ظريف يشكك في قدرة الولايات المتحدة على إنشاء «تحالف أمن الملاحة»

وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف يتحدث خلال مؤتمر صحافي بطهران أمس (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف يتحدث خلال مؤتمر صحافي بطهران أمس (رويترز)
TT

ظريف يشكك في قدرة الولايات المتحدة على إنشاء «تحالف أمن الملاحة»

وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف يتحدث خلال مؤتمر صحافي بطهران أمس (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف يتحدث خلال مؤتمر صحافي بطهران أمس (رويترز)

شكك وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف في قدرة الولايات المتحدة على إنشاء تحالف بحري لحماية أمن الملاحة، واستبعد فاعلية استراتيجية «الضغط على الزناد»، متهماً بريطانيا بـ«القرصنة البحرية» و«مسايرة» واشنطن، قائلاً إن إيران «مسؤولة عن الأمن» في مضيق هرمز، وإنها لن تغض الطرف بعد الآن عن أي «جرائم بحرية» هناك، وذلك بعد يوم من احتجازها ناقلة نفط ثالثة بالقرب من الممر المائي الاستراتيجي بتهمة تهريب الوقود.
وواصل ظريف توجيه إشارات إيرانية بالرغبة في إجراء مباحثات مع السعودية والإمارات، وفي الوقت نفسه أعرب عن تضامن إيراني مع قطر.
وخرج ظريف أمس في مؤتمر صحافي مطول بمقر وزارة الخارجية للتعليق على فرض الولايات المتحدة عقوبات استهدفته، إلى جانب توجيه رسائل متعددة إلى الداخل الإيراني. وكانت نقطة البداية بمهاجمة سياسات الولايات المتحدة في الخليج، خصوصاً إنشاء قوة بحرية، وقلل من أهمية تحرك نظيره الأميركي مايك بومبيو؛ من دون أن يذكر اسمه. وقال: «الولايات المتحدة اليوم وحيدة في العالم، وغير قادرة على تشكيل تحالف. الدول الصديقة لها تشعر بالخجل من أن تكون في تحالف واحد معها». وتابع: «إنهم من جلب ذلك على أنفسهم بخرقهم القوانين عبر خلق التوتر والأزمات»؛ وفق ما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية.
وأصبح مرور ناقلات النفط عبر المضيق محور مواجهة بين واشنطن وطهران دخلت فيها بريطانيا أيضاً. وتعزز الولايات المتحدة وجودها العسكري في الخليج منذ مايو (أيار) الماضي عقب الهجوم على ناقلات نفط بالتزامن مع بدء خطة أميركية لتشديد الخناق على صادرات إيران من النفط.
وفي هذا الصدد، قال: «إننا لا نرى سبباً لغض الطرف عن أخطاء بريطانية في الملاحة»، وتابع أن «من يفتعل الحرائق لا يمكن أن يكون إطفائياً»، وزاد: «احتجاز بريطانيا ناقلة نفط إيرانية قرصنة بحرية. لقد أعلنا رسمياً أن الناقلة لم تكن متجهة إلى سوريا»، متهماً لندن بـ«مسايرة» واشنطن، قبل أن ينسب مرة أخرى مسؤولية أمن الخليج إلى بلاده.
وأفادت وكالة «رويترز» بأن ظريف انتقد العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة عليه يوم الأربعاء الماضي، قائلاً إن واشنطن أغلقت الباب أمام الدبلوماسية فيما يتعلق بالاتفاق النووي المبرم عام 2015 والذي انسحب منه الرئيس الأميركي دونالد ترمب العام الماضي. واتهم «الطرف الآخر» بـ«الكذب» في الدعوة إلى التفاوض حول اتفاق أكبر، وأشار في نبرة اتسمت بالتفاخر إلى مفاوضات ماراثونية جرت بينه وبين وزير الخارجية الأميركي الأسبق جون كيري، وقال: «إذا لم تترك الولايات المتحدة طاولة المفاوضات؛ لكان بإمكانها التفاوض مع إيران الأسبوع الماضي».
