جنوب سوريا بعد عام على المصالحة: اغتيالات واحتقان... وتنافس روسي ـ إيراني

تحقيق لـ«الشرق الأوسط» عن ريف درعا بعد عودة الحكومة

تظاهرة احتجاجية في درعا (الشرق الاوسط)
تظاهرة احتجاجية في درعا (الشرق الاوسط)
TT

جنوب سوريا بعد عام على المصالحة: اغتيالات واحتقان... وتنافس روسي ـ إيراني

تظاهرة احتجاجية في درعا (الشرق الاوسط)
تظاهرة احتجاجية في درعا (الشرق الاوسط)

مرّ عام على اتفاق التسوية القاضي بفرض الاستقرار الأمني والعسكري جنوب سوريا برعاية روسية، أواخر شهر يوليو (تموز) من العام الماضي، لتتحول بموجبه المعارضة إلى «فصائل مصالحة»، وبالتالي تنخرط ضمن تشكيلات الجيش والقوى الأمنية.
وخلال الفترة الماضية، تجلى التنافس الروسي - الإيراني على كسب ولاء أبناء المنطقة، ما أفضى إلى تدهور الأوضاع مجدداً، حيث عاد مشهد الاغتيالات ليخيم على مجرى الأحداث، ويخلط الأوراق من جديد، إذ اعتقد البعض أن سيطرة النظام والقضاء على «داعش» في المنطقة ستنهي تلك الحالة، لكن زادت تلك الحوادث بشكل مريب، وتطورت لتشمل قيادات في فصائل التسوية، وقيادات عسكرية وأمنية في صفوف النظام، إضافة لشخصيات مدنية مقربة من النظام، ومساهمة في الاتفاق، من ضمنها رؤساء بلديات ومخاتير وقيادات حزبية وعشائرية.
بحسب «أبو محمود الحوراني»، المسؤول الإعلامي في «تجمع أحرار حوران»، فإن الأسبوع الماضي شهد أعنف سلسلة من العمليات العسكرية التي شكّلت تطوراً لافتاً، إذ خلال 72 ساعة نفذت نحو 15 عملية اغتيال طالت قادة معارضين سابقين، وآخرين مقرّبين من النظام، تزامناً مع إطلاق النظام سراح عشرات القادة الأمنيين في تنظيم «داعش» سابقاً.
وتابع «الحوراني»: «أبرز تلك العمليات كانت يوم السبت 27 يوليو، عندما دارت اشتباكات بالأسلحة الرشاشة، تلاها انفجار عنيف تبين أن سببه قيام عنصر مرتبط بتنظيم (داعش)، بالتحصن في مزرعة صغيرة ببلدة مليحة شرق درعا، وتفجير نفسه عند محاولة اعتقاله من قبل عناصر تابعين للنظام، رفقة عناصر تابعين للفيلق الخامس التابع لروسيا».
وفي أعقاب تلك العملية نشر تنظيم داعش بياناً تبنى فيه مسؤوليته عن العملية، وذكر البيان أن أحد عناصره «المدعو أبو مالك الأنصاري» اشتبك مع عناصر النظام، قبل أن يقوم بتفجير حزامه الناسف وقتل 8 عناصر، وإصابة 10 آخرين. بعد ساعات من العملية شنت قوات النظام حملة دهم واعتقالات في بلدة مليحة العطش، أسفرت عن اعتقال شخصين، واقتيادهما إلى فرع الأمن العسكري بمدينة إزرع.
وفي إطار الحديث عن أبرز الشخصيات المستهدفة حديثاً، أفاد الناشط حسان عبد الله، بأسماء أبرز الشخصيات، وقال: «تم إطلاق النار على القياديين في فصائل المصالحة يوسف البكار وأبو عدنان الصبيحي ببلدة تل شهاب بريف درعا الغربي، ما أدى إلى مقتل الصبيحي، وإصابة البكار بجروح خطيرة، أُسعف على أثرها إلى المشفى الوطني مدينة درعا، تلاه اغتيال إياد النمر وهو أحد رجال المصالحات المقرّبين من فرع المخابرات الجوية السورية، على يد مجهولين في مدينة الحراك شرق درعا، ثم اغتيال مجهولين للشاب محمد جهاد الحلقي المقرّب من قياديين في (حزب الله)، خلال الأسبوع الماضي، بينما اغتيل رؤساء بلديتي اليادودة وجلين، وعلي سعدون الحسن المقرب من حزب الله مساء الجمعة 2 أغسطس (آب) الحالي».
