عبد الكريم الزبيدي... طبيب ولاؤه للدولة لا للأحزاب

وزير الدفاع التونسي في السباق لخلافة قائد السبسي

عبد الكريم الزبيدي... طبيب ولاؤه للدولة لا للأحزاب
TT

عبد الكريم الزبيدي... طبيب ولاؤه للدولة لا للأحزاب

عبد الكريم الزبيدي... طبيب ولاؤه للدولة لا للأحزاب

تولى وزير الدفاع والمرشح البارز للرئاسة التونسية الدكتور عبد الكريم الزبيدي مسؤوليات عليا في المؤسسات العلمية والإدارة التونسية منذ عام 1981 في عهد كل رؤساء تونس، من الحبيب بورقيبة، وزين العابدين بن علي، إلى الباجي قائد السبسي، مروراً بفؤاد المبزّع، والمنصف المرزوقي، بعد الانتفاضة الشبابية الاجتماعية التي فجّرت ثورات ما عُرف بـ«الربيع العربي» مطلع 2011. وكان الزبيدي، وهو طبيب، قد عيّن لأول مرة عضواً في حكومة بن علي مكلفاً بالبحث العلمي عام 1999، ثم عيّن وزيراً للصحّة في 2001 عندما كان محمد الغنوشي رئيساً للوزراء، بيد أنه ارتقى في سلم المسؤوليات خلال السنوات الأربعين الماضية، ليتصدر قائمة المترشحين لرئاسة تونس خلال السنوات الخمس المقبلة.
عبر الرحلة من مهنة الطب إلى عالم السياسة، تولّى الدكتور عبد الكريم الزبيدي مسؤوليات كثيرة، معظمها في قطاعات الطب والتعليم العالي والبحث العلمي. وتفيد السيرة الذاتية للزبيدي الطبيب والجامعي أنه ولد عام 1950 في مدينة الرجيش، بمحافظة المهدية السياحية، على بُعد 200 كلم جنوبي العاصمة تونس.
وحقاً، نشأ الزبيدي في جهة الساحل، بين محافظات المهدية والمنستير وسوسة، التي ينحدر منها الرئيسان السابقان الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، اللذان حكما تونس ما بين 1955 و2011. وكذلك غالبية كبار المسؤولين في الدولة والحزب الحاكم.
ومِثل كثيرين من طلبة النخبة التونسية، تمكّن الزبيدي من إكمال دراساته العليا في أوروبا، فحصل على شهادة دكتوراه في الطب من جامعة كلود برنار - ليون 1 المرموقة في مدينة ليون بفرنسا. كما أنه حصل من الجامعة نفسها على شهادة الماجستير في علم وظائف الأعضاء البشرية، وأيضاً الماجستير في علم الصيدلة الإنسانية، إضافة إلى شهادة الدراسات المعمقة في علم وظائف الأعضاء البشرية، وشهادة دراسات وبحوث في علم الأحياء البشري.
ولقد نجح الزبيدي بفضل تفوقه العلمي في أن يتولى مبكراً مسؤوليات إدارية في الجامعة والمستشفيات التونسية. وعيّن منسقاً لتدريب كبار الفنيين الصحيين في كلية الطب بمدينة سوسة، خلال الفترة بين 1981 و1988. وتحمّل في الفترة ذاتها الكثير من المسؤوليات الرسمية والمناصب داخل الجامعة، بينها رئيس قسم العلوم الأساسية بين 1982 و1989. وحاز رتبة أستاذ في المستشفيات الجامعية العمومية منذ 1987.
بعدها، عيّن الزبيدي رئيساً لخدمة الاختبارات الوظيفية في مستشفى فرحات حشّاد الجامعي في مدينة سوسة بين 1990 و1999. وعيّن منذ 1992 مسؤولاً عن بعثات الخبراء في مجال التطبيقات الطبية النووية لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وترأس الزبيدي كلية علم وظائف الأعضاء والاختبارات الوظيفية التابعة لوزارة الصحة العمومية بين 1994 و1997، ثم عيّن رئيساً لجامعة الوسط برتبة عضو في الحكومة بين 1995 و1999. وبعد مغادرته الحكومة «لأسباب صحية وعائلية» عيّن عميداً لكلية الطب في جامعة الوسط بسوسة بين 2005 و2008.

العودة إلى الحكم
عاد الدكتور الزبيدي إلى الحكومة بعد أسبوعين فقط من ثورة يناير (كانون الثاني) 2011 عندما أسندت إليه حقيبة وزارة الدفاع في الحكومة الثانية التي شكّلها رئيس الحكومة محمد الغنوشي يوم 27 يناير، وسقطت بعد نحو شهر. وبعد الإطاحة بحكومة الغنوشي الثانية وتعيين السياسي المخضرم الباجي قائد السبسي (الرئيس الراحل) رئيساً جديداً للحكومة، بقي الزبيدي في منصبه وزيراً للدفاع.
كذلك ظل الزبيدي وزيراً للدفاع في أعقاب الانتخابات التعدّدية الأولى التي نظمت في تونس يوم 23 أكتوبر (تشرين الأول) 2011، وهي الانتخابات التي أوصلت الدكتور المنصف المرزوقي إلى قصر قرطاج الرئاسي، والأمين العام لحزب «حركة النهضة» حمادي الجبالي إلى قصر الحكومة. واحتفظ الزبيدي بالمنصب مجدداً حتى مارس (آذار) 2013، إلا أنه انسحب في أعقاب الاحتجاجات والاضطرابات السياسية التي عقبت اغتيال الناشط السياسي اليساري شكري بلعيد، ثم استقالة رئيس الحكومة حمادي الجبالي، وتعويضه بوزير الداخلية آنذاك علي العريّض.

