية تُحتجز لدى جهات تسعى للإضرار بالاقتصاد (رويترز)

وتتزايد المخاوف من أن تؤدي هذه الأزمة إلى تعطيل سلاسل الإمداد الغذائي، بصعوبة حصول التجار على أموالهم لاستيراد السلع، وعجز السكان عن الحصول على أوراق نقدية لشراء المواد الاستهلاكية.

استعادة الثقة

ولا تعدّ الأزمة الحالية مجرد تعثر مالي، بل هي «أزمة ثقة» حادة متعددة المستويات داخل المؤسسات الرسمية، وفي علاقة مختلف القطاعات بالقطاع المصرفي؛ ما يهدد بدفع الأسواق إلى الاعتماد على «المقايضة» القسرية أو الاعتماد الكلي على التحويلات الرقمية التي لا تتوفر للغالبية العظمى من السكان في الريف.

ويشدد الباحث الأثوري على ضرورة ضبط المالية العامة، وإغلاق حسابات الصرافة الحكومية، وتوحيد الرقابة على المال العام، وإصلاح الرواتب، وتدقيق القوائم الوظيفية، وإزالة الازدواجية والأسماء الوهمية، وربط الرواتب بنظام مصرفي أو رقمي مباشر.

شركات الصرافة أسهمت في تدهور القطاع المصرفي اليمني (أ.ف.ب)

كما يرى أن من أهم وسائل مواجهة هذه الأزمة، تفعيل أدوات البنك المركزي والتحول للدفع الرقمي وتوسيع المحافظ الإلكترونية والمدفوعات الرقمية، ورقمنة الرواتب لتقليل الاعتماد على النقد ومعالجة اختلالات التهربات الضريبية التي تفقد الإيرادات مبالغ كبيرة وخاصة لدى كبار المكلفين.

من جهته، يدعو المساجدي إلى إصلاح هيكلي شامل، واستخدام أدوات مالية ذكية وجاذبة، تعيد توجيه النقد إلى القنوات الرسمية بدلاً من بقائه خارجها، وتحديث القطاع المصرفي ليصبح أكثر كفاءة وسرعة وقدرة على تقديم خدمات حقيقية تعيد بناء الثقة تدريجياً بدلاً عن الاعتماد على شركات الصرافة.

ويتفق الاثنان على أهمية استعادة التوازن النقدي بالإلزام الصارم لكل الجهات بتوريد الإيرادات العامة إلى البنك المركزي، بما يعيد للدورة المالية وحدتها.