مولد كهربائي يعمل بحرارة الجسم وشحنة إنقاذ للهاتف الجوال وزجاجات يمكن التهامها

ابتكارات مبدعين من الشباب الأميركي

المبتكر تايلور ويلسون  -  مصاصات لمكافحة الفواق  -  قناني مياه مأكولة
المبتكر تايلور ويلسون - مصاصات لمكافحة الفواق - قناني مياه مأكولة
TT

مولد كهربائي يعمل بحرارة الجسم وشحنة إنقاذ للهاتف الجوال وزجاجات يمكن التهامها

المبتكر تايلور ويلسون  -  مصاصات لمكافحة الفواق  -  قناني مياه مأكولة
المبتكر تايلور ويلسون - مصاصات لمكافحة الفواق - قناني مياه مأكولة

هنالك حماس متجدد لتشجيع الطلاب على دخول المجالات العلمية والتقنية والهندسية والرياضيات. فالاقتصاد برمته يعتمد على الصناعات، وهو بحاجة ماسة إلى المواهب والكفاءات في هذه الحقول. لكن العقبة الكبرى هي أن الكثير من الشباب يرون في مثل هذه الدراسات ما يرهبهم. فهي إلى جانب صيتها الموروث على أنها مواضيع صعبة، هنالك افتراض على أنها تستغرق سنين من الدراسة والتدريب قبل أن تتبلور المواهب، وتحدث الوقع المطلوب.

* ابتكارات ذرية وكهربائية
* حتى تايلور ويلسون المخترع ومشجع العلوم الذي يبلغ عمره 14 عاما أصبح للحظة أصغر شخص يقوم بعمل في مجال الذرة، أبلغ مجلة «ناشونال جيوغرافيك» أنه اعتقد في السابق أن مثل هذه الإنجازات بعيدة المنال، لكونها تنفذ بصورة عامة من حقول المختبرات الكبرى، واختصاصات الباحثين الذين يملكون ميزانيات كبيرة، ودرجات علمية رفيعة.
وعلى الرغم من أن ويلسون قد قام بما بوسعه ليري أن ذلك ليس بالضرورة هو الواقع، كانت هناك مجموعة من المبتدئين الشباب الذين شرعوا يثبتون بسرعة أن كل ما يتطلبه الأمر أحيانا هو القفز إلى هذه الحقول، وفيما يلي أمثلة عن بعضهم:
* تاريخ تايلور ويلسون المهني كعالم نووي يعد مثالا عن العقول المذهلة التي تشكل مصدرا من مصادر الغنى الطبيعية لأي أمة. فهو على الرغم من أنه كان أصغر شخص يعمل في مفاعل نووي، فإنه كان يختبر أيضا نظاما متهاود الكلفة، بمقدوره تحري المواد المشعة، في الوقت الذي كان يعمل فيه على جهاز نقال ينتج النظائر المشعة لمعالجة داء السرطان واكتشافه. وهو خلال مسيرته هذه كان يشجع الشباب لكي يحذوا حذوه.
بدأت مسيرة ويلسون كممارس لهواية السمكرة مستخدما المال الذي كان يجمعه من هدايا الأعياد لجمع الأجزاء الضرورية لبناء مفاعل لعمليات الاندماج النووي من محلات البيع مثل «إ باي»، وليقوم حتى برحلات إلى صحراء نيومكسيكو لجمع خام اليورانيوم. وعن طريق نشرات مفتوحة المصدر منشورة على الإنترنت، تمكن من تجميع هذه الأجزاء في مرأب منزل والديه. وقد نجحت خطته لحسن الحظ.
وقد تخرج من المدرسة الآن في سن العشرين، ليعمل مستقلا، رافضا عرضا مغريا من «رايثيون» خامس أكبر شركة للصناعات الدفاعية في أميركا، وتمويلا من وزارة الأمن القومي، ووزارة الطاقة. ويبدو أن جميع هذه الإدارات المهمة كانت تراقبه عن كثب.
* آن ماكوسنسكي، قامت بتطوير مولد كهربائي بسيط بتجميع أجزاء وقطع بسيطة، وهو الأمر الذي ترك أثرا بالغا على مليارات من البشر الذين لا يتمتعون بوجود التيار الكهربائي. فقط يمكن استغلال طاقة الجسم البشري التي تشع من الداخل، لإنارة ما يكفي البعض وحاجاته!
لقد لمعت الفكرة لهذه الفتاة الكندية التي لم تتعد 16 عاما، وهي تفكر بطريقة لمساعدة صديقة لها في الفلبين، التي كانت تعاني من مشكلة الدراسة في الظلام. فبدلا من الاعتماد على البطاريات، تمكن ابتكار ماكوسنسكي من إنارة نظام «إل إي دي» منخفض الجهد الكهربائي، باستخدام قطع بلاط «بلتيار» مشيدة داخل علبة جهاز مجوف. ولقطع البلاط هذه القدرة على تحويل الطاقة الكهرو - حرارية إلى تيار كهرباء يمكن استخدامه في أحوال اختلاف درجات الحرارة بمقدار خمس درجات مئوية. وبذلك يمكن للكشاف الضوئي أن يشع بوهج أعلى كلما برد هواء الجو الخارجي. أما في البيئات الأكثر دفئا، يظل هذا الكشاف المجوف ينتج أشعة أقوى تدوم أكثر من 20 دقيقة. واختراع ماكوسنسكي هذا الذي ما يزال ينتظر براءة الاختراع، والذي عرض في معرض «غوغل» العلمي للعام الماضي، فاز بالجائزة الكبرى عن تلك الفئة من الأعمار، التي بلغت قيمتها 25 ألف دولار على شكل منحة دراسية.