رفض رئاسة الحكومة وحقيبة الداخلية
وعُين الزبيدي من قبل رئيس الحكومة الجديد علي العريّض (مارس 2013 - يناير 2014) مستشاراً لوزير الصحة عبد اللطيف المكي برتبة وزير، إلا أنه اختار الانسحاب، وبرّر موقفه بأسباب صحية وعائلية. كذلك رفض الزبيدي طوال 4 سنوات عروضاً كثيرة قدّمها الرئيس الباجي قائد السبسي، من بينها رئاسة الحكومة الأولى في عهده بعد انتخابات 2014. ولقد حاول صديقه الوزير المخضرم الحبيب الصيد إقناعه بقبول عرض قائد السبسي، لكنه تمسك بموقفه الرافض.
وفي المقابل، يؤكد المقرّبون منه أنه لعب دوراً كبيراً في إقناع الصيد بالموافقة على اقتراح تولي رئاسة الحكومة، بحكم تجربته الطويلة في الإدارة، وعلى رأس مؤسسات استراتيجية في الدولة، من بينها الداخلية والتنمية المحلية والفلاحة والبيئة.
وبعد إسقاط حكومة الحبيب الصيد في أغسطس (آب) 2016، تلقّى الزبيدي عروضاً لتشكيل الحكومة الجديدة، أو دخول حكومة يوسف الشاهد الأولى وزيراً للداخلية والأمن، لكنه اعتذر.

في حكومة الشاهد
واصل الزبيدي رفض العودة إلى الحكومة حتى سبتمبر (أيلول) 2017 عند تشكيل حكومة يوسف الشاهد الثانية، وذلك بعد مفاوضات شملت معظم الأحزاب السياسية والنقابات، وأسفرت عمّا سُمّي بـ«وثيقة قرطاج»، وعن إدخال تغييرات شملت حقائب وزارات الدفاع والعدل والداخلية.
ولقد أكد يوسف الشاهد أنه عرض على الزبيدي حقيبة الداخلية والأمن، إلا أنه رفضها وقبل بحقيبة الدفاع، التي تشرف على تأمين حدود تونس وأمنها الخارجي والمشاركة في الحرب على الإرهاب، ولكن دون التورط مباشرة في الملفات الأمنية والسياسية الداخلية المعقّدة.
وبالفعل، بقي الزبيدي في هذا المنصب طوال سنتين بعيداً عن الانخراط في المعارك السياسية، مكرّساً مواقف المؤسسة العسكرية التونسية منذ عهد الرئيس الحبيب بورقيبة وثوابتها؛ الجيش في الثكنات، وتثبيت الحياد السياسي، والتفرغ للملفات الوطنية المشتركة.

علاقته بقائد السبسي
استفاد الزبيدي من دستور تونس الجديد، الصادر في يناير 2014، الذي يجعل وزراء السيادة - وبينهم وزير الدفاع - تحت إشراف مباشر من رئيس الجمهورية، على الرغم من انتمائهم إلى الفريق الحكومي الذي يقوده رئيس الحكومة، وعلى الرغم من مشاركتهم في اجتماعات مجلس الوزراء بإشرافه، وخضوعهم لمراقبة مباشرة من البرلمان.
هذه العلاقة المميزة بمؤسسة رئاسة الجمهورية، مكّنت وزير الدفاع الزبيدي من أن يكون أحد أكثر الوزراء تواصلاً مع الرئيس ومستشاريه، وبينهم مستشاروه في قطاعات الأمن والدفاع. ومكّنه هذا الموقع من أن يتابع مباشرة تطورات التنسيق الأمني والعسكري الإقليمي والدولي في مجالات مكافحة الإرهاب، والتطورات الأمنية والسياسية في ليبيا ومناطق التوترات الأمنية في شمال أفريقيا ودول الساحل والصحراء، بما فيها ما يتعلق بالحرب ضد تنظيمات مسلحة مثل «القاعدة في المغرب الإسلامي» و«داعش» وعصابات التهريب للأسلحة والسلع والأموال والمهاجرين غير القانونيين.
وبالتالي، مع دعم قائد السبسي دور مؤسسة الرئاسة في متابعة الملفات الاستراتيجية والأمنية والعسكرية، اقترب الزبيدي أكثر من مؤسسة الرئاسة والتأثير في بعض قراراتها.

خلافات رأسي السلطة
ولكن، قبل سنة ونصف السنة، عندما اندلعت الخلافات بين قائد السبسي والشاهد، وتطوّرت إلى أزمة مفتوحة بين رأسي السلطة التنفيذية في قصري الرئاسة والحكومة... بل إلى صراع سياسي علني داخل الحكومة والبرلمان ووسائل الإعلام، التزم الزبيدي الحياد، وحاول مراراً الانسحاب من المشهد واعتزال السياسة والتفرّغ لحياته الخاصة والعائلية.
وبالفعل، ينقل مقربون من الشاهد والسبسي أن الطرفين كانا يحرصان على وساطته في عدد من الملفات. وعندما استفحل «الخلاف الرئاسي» عام 2018 وفشلت جهود قائد السبسي لإسقاط رئيس الحكومة، عرض الزبيدي مجدداً استقالته، لكن الرئيس تمسك به وقرّبه أكثر.
وهكذا، بقي الزبيدي في منصبه، لكنه كان يؤكد للمقربين منه موقفه المتمسك بحياد المؤسسة العسكرية، المعارض للاصطفاف ضد رئيس الجمهورية القائد العام للقوات المسلحة... أو ضد رئيس الحكومة الذي يمنحه الدستور والبرلمان أكبر الصلاحيات في تسيير شؤون الدولة ومؤسسات الحكم.