وزعم ظريف أن الولايات المتحدة تواجه «عزلة» بسبب «القيام بأعمال شريرة في العالم»، مشيراً إلى «جبهتين متقابلتين» في العالم لكل منهما خطابه الخاص؛ الجبهة الأولى خطابها، بحسب ظريف، «الإرهاب الاقتصادي والتعسف»، ومقابل تلك الجبهة الثانية التي خطابها الحوار. وصنف بلاده ضمن ما سماه «خطاب الوئام».
انطلاقاً من اجتهاده في تفكيك خطاب الجبهتين؛ وجه ظريف انتقادات لاذعة لسياسات الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط قبل وصول ترمب إلى البيت الأبيض، غير أنه حاول تخفيف نبرته عند تقليد أسلوب المرشد الإيراني في التمييز بين الشعب والدولة في الولايات المتحدة. ولم يتردد أيضاً في توظيف مجزرتي تكساس وأوهايو أول من أمس لتحميل الإدارة الأميركية مسؤولية ما عدّها «معاناة» الشعب الأميركي من «ثقافة تقديس العنف». وقال في هذا الصدد: «هذه الثقافة ليست موجه. من أجل ذلك يلجأون للإرهاب الاقتصادي ويفرضون عقوبات على المرشد ووزير الخارجية الإيراني».
وفي أول تعليق بعد تقارير تحدثت عن تلقيه دعوة للقاء دونالد ترمب في البيت الأبيض، قال ظريف إنه رفض الدعوة رغم تهديده بفرض عقوبات عليه. وتحفظ ظريف على تسريب تفاصيل المباحثات الدبلوماسية في وسائل الإعلام، وقال إنه «ليس من المفترض أن نخلط بين الدبلوماسية الرسمية والدبلوماسية الإعلامية».
وكان ظريف كتب في تغريدة الأربعاء الماضي: «السبب الذي قدمته الولايات المتحدة لمعاقبتي، هو أنني الناطق الرئيسي باسم إيران في العالم».
ونقلت وسائل إعلام عن مسؤول أميركي اتهامه ظريف بالعمل بوصفه «وزير دعاية سياسية، وليس وزير خارجية»، لافتاً إلى أن «الصورة الدبلوماسية التي كوّنها ظريف بوصفه معتدلاً بحكم أنه يتكلم الإنجليزية بطلاقة وأتم دراسته في الولايات المتحدة إلى جانب حسّ الفكاهة لديه، لا تعكس الحقيقة». وأضاف المسؤول: «القضية الرئيسية هي أنّه كانت لديه القدرة على الخداع... بإظهار نفسه محاوراً صادقاً ومنطقياً باسم النظام. ما نشير إليه اليوم هو أنه (ظريف) ليس كذلك».
ومع ذلك؛ صرح ظريف: «قيل لي في نيويورك إنه سيتم فرض عقوبات علي في غضون أسبوعين ما لم أوافق على العرض؛ الذي لحسن الحظ لم أقبله». ونوه في الوقت نفسه بأن التوجّه إلى نيويورك «لا يعني زيارة الولايات المتحدة».
وأفادت مجلة «نيويوركر» الأميركية الجمعة الماضي بأن السيناتور الجمهوري راند بول التقى ظريف في 15 يوليو (تموز) الماضي في الولايات المتحدة، ودعاه بمباركة من ترمب إلى زيارة البيت الأبيض.
وقبل تصريح ظريف بأيام حظي تقرير «نيويوركر» باهتمام واسع من وسائل الإعلام الإيرانية، وتحول إلى محور لمهاجمة سياسة الإدارة الأميركية، وهو ما دفع بسكرتير مجلس الأمن القومي الإيراني علي شمخاني والمتحدث باسم الحكومة، لتأكيد الخبر.
وقالت الحكومة الإيرانية الأسبوع الماضي إن الولايات المتحدة رفضت مقترحاً نقله ظريف حول موافقة إيران على عمليات تفتيش دائمة لمواقعها النووية مقابل رفع العقوبات بشكل نهائي.