* شحنة إنقاذ للهاتف
* عندما يتوقف الهاتف الجوال عن العمل في الأوقات الحرجة بسبب نفاد بطاريته، فهذا يعني مشكلة. وعندما حصل هذا الأمر لعائشة كاير الطالبة في المدرسة الثانوية كانت بعيدة عن منزلها، وبحاجة ماسة للتحدث إلى والديها. وكان عليها القيام بإجراء ما، فكان ابتكارها عبارة عن مكثف كهربائي متفوق صمم لتأمين دفعة فورية كلما تضاءلت شحنة البطارية، والذي قد يصبح في يوم ما داخل البضائع الاستهلاكية وجزءا منها، كالهواتف والسيارات الكهربائية. واليوم فإن تقنية المكثفات المتفوقة التي تتيح شحنا وتفريغا سريعا مع دورات شحن متعددة، ليست بالأمر الجديد. والمشكلة كانت أن هذه النظم تملك كثافة من الطاقة أقل بكثير من بطاريات الليثيوم بمقدار 10 مرات.
وعلى الرغم من أن كاير تقر أن نموذجها الأخير هذا لا يملك حتى الآن كثافة طاقة كافية للاستخدامات اليومية القاسية، فإن من تطبيقاته العملية استخدامه كمصدر دعم في حالات الطوارئ. وقد جاء هذا المشروع في المرتبة الثانية في معرض «إنتل» العالمي للعلوم والهندسة، والذي حصلت بموجبه على جائزة قدرها 50 ألف دولار.