شعبية المؤسسة العسكرية
لقد استفاد الزبيدي من شعبية الجيش التونسي نتيجة تحاشي قياداته التورط مباشرة في قضايا الرشوة والفساد والاستبداد طيلة السنوات الـ60 الماضية، خلافاً لبعض القيادات الأمنية المدنية و«لوبيات» المال والأعمال والسياسة.
وعندما تدهورت الحالة الصحية للرئيس قائد السبسي يوم 27 يونيو (حزيران) الماضي إلى درجة استحالة نقله للعلاج في الخارج، طلب الزبيدي مع أطبائه نقله إلى المستشفى العسكري الكبير في العاصمة تونس؛ حيث تتوفر نخبة من الأطباء العسكريين والمدنيين والتجهيزات الطبية المتقدمة. ونُقل السبسي إلى المستشفى العسكري في اليوم الذي كانت فيه قوات الجيش والأمن الوطني تتصدّى لمجموعة إرهابية هاجمت مركز إرسال إذاعي وتلفزيوني في جنوب تونس على الحدود مع الجزائر، ولمجموعة إرهابية نظّمت عمليتين انتحاريتين وسط العاصمة تونس. ويومها كانت الأولى أمام مقر إدارة مكافحة الإرهاب، والثانية بالقرب من وزارة الداخلية والسفارة الفرنسية بتونس.
وأدى التعاطف الشعبي مع الرئيس المريض الذي يُعالج في المستشفى العسكري، ومع القوات التي تحارب الإرهابيين، إلى ترفيع التعاطف الشعبي مع المؤسسة العسكرية ومع وزير الدفاع الذي اختاره السبسي وأفراد عائلته صباح اليوم الموالي، ليكون الشخصية الرسمية التي أجرى معها اتصالاً هاتفياً لطمأنة الشعب وتفنيد إشاعة وفاته.
كذلك كان الزبيدي آخر مسؤول في الدولة قابله قائد السبسي صباح يوم الاثنين 22 يوليو (تموز) قبل 3 أيام فقط من نقله مريضاً للمرة الثالثة إلى المستشفى العسكري، ثم الإعلان عن وفاته. وأفاد الزبيدي أن المقابلة شملت الحديث عن الوضع الأمني والعسكري في البلاد.
بعد تلك المقابلة، التي بدا فيها السبسي منهكاً ولم يخاطب الشعب، التقى وزير الدفاع رئيس البرلمان محمد الناصر والسفير الأميركي لدى تونس دونالد بلوم، وأوردت وسائل الإعلام التونسية أن قائد السبسي كلّفه بذلك، في خطوة فهم المراقبون أنها محاولة جديدة من الرئيس وعائلته ومستشاريه لتهميش دور رئيس الحكومة و«ابنه الروحي» المتمرد عليه يوسف الشاهد، وإبراز الزبيدي بصفته «رجل ثقة الرئيس والأب الكبير».

الجيش ومراسم التشييع
ويوم وفاة قائد السبسي فوجئ العالم والتونسيون بسلاسة نقل السلطات من الرئيس الراحل إلى رئيس البرلمان، وفق ما ينص عليه الدستور. ونقلت وسائل الإعلام موكب أداء الرئيس الجديد في البرلمان، بعد ساعات من إعلان وفاة قائد السبسي، بعد جلسة عمل جمعته برئيس الحكومة الشاهد، ومشاورات مع وزيري الدفاع والداخلية، أُعلن في أعقابها أن جنازة وطنية ستنظم للرئيس الراحل بعد يومين فقط. وبعد مراسم التشييع فهم الجميع أن قادة الجيش ووزير الدفاع شخصياً كانوا وراء النجاح الأمني والسياسي، لأن كبار الضباط من القوات البحرية والبرية والجوية كانوا في صدارة المشهد طوال مراسم الدفن التي تواصلت نحو 5 ساعات.

دعوات للترشيح
ونوّهت المواقع الاجتماعية ووسائل الإعلام المختلفة بنجاح المؤسسة العسكرية، وتوالت بسرعة الدعوات إلى ترشيح وزير الدفاع لرئاسة الجمهورية. وانخرط في حمّى المساندة لترشيح الزبيدي عائلة قائد السبسي، بزعامة نجله الأكبر حافظ، رئيس حزب «نداء تونس»، ثم قيادات حزبية وسياسية علمانية، بينها ياسين إبراهيم ورفاقه في حزب «آفاق».
أيضاً، صدرت تصريحات بالجملة مساندة لمبدأ ترشيح الزبيدي من داخل حزب «حركة النهضة»، قبل أن تقرر قيادته الموسّعة في اجتماع جديد ترشيح النائب الأول لرئيس الحركة ورئيس البرلمان بالنيابة عبد الفتاح مورو.

مرشح الحداثة
واليوم، بعد حسم «النهضة» موقفها بترشيح زعيمها التاريخي الثاني عبد الفتاح مورو لخوض السباق، فإنه من بين الأسئلة المطروحة؛ هل سينجح الزبيدي وأنصاره في إقناع غالبية المرشحين للرئاسة المحسوبين على تيار الحداثة بالانسحاب لصالحه، كي يتزعم «جبهة التحديثيين» المعارضة لمرشح الإسلاميين؟
ثم كيف سيتفاعل الزبيدي وأنصاره مع رئيس الحكومة يوسف الشاهد، المرشح بدوره للرئاسة، مدعوماً من قبل حزب كبير، انخرط في قياداته المركزية والمحلية عدد كبير من كوادر الدولة والحزب الحاكم قبل انتفاضة 2011 وبعدها.
في أي حال، فإن ترشح وزير دفاع للرئاسة، واستقالته في اليوم نفسه من الحكومة للتفرغ لحملته الانتخابية، حدث يحصل لأول مرة في تونس. إذ بات القانون الانتخابي يسمح فيها للعسكريين والأمنيين بالمشاركة في الاقتراع العام - أي في الحياة السياسية - بحجة المساواة في الحقوق والواجبات مع المدنيين.



«إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي

مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
TT

«إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي

مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)

تتحرّك المفوضية الأوروبية هذه الأيام في اتجاه مراجعة واسعة لعدد من قواعدها وتشريعاتها، في مسعى تعلن عنه بوصفه «تبسيطاً» و«تحديثاً» بينما يراه كثيرون «إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي نفسه... فالقصة لا تتعلق بتفصيل قانوني معزول بل موازنة دقيقة بين المنافسة والضبط وبين حماية الحقوق وتسريع الاقتصاد وبين الوحدة التشريعية التي تريدها بروكسل والتباينات السياسية داخل الدول الأعضاء... في العمق تكشف هذه المراجعات عن سؤال أوروبي كبير هو: هل لا يزال الاتحاد قادراً على الجمع بين المعايير الصارمة والمرونة الاقتصادية في زمن يتغير بسرعة؟ أم أن الضغط العالمي من واشنطن إلى بكين يدفعه الآن إلى إعادة ترتيب أولوياته على نحو أكثر برغماتية وإن كان ذلك على حساب الصورة المثالية التي طالما عرفته بها الديمقراطيات الغربية؟

لا يمكن فهم ما تشهده بروكسل من انقلاب تشريعي دون العودة إلى سبتمبر (أيلول) 2024، حين سلّم ماريو دراغي، الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي رئيسةَ المفوضية الحالية أورسولا فون دير لاين تقريره الضخم عن «مستقبل تنافسية أوروبا».

