آلاف السودانيين يحتفلون في الشوارع بالأناشيد الوطنية والهتافات

توقيع الوثيقة الدستورية يعيد للسودانيين فرحتهم المسروقة

احتفالات السودانيين تواصلت طوال أمس (إ.ب.أ)
احتفالات السودانيين تواصلت طوال أمس (إ.ب.أ)
TT

آلاف السودانيين يحتفلون في الشوارع بالأناشيد الوطنية والهتافات

احتفالات السودانيين تواصلت طوال أمس (إ.ب.أ)
احتفالات السودانيين تواصلت طوال أمس (إ.ب.أ)

تناسى السودانيون أحزانهم ومعاناتهم وغلاء المعيشة الذي يطحنهم طحناً، وسالت دموعهم فرحاً بتوقيع «الوثيقة الدستورية» الحاكمة للفترة الانتقالية، «إيذاناً بحريتهم» وببلوغ ثورتهم مرحلة الفعل. فعلى الرغم من أن التوقيع النهائي سيتم عقب عطلة عيد الأضحى المبارك، إلاّ أن التوقيع المبدئي بالأحرف الأولى كان كافياً لإدرار الدموع، وكافياً لتذكر الشهداء، وكافياً لتذكر لوعة أمهاتهم وقلوبهن المحروقة.
وشهدت «قاعة الصداقة» بالخرطوم، مهرجاناً من البكاء، كأنما انتقلت عدوى دموع الوسيط الإثيوبي، محمود درير، والعبرة التي خنقته وهو يتحدث بعد توقيع «الإعلان السياسي» قبل أسبوعين، إلى قطاع واسع من السودانيين. وفور ذيوع خبر التوقيع خرج الناس جميعهم، من شابات وشباب، آباء وأمهات، وجدات وجدود في مواكب هادرة عقب التوقيع، وأمس سالت دموع مدرارة من ممثل «قوى إعلان الحرية والتغيير»، عمر الدقير، وتهدجت مفرداته وهو يتحدث إلى الناس في المؤتمر الصحافي الذي عقد بعد توقيع الوثيقة.
بعد دماء كثيرة سالت فداء للثورة ومعاناة ودموع حزن سيالة وصبر طويل وسهر، شهدت العاصمة السودانية توقيع «الوثيقة الدستورية»، التي تحكم الفترة الانتقالية البالغة 39 شهراً، وقعها عن المجلس العسكري الانتقالي نائب رئيسه محمد حمدان دقلو «حميدتي» وعن قوى إعلان الحرية والتغيير أحمد ربيع، والوسيط الأفريقي محمد الحسن ولد لبات، والوسيط الإثيوبي محمود درير بصفة شهود. واقتبس الدقير أبياتاً من قصيدة الشاعر السوداني الراحل النور عثمان أبكر مدخلاً لقلوب محدثيه، تقول: «أقف اليوم حاسراً برأس حاسر، وبقية شيء من نفسي ونقاء وجيبي، مولاي الشعب الأسمر خذني فأنّ المعبود العاشق»، فانتقلت الدموع إلى من كل في المكان الذي أصبح مهرجاناً للدموع، البعض بكى فرحاً، وبكى آخر ونعلى شهداء الثورة، وغسلت دموع البعض غلالة حزن جثم على صدورهم 30 عاماً.
وحين وصلت هذه اللحظة «خنقته عبرة الفرح» فأبكى الحاضرين جميعاً فهتفوا «مدنية... مدنية»، وقال المتحدث: «الدموع وحدها هي التي تجسد هذه اللحظة التاريخية، كل قطرة دمع ستكون هدية شهيد، ولكل أم شهيد تقطع حشاها حزناً لفقد وحيدها، ولكل والد بلغه النعي فقال قدمته فداءً للوطن والحرية، كل قطرة دمع ستكون لكل معذب في السجون، هدية للمشردين في معسكرات النزوح واللجوء، لأطفال يشتبكون مع القطط في حاويات القمامة للجوعى والمساكين».
ووصف الدقير لحظة التوقيع بأنها لحظة «يصعب الحديث فيها»، أنهت ثلاثة عقود عاشها السودانيون تحت «وطأة نظام قسى عليهم بثنائية الفساد والاستبداد، وأثقل كواهلهم بمثاقيل الشقاء والعناء، ثلاثة عقود وهم يسعون إلى وطن كلما اقتربوا منه ينأى، لكنهم ما زالوا خلف ذلك الوطن يسعون».