* قناني مياه مأكولة
* لودفيك ماريشاين، 22 سنة، تمكن من اكتشاف طريقة ذكية لقضاء أوقات طويلة من دون استحمام مع الحفاظ على نظافة جسده. فقبل انخراطه في جامعة كايب تاون في جنوب أفريقيا، عاش في منطقة ريفية فقيرة ينقصها الماء الساخن. وعن طريق الإنترنت تعرف على مواد معينة تعمل لدى مزجها كبديل للاستحمام. وهي خلافا إلى المطهرات الكحولية لا تحتاج إلى تشطيف لأنها هلامية التركيب، مضادة للبكتيريا وقابلة للتحلل.
* في أوائل العام الحالي عرض رودريغو غارسيا غونزاليس وفريقه من جامعة «إمبريال كوليدج» في لندن شريط فيديو يظهرهم يشربون من أوعية هلامية (جيلاتينية) متينة. فقد أرادوا عرض وجود زجاجات قابلة للأكل التي من شأنها تخفيض كمية 33 مليون طن النفايات البلاستيكية التي تملأ المكبات، والتي تلوث محيطات العالم سنويا.
وزجاجات ماء «أوهو» الناعمة التركيب طورت على طعم الكافيار الكاذب، وهي فكرة رائدة رغم وجود بعض التحديات التي ينبغي تذليلها، مثل إعادة ختم القناني لإبقائها بعد تفريغها من الماء في حالة نظيفة صالة للأكل مع الاحتفاظ بمذاقها.
* الضمادات الطبية تصمم عادة لتخفيف النزيف، مع قيامها بعملية تخثير الدم بشكل طبيعي. لكن هنالك علاج أكثر تطورا لحالات الطوارئ، مثل ضمادات الشاش «كويك كلوت» التي تسرع عملية الشفاء بمساعدة أملاح معدنية ترغم الصفائح الدموية على التخثر بسرعة. إلا أن ضمادات «فيتي - جيل» هذه من صنع جو لانولينا الطالب في جامعة نيويورك، وتوقف النزيف فورا من دون ممارسة أي ضغط على الجرح. وهي حتى تتيح للحروق الشديدة أن تتماثل إلى الشفاء بسرعة في اليوم التالي.
* للمشكلات الصحية البسيطة مثل الفواق (الحازوقة) يقدم بحث «غوغل» الكثير من أساليب العلاج. وقامت ميلوري كييفمان بتجربتها جميعها وعددها 11، إلا أنها ذهبت خطوة أبعد بعد التنقيب في المطبوعات الطبية، بحثا عن أسلوب فعال طبيا. وبعد سنتين خرجت بفكرة العمل على أعصاب الفم والحنجرة التي تثير الفواق، كما تشرح على صفحتها في الإنترنت. «فلدى تحفيز هذه الأعصاب جدا يجري إلغاء الرسالة الصادرة من الدماغ بالقيام بالفواق»، كما تقول. أما أفضل علاج من قبلها الذي فازت بموجبه على مكافأة، فهو مزيج من خل التفاح والحوامض والسكر الذي يباع كمصاصة من السكريات. وتتهيأ ميلوري هذه، ابنة الـ15 سنة، بمساعدة فريق من جامعة هارفارد بإنتاج المصاصة هذه المعالجة للفواق بكميات تجارية، وستنطلق الشحنة الأولى منها في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل. ويمكن شراء ربطات منها مكونة من 6 قطع عن طريق الشبكة، بسعر 6.99 دولار.

* خدمة «واشنطن بوست»



أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها
TT

أخطار الذكاء الاصطناعي: هل يتعلَّم النموذج أكثر من اللازم؟

حين تغلق الذاكرة ابوابها
حين تغلق الذاكرة ابوابها

مع كل قفزة يحققها الذكاء الاصطناعي في الطب، يتسلّل إلى الوعي الجمعي شعور مريح بالاطمئنان: أن هذه الخوارزميات لا «تحتفظ» ببيانات المرضى، بل تتعلّم منها ثم تمضي، كما يفعل الطبيب حين يستخلص الخبرة دون أن يحمل أسرار مرضاه معه.