جاء التقرير الواقع في 400 صفحة بمثابة صرخة إنذار وجودية: أوروبا تتخلّف عن الركب، والفجوة مع الولايات المتحدة والصين تتّسع بصمت، والنموذج التنظيمي الذي طالما اعتُبر مصدر قوّة يتحوّل شيئاً فشيئاً إلى عبء يُعيق الابتكار. وكشف دراغي فيه أن أوروبا تخسر ما يعادل 300 مليار يورو سنوياً من مدّخرات أسرها المُوظَّفة في الخارج، وأن أسعار الكهرباء تتجاوز نظيراتها الأميركية بنسبة تراوح بين 150 و300 في المائة. وخلص إلى أن «الاتحاد» يحتاج إلى ضخ استثمارات إضافية تناهز 800 مليار يورو سنوياً للحفاظ على مكانته، واصفاً الوضع بأنه «تحدٍّ وجودي» قد يُفضي الإخفاق في مواجهته إلى «الأفول التدريجي» للقارة.

أورسولا فون دير لاين، رئيسة "المفوضية الأوروبية" (آ ب)

وأمام البرلمان الأوروبي في مدينة ستراسبورغ الفرنسية، حذّر دراغي من أن أوروبا «فشلت في تحويل الابتكار إلى منتجات تجارية قابلة للنمو»، وأن شركاتها الرائدة تجد نفسها مضطرة إلى الانتقال نحو السوق الأميركية كي تنمو، لأن السوق الأوروبية المُجزّأة، وتعقيدات الامتثال، لا تمنحانها الحجم الكافي للمنافسة العالمية. وتبعاً لهذا التقرير استجابت المفوضية في يناير (كانون الثاني) 2025 بإعلان «بوصلة التنافسية»، وهي مخطط استراتيجي لخمس سنوات يضع تخفيف الأعباء التنظيمية في صدارة الأولويات، مع التمسك بالأهداف المناخية الكبرى، ومنها «الحياد الكربوني» بحلول 2050.

عوامل الضغط المتراكمة من الداخل والخارج

في الواقع، لا يمكن عزل هذه المراجعات عن مُناخ سياسي داخلي وخارجي بالغ الاضطراب. ففي الداخل، أسفرت انتخابات البرلمان الأوروبي في يونيو (حزيران) 2024 عن صعود ملموس للتيارات اليمينية والقومية المتطرفة التي طالما انتقدت ما وصفته بـ«التضخم التشريعي» الصادر عن بروكسل، ولا سيما «الصفقة الخضراء الأوروبية». وشكّلت موجة احتجاجات المزارعين التي اجتاحت عواصم أوروبية عدة في مطلع 2025 رافداً شعبياً مباشراً لهذا التحوّل، إذ رفع المحتجون الصوت ضد تضخّم القواعد والاشتراطات التي يرون أنها تُثقل كاهلهم.

أما على الصعيد الخارجي، فقد وضعت عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في يناير 2025، وإعلانه رزمة رسوم جمركية واسعة طالت الصادرات الأوروبية، المفوضيةَ أمام معادلة بالغة الدقة: إذ كيف تحافظ أوروبا على تنافسيتها في مواجهة شريك يرفع الجدران الجمركية من ناحية، ومنافس صيني من ناحية أخرى يضخ دعماً حكومياً هائلاً في صناعاته، في حين تلتزم هي بمنظومة تنظيمية صارمة تُثقل كاهل شركاتها؟

تقرير دراغي يُلخّص هذه المفارقة في جملة واحدة: «أوروبا قادت سباق القواعد، بينما خسرت سباق السوق».

أورسولا فون دير لاين، رئيسة "المفوضية الأوروبية" (رويترز)

أصوات المسؤولين بين الاعتراف والوعد

لقد أطلقت رئيسة المفوضية فون دير لاين منذ اليوم الأول لولايتها الثانية خطاباً تجديدياً صريحاً، ففي «منتدى دافوس» خلال يناير 2025 أعلنت الانطلاق نحو «تبسيط جذري لقواعد التمويل المستدام، والعناية الواجبة». وفي لقائها مع الصحافة الألمانية لاحقاً أقرّت بأن «كثرة القواعد وإلزامات إعداد التقارير تُقيّد مسيرة النشاطات الاقتصادية، والتجارية، ولا سيما تلك التي تخصّ الشركات الصغيرة»، مستندةً إلى بيانات صندوق النقد الدولي التي تُشير إلى أن العوائق الداخلية في السوق لأوروبية الموحّدة تعادل في أثرها رسوماً جمركية بنسبة 45 في المائة.

وأيضاً حدّدت هدفاً كمياً واضحاً هو خفض الأعباء الإدارية بما لا يقل عن 25 في المائة على جميع الشركات، و35 في المائة على المؤسسات الصغيرة، والمتوسطة، بما يُوفّر 37.5 مليار يورو سنوياً، وطالبت البرلمانَ الأوروبي والدولَ الأعضاء بإقرار الحزم التبسيطية من دون إبطاء.

هذه الدعوة وجدت صدىً في العواصم الكبرى، إذ دعمت ألمانيا وفرنسا مسار التبسيط صراحةً، ووصفت برلين الحزمة الأولى بأنها «خطوة لازمة للتوفيق بين التحوّل المستدام والقدرة التنافسية». وانضمت بولندا، التي ترأست مجلس «الاتحاد» في مطلع 2025، إلى هذا التوجه، واصفةً إياه بـ«المبادرة الضرورية لتعزيز تنافسية الاتحاد».

كذلك كان رئيس «المجلس الأوروبي» أنطونيو كوستا قد أضفى على هذا التوجّه طابعاً سياسياً رفيعاً، حين أكد في رسالة وجّهها إلى قادة «الاتحاد» قُبيل القمة غير الرسمية في فبراير (شباط) 2026 أن «التبسيط ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لجعل أوروبا تُنجز ما وعدت به مواطنيها»، مضيفاً أن المواطن الأوروبي «بات يقيس صدقية مؤسساته لا بعدد اللوائح التي تُصدرها، بل بالنتائج الملموسة التي تُوفرها على أرض الواقع».

وفي السياق ذاته، دعا كوستا -وهو رئيس سابق للحكومة البرتغالية- القادة الأوروبيين إلى «تسريع المفاوضات حول الحزم التبسيطية المعلّقة»، محذّراً من أن التأخر سيُضعف صدقية «الاتحاد» أمام شركائه التجاريين قبل أن يُضعفها أمام ناخبيه.