ولدى السؤال عن المدبر لتلك العمليات أجاب عبد الله إن «عدة أطراف تتسابق لكسب ولاء أبناء المنطقة لصفها، وتعمد إلى أتباع أساليب الخطف والاغتيال المتبادل، عوضاً عن المواجهة المباشرة، فبينما تجند روسيا الشباب ضمن الفيلق الخامس ذراعها في المنطقة، وتدبر اغتيال قادة داعمين لوجود إيران، تقدم الميليشيات الموالية لإيران البطاقات الأمنية والإغراءات المالية، وتكثف نشاطاتها الاجتماعية من خلال نشر الجمعيات الخيرية، وتكليف عملاء محليين بإنشاء مراكز دراسات وأبحاث مهمتها معرفة الشخصيات الرافضة لمشروعها، ثم اعتقالها أو قتلها، وبين هذا وذاك، تتبنى حركة تسمي نفسها المقاومة الشعبية بعض تلك العمليات».
وفي هذا الشأن وثق «مكتب توثيق الشهداء في درعا» 125 عملية ومحاولة اغتيال وإعدام ميداني، خلال العام الأول من اتفاقية التسوية، أدت إلى مقتل 73 شخصاً وإصابة 38 آخرين، بينما نجا 14 شخص من محاولة الاغتيال، ووفقاً لتقرير المكتب شكلت عمليات الاعتقال التي طالت المدنيين والمقاتلين السابقين أحد أبرز الانتهاكات التي مارستها قوات النظام خلال هذا العام، حيث اعتقلت قوات النظام 634 شخصاً تحت تصنيفات مختلفة، تم إطلاق سراح 166 منهم في وقت لاحق، بينما قُتِل 9 منهم تحت التعذيب في سجون قوات النظام (يضم المكتب ناشطين عملوا على توثيق الجرائم والاغتيال وضحايا الحرب منذ أعوام، ويصدر تقارير دورية توثق ما يجري بدرعا)
هذه الاضطرابات لاقت اهتماماً خاصاً من معهد الشرق الأوسط للأبحاث في واشنطن، لذلك نشر تقريراً مفصلاً ذكر فيه أن خطر فقدان السيطرة على درعا مجددا وارد جداً، في ظل زيادة وتيرة العمليات خلال الأشهر الثلاثة الماضية، وبحسب التقرير فإن الهجمات المتكررة على الحواجز، والحرائق المفتعلة، والاشتباكات المتقطعة، تسببت بإحداث فوضى تنذر بعودة الصراع من جديد إلى المنطقة.
أما عن ردة فعل أهالي الجنوب تجاه ما يجري، دعا القيادي السابق في المعارضة أدهم الأكراد الشباب إلى «العصيان»، وعمل على جمع تواقيع مئات الفعاليات المدنية والوجاهية بمدينة درعا احتجاجاً على ممارسات النظام، في ظل انشغال القيادة الروسية بمعارك الشمال، وإخلالها بوعود الاتفاق، وتغلغل الميليشيات الإيرانية جنوب سوريا، وتجنيدها للشباب، فضلاً عن تروجيها المخدرات، وذلك ما لا يقبله السكان المحليون بحسب الأكراد، لا سيما بعد وقف العمل ببطاقات التسوية، ثم تهديد الشباب بالاعتقال أو الالتحاق بالخدمة العسكرية مباشرة، والإخلال بوعود تأجيل آلاف للطلاب الجامعين العائدين لدراستهم بموجب مرسوم رئاسي.
أدهم أكراد أحد أطراف الاتفاق مع الروس، لكنه رفض الانخراط ضمن فصائل المصالحة، شجع على العصيان والتظاهر، احتجاجاً على ممارسات النظام السوري.
