آلاف السودانيين يحتفلون في الشوارع بالأناشيد الوطنية والهتافات

توقيع الوثيقة الدستورية يعيد للسودانيين فرحتهم المسروقة

احتفالات السودانيين تواصلت طوال أمس (إ.ب.أ)
احتفالات السودانيين تواصلت طوال أمس (إ.ب.أ)
TT

آلاف السودانيين يحتفلون في الشوارع بالأناشيد الوطنية والهتافات

احتفالات السودانيين تواصلت طوال أمس (إ.ب.أ)
احتفالات السودانيين تواصلت طوال أمس (إ.ب.أ)

تناسى السودانيون أحزانهم ومعاناتهم وغلاء المعيشة الذي يطحنهم طحناً، وسالت دموعهم فرحاً بتوقيع «الوثيقة الدستورية» الحاكمة للفترة الانتقالية، «إيذاناً بحريتهم» وببلوغ ثورتهم مرحلة الفعل. فعلى الرغم من أن التوقيع النهائي سيتم عقب عطلة عيد الأضحى المبارك، إلاّ أن التوقيع المبدئي بالأحرف الأولى كان كافياً لإدرار الدموع، وكافياً لتذكر الشهداء، وكافياً لتذكر لوعة أمهاتهم وقلوبهن المحروقة.
وشهدت «قاعة الصداقة» بالخرطوم، مهرجاناً من البكاء، كأنما انتقلت عدوى دموع الوسيط الإثيوبي، محمود درير، والعبرة التي خنقته وهو يتحدث بعد توقيع «الإعلان السياسي» قبل أسبوعين، إلى قطاع واسع من السودانيين. وفور ذيوع خبر التوقيع خرج الناس جميعهم، من شابات وشباب، آباء وأمهات، وجدات وجدود في مواكب هادرة عقب التوقيع، وأمس سالت دموع مدرارة من ممثل «قوى إعلان الحرية والتغيير»، عمر الدقير، وتهدجت مفرداته وهو يتحدث إلى الناس في المؤتمر الصحافي الذي عقد بعد توقيع الوثيقة.
بعد دماء كثيرة سالت فداء للثورة ومعاناة ودموع حزن سيالة وصبر طويل وسهر، شهدت العاصمة السودانية توقيع «الوثيقة الدستورية»، التي تحكم الفترة الانتقالية البالغة 39 شهراً، وقعها عن المجلس العسكري الانتقالي نائب رئيسه محمد حمدان دقلو «حميدتي» وعن قوى إعلان الحرية والتغيير أحمد ربيع، والوسيط الأفريقي محمد الحسن ولد لبات، والوسيط الإثيوبي محمود درير بصفة شهود. واقتبس الدقير أبياتاً من قصيدة الشاعر السوداني الراحل النور عثمان أبكر مدخلاً لقلوب محدثيه، تقول: «أقف اليوم حاسراً برأس حاسر، وبقية شيء من نفسي ونقاء وجيبي، مولاي الشعب الأسمر خذني فأنّ المعبود العاشق»، فانتقلت الدموع إلى من كل في المكان الذي أصبح مهرجاناً للدموع، البعض بكى فرحاً، وبكى آخر ونعلى شهداء الثورة، وغسلت دموع البعض غلالة حزن جثم على صدورهم 30 عاماً.
وحين وصلت هذه اللحظة «خنقته عبرة الفرح» فأبكى الحاضرين جميعاً فهتفوا «مدنية... مدنية»، وقال المتحدث: «الدموع وحدها هي التي تجسد هذه اللحظة التاريخية، كل قطرة دمع ستكون هدية شهيد، ولكل أم شهيد تقطع حشاها حزناً لفقد وحيدها، ولكل والد بلغه النعي فقال قدمته فداءً للوطن والحرية، كل قطرة دمع ستكون لكل معذب في السجون، هدية للمشردين في معسكرات النزوح واللجوء، لأطفال يشتبكون مع القطط في حاويات القمامة للجوعى والمساكين».
ووصف الدقير لحظة التوقيع بأنها لحظة «يصعب الحديث فيها»، أنهت ثلاثة عقود عاشها السودانيون تحت «وطأة نظام قسى عليهم بثنائية الفساد والاستبداد، وأثقل كواهلهم بمثاقيل الشقاء والعناء، ثلاثة عقود وهم يسعون إلى وطن كلما اقتربوا منه ينأى، لكنهم ما زالوا خلف ذلك الوطن يسعون».
وأوضح الدقير أن حركة المقاومة في مدها وجزرها لم تسمح لنظام الإنقاذ بمصادرة حلم السودانيين في الحرية والحياة الكريمة، قائلاً: «والآن بعد هذا المسار الطويل بين لجة الدم وساحل الدمع هو ذا الوطن الحلم يلوح لنا في هذه الجغرافيا الرسولية وترابها العذري، الذي طالما أسال لعاب الغزاة، وما من حبة رمل فيه إلا ولها حكاية وتاريخ في مقاومة العدوان والاحتلال والاستبداد». وأضاف أن الإعلان الدستوري الذي تم توقيعه يفتح صفحة جديدة في تاريخ السودان، ويضع عتبة جديدة في مسار الثورة، ويمهد الطريق لتشكيل مؤسسات السلطة الانتقالية لتقوم بمهام الثورة التي دفع السودانيون من أجلها «أعز ما يملكون، دماء أبنائهم وبناتهم».
الكشف عن قتلة الشهداء
وتعهد الدقير بأن تكون من أولى أولويات الفترة الانتقالية «التحقيق العادل الشفاف للكشف عن قتلة الشهداء ومحاسبتهم»، وأن يكون السلام من أولى الأولويات، ومن دونه لن تكون هناك ديمقراطية أو نهوض، وبالتزام السلطة الانتقالية ببرنامج إصلاح اقتصادي، وتفكيك ركائز حزب المؤتمر الوطني، وتفكيك دولة التمكين الحزبي لمصلحة كل الشعب. وقال الدقير إن السلطة الانتقالية ستعمل على بناء علاقات خارجية متوازنة تقوم على أساس المصالح المشتركة بين شعب السودان والشعوب الأخرى، إضافة إلى قضية «البناء الدستوري» ووضع دستور دائم للبلاد، لتنتهي الفترة الانتقالية بالانتخابات العامة. ووصف توقيع الإعلان الدستوري بأنه مرحلة عبور من السودان الموروث من العهد السابق بكل ما فيه من خراب، وسودان المستقبل الحر المحرر من ثنائية الفساد والاستبداد، والانتقال لمرحلة البناء ومرحلة المصالحة الوطنية وشطب مصطلح «الإقصاء» من القاموس السوداني وحراسة الثورة.