ومن العاصمة الفرنسية باريس، رفع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون صوته في هذا الملف بلهجة تجمع بين الطموح الأوروبي والحرص على السيادة الاستراتيجية. إذ قال في خطاب أمام منتدىً اقتصادي في برلين إن «أوروبا لا تستطيع أن تكون القارة الوحيدة التي تطبّق قواعدها على نفسها بصرامة، بينما يُنافسها الآخرون في ظل قواعد مختلفة تماماً»، مطالباً بأن يرافق التبسيط التشريعي سياسةٌ صناعية أوروبية متماسكة تحمي القطاعات الاستراتيجية من المنافسة غير المتكافئة.

استقلالية التشريع

ومن جهة ثانية، دعا ماكرون صراحةً إلى تطوير ما وصفه بـ«استقلالية التشريع»، بمعنى أن تمتلك أوروبا القدرة على تكييف قواعدها بسرعة، استجابةً للمتغيرات الجيوسياسية، ومن دون الانتظار سنوات في مسارات تشريعية مضنية.

أما المستشار الألماني (السابق) أولاف شولتس، فقد تبنّى موقفاً أكثر مباشرةً حين صرّح إبان مناقشات «مجلس الاتحاد» بأن «الاقتصاد الأوروبي لا يحتاج إلى مزيد من القواعد، بل إلى مزيد من الحرية للابتكار، والنمو»، مستنداً إلى معاناة الصناعة الألمانية في مواجهة منافسة صينية مدعومة حكومياً، بينما تتصاعد أعباء الامتثال في الداخل. وفي السياق ذاته، حرص شولتس على الإشارة إلى أن التبسيط لا يعني التخلي عن أهداف الحياد المناخي، لكنه يعني تحرير الطاقة الإنتاجية للشركات كي تنجز هذا التحول.

في المقابل، حمل الصوت الإيطالي مقاربة مغايرة، إذ اعترضت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، في قمة القادة غير الرسمية ذاتها، على ما رأت فيه تسرّعاً في إقرار بعض الحزم من دون تقييم كافٍ لأثرها على الصناعات التقليدية، ولا سيما قطاع السيارات الذي يُمثّل ركيزة اقتصادية أساسية في عدد من دول الجنوب الأوروبي.

وأردفت ميلوني أن «التبسيط مطلوب، لكن ينبغي ألا يكون ذريعةً للتخلي عن قطاعات بأكملها في مواجهة منافسة آسيوية يدعمها المال العام»، مطالبةً بأن تتضمّن كل حزمة تبسيطية تقييماً صريحاً لانعكاساتها على التوظيف، والنسيج الصناعي في الدول الأعضاء، وكشف هذا الخلاف عن توتر حقيقي داخل الاتحاد بين من يرى التبسيط أداةَ تحرير اقتصادي، ومن يخشى أن يتحول إلى إعادة توزيع للأعباء على حساب الدول الأقل قدرةً على إدارة المرحلة الانتقالية.

ماذا تحت المراجعة؟

منذ فبراير 2025، أصدرت المفوضية الأوروبية عشر حزم تشريعية تبسيطية تحت مسمّى «أومنيبوس»، تُعدَّل بموجبها قوانين متعدّدة في آنٍ واحد عبر توفيرات إدارية مقدَّرة بـ15 مليار يورو سنوياً. وتنصبّ أبرز هذه المراجعات على أربعة محاور:

- في مجال الاستدامة المؤسسية، خُفِّض عدد الشركات الملزمة بالإفصاح البيئي، والاجتماعي من 50 ألفاً إلى نحو خمسة آلاف فقط، أي إعفاء 80 في المائة من الشركات مما يُوفّر 4.4 مليار يورو سنوياً، مع تأجيل موعد الإبلاغ بسنتين لشريحة واسعة أخرى.

- على صعيد سلاسل التوريد، ضُيِّق نطاق «العناية الواجبة» ليقتصر على الشركاء التجاريين المباشرين، بدلاً من امتداده عبر سلسلة التوريد بأكملها.

- أما الملف الأكثر إثارةً للجدل، فهو قانون الذكاء الاصطناعي، إذ اقترحت المفوضية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 تأجيل اشتراطات الأنظمة عالية المخاطر -ومنها تلك المستخدمة في التوظيف، والرعاية الصحية، والقضاء- من 2026 إلى 2028 على أبعد تقدير.

ولقد صوّت البرلمان الأوروبي بغالبية الأصوات لصالح هذا التمديد، بيد أن المفاوضات الثلاثية بين البرلمان والمجلس والمفوضية لا تزال تراوح مكانها حول مسألة جوهرية هي: هل تخضع أنظمة الذكاء الاصطناعي المُدمجة في منتجات مثل الأجهزة الطبية والسيارات لقانون الذكاء الاصطناعي؟ أم تكتفي بالتشريعات القطاعية القائمة؟

وتُضاف إلى ما تقدم ذكره حزم بيئية ودفاعية وزراعية تستهدف مجتمعةً خفض أعباء الامتثال في قطاعات بالغة الأهمية.

ما يكمن وراء الخطاب التبسيطي

إذا كانت الحجج الرسمية تستند إلى ضرورة تعزيز «تنافسية» الشركات، فإن الدوافع الأعمق أكثر تعقيداً. إذ ثمة خشية حقيقية من تسرّب الشركات الأوروبية الناشئة نحو الولايات المتحدة، حيث البيئة التمويلية أيسر، والاشتراطات التنظيمية أخفّ، في حين لا تلتزم الإدارة الأميركية بمعايير مناخية مماثلة، ولا الصين بمستوى مماثل من الرقابة.

ويُضاف إلى ذلك ثقل الضغط الانتخابي الذي كشفت عنه الانتخابات الأوروبية، وضغط جماعات الأعمال الكبرى التي يُشير تحليل منظمة «كوربورت يوروب أوبسرفاتوري» إلى أنها استأثرت بـ69 في المائة من اجتماعات المفوضية عام 2025، مقابل 16 في المائة فحسب لمنظمات المجتمع المدني. وهذا ما دفع أكثر من 360 منظمة مدنية إلى إصدار بيان مشترك، محذّرةً من أن «الأومنيبوس» يُعيد تأطير الشفافية والمساءلة البيئية بوصفهما عبئاً بيروقراطياً بدلاً من اعتبارهما ركيزةً للحوكمة. وذهب باحثون إلى أن الجزء الأكبر من التوفيرات المُعلنة لا يأتي من تبسيط الإجراءات، بل من تقليص النطاق، وإعفاء الشركات من الالتزام أساساً، وثمة فارق جوهري بين التبسيط الحقيقي والتراجع المُقنَّع.