غير أن هذا الاطمئنان، الذي بدا طويلاً بديهياً، بدأ يتآكل بهدوء داخل المختبرات البحثية الغربية، مع ظهور دراسات حديثة أعادت فتح سؤال كان يُفضَّل تأجيله: ماذا لو كان الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بالتعلّم من البيانات، بل يحتفظ ببعضها في ذاكرته الخفية؟ وماذا لو تحوَّل هذا التذكُّر، غير المقصود، إلى خطر صامت لا يُرى في الاستخدام اليومي، لكنه يظهر حين لا ينبغي له أن يظهر؟

تفكيك السر قبل تفكيكه

الذاكرة الخفية

في مطلع عام 2026، كشف فريق بحثي من معهد ماساتشوستس للتقنية، عبر معهد جميل للذكاء الاصطناعي في الصحة، عن دراسة علمية دقيقة أعادت فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في الطب الرقمي: قدرة النماذج الطبية الذكية على الاحتفاظ غير المقصود بجزء من البيانات التي تتدرَّب عليها. ولا تشكك الدراسة في القيمة السريرية المتزايدة للذكاء الاصطناعي، ولا تقلّل من دوره في تحسين التشخيص ودعم القرار الطبي، لكنها تلفت الانتباه إلى أثر جانبي خفيّ قد يتنامى بصمت كلما اتّسع نطاق استخدام هذه النماذج داخل البيئات السريرية. فمع تعاظم حجم البيانات وتعقيد الخوارزميات، قد يتحوَّل ما يُفترض أنه «تعلّم آمن» إلى شكل من أشكال الذاكرة الرقمية غير المرئية، بما يحمله ذلك من تبعات أخلاقية وتنظيمية لم تُحسم بعد.

* متى يتحوَّل التعلّم إلى تذكّر؟ صُمِّمت النماذج الذكية، من حيث المبدأ، لاستخلاص الأنماط العامة من البيانات الصحية، لا للاحتفاظ بتفاصيل تعود إلى أفراد بعينهم. فهي تتعلَّم الاتجاهات، لا القصص الشخصية، وتستنتج العلاقات، لا السجلات الفردية. غير أن هذا الفصل النظري بين التعلُّم والتخزين يبدأ في التآكل مع تضخُّم أحجام النماذج وزيادة عمقها الحسابي، ومع تغذيتها بملايين السجلات الصحية الإلكترونية المتشابكة.

وفي هذه المرحلة، لا تعود الحدود واضحة تماماً، خصوصاً عندما تُختبر النماذج عبر استفسارات دقيقة ومتكررة قد تدفعها - من دون قصد - إلى استدعاء تفاصيل جزئية من بيانات حقيقية، فتتحوّل القدرة على التعلّم، في بعض الحالات، إلى شكل من أشكال التذكّر غير المرئي.

* خصوصية طبية لا تحتمل التساهل. تختلف البيانات الطبية جذرياً عن سائر أشكال البيانات الرقمية، لأنها لا تتعلَّق بعادات الاستهلاك أو أنماط التصفُّح، بل تمسُّ الجسد والهوية والصحة والكرامة الإنسانية. فهي تحمل في طياتها قصص المرض والألم والهشاشة، وقد تترتَّب على تسريبها أو إساءة استخدامها تبعات اجتماعية وقانونية ونفسية طويلة الأمد. لذلك، فإن أي خلل في التعامل مع هذه البيانات لا يمكن اختزاله في خطأ تقني عابر أو ثغرة برمجية مؤقتة، بل يجب النظر إليه بوصفه احتمالاً حقيقياً لإلحاق أذى إنساني مباشر، يطال المريض قبل النظام، والثقة قبل التقنية

الطبيب امام عقل رقمي

مفارقة الذكاء المتقدّم

تسلّط الدراسة الضوء على مفارقة علمية دقيقة في صميم تطوّر الذكاء الاصطناعي الطبي: فالنماذج الأكثر تقدّماً، والأعلى دقة في التنبؤ والتحليل، هي نفسها الأكثر عرضة للاحتفاظ بتفاصيل فردية من البيانات التي تتدرّب عليها. فالسعة الحسابية الهائلة، وعمق البنية الخوارزمية، وهما مصدر قوة هذه النماذج، قد يتحوّلان في الوقت ذاته إلى نقطة ضعف خفية، تجعلها أقل قدرة على «النسيان». وهكذا، يصبح التقدّم التقني ذاته سيفاً ذا حدّين، يرفع كفاءة التشخيص من جهة، ويضاعف التحديات الأخلاقية المرتبطة بالخصوصية من جهة أخرى.