من جهته، أوضح الباحث السياسي نصر فروان، حقيقة مرسوم الجيش، بالقول: «إن هذه الوعود تأتي ضمن خطة منظمة لفرض حالة الاستقرار في مناطق المصالحة، لحين الانتهاء من العمليات العسكرية في الشمال السوري، ثم وضع شريحة الشباب ضمن دائرة الارتياح ومحاولة استئناسهم، تمهيداً لجذبهم طوعياً للمؤسسة العسكرية، وإعادة بنائها برعاية روسية، بعدما تحول الجيش إلى الحالة الميليشياوية التي تحبذها إيران».
ونبه فروان إلى أن النظام يعمل على إعادة التأهيل السياسي للشباب الذين كانوا في مناطق المعارضة من خلال التوجيه الإعلامي، وعقد الندوات ودورات الانتساب لـ«حزب البعث»، كي «لا يفكروا بالهروب، أو الانضمام للحركات المضادة له كالمقاومة الشعبية، فقيادته السياسية متفطنة للآثار النفسية التي تركتها عقليتهم الأمنية ضد المناطق التي انتفضت بوجهها، وحريصة على محاربة أي خطاب إعلامي معادٍ لنهجها، من شأنه تأجيج الشباب ضدها من جديد».
إلا أن تلك الوعود والتطمينات لم تثنِ آلاف الشباب من أبناء المناطق الموقّعة على اتفاق التسوية في محافظات ريف دمشق ودرعا والقنيطرة عن الانشقاق، وترك تشكيلات الجيش، مع انطلاق معارك الشمال السوري، في حين آثر المئات الهروب إلى لبنان أو تركيا بطرق غير شرعية، وبتكلفة قد تصل إلى 5 آلاف دولار خوفاً من إقحامهم بتلك المعارك.
وفي هذا السياق، قال أحد العناصر المصابين حديثاً بجروح بالغة خلال الاشتباكات الدائرة شمال حماة إن أحد ضباط النظام برتبة عقيد قام بإطلاق النار على 15 عنصراً من عناصر التسويات، وقتلهم شمال حماة، بعد رفضهم التقدم على محوري تل ملح والجبين قبل أسابيع، مشيراً إلى أن قوات النظام تتعمد الزج بمقاتلين سابقين في «الجيش الحر» من الموقّعين على التسوية في الواجهة خلال المعارك، وتركهم فريسة سهلة للكمائن التي تنصبها فصائل المعارضة، دون مؤازرتهم.
وأكد أنه يفضل البقاء في بيته بدلاً من زجه بتلك المعارك، بعدما ظهرت موجة انشقاق جديد، تصدرها مئات العناصر من المنضمين حديثاً إلى صفوف الجيش السوري، بموجب التسويات بدرعا، حينما عادوا إلى منازلهم رافضين الالتحاق بقطعهم العسكرية مرة أخرى.
في غضون ذلك، حذر باحث من مغبة استفزاز الأهالي، وأطلعنا على أبرز التحديات التي أعاقت الحركة الاقتصادية عقب مرور عام على سيطرة النظام على الجنوب، قائلاً: «أدى اختفاء منظمات المجتمع المدني إلى انتشار البطالة في صفوف الشباب، بعدما كانت توفر أكثر 20 ألف فرصة عمل، ناهيك بانقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تزيد على مائة ألف طرد غذائي يوزع على العائلات مجاناً بشكل شهري، إضافة لتردي قطاع الزراعة الذي يزاوله معظم أبناء المنطقة، بسبب عدم توفر الوقود اللازم للري، وعدم توفر المال الكافي لشراء البذور، وضعف سوق تصريف المحاصيل، وانخفاض أسعار الليرة السورية المستمر أمام العملات الأجنبية».
وختم: «يبدو أن زيادة وتيرة العمليات العسكرية، وتردي الأوضاع الاقتصادية، وعزوف الشباب عن الالتحاق بالخدمة العسكرية، سيضع المنطقة وسط حالة تأهب واستعداد للعودة إلى المناوشات والعمليات القتالية بين أهالي الجنوب والنظام، بسبب انعدام الثقة بين الطرفين، وانتكاس اتفاق المصالحة المزعوم».