بين السيادة الأوروبية... والبرغماتية

هذه المراجعات تُظهر، حقاً، أن أوروبا لم تعُد تتصرف كما لو أنها تملك رفاهية التشريع المثالي. فهي اليوم تُدير مرحلة برغماتية هدفها حماية وحدة السوق، وتخفيف الضغط على الصناعة، ومنع الانقسام بين دولها الأعضاء، غير أن البرغماتية ليست بلا ثمن. ذلك أن الاتحاد بنى نفوذه الدولي على كونه «حارس معايير» عالمياً في البيئة، وحماية البيانات، وحقوق العمال، والذكاء الاصطناعي. وهذه السمعة رأسمال دبلوماسي واقتصادي حقيقي يتآكل في كل مرة تتراجع فيها أوروبا عن مبدأ راسخ.

في المقابل، يرى المدافعون عن التبسيط أن أي «قاعدة لا تُطبَّق ليست قاعدة»، بل إنها وهم، وأن المعيار الذي تعجز الشركات والجهات الرقابية عن الامتثال له في مواعيده يُفضي إلى فوضى قانونية لا إلى حماية فعلية. ولقد عبّرت فون دير لاين عن هذه المعادلة الصعبة حين دعت في العاصمة الدنماركية كوبنهاغن خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 إلى «التبسيط وإزالة القواعد الزائدة» جاعلةً حزم «الأومنيبوس» النموذجَ المرجعي، في حين يرى المنتقدون أن الخط الفاصل بين إزالة البيروقراطية الزائدة وتفكيك الحماية الجوهرية أرقّ مما توحي به الخطب.

مرحلة جديدة تكتب بروكسل معادلتها الصعبة

في أي حال، المراجعات الجارية في المفوضية الأوروبية ليست مجرد تحديثات تقنية، بل هي محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين القانون، والاقتصاد، والسيادة في لحظة تاريخية فارقة... لحظة تتراجع فيها العولمة الليبرالية، وتتصاعد فيها الحماية الاقتصادية، ويُعاد فيها رسم خرائط النفوذين التكنولوجي والتجاري على مستوى العالم.

وعليه، فالنتيجة الأرجح هي دخول أوروبا مرحلة جديدة أقل مثالية، وأكثر حساباً، وربما أكثر تناقضاً بين ما تريده بوصفها قارةً معيارية تُصدّر قيمها إلى العالم، وما تسمح به باعتبارها قوةً اقتصادية تسعى إلى البقاء بتنافسية في عالم يزداد صلابة.

وبين هذين القطبين المتوترَين، تنسج بروكسل يومياً معادلتها الصعبة، لأن شكل القاعدة القانونية في المركز يُحدّد في نهاية المطاف شكل الحياة اليومية في باريس، وروما، وبرلين، ومدريد، وأثينا. وحينئذٍ تتحوّل السياسة من نصٍّ تفاوضي فوقي إلى تجربة ملموسة في الأسواق، والمصانع.


علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»
TT

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

عندما اقتلعت دبابة أميركية ضخمة يوم 9 أبريل (نيسان) عام 2003 تمثالاً ضخماً للرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، كان يتوسّط «ساحة الفردوس» لم يكن علي الزيدي قد بلغ سن «الرشد السياسي» آنذاك. إلا أن ذلك الشاب تحوّل فيما بعد إلى واحد من كبار أغنياء رجال المال والأعمال في «عراق ما بعد عام 2003»، مع أن سجلّ ولادته يشير إلى أنه ولد في إحدى قرى محافظة ذي قار بجنوب العراق يوم 1/5/1985. منظر تلك الدبابة الأميركية «استفز» قائد «القيادة الوسطى الأميركية» - آنذاك - الجنرال تومي فرانكس، الذي كان يراقب المشهد من قاعدة العُديد في قطر، بعدما شاهد جندياً أميركياً يلف سارية العلم العراقي بالعلم الأميركي. وهذا تصرّف رفضه فرانكس فوراً، فأمر بإنزال العلم الأميركي وتعويضه بالعلم العراقي الذي لا يزال حتى الآن مُختلفاً عليه مع أنه لا يزال يحمل عبارة «الله أكبر» التي كتبت بخط يد صدام حسين.

كان منظر اقتلاع التمثال مدهشاً سواءً للموالين لصدام حسين، الذين شاهدوا سقوط نظامه السريع بينما لا يزال البديل مجهولاً، أو لمعارضيه.

يومذاك كان المعارضون ينقسمون إلى «معارضات» حسب الدول التي أقاموا فيها بين الشرق والغرب. أيضاً لم يكن لبعضهم أي وزن سياسي بعد ما عرف مرة بـ«السقوط» ومرة بـ«التحرير» وثالثة بـ«الاحتلال»، وهو الوصف الذي اتفق عليه لأول مرة مع اختلاف المنطلقات والأهداف مؤيدو صدام ومعارضوه.

طالب الصفوف الثانوية

بين المؤيدين والمعارضين، لم يكن الشاب علي الزيدي في عام 2003 قد أكمل الدراسة الثانوية بعد. وكذلك ما كان قد تشكل طموحه السياسي في ظل فوضى «المحاصصة»، التي سرعان ما دمغت النظام السياسي المتشكل بعد عام 2003، وذلك عن طريق طبقة سياسية لم تكن من الناحية العملية بمثابة «آباء مؤسسين» لهذا النظام. وهذا، مع أنه يجري تداول هذا المصطلح على مستوى التوارث السياسي للسلطة بين الأجيال.

وحقاً، لم تكن ثمة فرصة للأجيال الجديدة في تولي السلطة في العراق، بعدما احتكرتها طبقة الجيل الأول من السياسيين العراقيين. وكان هؤلاء قد انتظموا أول الأمر فيما عُرف بـ«مجلس الحكم»، الذي تألف من 25 قيادياً سياسياً، طبقاً للمحاصصة العرقية والطائفية والدينية والمذهبية بقيادة الحاكم المدني الأميركي بول بريمر.

لذلك اتجه علي الزيدي ومعه عدد كبير من «مجايليه» الشبان بعد إكمال دراساتهم الأولية والجامعية إلى عالم المال والأعمال.

الدولة «مدينة» له!