* بين الحلّ التقني والمسؤولية الأخلاقية. يقترح الباحثون بالفعل حلولاً تقنية متقدمة تهدف إلى الحدّ من قابلية النماذج الذكية على الاحتفاظ بتفاصيل فردية، من خلال أساليب تدريب أكثر حذراً وآليات إخفاء للبيانات الحساسة. غير أن الدراسة تؤكد بوضوح أن التقنية وحدها لا تكفي لحل الإشكال. فالمسألة في جوهرها ليست حسابية فحسب، بل أخلاقية وتنظيمية بامتياز، وتتطلب أطر مساءلة واضحة تحدد من يتحمّل المسؤولية عند الخطأ، وكيف تُدار المخاطر قبل وقوعها لا بعدها. وفي غياب هذا الإطار، قد يتحوَّل الذكاء الاصطناعي من أداة دعم سريري إلى منطقة رمادية تُختبر فيها الحدود دون مرجع أخلاقي ثابت.

* اتساع الاستخدام واتساع المخاطر. مع توسُّع استخدام الذكاء الاصطناعي في أنظمة سحابية ومنصات صحية رقمية عابرة للحدود، لم تعد البيانات الطبية محصورة داخل جدران مستشفى أو خوادم محلية يمكن التحكم بها بسهولة. بل أصبحت تتنقّل بين بيئات تقنية متعددة، تخضع لتشريعات مختلفة، وتدار أحياناً من جهات لا ترى المريض ولا تتحمَّل مسؤوليته المباشرة. وفي هذا السياق، تتسع دائرة المخاطر المحتملة بقدر اتساع دائرة الاستخدام، ويزداد السؤال إلحاحاً حول الجهة التي تتحمّل المسؤولية عند حدوث انتهاك غير مقصود للخصوصية: هل هي المؤسسة الصحية التي استخدمت النظام، أم الجهة المطوّرة للخوارزمية، أم المنصة السحابية التي تستضيف البيانات؟ هذا الغموض في تحديد المسؤولية لا يقل خطورة عن الخلل التقني ذاته، لأنه يترك المريض في منطقة رمادية، بلا حماية واضحة ولا مساءلة محددة.

* ذكاء يعرف متى يصمت. لا يدعو هذا البحث إلى التراجع عن الذكاء الاصطناعي في الطب، ولا إلى كبح قدراته أو التشكيك في جدواه، بل إلى نضجه. فالنضج هنا لا يعني مزيداً من المعرفة أو سرعةً أعلى في التحليل، بل قدرة واعية على احترام الحدود.

أن نعلّم الخوارزميات كيف تستنتج وتربط وتنبّه، نعم، لكن أيضاً كيف تنسى، ومتى تتوقف عن الاستدعاء، وما الذي لا يجوز لها الاحتفاظ به أصلاً. ففي الطب، كما في الأخلاق، لا تُقاس الحكمة بكمّ ما يُقال، بل بوعي ما ينبغي أن يبقى صامتاً.

يعيد هذا البحث إحياء مبدأ طبي قديم بلغة رقمية معاصرة: أولاً- لا تُلحق ضرراً. فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته التحليلية، يظل أداة تحتاج إلى ضبط ومساءلة، لا عقلاً يُترك بلا حدود. نعم، قد يغيّر مستقبل الطب ويمنحه دقة غير مسبوقة، لكنه لا ينبغي أن يُعفى من المحاسبة، ولا أن يُطلق بذاكرة مفتوحة في عالم شديد الفضول وسريع الاستغلال.