وفي يوم الشعر والدموع زفّ نائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي الفريق محمد حمدان دقلو «حميدتي» البشرى للمواطنين بأنهم وبعد عمل شاق امتد أياماً طويلة تمت مواجهة تناقضات حادة خلالها، ولحظات عصيبة، كمحطات في مسيرة التفاوض، وقال: «اختبرنا فيها الحادبين على الوطني، وانتهينا فيها باتفاق على الوثيقة الدستورية، وتحويل عجلة التاريخ لصالح الوطن والمواطن». وتابع: «دخلنا هذه المفاوضات كشركاء على طرفي المعادلة الوطنية، وخرجنا منها فريقاً واحداً وهمنا جميعاً السودان». ووصف حميدتي توقيع الوثيقة الدستورية بأنه «انتصار للإرادة الوطنية، لا غالب ولا مغلوب فيه، لأن مصلحة الوطن مقدمة على الجميع»، وبأنه طي لما أطلق عليها «صفحة عصيبة من تاريخ السودان، ساد فيها التناحر والاقتتال». وقطع حميدتي باتفاقهم على هياكل ومؤسسات البناء الجديد للفترة الانتقالية، يتجاوز أمراض الماضي، ويحقق أعلى درجات الرضا للمواطنين «الذين ضحوا بعدد من الشهداء من أجل اللحظة التاريخية». وأكد حميدتي بالعمل القصاص العادل من قتلة الشهداء، وقال: «لن يهدأ لنا بال حتى يتم القصاص العادل لكل من أجرم في حق الوطن والمواطن».
فرحة الشوارع
وفي الشوارع صدحت الأغنيات الوطنية من أجهزة السيارات، وسمعت من على البعد أغنيات الثورة الشهيرة مثل «أصبح الصبح... ولا السجن ولا السجان باقٍ»، وأيضاً «وطن الجدود نفديك بالأرواح نجود» وغيرهما. كما ردد الفرحون بتوقيع الاتفاق هتافات جديدة، شددت على القصاص لشهداء الثورة، حملها الهتاف الذي يسمع في كل شارع «الدم قصاد الدم، ولو حتى مدنية». ومن جانبه، قال الوسيط الأفريقي محمد الحسن لبات، بعد أن رفع علامة النصر، «للتاريخ حوادث لا تكتب بالكلمات، إنها تكتب بالأنفاس، تكتب بالضمير، تكتب بالإرادة، تكتب بالوفاء لدم الشهداء، ولدموع الثائرين وجهودهم وتضحياتهم، تكتب بتلاحم الشعب مع قواته المسلحة ومنظومته الدفاعية».
ودعا لبات المدنيين والعسكريين للوفاء للثورة، قائلاً: «وفاؤكم للثورة، مدنيون وعسكريون، هو كتابة التاريخ الحقيقي في المرحلة الانتقالية»، وطلب من السودانيين إحاطة ما أطلق عليها «المنظومة الدفاعية» بالرعاية والوقار، مضيفاً قوله: «كل تفريط فيها... هو مساس بصلب الوجود الوطني»، وشدد لبات على المحافظة على استقلال البلاد، واستقلالها من التدخلات الأجنبية. وحث لبات شعب السودان على الاهتمام بالمرأة وبدورها وحقوقها، بقوله: «اعتنوا بـ(كنداكاتكم) - أي نسائكم - واعتنوا بشبابكم، فما ضاعت أمة اعتنت بنسائها وشبابها وعلمائها».
وتعهد لبات بدعم الاتحاد الأفريقي الدائم للسودان ووقوفه خلفه، كاشفاً عن مشاركة رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، موسى فكي، في التوقيع النهائي للوثيقة في 17 أغسطس (آب) الجاري. أما الوسيط الإثيوبي، محمود درير، الذي عبر بدموعه عن حبه للسودان، وشعب السودان وخنقته العبرة منذ أول اتفاق، وبعربية فصيحة قال: «شهد السودان مراحل كثيرة من تاريخه العريق الضارب في جذور التاريخ، مراحل هامة، ومن تلك المراحل رفع العلم السوداني على هذه الأرض الشريفة، يعد هذا اليوم، يوماً مغروزاً في تاريخ السودان لكونه يؤسس لحكم مدني ديمقراطي يسعى لبناء دولة القانون والمساواة، لا يكون فيها هوامش وتهميش لأبنائها، ويعود أبناؤها في الحركات المسلحة إلى حضن الوطن، ليشاركوا في بناء المرحلة الحاسمة من تاريخ هذا البلد». وأوضح درير أن الوثيقة الدستورية، تؤسس لمرحلة شغلها الأول تحقيق السلام الشامل والدائم مع الحركات المسلحة، وإنهاء التهميش، وأعلن عن مشاركة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد «الذي يكن المحبة المودة والاحترام والتبجيل للشعب السوداني العريق، الذي ننتمي إليه وينتمي إلينا» في مهرجان التوقيع.
وقال درير إن وصول الفرقاء السودانيين إلى الاتفاق، أظهر للعالم أجمع أن الأفارقة قادرون على تقديم حلول أفريقية لمشاكلهم ترقى لتقديم الشهداء، من أمثال «الذين سقطوا من أجل هذا اليوم». وتوقع درير أن ينهي توافق السودانيين تدوين اسم السودان باعتباره دولة راعية للإرهاب عن طريق عمل دبلوماسي دؤوب، وتعهد بدعم بلاده وأفريقيا للسودان لرفع الديون الكثيرة المترتبة على عاتق السودان، البالغة 65 مليار دولار. وحذر مما سماه العبث بالقوات المسلحة، قائلاً: «عليكم أن تعلموا أن الدولة التي عبثت بجيوشها وقواتها ذهبت في مهب الرياح، والأمثلة كثيرة في أفريقيا». وشدد على أهمية استقرار السودان، بقوله: «السودان والكونغو صمام الأمان في أفريقيا، ومتى استقر السودان تستقر أفريقيا، ويجب أن نحافظ على استقرار بلدنا، وأقول بلدنا باعتزاز».



