الأسد يصعد عملياته «الدقيقة» لإضعاف «داعش»

النظام يستبق الحملة الجوية الأميركية.. وسكان من شمال حمص: هناك أمر جديد يجري

الأسد يصعد عملياته «الدقيقة» لإضعاف «داعش»
TT

الأسد يصعد عملياته «الدقيقة» لإضعاف «داعش»

الأسد يصعد عملياته «الدقيقة» لإضعاف «داعش»

شهد سكان التلبيسة، القرية الواقعة في شمال حمص بوسط سوريا التي يسيطر عليها الثوار، كثيرا من الغارات الجوية التي تشنها الحكومة، ولكن فاجأتهم الغارات التي شُنّت، صباح أول من أمس (الأربعاء)، نظرا لشدتها ودقة أهدافها. وأصاب قصف جوي اجتماعا للثوار ومخزنا للأسلحة، بينما ضربت قنبلة أخرى محكمة إسلامية. ووقعت ثالثة على موقع مدفعية ثقيلة، ولكنه لم يكن موقعا عاديا، بل كان يديره قائد أكبر تشكيل محلي للثوار، مما أسفر عن قتله. وقال حسن أبو نوح الناشط المعارض للحكومة في التلبيسة، الذي يرتبط بصلات وثيقة مع قوات الثوار المحلية التي تحمل اسم لواء الإيمان بالله، إن «هناك أمرا جديدا يجري».
ووصف الحملات الجوية التي تشنها قوات الحكومة قائلا: «إنهم يضربوننا بجنون. وربما لا تجد شخصا حيا في الأسبوع المقبل ليروي ما يحدث».
في التلبيسة وجميع أنحاء سوريا، يتعرض الثوار المقاتلون المعارضون لكل من حكومة الرئيس بشار الأسد وتنظيم «داعش» المتطرف، الذي يقاتل أفراده تحت قيادة أجنبية، لموجة جديدة من الهجمات، ومحاولات الاغتيال.
وتأمل الولايات المتحدة في أن تستطيع الفصائل الثورية التي تراها أكثر اعتدالا، ومن خلال زيادة المساعدات الأميركية، أن تقوم بدور القوات البرية اللازمة لقتال المتطرفين بالتزامن مع الغارات الجوية الأميركية. يقول الثوار من جميع الأطياف، فيما عدا «داعش»، إنه يبدو أن الحكومة السورية تصعّد من هجماتها ضدهم قبل الحملة الجوية الأميركية المرتقبة.
ويقول محللون إن الأسد مهتم بالقضاء على الثوار الأكثر اعتدالا، ليتأكد من أن قواته هي الوحيدة الباقية التي يمكن أن تستفيد ميدانيا من إضعاف «داعش».
يستمر الأسد منذ بداية الصراع في التأكيد على أنه وحلفاءه يشكلون القوة الوحيدة في سوريا القادرة على هزيمة المتطرفين بفاعلية. ولكن صرح نشطاء تابعون لـ«داعش» بأنه لم تُوجّه أي غارات جوية من قوات النظام أخيرا ضد التنظيم، مما عزز من شكوك المعارضة بأن الأسد يفضل التركيز على مهاجمة خصومه الآخرين، وترك ممارسات داعش الوحشية من دون عقاب، ليؤكد أمام سوريا والعالم أن نظامه هو أفضل بديل. ربما يكون لواء الإيمان بالله في التلبيسة من أكثر القوات الباقية في الميدان اعتدالا.
تحولت قوات أخرى كثيرة إلى التطرف، بسبب أعوام من العنف الذي لا ينتهي، وتأثير المقاتلين الأجانب والمتبرعين الإسلاميين الأثرياء. وعلى مدار عدة شهور ماضية، عملت بعض وحدات اللواء تحت مظلة حركة الحزم، التي تسلمت صواريخ «تاو» أميركية الصنع، ومساعدات أخرى سعت الولايات المتحدة إلى إبعادها عن أيدي الجماعات الأكثر تطرفا.
أسفرت الغارات الجوية الجديدة عن مقتل نحو 50 شخصا، من بينهم 10 على الأقل من المقاتلين والكثير من القادة. وصرح السكان بأنه قُتل 18 شخصا مدنيا من بينهم سيدة وأبناؤها الـ5. وأعلن الإعلام الحكومي السوري أن الهجمات كانت تستهدف «إرهابيين».