وحتى إشعار آخر، سيبقى القرار الطبي الحقيقي قراراً إنسانياً في جوهره، تُعينه الخوارزميات على الرؤية... لكنها لا تحفظه عن ظهر قلب.


كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
TT

كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم

كشف علماء في جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة عن استراتيجية مفاجئة تستخدمها الخلايا السرطانية للانتشار؛ إذ ظهر أنها تقوم بسرقة الميتوكوندريا وهي «محطات الطاقة» داخل الخلايا، من الخلايا المناعية. وتُضعف هذه السرقة دفاعات الجهاز المناعي وتساعد الأورام على الانتقال إلى العقد اللمفاوية وهي خطوة مبكرة ومهمة في تطور السرطان.

وتُعدّ العقد اللمفاوية مراكز رئيسية للنشاط المناعي؛ إذ تحتوي على أعداد كبيرة من الخلايا التي تعمل عادةً على اكتشاف الخلايا السرطانية والقضاء عليها. لكنها في الوقت نفسه تُعدّ من أكثر الأماكن التي تنتقل إليها الخلايا السرطانية في المراحل الأولى من انتشار المرض. وحتى الآن لم يكن مفهوماً بشكل كامل كيف تتمكن الخلايا السرطانية من البقاء والنمو في بيئة غنية بالخلايا المناعية.

الاستحواذ على العقد اللمفاوية

• من ساحة مواجهة إلى بوابة الانتشار. تُظهر الدراسة الجديدة المنشورة في مجلة Cell Metabolism في 12 يناير (كانون الثاني) 2026، أن الخلايا السرطانية قادرة على نقل الميتوكوندريا مباشرةً من الخلايا المناعية، إليها. والميتوكوندريا مسؤولة عن إنتاج الطاقة وتنظيم بقاء الخلية. ومن خلال الاستيلاء عليها تكتسب الخلايا السرطانية مزايا تساعدها على النمو والحركة بينما تصبح الخلايا المناعية أضعف وأقل كفاءة.

ودرس فريق البحث بقيادة ديريك أوكوان دودو من قسم علم الأمراض ومعهد ستانفورد للسرطان جامعة ستانفورد الولايات المتحدة الأميركية عدة أنواع من السرطان منها سرطان القولون والثدي والميلانوما (سرطان الخلايا الصبغية في الجلد) باستخدام نماذج فئران. وقد وُسِمت الميتوكوندريا (أي تم تعليمها بعلامة يمكن تتبّعها) بعلامات خاصة لتتبع حركتها بين الخلايا. وباستخدام تقنيات تصوير متقدمة وأدوات وراثية لاحظ الباحثون انتقال الميتوكوندريا من الخلايا المناعية إلى الخلايا السرطانية سواء في موقع الورم الأصلي أو - وبنسبة أكبر - في العقد اللمفاوية القريبة.

وتبيّن أن هذا الانتقال يتطلب تلامساً مباشراً بين الخلايا المناعية والخلايا السرطانية، ويزداد حدوثه في ظروف الضغط الخلوي مثل نقص الأكسجين أو الالتهاب وهي ظروف شائعة داخل الأورام.

• تأثيرات ضارة. وكان لهذه العملية تأثيران رئيسيان:

- أولاً: الخلايا المناعية التي فقدت ميتوكوندريا أصبحت أقل فاعلية. فقد أظهرت خلايا مناعية مهمة مثل الخلايا التائية والخلايا القاتلة الطبيعية قدرة أضعف على التعرّف على الخلايا السرطانية وقتلها. كما تراجعت قدرتها على عرض الإشارات المناعية وإطلاق استجابة قوية ضد الورم ما أدى إلى ضعف الرقابة المناعية.