وأوضح الدقير أن حركة المقاومة في مدها وجزرها لم تسمح لنظام الإنقاذ بمصادرة حلم السودانيين في الحرية والحياة الكريمة، قائلاً: «والآن بعد هذا المسار الطويل بين لجة الدم وساحل الدمع هو ذا الوطن الحلم يلوح لنا في هذه الجغرافيا الرسولية وترابها العذري، الذي طالما أسال لعاب الغزاة، وما من حبة رمل فيه إلا ولها حكاية وتاريخ في مقاومة العدوان والاحتلال والاستبداد». وأضاف أن الإعلان الدستوري الذي تم توقيعه يفتح صفحة جديدة في تاريخ السودان، ويضع عتبة جديدة في مسار الثورة، ويمهد الطريق لتشكيل مؤسسات السلطة الانتقالية لتقوم بمهام الثورة التي دفع السودانيون من أجلها «أعز ما يملكون، دماء أبنائهم وبناتهم».
الكشف عن قتلة الشهداء
وتعهد الدقير بأن تكون من أولى أولويات الفترة الانتقالية «التحقيق العادل الشفاف للكشف عن قتلة الشهداء ومحاسبتهم»، وأن يكون السلام من أولى الأولويات، ومن دونه لن تكون هناك ديمقراطية أو نهوض، وبالتزام السلطة الانتقالية ببرنامج إصلاح اقتصادي، وتفكيك ركائز حزب المؤتمر الوطني، وتفكيك دولة التمكين الحزبي لمصلحة كل الشعب. وقال الدقير إن السلطة الانتقالية ستعمل على بناء علاقات خارجية متوازنة تقوم على أساس المصالح المشتركة بين شعب السودان والشعوب الأخرى، إضافة إلى قضية «البناء الدستوري» ووضع دستور دائم للبلاد، لتنتهي الفترة الانتقالية بالانتخابات العامة. ووصف توقيع الإعلان الدستوري بأنه مرحلة عبور من السودان الموروث من العهد السابق بكل ما فيه من خراب، وسودان المستقبل الحر المحرر من ثنائية الفساد والاستبداد، والانتقال لمرحلة البناء ومرحلة المصالحة الوطنية وشطب مصطلح «الإقصاء» من القاموس السوداني وحراسة الثورة.
وفي يوم الشعر والدموع زفّ نائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي الفريق محمد حمدان دقلو «حميدتي» البشرى للمواطنين بأنهم وبعد عمل شاق امتد أياماً طويلة تمت مواجهة تناقضات حادة خلالها، ولحظات عصيبة، كمحطات في مسيرة التفاوض، وقال: «اختبرنا فيها الحادبين على الوطني، وانتهينا فيها باتفاق على الوثيقة الدستورية، وتحويل عجلة التاريخ لصالح الوطن والمواطن». وتابع: «دخلنا هذه المفاوضات كشركاء على طرفي المعادلة الوطنية، وخرجنا منها فريقاً واحداً وهمنا جميعاً السودان». ووصف حميدتي توقيع الوثيقة الدستورية بأنه «انتصار للإرادة الوطنية، لا غالب ولا مغلوب فيه، لأن مصلحة الوطن مقدمة على الجميع»، وبأنه طي لما أطلق عليها «صفحة عصيبة من تاريخ السودان، ساد فيها التناحر والاقتتال». وقطع حميدتي باتفاقهم على هياكل ومؤسسات البناء الجديد للفترة الانتقالية، يتجاوز أمراض الماضي، ويحقق أعلى درجات الرضا للمواطنين «الذين ضحوا بعدد من الشهداء من أجل اللحظة التاريخية». وأكد حميدتي بالعمل القصاص العادل من قتلة الشهداء، وقال: «لن يهدأ لنا بال حتى يتم القصاص العادل لكل من أجرم في حق الوطن والمواطن».
فرحة الشوارع