ونجح الزيدي في عالم المال والاقتصاد والتجارة أيّما نجاح؛ إذ غدا، بمساعدة عائلته، من كبار الأثرياء في البلاد، وهذا إلى الحد الذي وجد معه أن الدولة التي يحتلّ المنصب التنفيذي الأول فيها - أي منصب «رئيس مجلس الوزراء» - مدينة له شخصياً بنحو ملياري دولار أميركي.

مع ذلك، حرص الزيدي على إكمال تحصيله الدراسي، فحصل على درجة الماجستير في تخصّص المالية والمصرفية، في أعقاب إنهائه المرحلة الجامعية الأولى بحصوله على درجتي بكالوريوس في المجال ذاته، إلى جانب الإجازة في القانون. ومنذ ذلك الحين عرف علي الزيدي بخبرته المهنية التي شملت تدرّجه في عدد من المناصب الإدارية والقيادية، منها تولّيه رئاسة مجالس إدارة كلٍّ من «الشركة الوطنية القابضة»، و«جامعة الشعب»، و«معهد عشتار الطبي»، إضافة إلى «مصرف الجنوب».

الزيدي... الشاب الذي اقتحم الحلبة

لقد وقف نوري المالكي، رئيس الوزراء الأسبق وأحد أبناء «الجيل الأول» من السياسيين العراقيين في حقبة ما بعد 2003، وهو ينظر إلى علي الزيدي، الذي لم يكن عام 2003 - وهي حقبة ما بعد سقوط صدام حسين ونظامه - قد بلغ سن الرشد السياسي بعد.

بيد أنه اليوم، وبحضور المالكي ومن معه من قيادات الصف الأول، يقف مكلّفاً بتشكيل حكومة عراقية هي التاسعة بعد التغيير عام 2003، بموجب مرسوم جمهوري من رئيس الجمهورية نزار آميدي.

في هذا السياق، الجميع يعرف أن إسقاط صدام حسين ما كان ليحصل لولا الولايات المتحدة الأميركية، التي - مع هذا - لم يستمر «شهر عسلها» مع القوى السياسية التي سلمتها واشنطن السلطة على طبق من فضة بعد مقتل أكثر من 5000 آلاف جندي أميركي وإنفاق عدة تريليونات من الدولارات. ذلك أن هذه القوى سرعان ما قلبت ظهر المِجَنّ لواشنطن، وبدأت عملية تداول «سلمي» وغريب للسلطة... تُدار عبر انتخابات يقتصر الاعتراف بنتائجها على تقاسم الوزارات، بينما يجري توزيع باقي المناصب طبقاً للمحاصصة العرقية والطائفية.

وللعلم، طوال العقدين الماضيين من الزمن، بدت الكفة الإيرانية التي تؤيد الطبقة السياسية الشيعية التقليدية هي الأكثر أرجحية مقابل «هزيمة» للأميركيين!

بطبيعة الحال، هذه المعادلة لم ترض الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب، الذي رفض ترشيح قوى «الإطار التنسيقي» الشيعية لنوري المالكي، الذي سبق له أن ترأس الحكومة العراقية لدورتين، بينما لم ينجح في نيل الثالثة بسبب «فيتو» المرجعية آنذاك، ثم واجه هذه المرة «فيتو» ترمب.

دور «فيتو» ترمب في ترئيس الزيدي

ترمب، فرض «الفيتو» أخيراً؛ لأنه أعرب دائماً عن ضيقه من الخسائر الأميركية التي ترتّبت على إسقاط صدام، وأيضاً غضبه من إحجام القيادات السياسية العراقية - لا سيما الشيعية منها - عن تقديم الشكر لواشنطن على ما يعدّه ترمب «عملاً كبيراً» قامت به القوات المسلحة، وكذلك المؤسسات السياسية في الولايات المتحدة، لصالحها.

وبالتالي، فإنه بعد «الفيتو» على تولي المالكي رئاسة الحكومة، عجزت القوى السياسية الشيعية عن الإتيان ببديل من داخلها، الأمر الذي مهّد الطريق أمام ما بات يسمى في العراق بـ«الإزاحة الجيلية»، الذي تقدَّمه هذه المرة رجل المال والأعمال علي الزيدي، الذي بات يحظى بقبول أميركي واسع النطاق، بينما تحاول إيران مُرغمة على الترحيب به.

وفي الحقيقة، الزيدي ليس فقط من خارج توليفة «الجيل الأول»، الذي يضم إلى جانب المالكي أشخاصاً كإياد علاوي، وإبراهيم الجعفري، وحيدر العبادي، وعادل عبد المهدي. بل، هو أيضاً ليس حتى من «الجيل» الذي تلاهم، ومنه مصطفى الكاظمي ومحمد شياع السوداني. إلا أنه يصطف مع الجيل الأول الذي تعامل مع مُرسي النظام السياسي الحالي؛ أي الحاكم الأميركي بول بريمر.

أكبر من إزاحة جيلية

مهما يكن من أمر، اقتحم علي الزيدي الحلبة متسلّحاً برؤية اقتصادية ومالية هي أهم ما يحتاج إليه العراق الآن، ولا سيما في أعقاب فشل ما يمكن تسميته تجاوزاً «جيل التأسيس» في بناء دولة قادرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والمالية والتنموية.

إذ إن العراق لم يتمكن بعد من الخروج من «عنق زجاجة» المماحكات السياسية التي أثقلته بالمديونية، وبملايين الموظفين الذين يعتمدون على مبيعات النفط فقط. مع ذلك، فإن الزيدي، الذي اقتحم الحلبة بصورة مفاجئة، لا يبدو «طارئاً» على الجسم السياسي، وبالأخص بعد كل المباركات الداخلية والإقليمية والدولية التي حصل عليها.

ولا يبدو هذا التبادل للسلطة قسرياً من الظاهر، بل كل شيء جرى أمام كاميرات التلفزيون وسط تبادل للابتسامات والنظرات، وربما الحسرات المُضمرة، التي لم تكشف عنها «فلاشات» التصوير التي تطايرت أضواؤها في تلك اللحظة عند أول انتقال سلمي للسلطة، وهي التي لم يتداولها منذ عقدين ونيف من الزمن سوى مؤسسي الآيديولوجيات الحزبية... ببُعديها السياسي القومي والديني.

كسر القواعد والسياقات

بلا شك، هناك من يرى أن ما حصل تحوّل كبير كسر كل القواعد والسياقات، بل أيضاً القوالب التي بدت صامدة وصلدة ومحمية، طوال 23 سنة من عمر هذا النظام السياسي.