- ثانياً: الخلايا السرطانية التي حصلت على ميتوكوندريا من الخلايا المناعية فعّلت مسارات داخلية تساعدها على الإفلات من الجهاز المناعي. ومن أبرز هذه المسارات مسار cGAS -STING إلى جانب إشارات الإنترفيرون من النوع الأول. وعلى الرغم من أن هذه المسارات تُعدّ عادةً جزءاً من الدفاع المناعي فإنها في هذه الحالة ساعدت الخلايا السرطانية على البقاء والتخفي من المناعة والاستقرار داخل العقد اللمفاوية.

تحليل بيانات السرطان

• هروب الخلايا السرطانية من الجهاز المناعي. كما وجد الباحثون أن تسرّب الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا داخل الخلايا السرطانية بعد انتقالها، يلعب دوراً في تنشيط هذه المسارات. وعند منع انتقال الميتوكوندريا أو تثبيط مسارات STING - cGAS أو إشارات الإنترفيرون انخفض انتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية في النماذج التجريبية.

ومسار cGAS-STING هو نظام إنذار داخلي في الخلية. فعندما يظهر الحمض النووي «دي إن إيه» في مكان غير طبيعي داخل الخلية، مثلاً خارج النواة، تلتقطه أداة استشعار اسمها cGAS. وهذا الاستشعار يفعّل بروتيناً آخر يُدعى STING الذي يرسل إشارة طوارئ داخل الخلية. ونتيجة لهذه الإشارة يتم تشغيل الإنترفيرون من النوع الأول وهي مواد تحفّز الاستجابة المناعية. ويتم تنشيط جينات دفاعية تساعد الجسم على مقاومة العدوى أو الخلايا غير الطبيعية مثل الخلايا السرطانية.

وفي بعض أنواع السرطان تستغل الخلايا الورمية هذا المسار بذكاء فتُفعّله بطريقة تساعدها على الهروب من المناعة والانتشار بدل القضاء عليها.

وللتأكد من أهمية هذه النتائج لدى البشر، حلّل العلماء أيضاً بيانات من مرضى السرطان. وبيّنت التحليلات أن الأورام التي تحمل مؤشرات أعلى على انتقال الميتوكوندريا كانت أكثر ارتباطاً بانتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية وتنشيط المسارات المناعية نفسها التي لوحظت في المختبر.

• آفاق علاجية. تُسلّط هذه الدراسة الضوء على انتقال الميتوكوندريا بوصفه آلية غير متوقعة تستخدمها الخلايا السرطانية للتلاعب ببيئتها. فمن خلال إضعاف الخلايا المناعية بحرمانها من مصادر الطاقة ثم استخدام هذه المكونات نفسها لتفعيل برامج تساعدها على الهروب والانتشار تحقق الخلايا السرطانية فائدة مزدوجة.

ويشير الباحثون إلى أن استهداف «سرقة» الميتوكوندريا هذه، أو المسارات الإشارية التي تنتج عنها قد يفتح آفاقاً جديدة لعلاج السرطان. فالحد من انتقال السرطان إلى العقد اللمفاوية قد يساهم في إبطاء تطور المرض وتحسين فرص العلاج.

ورغم الحاجة إلى مزيد من الأبحاث قبل تحويل هذه النتائج إلى علاجات فعلية فإن هذا الاكتشاف يضيف فهماً جديداً ومعمقاً للتفاعل المعقد بين الأورام والجهاز المناعي ويكشف طريقة أخرى تستغل بها الخلايا السرطانية دفاعات الجسم لصالحها.


«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد
TT

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

يُعدّ مبنى الحياة والعقل الجديد بجامعة أكسفورد Life and Mind Building (LaMB)، الذي افتُتح في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، مثالاً بارزاً على التصميم المبتكر الذي يدمج بين الهندسة المعمارية والاستدامة وعلم الأعصاب.