وفي الشوارع صدحت الأغنيات الوطنية من أجهزة السيارات، وسمعت من على البعد أغنيات الثورة الشهيرة مثل «أصبح الصبح... ولا السجن ولا السجان باقٍ»، وأيضاً «وطن الجدود نفديك بالأرواح نجود» وغيرهما. كما ردد الفرحون بتوقيع الاتفاق هتافات جديدة، شددت على القصاص لشهداء الثورة، حملها الهتاف الذي يسمع في كل شارع «الدم قصاد الدم، ولو حتى مدنية». ومن جانبه، قال الوسيط الأفريقي محمد الحسن لبات، بعد أن رفع علامة النصر، «للتاريخ حوادث لا تكتب بالكلمات، إنها تكتب بالأنفاس، تكتب بالضمير، تكتب بالإرادة، تكتب بالوفاء لدم الشهداء، ولدموع الثائرين وجهودهم وتضحياتهم، تكتب بتلاحم الشعب مع قواته المسلحة ومنظومته الدفاعية».
ودعا لبات المدنيين والعسكريين للوفاء للثورة، قائلاً: «وفاؤكم للثورة، مدنيون وعسكريون، هو كتابة التاريخ الحقيقي في المرحلة الانتقالية»، وطلب من السودانيين إحاطة ما أطلق عليها «المنظومة الدفاعية» بالرعاية والوقار، مضيفاً قوله: «كل تفريط فيها... هو مساس بصلب الوجود الوطني»، وشدد لبات على المحافظة على استقلال البلاد، واستقلالها من التدخلات الأجنبية. وحث لبات شعب السودان على الاهتمام بالمرأة وبدورها وحقوقها، بقوله: «اعتنوا بـ(كنداكاتكم) - أي نسائكم - واعتنوا بشبابكم، فما ضاعت أمة اعتنت بنسائها وشبابها وعلمائها».
وتعهد لبات بدعم الاتحاد الأفريقي الدائم للسودان ووقوفه خلفه، كاشفاً عن مشاركة رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، موسى فكي، في التوقيع النهائي للوثيقة في 17 أغسطس (آب) الجاري. أما الوسيط الإثيوبي، محمود درير، الذي عبر بدموعه عن حبه للسودان، وشعب السودان وخنقته العبرة منذ أول اتفاق، وبعربية فصيحة قال: «شهد السودان مراحل كثيرة من تاريخه العريق الضارب في جذور التاريخ، مراحل هامة، ومن تلك المراحل رفع العلم السوداني على هذه الأرض الشريفة، يعد هذا اليوم، يوماً مغروزاً في تاريخ السودان لكونه يؤسس لحكم مدني ديمقراطي يسعى لبناء دولة القانون والمساواة، لا يكون فيها هوامش وتهميش لأبنائها، ويعود أبناؤها في الحركات المسلحة إلى حضن الوطن، ليشاركوا في بناء المرحلة الحاسمة من تاريخ هذا البلد». وأوضح درير أن الوثيقة الدستورية، تؤسس لمرحلة شغلها الأول تحقيق السلام الشامل والدائم مع الحركات المسلحة، وإنهاء التهميش، وأعلن عن مشاركة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد «الذي يكن المحبة المودة والاحترام والتبجيل للشعب السوداني العريق، الذي ننتمي إليه وينتمي إلينا» في مهرجان التوقيع.
وقال درير إن وصول الفرقاء السودانيين إلى الاتفاق، أظهر للعالم أجمع أن الأفارقة قادرون على تقديم حلول أفريقية لمشاكلهم ترقى لتقديم الشهداء، من أمثال «الذين سقطوا من أجل هذا اليوم». وتوقع درير أن ينهي توافق السودانيين تدوين اسم السودان باعتباره دولة راعية للإرهاب عن طريق عمل دبلوماسي دؤوب، وتعهد بدعم بلاده وأفريقيا للسودان لرفع الديون الكثيرة المترتبة على عاتق السودان، البالغة 65 مليار دولار. وحذر مما سماه العبث بالقوات المسلحة، قائلاً: «عليكم أن تعلموا أن الدولة التي عبثت بجيوشها وقواتها ذهبت في مهب الرياح، والأمثلة كثيرة في أفريقيا». وشدد على أهمية استقرار السودان، بقوله: «السودان والكونغو صمام الأمان في أفريقيا، ومتى استقر السودان تستقر أفريقيا، ويجب أن نحافظ على استقرار بلدنا، وأقول بلدنا باعتزاز».