وقال ظريف أمس: «ستنسحب إيران من اتفاقها النووي إذا دعت الضرورة»، لكنه أضاف أن كل الإجراءات التي اتخذتها طهران «يمكن الرجوع عنها إذا تم تأمين مصالحها بموجب الاتفاق».
وكان المرشد الإيراني علي خامنئي، عقب إعلان التوصل إلى الاتفاق النووي ورفع العقوبات عن إيران، أغلق الباب أمام دخول الشركات الأميركية للاستثمار في إيران، كما قطع الطريق بصفة نهائية على «اتفاق ثانٍ وثالث» في تلميح إلى وعود شفهية قطعها ظريف لنظيره الأميركي حينذاك لكنه رفض أن تدرج في نص الاتفاق النووي، وهو ما لم تعارضه إدارة باراك أوباما رغم التحفظ الأوروبي حينذاك بحسب تسريبات دبلوماسية عقب تنفيذ الاتفاق النووي.
وحمل ظريف الولايات المتحدة مسؤولية التوتر في الخليج العربي عندما سئل عن الأزمة البريطانية - الإيرانية عقب احتجاز «الحرس الثوري» الإيراني ناقلة نفط بريطانية.
وتريد الولايات المتحدة التوصل إلى اتفاق شامل يتضمن قضايا المنطقة وملف الصواريخ الباليستية الإيرانية. وأعلن وزير الخارجية الأميركي العام الماضي 12 شرطاً أميركياً لإبرام اتفاق جديد مع طهران.
وعن علاقاتها بالدول الأخرى، قال ظريف: «نريد علاقات صحية وفق أساس الاحترام المتبادل مع كل العالم. الأمن غير قابل للبيع والشراء، وأمننا قائم على شعبنا»، لكنه في الوقت نفسه رفض الدعوات إلى الحد من البرنامج الصاروخي الإيراني.
والملاحظ في مؤتمر ظريف حرصه على توجيه رسائل داخلية بموازاة الرسائل الخارجية، وازدياد حدة تصريحاته ضد الولايات المتحدة، وتوجيه رسائل إلى الرأي العام الإيراني في رد ضمني على استراتيجية نظيره الأميركي مايك بومبيو الذي يخاطب الرأي العام الإيراني بكثافة هذه الأيام. وقبل المؤتمر الصحافي بيوم؛ تناقلت وسائل الإعلام الإيرانية صوراً من حساب ظريف على «إنستغرام» وهو يحاور مواطنيه لأول مرة بطريقة ودّية في تغيير فاجأ كثيرين.
وفي جزء آخر من تصريحاته الموجهة لمسؤولين أميركيين، عزف ظريف على وتر النزعة القومية الإيرانية لقطع الطريق على أطراف معارضة تتبنى هذا الخطاب هذه الأيام لكسب ود الشارع في العاصمة الإيرانية، وقال مخاطباً واشنطن: «عمر إمبراطورية إيران أكثر من عمر بلادكم. ربما تكون (بلادكم) كل شيء للآخرين، لكنكم لا شيء لإيران التي تستند على إمبراطورية عمرها 7 آلاف سنة». وتابع: «الدفاع عن الشعب الإيراني واجبنا، ولهذا نخجل من شعبنا... علينا القيام بأشياء كثيرة للتجاوب مع شعبنا». ودعا الولايات المتحدة إلى التمييز بين تعاملها مع إيران ودول أخرى.
وخاطب ظريف الأطراف الداخلية قائلاً إن عليها ألا «تخاف عام 2021»؛ في إشارة إلى موعد الانتخابات الرئاسية المقبلة، مشدداً: «سأكون في البيت أو الجامعة»، وحثّ تلك الجهات على أن تسمح له بالقيام بمهامه.
في غضون ذلك، أبدى ظريف رغبته في التواصل مع السعودية والإمارات، نافياً علمه بوجود مباحثات مع السعودية. ونقلت وكالة «إيسنا» الحكومية عنه قوله: «نشكر السعودية على طريقة استضافتها الإيرانيين في الحج، ونأمل أن تكون للمباحثات نتائج أبعد من الحج، وفي حال حدوث هذا الأمر؛ فإننا نرحب به». وفي الوقت نفسه؛ انتقد ظريف الحصار على قطر ووصفه بـ«غير المقبول».