إشادة أممية بالدعم السعودي الفاعل لتخفيف معاناة اليمنيين

حضور سعودي مساند لليمن في المناطق كافة (إعلام محلي)
حضور سعودي مساند لليمن في المناطق كافة (إعلام محلي)
TT

إشادة أممية بالدعم السعودي الفاعل لتخفيف معاناة اليمنيين

حضور سعودي مساند لليمن في المناطق كافة (إعلام محلي)
حضور سعودي مساند لليمن في المناطق كافة (إعلام محلي)

في إشادة أممية لافتة، أكد «برنامج الأغذية العالمي» أن «مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية» يمثل شريكاً أساسياً في جهود الإغاثة باليمن، حيث أسهمت تدخلاته في التخفيف من حدة أزمة الجوع المتفاقمة التي تُعدّ من بين الأسوأ عالمياً. وأوضح البرنامج الأممي أن التمويلات المقدمة من «المركز» أحدثت فارقاً ملموساً في حياة الفئات الأكبر احتياجاً، خصوصاً في ظل ازدياد أعداد السكان الذين يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي.

وأشار تقرير حديث من البرنامج إلى أن إجمالي التمويلات المقدمة من «مركز الملك سلمان» تجاوز 300 مليون دولار منذ عام 2020؛ ما مكّن من توسيع نطاق الاستجابة الإنسانية وتعزيز وصول المساعدات إلى ملايين المحتاجين في مختلف المناطق اليمنية، في وقت يواجه فيه أكثر من 17 مليون شخص خطر الجوع.

وذكر البرنامج أنه، في ظل تفاقم الأزمة خلال العام الماضي، قدّم «مركز الملك سلمان» مساهمة مالية بقيمة 25 مليون دولار؛ مما ساعد على توفير مساعدات غذائية منقذة للحياة وتعزيز سبل العيش للأسر الأشد ضعفاً.

ووفق البيانات، فقد مكّن المشروعُ المموّلُ من تقديم مساعدات غذائية طارئة لأكثر من 43 ألف أسرة في المناطق الأشد تضرراً، خصوصاً في محافظة الضالع والساحل الغربي، حيث ترتفع معدلات انعدام الأمن الغذائي.

مليونا طفل دون الخامسة في اليمن يعانون سوء التغذية (الأمم المتحدة)

كما امتدت الجهود لتشمل برامج التعافي في حضرموت والمهرة وسقطرى؛ إذ استفاد نحو 6500 أسرة من مشروعات تنمية سبل العيش؛ بما في ذلك التدريب المهني وتنمية الأصول الإنتاجية.

وفي السياق ذاته، أسهمت هذه التدخلات في دعم الإنتاج الغذائي المحلي من خلال استصلاح 1208 أفدنة من الأراضي الزراعية، وإعادة تأهيل أكثر من 38 ألف متر من قنوات الري، إضافة إلى إنشاء 26 بيتاً زراعياً؛ مما عزز قدرة المجتمعات على مواجهة التحديات المناخية المتصاعدة.

تأثير مباشر

وأكد الخضر دالوم، المدير القطري لـ«برنامج الأغذية العالمي» في اليمن، أن تدخل «مركز الملك سلمان» جاء في توقيت حرج، موضحاً أن الوصول إلى نحو 50 ألف أسرة عبر المساعدات الغذائية وبرامج سبل العيش يمثل إنجازاً مهماً في ظل الظروف المعقدة التي تمر بها البلاد.