«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.


مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
TT

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق، انعكست مباشرةً على الحياة اليومية لملايين السكان، الذين يواجهون اليوم سيناريوهات مفتوحة على احتمالات أمنية واقتصادية معقدة.

ففي صنعاء، تتجلَّى ملامح القلق في تفاصيل الحياة اليومية. الشوارع أقل ازدحاماً في ساعات النهار، وحركة الأسواق تشهد تراجعاً ملحوظاً، فيما يفضِّل كثير من السكان البقاء قرب منازلهم.

وبالرغم من غياب أي موجة نزوح واسعة حتى الآن في صنعاء، فإنَّ شهادات محلية تشير إلى تحركات فردية لعائلات بدأت بمغادرة أحياء ومناطق قريبة من مواقع حساسة. في المقابل، يلجأ كثيرون إلى ما يمكن وصفه بـ«الاستعداد الصامت» يتضمن تخزين بعض الغذاء وتوفير كميات إضافية من المياه، وتجهيز خطط بديلة في حال تدهور من الأوضاع.

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

ويخشى السكان في صنعاء من أن يؤدي انضمام الحوثيين للدفاع عن إيران إلى مزيد من المعاناة، خصوصاً وأن الملايين من اليمنيين يعيشون منذ سنوات ظروفاً متدهورة جرَّاء الانقلاب والحرب واستمرار سياسات الفساد والنهب والتجويع الحوثية.

وأبدى سكان العاصمة المختطفة رفضهم لهذه التحركات التي قد تستدعي، بحسبهم، ضربات عسكرية جديدة تطال ما تبقى من البُنى الحيوية دون اكتراث للمعاناة.

توقع ردود انتقامية

ويُحذِّر مراقبون من أن انخراط الحوثيين في الحرب قد يضع صنعاء وبقية مدن سيطرتهم ضمن بنك أهداف مُحتمل لقوى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة إذا استمرت وتيرة ارتباط عمليات الجماعة بتطورات ميدانية في الصراع الإقليمي.

ويقول مراد، وهو مواطن يعيش في شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لا نعرف حجم ما سيحدث، لكننا متأكدون أن الأمور لن تبقى كما هي. كل الاحتمالات واردة».

ويضيف: «إن القلق لا يرتبط حالياً بالخوف من ردة فعل أمريكية - إسرائيلية انتقامية ومُحتملة، بل أيضاً بانعدام وضوح المستقبل، في ظل تصاعد الخطاب العسكري للجماعة باستمرار شن مزيد من الهجمات باتجاه إسرائيل، وصولاً إلى معاودة استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب».

الحوثيون رفعوا صوراً لخامنئي في شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

أما أم محمد، وهي ربه منزل تقطن حي قريب من موقع عسكري غرب صنعاء، فتقول: «فكرت مع عائلتي بترك منزلنا بعد دخول الحوثيين في الحرب، لكن إلى أين نذهب؟ الإيجارات مرتفعة، والوضع صعب. وإن بقينا فالخوف لن يُفارقنا، خصوصاً على الأطفال».

وتشير إلى أن أطفالها أصبحوا أكثر توتراً، خصوصاً مع تداول أخبار التصعيد الحوثي عبر الهواتف ووسائل التواصل.

ولا تقتصر هذه الحالة على صنعاء، بل تمتد إلى مدن عدة خاضعة تحت سيطرة الحوثيين، حيث يُبدي كثير من السكان مخاوف مُشابهة، وإن كانت أقل حدة.