إيران تتهم أميركا بانتهاك وقف إطلاق النار وتتوعد بالرد على مهاجمة سفينة

جندي من مشاة البحرية الأميركية يراقب حركة الملاحة خلال حصار بحري قبالة الموانئ الإيرانية (القيادة المركزية الأميركية)
جندي من مشاة البحرية الأميركية يراقب حركة الملاحة خلال حصار بحري قبالة الموانئ الإيرانية (القيادة المركزية الأميركية)
TT

إيران تتهم أميركا بانتهاك وقف إطلاق النار وتتوعد بالرد على مهاجمة سفينة

جندي من مشاة البحرية الأميركية يراقب حركة الملاحة خلال حصار بحري قبالة الموانئ الإيرانية (القيادة المركزية الأميركية)
جندي من مشاة البحرية الأميركية يراقب حركة الملاحة خلال حصار بحري قبالة الموانئ الإيرانية (القيادة المركزية الأميركية)

اتهمت القيادة الموحدة للقوات المسلحة ​الإيرانية، المعروفة باسم «مقر خاتم الأنبياء»، الولايات المتحدة بانتهاك وقف إطلاق ‌النار من ‌خلال ​مهاجمة ‌إحدى ⁠السفن التجارية ​الإيرانية في ⁠خليج عمان، وتوعدت بالرد.

ونقلت وسائل إعلام حكومية عن متحدث ⁠باسم «خاتم ‌الأنبياء» ‌قوله اليوم ​الأحد ‌إن السفينة ‌كانت متجهة من الصين إلى إيران.

وذكر المتحدث «نحذر من ‌أن القوات المسلحة للجمهورية الإسلامية الإيرانية ⁠سترد ⁠قريبا وتنتقم من هذه القرصنة المسلحة التي ارتكبها الجيش الأميركي».


الإيرانيون يخشون من تفاقم الضغوط بعد الحرب وحملة القمع

إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)
إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)
TT

الإيرانيون يخشون من تفاقم الضغوط بعد الحرب وحملة القمع

إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)
إيرانية تحمل سلاحاً خلال مسيرة في طهران الجمعة (د.ب.أ)

يسعى الإيرانيون إلى الحفاظ على لمحة من مظاهر الحياة الطبيعية بعد أسابيع شهدت قصفاً أميركياً وإسرائيلياً، وحملة قمع ضد المتظاهرين أسقطت قتلى في يناير (كانون الثاني)، ولا يزالون يشعرون بالقلق إزاء المستقبل في ظل الآثار السلبية الناجمة عن الغارات الجوية وانقطاع خدمة الإنترنت.

وفي ظل الخلافات الدائرة بين إيران والولايات المتحدة حول تمديد وقف إطلاق النار والاتفاق على إنهاء الصراع، فتحت المتاجر والمطاعم والمكاتب الحكومية أبوابها. وفي أيام الربيع المشمسة، تزدحم حدائق المدينة بأسر خرجت للتنزه وشبان يمارسون الرياضة، بينما يتجمع آخرون في المقاهي على جوانب الشوارع.

لكن وراء هذه المشاهد الهادئة، يتداعى الاقتصاد الإيراني، ويخشى الناس من حملة قمع جديدة من الحكومة، ويشعرون بالغضب إزاء الغارات الجوية المدمرة.

ويبدو أن الصعوبات التي أذكت اضطرابات واحتجاجات حاشدة في يناير ستزداد تفاقماً، حسب وكالة «رويترز».

وانتهت المحادثات التي جرت في إسلام آباد هذا الشهر، وهي أول مفاوضات مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران منذ سنوات، دون التوصل إلى اتفاق. ولكن مع اقتراب موعد انتهاء وقف إطلاق النار الهش الحالي يوم الأربعاء، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب اليوم الأحد إن مبعوثيه سيتوجهون إلى باكستان وإنهم مستعدون لإجراء مزيد من المحادثات.

إيرانيتان تنظران إلى هاتف ذكي عند البوابة الرئيسية لجامعة طهران الأحد (أ.ب)

خوف من ضغوط مع استمرار نظام الحكم

قالت فريبا (37 عاماً) التي شاركت في مظاهرات يناير لـ«رويترز» عبر الهاتف من إيران: «ستنتهي الحرب، لكن عندها ستبدأ مشاكلنا الحقيقية مع النظام. أخشى جداً من أن يزيد الضغط على الناس العاديين إذا توصل النظام إلى اتفاق مع الولايات المتحدة».