وقبل اندلاع الحرب، كان أبو نوح (29 عاما) خبير تقني في الإنترنت، وفي الأيام الأولى من الثورة، كان يطيل شعره ويضع ملصقا لفريق «أيرون ميدن» في منزله، ويشاهد الأفلام الأميركية، مثل «نادي القتال» مع نشطاء مدنيين، ويطلب منهم إحضار «الفودكا» من دمشق، بالإضافة إلى الإمدادات الطبية وأجهزة الكومبيوتر. كان اللواء واحدا من الجماعات المحلية التي كانت تشكل في البداية الجيش السوري الحر، الذي أسسه الجنود المنشقون من الجيش السوري الذين رفضوا المشاركة في أعمال القمع التي استهدفت المظاهرات. وينتمي اللواء أيضا إلى الفصائل التي ترى فيها الحكومة السورية أخيرا شريكا محتملا في المصالحة.
ويُشار إلى أن موظفي الحكومة في التلبيسة حصلوا على رواتبهم، ويستمر بعض السكان على اتصال مع المحافظ التابع للأسد في حمص، العاصمة المحلية، ويسافر الطلاب خارج التلبيسة لأداء اختباراتهم. وتجري مباحثات متقطعة للوصول إلى إيقاف إطلاق النار في المنطقة.
بيد أن الغارات الجوية لم تتوقف تماما عن القرية، ولكنها أصبحت عشوائية ومتفرقة، إذ تصيب مناطق مدنية أو حقولا، من دون أن تلحق أي خسائر بالمقاتلين. ولكن يقول أبو نوح إن هذا الوضع تغير، أول من أمس (الأربعاء) الماضي. وذكرت وسائل الإعلام التابعة للحكومة السورية أن الهجمات كانت تستهدف «إرهابيين». وأشار أبو نوح إلى أن الحكومة تبدو وكأنها تعلم أين يكون أبو حاتم الضحيك، قائد اللواء، قائلا: «لقد سددوا ضربتهم بدقة، ربما يكون لديهم جاسوس».
جعلت الصعوبات المصاحبة للحرب من السهل على الحكومة أن تجند جواسيس مقابل المال، على حد قول أبو نوح، الذي أضاف أن المخبرين أحيانا ما يضعون علامات على الأهداف لإرشاد الغارات الجوية بإسقاط مشاعل إلكترونية على الأرض.
وأوضح أبو نوح أن لواء الإيمان بالله في التلبيسة رفض الانضمام إلى الجماعات الأكثر تطرفا، مثل «داعش» أو جبهة النصرة، الفرع السوري التابع لتنظيم القاعدة. وأضاف أن اللواء جمع أموالا بالأساس من المهاجرين السوريين في دول الخليج الذين لديهم أقارب في سوريا.
ويكشف تاريخ اللواء عن سبب عدم اندماج الفصائل الثورية السورية في قوة قتالية موحدة قادرة على تنسيق جهودها في جميع أنحاء البلاد.
وقال أبو نوح إن كتيبتين من اللواء انضمتا إلى حركة العزم التي تحظى بدعم أميركي، وحصلتا على أسلحة أميركية جديدة. ولكن بعد 4 أشهر، انفصلت الكتيبتان من جديد (ومعهما الأسلحة)، لأن قواتهما لم ترغب في تنفيذ أوامر بالانتشار إلى جبهة أخرى. «لقد أرادوا فقط حماية التلبيسة».
ورغم أنهم أكثر اعتدالا من تنظيم «داعش»، فإن المقاتلين السنة في اللواء يكنون كراهية تجاه الطائفة العلوية، التي تشكل قاعدة جمهور الأسد. ولم يُبدِ أبو نوح اهتماما بأخبار تفيد بإصابة 18 مدنيا في أحياء موالية للحكومة، يوم الأربعاء، قائلا: «إنهم علويون».
في سوكنة، التي تقع على مسافة أبعد في شرق حمص، صرح ناشط تابع لتنظيم «داعش» يحمل كنية أبو بلال الحمصي، أول من أمس (الأربعاء)، بأن التنظيم لم يهاجم الحكومة، ولم يتعرض لتهديد منها في الأسابيع الماضية.
واستطرد قائلا: «نحن نقيم دولة هنا، ونسعى إلى تقديم الخدمات إلى المسلمين، وإلى تجنب حدوث أي اختراق أمني. ولم تقع أي هجمات من قوات النظام (الكافر)». ولكنه قال إن التنظيم يستعد للغارات الجوية الأميركية: «نحن نواجه حربا صليبية، ويجب أن نكون مستعدين».
* خدمة «نيويورك تايمز»



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.