تصعيد تدريجي

ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمطاً من «التصعيد التدريجي»، الذي يسمح للجماعة بالمشاركة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، غير أن هذا التوازن يبقى، حسبهم، هشاً وقابلاً للانهيار.

وبحسب هذه التقديرات فإنَّ الحوثيين وضعوا أنفسهم جرَّاء هذا التحرك أمام معادلة صعبة، حيث أنهم يسعون لتعزيز موقعهم ضمن محور تقوده إيران، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن التصعيد المفرط قد يستجلب ردوداً عسكرية قاسية.

حفرة أحدثها سقوط صاروخ حوثي استهدف إسرائيل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن المخاوف الحالية لا تقتصر على الجانب العسكري، مؤكدين أن سكان صنعاء وبقية المدن لا يخافون فقط من الضربات، بل أيضاً من أي إجَّراءات داخلية قد تشمل الاعتقالات أو التضييق، بتهم التخابر مع من تصفهم الجماعة بـ«الأعداء».

ويتخوف المراقبون من أنه في حال استمرار انخراط الحوثيين في الحرب بوتيرة عالية، قد تتجه الأوضاع في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيداً، فالخوف يتصاعد، والضغوط المعيشية والاقتصادية تتزايد، والسيناريوهات تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة.

وكانت الجماعة الحوثية أعلنت، السبت، إطلاق دفعتين من الصواريخ باتجاه إسرائيل، في إطار ما تسميه نصرة إيران، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخين أطلقا من اليمن، دون التسبب في أية أضرار.


هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

مع انقضاء الشهر الأول للحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

هذا التدخل الذي لم يكن مفاجئاً في سياق ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، يفتح الباب أمام تحولات ميدانية وسياسية عميقة داخل اليمن؛ إذ يرى محللون أنه قد يسرِّع إعادة تشكيل خريطة المواجهة، ويدفع نحو استئناف عمليات عسكرية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر، وربما أبعد من ذلك.

ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار الأمم المتحدة إنهاء مهمة بعثتها لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) بنهاية مارس (آذار) الجاري، ما يعزز التقديرات بعودة جبهة الساحل الغربي إلى مربع الصراع المسلح، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع مسارات التهدئة.

وتتصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من احتمال إقدام جماعة الحوثي على إغلاق مضيق باب المندب، في خطوة قد تأتي امتداداً لتحركات طهران في مضيق هرمز، بما يعكس اتساع نطاق الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

يقول عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، إن «مغادرة البعثة الأممية بالتزامن مع دخول الحوثيين في حرب جديدة لصالح إيران، وما قد يترتب على هذا الانخراط من تداعيات على مستقبل اليمن والمنطقة، يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «انخراط الحوثيين يؤكد أن محركات الجماعة وأولوياتها مرتبطة بشكل أساسي بإيران ومحورها، وهو ما يشكل تحدياً خطيراً لليمنيين ومصالحهم ومستقبلهم، وكذلك للمنطقة عموماً، رغم حرص الجماعة على توظيف خطاب إسرائيل والقضية الفلسطينية».

انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية قد يؤدي لعملية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة (وكالات)

وحسب الجبرني، فإن «الحوثيين وصلوا داخلياً إلى حالة من الانسداد والانكشاف؛ حيث بلغ السخط الشعبي ضدهم وعزلتهم المجتمعية مستويات غير مسبوقة»، مضيفاً أن «ذلك يدفعهم نحو مزيد من الانخراط في معارك خارجية، وهو ما قد يرتد بتكلفة عالية على الجماعة ومستقبلها».

من جهتها، لم تستبعد المهمة الأوروبية (أسبيدس) استهداف الحوثيين السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، داعية السفن العابرة في هذه المنطقة إلى توخي الحذر.

في المقابل، يرى مروان نعمان، الباحث في مركز واشنطن للدراسات اليمنية لدى الأمم المتحدة، أن «الأوان قد حان لتحرير مدينة الحديدة من الميليشيات الحوثية»، مشيراً إلى أن «قرار نقل السلطة في عام 2022، الذي تم بموجبه تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أكد أن حل الأزمة في اليمن سيكون سلماً أو حرباً».