14 مليون يمني يحتاجون للمياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي (الأمم المتحدة)

وأشار إلى أن هذه الشراكة لم تقتصر على تقديم الإغاثة الطارئة، «بل امتدت لتشمل دعم التعافي طويل الأمد؛ مما ساعد في تحسين قدرة الأسر على الاعتماد على نفسها وتقليل مستويات الهشاشة الاقتصادية».

وتبرز أهمية هذه الجهود في ظل مؤشرات مقلقة؛ إذ أظهرت بيانات العام الماضي أن نحو 70 في المائة من الأسر اليمنية لم تتمكن من الحصول على غذاء كافٍ خلال شهر يوليو (تموز) الماضي، في واحدة من أعلى نسب انعدام الأمن الغذائي المسجلة.

جهود أممية موازية

بالتوازي مع هذه الجهود، أعلن «صندوق التمويل الإنساني» في اليمن، التابع لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية»، تقديم مساعدات لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً، خلال الثلث الأخير من العام الماضي، بتمويل بلغ 20 مليون دولار.

واستهدفت هذه التدخلات 17 مديرية ذات أولوية، موزعة على 7 محافظات، شملت الحديدة وحجة والضالع ولحج وتعز وعمران والجوف، حيث ركزت على المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية.

وبيّن «الصندوق» أن المساعدات ركزت على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، مع إعطاء أولوية خاصة لخدمات الحماية، خصوصاً للفئات الأكبر عرضة للمخاطر، بمن فيهم النساء والأطفال وذوو الإعاقة، الذين بلغ عددهم نحو 37 ألف مستفيد ضمن إجمالي المستفيدين.

تحرك سعودي عاجل لإغاثة المتضررين من السيول في اليمن (إعلام محلي)

كما شملت التدخلات قطاعات متعددة، من بينها الأمن الغذائي وسبل العيش والتغذية والرعاية الصحية والمأوى، إلى جانب تعزيز قدرات المجتمعات المحلية على التكيف مع الأزمات والحد من المخاطر.

وتُظهر بيانات الأمم المتحدة أن «الصندوق» تلقى نحو 14.3 مليون دولار مساهماتٍ في ميزانيته للعام الحالي، مقدمة من دول عدة، من بينها الدنمارك وفنلندا والسعودية وكندا، في إطار دعم الجهود الإنسانية الرامية إلى الحد من تداعيات الأزمة.

وفي ظل استمرار التحديات، تشير التقديرات إلى أن نحو 14 مليون يمني بحاجة إلى المساعدة للحصول على المياه وخدمات الصرف الصحي، في حين يعاني نحو مليوني طفل دون سن الخامسة من سوء التغذية؛ مما يعكس حجم الأزمة الإنسانية وتعقيداتها.

Your Premium trial has ended


انتهاكات حوثية تستهدف المعلمين في 4 محافظات يمنية

اتهامات للحوثيين بإعداد الأطفال ذهنياً للقتال من خلال تحريف المناهج (أ.ف.ب)
اتهامات للحوثيين بإعداد الأطفال ذهنياً للقتال من خلال تحريف المناهج (أ.ف.ب)
TT

انتهاكات حوثية تستهدف المعلمين في 4 محافظات يمنية

اتهامات للحوثيين بإعداد الأطفال ذهنياً للقتال من خلال تحريف المناهج (أ.ف.ب)
اتهامات للحوثيين بإعداد الأطفال ذهنياً للقتال من خلال تحريف المناهج (أ.ف.ب)

شهدت 4 محافظات يمنية خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية موجةً جديدةً من الانتهاكات بحق الكوادر التعليمية، في تطور يعكس تصعيداً مقلقاً ضد العاملين في القطاع التربوي، الذين يواجهون ضغوطاً متزايدة؛ بسبب مواقفهم الرافضة لسياسات الجماعة، لا سيما ما يتعلَّق بتجنيد الطلبة، والمطالبة بصرف الرواتب.