وأضافت: «لم ينس الشعب جرائم النظام في يناير، ولم ينس النظام أن الناس لا يريدونه. إنه يكبح نفسه الآن لأنه لا يريد القتال على الجبهة الداخلية أيضاً».

وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن القصف أودى بحياة الآلاف، منهم عشرات التلميذات في مدرسة للبنات في اليوم الأول من الصراع.

ودمر القصف أيضاً بنى تحتية في أنحاء البلاد، مما زاد من احتمالات حدوث تسريح جماعي للعمال.

ويبدو أن النظام الإيراني راسخ كما كان في الماضي، بعد أن نجا من القصف المكثف على مدى أسابيع وعرقل إمدادات النفط العالمية.

وقال أوميد ميماريان، محلل الشأن الإيراني لدى مركز الأبحاث المستقل «دون» في الولايات المتحدة: «أدرك الإيرانيون أن هذه الحرب لن تؤدي إلى إسقاط النظام، لكنها في الوقت نفسه ستجعل حياتهم أسوأ بكثير من الناحية الاقتصادية».

وأضاف: «لن يضع الجيش أسلحته. سيبقون، وسيكون الوضع دموياً. سيكون مكلفاً من دون أي أمل في مستقبل أفضل».

وفي شمال طهران، أجرت «رويترز» الأسبوع الماضي مقابلات بالفيديو مع شبان إيرانيين تحدثوا عن الحرب ومخاوفهم. وتعمل وسائل الإعلام الأجنبية في إيران بموجب المبادئ التوجيهية التي تضعها وزارة الثقافة والإرشاد، التي تنظم نشاط الصحافة والتراخيص.

الإيرانيون يستمتعون بيوم مشمس في حديقة عامة في خضم وقف إطلاق النار في طهران الأسبوع الماضي (رويترز)

وقالت مهتاب، الموظفة في شركة خاصة، التي طلبت عدم ذكر اسم عائلتها، إن الأمور يمكن أن تكون أسوأ بالنسبة للإيرانيين، بالنظر إلى تأثير الحرب والعقوبات والعزلة على مدى سنوات.

وأضافت: «لا أريد أن أقول إن الوضع طبيعي، لكن كإيرانية عاصرت كل هذا، إذ إنه ليس سيئاً للغاية. يمكننا التعايش معه».

لكن لم يكن لدى الإيرانيين الذين تواصلت معهم «رويترز» عبر الهاتف هذا الرأي، إذ أبدوا قلقاً أكبر بكثير خلال حديثهم، بشرط عدم الكشف عن هوياتهم خوفاً من التعرض للانتقام.

وقالت سارة (27 عاماً)، وهي مدرسة خاصة، طلبت عدم الكشف عن اسم عائلتها أو مكان إقامتها: «نعم، الناس يستمتعون بوقف إطلاق النار في الوقت الحالي... لكن ماذا سيحدث بعد ذلك؟ ماذا يُفترض بنا أن نفعل مع نظام أصبح أكثر قوة؟».

خيارات قليلة

قُتل الآلاف عندما قمعت السلطات احتجاجات استمرت أسابيع في يناير، وقال حينها ترمب إنه سيأتي لمساعدة الإيرانيين.

ولم ترد بعثة إيران الدائمة لدى الأمم المتحدة في جنيف بعد على طلبات للتعليق على هذه القصة. وكانت قد ألقت سابقاً باللوم في أعمال العنف التي وقعت في يناير على «إرهابيين مسلحين» مرتبطين بإسرائيل والولايات المتحدة.

وقال ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في بداية الحرب إنهما يريدان الإطاحة بالحكام، لكن هذا الهدف تلاشى مع استمرار القصف.

وقال ميماريان إن الغضب من القمع جعل كثيراً من الإيرانيين يأملون في تولي حكام جدد السلطة، لكن سرعان ما تحولت مشاعر الغضب إلى الحرب ضد بلادهم.

وأضاف: «أعتقد أنه أصبح أكثر وضوحاً لكثير من الإيرانيين أن هذه الحرب ليست مصممة، أو لا تهدف، إلى مساعدة الشعب الإيراني».