ولفت نعمان -في تعليق لـ«الشرق الأوسط»- إلى أن «الرئيس رشاد العليمي دعا مؤخراً إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر»، مضيفاً أن «التطورات الجديدة في المنطقة تجعل من تحرير مدينة الحديدة أمراً لازماً».

وأكد أن «انخراط الجماعة، بتوجيه من (الحرس الثوري) الإيراني، في خدمة أجندة إيران التوسعية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، يدق المسمار الأخير في نعشها».

الجماعة الحوثية تعيش أسوأ حالاتها حسب محللين (إ.ب.أ)

من جانبه، يتفق الكاتب السياسي اليمني همدان العليي على أن «انتهاء اتفاق استوكهولم، ومغادرة البعثة الأممية، يمثلان فرصة حقيقية لليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي، لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة، وصولاً إلى صنعاء».

ويرى العليي أن «أي عملية لتحرير الحديدة ومينائها ستسهم في حماية الممرات البحرية في باب المندب من الهجمات الحوثية، التي يُتوقع أن تتصاعد خلال الفترة المقبلة»، مضيفاً: «يبدو أننا أمام مواجهة جديدة (...) وأي خرق جديد من الحوثيين يعني الدخول في مرحلة مختلفة قد تقود إلى تحرير هذه المنطقة الجغرافية المهمة».

بدوره، يؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل، أن «هناك كثيراً من المؤشرات التي تدل على أن معركة تحرير الحديدة واليمن قادمة»، ولكنه يرى أن الإشكالية تكمن في التوقيت. وقال: «في تقديري، فإن معركة تحرير الحديدة والمناطق الأخرى قادمة، ولكن تحديد موعدها يخضع لجملة من المعايير والترتيبات التي تحول دون استفادة الحوثيين من عمليات التحشيد أو استغلالها في تغرير اليمنيين».

وأضاف: «نحن أمام متغيرات واضحة، وربما تكون الانتفاضة من الداخل اليمني هي الحاسمة، بينما يرى كثيرون أن الجماعة تحفر قبرها بيدها».

من الناحية العسكرية، يرى العقيد محمد جابر، مستشار قائد العمليات اليمنية المشتركة، أن «المعطيات المحلية والإقليمية الحالية تشير إلى أننا مقبلون على معركة (كسر عظم) مع مشروع نظام الملالي».

وأشار -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه «بعد سقوط اتفاق استوكهولم سياسياً وعسكرياً، تبرز مؤشرات واضحة على فتح جبهة الحديدة والساحل الغربي، وتحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الأيام المقبلة».

قوات تابعة للمقاومة الوطنية في الساحل الغربي (الجيش اليمني)

وحذَّر جابر من أن «الحوثيين استبقوا هذا التحول بتحشيد عسكري غير مسبوق منذ بداية عام 2026، بهدف تحويل الساحل إلى قاعدة صاروخية تخدم النظام الإيراني في صراعه الإقليمي، واستخدام باب المندب كورقة للمقايضة السياسية».

ووفقاً لوزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، فقد وصلت قيادات وخبراء إضافيون من «الحرس الثوري» إلى صنعاء خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع التصعيد الأخير.

وأوضح جابر أن «التحركات الأخيرة للحكومة الشرعية واللجنة العسكرية، بإشراف المملكة العربية السعودية، تعكس وجود ترتيبات جادة لتوحيد الجبهات تحت قيادة مشتركة، والاستعداد لسيناريو ردع جماعة الحوثي واستعادة المواني».

وأضاف: «اختار الحوثيون الانخراط في المعركة الإقليمية بإرادتهم، وقدَّموا أنفسهم كأداة تنفيذية ضمن غرفة عمليات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مقدِّمين أولويات الصراع الإقليمي على حساب مصلحة اليمن واليمنيين، هذا القرار سيضعهم أمام مواجهة داخلية مع اليمنيين، ومواجهة مباشرة مع البيئة الإقليمية والدولية، بما قد يعجِّل بنهايتهم».