ووفق مصادر تربوية، طالت هذه الانتهاكات معلمين وإداريين في محافظات عمران وحجة وصنعاء وإب، حيث نفَّذت الجماعة حملات مداهمة واعتقال تعسفي، إضافة إلى اعتداءات جسدية وتهديدات مباشرة، استهدفت مَن يرفضون الانصياع لتوجيهاتها داخل المدارس أو يعارضون إدخال ممارسات غير قانونية إلى العملية التعليمية.

ففي محافظة عمران (شمال صنعاء) أقدم مسلحون حوثيون على اعتقال المعلم علي عاطف في مديرية خمر، واقتادوه إلى أحد مراكز الاحتجاز، بناءً على توجيهات قيادي أمني محلي، بعد اتهامه بالتحريض ضد الجماعة.

وذكرت المصادر أنَّ المعلم، الذي يمتلك خبرةً تمتد لعقدين، تعرَّض سابقاً لعمليات استدعاء واحتجاز متكررة دون مبررات قانونية واضحة، في سياق استهداف الأصوات التربوية المنتقدة.

عناصر من الحوثيين في أحد شوارع صنعاء (الشرق الأوسط)

وفي محافظة حجة (شمالي غرب)، شهدت مديرية كُعيدنه حادثة مشابهة، حيث داهم مسلحون منزل المعلم حمود نور، واختطفوه عقب اتهامه بنشر مطالبات عبر وسائل التواصل الاجتماعي بصرف رواتب المعلمين. وأفادت مصادر مطلعة بتعرُّضه للاعتداء الجسدي قبل نقله إلى جهة مجهولة، في تكرار لنمط من الانتهاكات التي طالت المعلم ذاته في مناسبات سابقة.

وفي العاصمة اليمنية المختطفة، صنعاء، تصاعدت الانتهاكات لتشمل البيئة المدرسية نفسها، إذ تعرَّضت حارسة مدرسة في حي مذبح بمديرية معين لاعتداء عنيف في أثناء محاولتها منع مسلحين من اقتحام المدرسة خلال فترة الامتحانات.

وبحسب شهود، حاول المسلحون إدخال وسائل غش لطالبات، قبل أن يهاجم أحدهم الحارسة بسلاح أبيض؛ ما أدى إلى إصابتها، في حادثة أثارت استنكاراً واسعاً في الأوساط التربوية.

تصاعد الاستهداف في إب

وفي محافظة إب، (193 كيلومتراً جنوب صنعاء) اختطفت الجماعة الحوثية المعلم أحمد نعمان السارة من منزله في مديرية العدين، ونقلته إلى أحد السجون التابعة لها، على خلفية رفضه توجيهات تقضي بتجنيد الطلاب وإشراكهم في أنشطة ذات طابع عسكري وفكري. وتؤكد مصادر تربوية أنَّ هذه الممارسات باتت تُشكِّل ضغطاً ممنهجاً على المعلمين، الذين يجدون أنفسهم بين خيار الامتثال أو التعرُّض للعقاب.

ويشكو معلمون في المحافظة من تصاعد الضغوط لإقحام الطلاب في برامج تعبوية لا تمت للعملية التعليمية بصلة، عادين أنَّ هذه السياسات تهدِّد جوهر التعليم وتحوله إلى أداة لخدمة أهداف آيديولوجية.

الحوثيون أخضعوا تربويين في صنعاء للتعبئة الفكرية والقتالية (إعلام حوثي)

وتأتي هذه الحوادث ضمن سياق أوسع من الانتهاكات المستمرة التي تستهدف القطاع التعليمي في مناطق سيطرة الحوثيين، حيث يسعى القائمون على هذه السياسات، وفق مراقبين، إلى إحكام السيطرة على المدارس وتوجيه مخرجاتها بما يتوافق مع توجهاتهم الفكرية والسياسية.

في المقابل، حذَّرت منظمات حقوقية محلية ودولية من خطورة استمرار هذه الانتهاكات، مطالِبة بالإفراج الفوري عن جميع المعتقلين، ووقف حملات القمع التي تطال المعلمين، وضمان بيئة تعليمية آمنة ومستقلة. وأكدت أنَّ استمرار هذه الممارسات يهدِّد بتقويض ما تبقَّى من النظام التعليمي في البلاد.