إيرانيات يمررن بجانب ضابط شرطة يقف حراسة في ساحة تجريش شمال طهران الأربعاء الماضي (رويترز)

ولم تكن مهتاب ولا النساء الأخريات الجالسات في مقهى شمال طهران يرتدين الحجاب الإلزامي المفروض منذ عقود في إيران. وصارت قواعد الزي العامة أكثر مرونة عقب الاحتجاجات الشعبية في عام 2022، ومنها مظاهرات رفعت مطالب تتعلق بحقوق المرأة، التي قمعتها السلطات، وخففت بعدها ضمنياً تطبيق بعض قواعد الزي.

وقال المحلل السياسي الإيراني المستقل المقيم في بريطانيا حسين رسام إنه أصبح واضحاً في يناير أن السلطات لن تتراجع بسهولة مجدداً، وأنها لن تنهار في مواجهة الهجوم العسكري.

وجعلت الحرب الإيرانيين أكثر انقساماً من ذي قبل، لكن مع خيارات قليلة. وقال رسام: «هذه لحظة حاسمة للإيرانيين لأنهم في النهاية، وخاصة الإيرانيين داخل البلاد، يدركون أنهم بحاجة إلى العيش معاً. لا مكان يذهبون إليه».

نار تحت الرماد

يخشى كثيرون من تفاقم القمع الآن. وقال أرجانج، وهو أب لطفلين يبلغ من العمر 43 عاماً، لـ«رويترز» عبر الهاتف من شمال طهران: «في الشوارع، تتجول النساء دون حجاب، لكن ليس واضحاً ما إذا كانت هذه الحريات ستستمر بعد التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة. سيزداد الضغط 100 في المائة، لأنه بمجرد التوصل إلى سلام مع واشنطن، لن يواجه النظام الضغط الخارجي نفسه».

ولم تحدث احتجاجات بداية العام أي تغيير ملموس في حياة الناس، بل دفعت السلطات إلى فرض قيود صارمة على استخدام الإنترنت؛ وهو ما أثر كثيراً على الشركات والمواطنين العاديين الذين كانوا في حاجة ماسة إلى المعلومات أثناء الحرب.

إيرانيات يستقللن مركبة عسكرية أثناء مشاركتهن في مسيرة مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران الجمعة (إ.ب.أ)

وقالت فائزة (47 عاماً)، وهي تلعب الكرة الطائرة مع أصدقائها في حديقة شمال طهران: «حتى أصغر الأمور، مثل التواصل مع أفراد عائلتنا الذين يعيشون خارج البلاد، باتت مستحيلة».

وقال ميماريان إن الاستياء الشعبي قد يتصاعد بعد انتهاء الحرب، وإن الناس أصبحوا أقل خوفاً حيال اتهامهم بالخيانة.

وأضاف: «هناك الكثير من النار تحت الرماد».


المخابرات العسكرية الإسرائيلية تشير إلى تصدع كبير في القيادة الإيرانية

أحد أفراد الأمن الإيراني بجوار لافتة تُظهر المرشد الراحل علي خامنئي في طهران يوم 31 مارس (أ.ف.ب)
أحد أفراد الأمن الإيراني بجوار لافتة تُظهر المرشد الراحل علي خامنئي في طهران يوم 31 مارس (أ.ف.ب)
TT

المخابرات العسكرية الإسرائيلية تشير إلى تصدع كبير في القيادة الإيرانية

أحد أفراد الأمن الإيراني بجوار لافتة تُظهر المرشد الراحل علي خامنئي في طهران يوم 31 مارس (أ.ف.ب)
أحد أفراد الأمن الإيراني بجوار لافتة تُظهر المرشد الراحل علي خامنئي في طهران يوم 31 مارس (أ.ف.ب)

في تقرير صادر عن شعبة الاستخبارات العسكرية في الجيش الإسرائيلي «أمان»، أكدت تل أبيب أن هناك تصدعاً كبيراً في القيادة الإيرانية، مضيفة أن هذا التصدع بات مبشراً بانهيار جزئي على الأقل للنظام في طهران.

وقالت «أمان» إن غياب المرشد علي خامنئي، ترك فراغاً هائلاً ولم يعد هناك من يتمتع مثله بسطوة القائد الذي يُجمَع حوله الباقون وتكون له الكلمة الأخيرة. فابنه مجتبى، الذي انتخب للمنصب بعد وفاة والده، لا يتمتع بشخصية كارزماتية مثل والده، ويُنظر إليه بوصفه شخصية ناقصة دينياً وسياسياً، فضلاً عن كونه جريحاً، ويُعتقد أنه لا يقوى على الحسم.