وطبقاً للنتائج والمعطيات، فإن ما حصل لانتقال السلطة، وبهذه الطريقة من صراع بين كبار آيديولوجيّي ومؤدلجي هذه السلطة بزعاماتها التاريخية والجغرافية والطبقية والمناطقية، بدا مفاجئاً. لكنه جاء أيضاً سلساً إلى جيل الأبناء، وإن كان هذه المرة من خارج «النموذج» السياسي.

ليس هذا فقط. بل هناك ما هو لافت أكثر؛ فمن المعروف أن واشنطن هي التي جاءت بـ«الجيل الأول» - أو «جيل الآباء» - من الطبقة السياسية التي أخفقت في تأسيس نظام خارج «المحاصصة» وتوزيع المغانم. ولكن الرئيس ترمب، الذي لديه ملاحظات على طريقة «تحرير» العراق أيام كانت مفردة «التحرير» تحتل كل القواميس، أو «احتلال» العراق التي باتت هي المفردة الأكثر تداولاً فيما بعد، يرى أن التغيير الحالي من «جيل الآباء إلى جيل الأبناء إنما تحقق بمساعدته أيضاً».

ماذا يعني هذا؟ إنه يعني أكبر من مجرد «إزاحة جيلية»، بل يثبت أن واشنطن... هي اللاعب الأساسي في تقرير من يحكم العراق. أنها، كما جاءت بـ«الجيل الأول» ها هي نفسها تأتي بـ«جيل الأبناء»، وهذه المرة خروجاً من خارج دهاليز السياسة... إلى قلب مصالح المال والأعمال.


الفرص والتحديات أمام رئيس الحكومة العراقية العتيد

لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
TT

الفرص والتحديات أمام رئيس الحكومة العراقية العتيد

لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)

لم يتأخر الرد الإيراني على ما صدر عن الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن تكليف علي الزيدي بتشكيل الحكومة العراقية المقبلة. وللعلم، من المقرر أن ينال الزيدي، هذا الأسبوع، تأكيدات راسخة من البرلمان العراقي حيال ترؤس الحكومة العراقية التاسعة بعد عام 2003.

هذا، وفي حين أقرّت الولايات المتحدة، ومعها حليفتها بريطانيا، بعد مرور أقل من شهر على غزو العراق واحتلاله يوم 9 أبريل (نيسان) 2003، بأنهما «قوتا احتلال» وفق القانون الدولي، تغير الحال؛ إذ بعد ذلك، فرغت إيران من ترتيب أوراقها في العراق، وأحكمت سيطرتها على جميع مفاصل السلطة عن طريق قوى المعارضة - الشيعية، بالذات - التي تسلّمت السلطة. وسرعان ما بات يطلق على الوجود الأميركي في العراق مسمى «احتلال» يتطلب المقاومة لإخراجه.

في ضوء ذلك، تشكلت «قوى السلاح»، التي لا تزال ترفع شعار المقاومة رغم تغير الحكومات وخروج القوات الأميركية من العراق عام 2011، ثم عودتها إلى عام 2014 بطلب من الحكومة العراقية بعد احتلال تنظيم «داعش» ثلث الأراضي العراقية.

وعلى الرغم من استمرار الجدل والخلاف بين واشنطن وطهران في شأن العراق، وانقسام القوى السياسية العراقية بين مؤيد بالكامل لإيران، وهي «قوى السلاح» وعدد كبير من القوى الشيعية، فإن الكرد والسنّة ما زالوا في مرحلة انعدام الوزن نتيجة عجزهم عن الموازنة في العلاقة بين واشنطن وطهران مرة، وبغداد مرة ثالثة، حتى اليوم.

ولكن الواضح أنه بدأت ملامح علاقة جديدة تترسم في الأفق على صعيد العلاقة بين واشنطن وطهران بعد حربي «الـ12 يوماً» عام 2025 والحرب الراهنة مع الوقف الهشّ لإطلاق النار. فللمرة الأولى تلوح في الأفق ملامح «حالة جديدة» تتشكل داخل العراق... جوهرها تراجع النفوذ الإيراني لصالح واشنطن في عهد دونالد ترمب.

ترمب (آ ب)

ويتمثل هذا من ناحية في رجحان كفة الحرب الراهنة لصالح واشنطن على أذرع طهران في المنطقة - ومنها «قوى السلاح» في العراق - التي بدأت تتلقى ضربات عنيفة، ومن ناحية ثانية في عجز القوى الشيعية القريبة من طهران من تشكيل حكومة عراقية على هواها أو هوى العاصمة الإيرانية... وبخاصة بعد «الفيتو» الذي فرضه الرئيس الأميركي على نوري المالكي لتشكيل الحكومة.

بالتالي، في حين بدا وصول شاب في الأربعينات من عمره، أي الزيدي، إلى منصب رئيس الوزراء - أهم منصب تنفيذي في العراق، وهو الذي احتكرته منذ عام 2003 وإلى اليوم القيادات الشيعية - أمراً مفاجئاً، فإن الأمور لا تزال قليلة الوضوح. فالزيدي، وفق مراقبين، في حالة من انعدام الوزن تتمثل بكون تكليفه «فرصة» له للنجاح بسبب خلفيته الاقتصادية، وبكون التكليف «تحدّياً» تؤكّده الرسائل الموجّهة إليه من الرئيس ترمب ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

طهران، كما يبدو، اختارت خوض «معركة دبلوماسية» مع واشنطن عبر بغداد برسائل «شديدة الانفجار»، بعدما كشفت الرئاسة الإيرانية عن مضمون المكالمة الهاتفية التي أجراها بزشكيان مع الزيدي بعد نحو أسبوعين على ترشيحه. وبينما سارع ترمب إلى تهنئة الزيدي بعد أيام قليلة على تكليفه، فإن بزشكيان لم يكتف بتهنئة الزيدي، بل كتب في تدوينة على منصة «إكس» عبارة «نحن المسلمين قد خضعنا سابقاً؛ خضعنا للقدير المتعال، ولا أحد غيره يستطيع أن يُخضعنا». وأضاف في حديث هاتفي مع الزيدي، «شددتُ على ضرورة نصح المسؤولين الأميركيين بسحب التهديد العسكري من منطقتنا؛ لأنه لا يمكن إخضاع أتباع المذهب الشيعي».