ويأتي ذلك في ظلِّ تدهور حاد يشهده قطاع التعليم في اليمن منذ سنوات؛ نتيجة الحرب والانقلاب، حيث تراجعت مستويات التحصيل الدراسي، وارتفعت معدلات التسرُّب من المدارس، في وقت يعاني فيه المعلمون من انقطاع الرواتب وتدهور أوضاعهم المعيشية، ما ينذر بتداعيات طويلة الأمد على مستقبل الأجيال القادمة.


«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحفظات أبدتها «حماس» على مسار نزع سلاحها في اجتماعات القاهرة، تزامنت مع تشدد إسرائيل في عدم تقديم تنازلات بشأن انسحابها قبل تنفيذ الحركة ذلك المسار أولاً، في ظل تعثر اتفاق وقف إطلاق النار منذ اندلاع حرب إيران نهاية فبراير (شباط) الماضي.

تلك التحفظات التي أكدتها مصادر لـ«الشرق الأوسط»، يراها خبراء تشي بأن الحركة وإسرائيل باتتا على قناعة بشراء الوقت وعدم تنفيذ بنود الاتفاق والابتعاد عن التزام نزع السلاح أو بدء الانسحاب، خاصة في ظل عام انتخابي إسرائيلي سيسعى فيه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لكسب أصوات انتخابية.

ويشير الخبراء في أحاديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الفرص محدودة أمام الوسطاء لإحياء الاتفاق وعدم الذهاب لحالة جمود جديدة أو تعثر، وسط سيناريوهات ثلاثة؛ هي بقاء الأوضاع على ما هي عليه، أو التصعيد العسكري الإسرائيلي، أو الدفع بقوات الاستقرار الدولية والقوات الشرطية ودخول لجنة إدارة غزة لبدء عملها، وفرض تغييرات على الأرض لدفع طرفي الحرب للالتزام ببنود الاتفاق.

مفاوضات متعثرة

وتعثرت المفاوضات التي شهدتها القاهرة، بحسب تصريحات سابقة لمصادر تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، حيث تتشبث «حماس» والفصائل بتنفيذ التزامات إسرائيل في المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار، المتعلقة بالأعمال الإغاثية وإدخال الشاحنات إلى القطاع قبل مطالبتها بأي التزامات، بينما تضغط إسرائيل والولايات المتحدة باتجاه المضي الفوري إلى أبرز بنود المرحلة الثانية، وهو «نزع السلاح».

ولم يسفر لقاء القاهرة، بين رئيس فريق «حماس» المفاوض، خليل الحية، والدبلوماسي الأميركي آرييه لايتستون، الذي يعمل حالياً ضمن كبار مستشاري «مجلس السلام»، عن جديد يذكر، بحسب المصادر ذاتها.

وبحسب صحيفة «جيروزاليم بوست»، الخميس، رفضت «حماس» خطة نزع السلاح التي طرحها «مجلس السلام» بقيادة الولايات المتحدة، مطالبةً بإدخال تعديلات عليها، خلال اجتماعات القاهرة.

وقال نتنياهو خلال اجتماع للكابينت، إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يفهم أن ائتلافاً أجنبياً لن ينجح في نزع سلاح حركة «حماس»، مضيفاً أننا «سنضطر نحن إلى فعل ذلك»، وفق ما أوردته القناتان «14» و«آي نيوز 24» الإسرائيليتان، الاثنين الماضي.

وإزاء تلك التعقيدات، يرى المحلل السياسي الفلسطيني الدكتور عبد المهدي مطاوع، أن التحفظات التي شهدتها اجتماعات القاهرة، لا سيما من «حماس»، هي نتيجة فقدان الثقة بين طرفي الحرب، وعدم سهولة تنفيذ الحركة بند نزع السلاح، فضلاً عن انشغال أميركي بملف إيران وعدم تركيزها في ملف الوساطة، ومن ثمّ لا ضغوط حقيقية على إسرائيل حتى الآن.