لذلك فإن وراثة خامنئي الأب ما زالت مفتوحة، خصوصاً أن الشارع الإيراني يذكر القيادة الحالية بأن أحد عيوب نظام الشاه في الحكم أنه كان عائلياً يرث فيه الابن أباه. والآن يتصرف النظام الحالي بالطريقة نفسها التي هاجمها في الماضي.

قادة إيران الجدد

صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان

ونشر تقرير «أمان»، الذي ظهر في موقع «واللا» يوم الأحد، قائمة القادة الحاليين في إيران «الذين بقوا في الحكم بعد أن تمت تصفية 55 شخصية قيادية أساسية في الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران». وتضم قائمة القادة الحاليين، بالإضافة إلى مجتبى خامنئي، حسين طائب الرئيس السابق لجهاز استخبارات «الحرس الثوري»، وهو مستشار كبير لدى مجتبى خامنئي وأمين سره، ويُعرف عنه أنه يقود الاتجاه المتطرف، وقد سُمع وهو يقول إن الاتفاق مع الغرب والتنازل له خيانة تُشكل تهديداً وجودياً للنظام.

وتضم القائمة أيضاً محمد عبد اللهي رئيس مكتب المرشد العام وهو حامل مفاتيح باب الوصول إلى خامنئي، ويعد مدير التوازنات الحساسة بين التيارات المتصارعة على القيادة. كذلك أحمد وحيدي القائد العام لـ«الحرس الثوري»، وكان وزيراً للداخلية والدفاع، وكان أيضاً أول قائد لـ«فيلق القدس»، وهو متطرف جداً في مواقفه، ويمثل التيار الأمني والتنفيذي لـ«الحرس الثوري»، ويتمسك بالأذرع الإيرانية في المنطقة.

محمد باقر قاليباف: رئيس البرلمان ومن كبار المفاوضين مع الولايات المتحدة. يعد محافظاً ولكنه مهتم بتحسين الاقتصاد، ويسعى إلى منع الانهيار الداخلي السياسي والاجتماعي، الذي من شأنه أن يؤدي إلى موجة احتجاجات شعبية جديدة ضد النظام، ومع ذلك يحرص على قناة تواصل مع التيار الراديكالي.

وفي مجموعة الإصلاحيين: الرئيس مسعود بزشكيان، وهو الذي يحاول قيادة الخط الأكثر اعتدالاً لغرض إزالة العقوبات الاقتصادية عن إيران، لكنه محدود التأثير بسبب القيود التي يفرضها عليه «الحرس الثوري». كما أنه يتعرض لحملة تحريض تتهمه بـ«خيانة قيم الثورة».

عباس عراقجي، وزير الخارجية الذي كان مفاوضاً في الاتفاق النووي الأول سنة 2015، مع دول الغرب. ويقول ضابط كبير في «أمان» إن عراقجي دبلوماسي لديه خبرة ويبحث عن صيغ للتنازلات بطريقة لا تظهر إيران مستسلمة للإرادة الأميركية.

كما يقول تقرير «أمان» إنه بالإضافة إلى هؤلاء، توجد مجموعة اسمها «الممسكون بالخيوط»، وأبرز هؤلاء: علي إفتخاري وهو شخصية مؤثرة في المخابرات وبين صفوف النخبة الدينية التي انتخبت مجتبى مرشداً، تعد هذه المجموعة العقيدة الدينية للثورة ركناً أساسياً للنظام.

علي رائدين، هو رجل أمن رفيع ذو علاقات وطيدة بدوائر اتخاذ القرارات الحساسة، ويصفه جنرال إسرائيلي بأنه «أقوى خلية في السلسلة»، ومكلف بحماية النظام وثباته في مواجهة الأخطار الداخلية والخارجية. وقد كُلف بإعادة بناء قوة «الباسيج» بعدما تلقت ضربات كبيرة من إسرائيل.