مبنى بتصميم رمزي

يضمّ هذا المختبر، الذي تبلغ مساحته 269000 قدم مربعة (24991 متراً مربعاً)، وهو الأكبر في الحرم الجامعي، قسمي علم النفس التجريبي وعلم الأحياء، ليُشكّل مركزاً للبحوث المتطورة في علوم الدماغ وعلم الحيوان وعلوم النبات. إلا أن تصميم المبنى يتضمن تفصيلاً خفياً مثيراً للاهتمام: فواجهته، المصنوعة من الخرسانة ذات السطح المتموج، تقدم في الواقع رموزاً لمسح دماغي لإحدى الباحثات من أكسفورد.

لا يقتصر هذا العنصر التصميمي على الجانب الجمالي فحسب، بل يخدم غرضاً رمزياً أعمق. فقد استُمدّ نسيج واجهة المبنى الخارجية من مسح دماغ «سيج بوتشر»، الطالبة في قسم علم النفس التجريبي، وهو المسح الذي أُجري في أثناء تخيّلها لمستقبل مبنى الحياة والعقل. وقد سُجّل نشاط دماغها في لحظة وجيزة، مدتها ثانيتان، ما أسفر عن نمط موجي جيبي فريد نُحت لاحقاً على ألواح حجرية. وتُرمز التموجات في خرسانة المبنى إلى الأفكار الإيجابية، وتُنشئ صلةً مباشرةً بين وظيفة المبنى ومجال علم الأعصاب.

أكّد المهندسون المعماريون في شركة «إن بي بي جيه»، المسؤولة عن تصميم المبنى، على أهمية الاستدامة، فاختاروا مواد متينة كالخرسانة والحجر والمعادن، قادرة على الصمود أمام اختبار الزمن، وهو أمر بالغ الأهمية لجامعة عمرها قرابة ألف عام.

وكان الهدف هو إنشاء مبنى يُكمّل حرم جامعة أكسفورد التاريخي، مع تقديم تصميم عصري وجذاب بصرياً. ويعكس تضمين واجهة المبنى لصورة مسح الدماغ، إلى جانب المواد المتينة المستخدمة، هذا الالتزام بالخلود.

مختبرات مستدامة

وإلى جانب جاذبيته الجمالية، يُرسي المبنى معياراً جديداً لتصميم المختبرات المستدامة. فالمختبرات عادةً ما تستهلك كميات كبيرة من الطاقة، مع متطلبات عالية للتحكم في المناخ للحفاظ على ظروف التجارب. ونظراً لأن المختبرات تستهلك ما يصل إلى عشرة أضعاف الطاقة التي يستهلكها مكتب عادي، فقد صُمم المبنى مع مراعاة هذا التحدي.

يتميز المبنى بنظام تغليف محكم الإغلاق يجمع بين ألواح خرسانية وعزل حراري ونوافذ ثلاثية الزجاج وتفاصيل دقيقة لتقليل فقدان الطاقة إلى أدنى حد. كما يساهم استخدام أنظمة تهوية متطورة وألواح شمسية وردهة مركزية لزيادة الإضاءة الطبيعية في خفض استهلاك الطاقة. ونتيجةً لهذه الابتكارات، ينبعث من المبنى نحو 40 في المائة أقل من انبعاثات الكربون مقارنةً بمبنى مختبر تقليدي من الحجم نفسه.

وبشكل عام، يُعدّ مبنى «لايف آند مايند» إنجازاً بارزاً في مجال العمارة المستدامة، إذ يرتقي بمستوى ما يمكن أن تحققه مرافق البحث الجامعية من حيث المسؤولية البيئية والقيمة الجمالية. ولا يقتصر دور «لايف آند مايند» على تلبية احتياجات الباحثين فحسب، بل يرسي أيضاً معياراً رفيعاً لمباني العلوم المستقبلية، سواء في أكسفورد أو على مستوى العالم، في ظل تزايد تركيز الجامعات على الاستدامة في مبانيها الجديدة.