ويعتقد مطاوع، أن أولويات الوضع الداخلي لنتنياهو لا تسمح له بتقديم أي تنازلات فيما يتعلق بقطاع غزة مع قرب حدوث انتخابات، وبالتالي هذا الوضع المتعثر لاتفاق غزة مريح له في ظل توتر جبهتي إيران وغزة وعدم الاضطرار لدفع أثمان سياسية كالانسحاب وغيره، بخلاف أنه سيكون مريحاً أيضاً «لحماس»، لعدم رغبتها في تقديم قرارات حاسمة بشأن نزع السلاح.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى أستاذ العلوم السياسية المتخصص في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أنه على الرغم من الجهد الكبير الذي يبذله المفاوض المصري، عبر اللقاءات التي استضافتها القاهرة، فلا تزال هناك تحفظات، والمشكلة الأساسية تكمن في التحركات الإسرائيلية المناوئة التي أدت إلى مزيد من التوتر، حيث يعمل الإسرائيليون حالياً على تنفيذ مخطط لنقاط ارتكاز رئيسية في عمق غزة، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى إفشال المفاوضات، خاصة أن هذا التوجه يعني إعادة تموضع وليس انسحاباً.

وأشار فهمي إلى أن «حماس»، تنتظر ما سيسفر عنه ملف (إيران - إسرائيل - أميركا) من نتائج، وإسرائيل تؤجل ملف غزة لوقت لاحق، وهي لا تريد الاصطدام بالجميع، ودليل ذلك فتح المعابر ودخول الشاحنات، لكنها في الوقت ذاته تراهن على بقاء حركة «حماس» في الجانب الآخر لتكريس استراتيجية الأمر الواقع.

مساعٍ مستمرة للوسطاء

وتحدثت مصادر عدة في «حماس» والفصائل الفلسطينية في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، عن محاولات يقوم بها الوسطاء للبدء الفوري في تنفيذ ما تبقى من خطوات المرحلة الأولى، بالتوازي مع إجراء مباحثات حول المرحلة الثانية، على ألا يُنفذ أي جزء من هذه المرحلة قبل استكمال إسرائيل التزاماتها الإنسانية وغيرها ضمن المرحلة الأولى.

وأضاف أحد المصادر: «يسعى الوسطاء إلى جسر الهوة من خلال طرح يقضي بأن يكون العمل في المرحلة الثانية، و(تحديداً مسألة نزع السلاح)، تدريجياً ومشروطاً بالتنفيذ الكامل للمرحلة الأولى».

ويتوقع فهمي أن يبقى المشهد كما هو بحيث لا تقوم إسرائيل بعمل عسكري كامل أو احتلال القطاع، بينما تواصل «حماس» المناورة في المساحة التي توجد فيها لإعادة تدوير دورها، سواء في الملفات التي لم تحل مثل الجهاز الإداري، والسلاح، والشرطة.

وبالتالي سيكون المشهد حسب فهمي أمام مرحلة انتقالية قد تطول، حيث سيطرح كل طرف ترتيباته دون حسم، لتبقى إدارة الأوضاع في غزة هي المطروحة حالياً لأي مساعٍ لتغيير الجمود الحالي.

وفي هذا الصدد، يرى مطاوع أن الفرص محدودة أمام الوسطاء، لإحياء الاتفاق في ضوء موقف الطرفين، ولذا يتوقع أولاً أن يبقى الوضع على ما هو عليه مع إبقاء كل طرف على تحفظاته وشراء الوقت دون تصعيد كبير، في مقابل احتمال عودة الحرب بهدف رفع نتنياهو أسهمه في عام الانتخابات، حال لم يحصد مكاسب داخلية من جبهتي إيران ولبنان.

ويرى أن السيناريو الثالث يتمثل في نشر القوات الدولية والشرطة الفلسطينية، وعمل لجنة قطاع غزة لإيجاد مسار مختلف وواقعي يلزم «حماس» وإسرائيل بإجراءات عملية.