حلقة الضعف

أحد أفراد الأمن الإيراني بجوار لافتة تُظهر المرشد الراحل علي خامنئي في طهران يوم 31 مارس (أ.ف.ب)

ويقول جنرال إسرائيلي في «أمان» إن حلقة الضعف في هذه القيادة أنه لا يوجد شخص يملك الكلمة الفصل، لذلك فإن كل قرار يصدر حالياً تنشأ له فوراً معارضة وشكوك، بحيث بدأت الثقة تتزعزع لدى الكثيرين بأنفسهم، وكذلك في بعضهم بعضاً. كما يسود التوتر بين هذه القيادات حتى في ظل وقف النار.

ويضيف أن وقائع الحرب والاغتيالات، وغياب علي خامنئي، والدمار وفقدان التواصل، كلها عوامل أدت إلى تصدع حقيقي داخل سلطة الحكم الإيرانية، وعقّدت قدرتها على اتخاذ القرارات.

ومع وجود قادة جدد في مواقع المسؤولية نشأت فوضى، وتعمقت أزمة الحكم والسلطة. ويُلاحظ أنه يوجد لدى المفاوضين الإيرانيين قدر محدود من المعرفة بما يمكن أن تقدمه حكومتهم من تنازلات أو حتى بمن يتعين عليهم سؤاله على وجه الدقة. وفضلاً عن ذلك، فإن المتشددين داخل «الحرس الثوري» باتوا أكثر نفوذاً ويمارسون سلطة أكبر من القيادة الدينية التي تتولى الحكم اسمياً.

ولا تستبعد «أمان» أن التيار المتشدد يخرب على أولئك الذين يتوصلون إلى اتفاقيات وتفاهمات مع واشنطن.

تقويض النظام

احتجاجات مناهضة للحكومة الإيرانية في مدينة مشهد 10 يناير (رويترز)

من جهة أخرى، قال موقع «واللا» الإسرائيلي إنه خلال عملية «زئير الأسد» تم استهداف مئات الأهداف التابعة لقوات «الباسيج»، وتم اغتيال مسؤولين كبار. ومع ذلك، يوضح الجيش الإسرائيلي أنه لم تُصدر أي تعليمات لإسقاط النظام، وأن الضربات الجوية وحدها ليست كافية لتحقيق ذلك.

في الوقت نفسه، كُشف أن المستوى السياسي منع استهداف بنى تحتية وطنية، وأنه رغم الأضرار، لم يخرج الشعب الإيراني إلى الشوارع. وتشير التقديرات داخل المؤسسة الأمنية إلى أن الهدف من العملية كان زعزعة استقرار النظام الإيراني وإضعاف قبضته، من خلال ضرب أذرعه الأمنية الداخلية، وعلى رأسها قوات «الباسيج»، التي تُعد أداة رئيسية في قمع الاحتجاجات الشعبية.

وقد شملت الهجمات مئات المواقع المرتبطة بهذه القوات، إضافة إلى استهداف شخصيات قيادية بارزة. وعُد ذلك جزءاً من محاولة إحداث تأثير داخلي في إيران، وليس فقط توجيه ضربة عسكرية تقليدية.

مع ذلك، شدّد مسؤولون في الجيش الإسرائيلي على أن إسقاط النظام لم يكن هدفاً رسمياً للعملية، وأن مثل هذا الهدف يتطلب أدوات أوسع بكثير من مجرد الضربات الجوية، بما في ذلك تحركات سياسية وشعبية داخلية.

كما تبين أن القيادة السياسية فرضت قيوداً على نطاق الهجمات، إذ منعت استهداف بنى تحتية وطنية حيوية داخل إيران، وهو ما حدّ من مستوى التصعيد، ومن حجم الضرر الممكن إحداثه.

ورغم الضربات التي وُجهت، تشير التقديرات إلى أن الشارع الإيراني لم يشهد تحركاً واسعاً أو احتجاجات كبيرة نتيجة هذه الهجمات، وهو ما عُد عاملاً مهماً في عدم تحقيق تأثير استراتيجي أعمق على استقرار النظام.

في المحصلة، ترى التقييمات أن الضربات الجوية، حتى وإن كانت واسعة، لا تكفي وحدها لإحداث تغيير سياسي جوهري داخل إيران، خصوصاً في ظل غياب تحرك داخلي من قبل الإيرانيين أنفسهم.