اتساع رقعة القمع الحوثي في صنعاء... وتوثيق أكثر من 3900 انتهاك

عناصر حوثيون في صنعاء يحرسون تجمعاً نظمته الجماعة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء يحرسون تجمعاً نظمته الجماعة (إ.ب.أ)
TT

اتساع رقعة القمع الحوثي في صنعاء... وتوثيق أكثر من 3900 انتهاك

عناصر حوثيون في صنعاء يحرسون تجمعاً نظمته الجماعة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء يحرسون تجمعاً نظمته الجماعة (إ.ب.أ)

كشفت تقارير حقوقية يمنية عن تصاعد ممنهج في الانتهاكات التي ترتكبها الجماعة الحوثية بحق المدنيين في العاصمة المختطفة صنعاء، موثِّقةً أكثر من 3900 انتهاك خلال عامي 2024 و2025، بينها القتل والتعذيب والاختطاف والإخفاء القسري والتهجير ونهب الممتلكات والمحاكمات السياسية وقمع الحريات.

ووثَّق مكتب حقوق الإنسان في صنعاء (حكومي) نحو 3219 انتهاكاً ارتكبتها الجماعة ضد سكان العاصمة المختطفة ومديرياتها العشر خلال عامين، في وقت أظهر تقرير حقوقي آخر تسجيل 761 انتهاكاً خلال عام 2025 وحده، إلى جانب 129 انتهاكاً طالت موظفي المنظمات الإنسانية والأممية.

وتشير هذه الأرقام، وفقاً للجهتين، إلى اتساع نطاق الانتهاكات الحوثية وتنوع أدواتها، من القمع الأمني المباشر إلى الضغط الاقتصادي وملاحقة النشاط المدني والحقوقي، بما في ذلك معاقبة مواطنين على خلفيات تتصل بالتعبير عن الهوية الوطنية.

عناصر حوثيون يستقلون سيارة عسكرية في صنعاء (أ.ف.ب)

وقال مكتب حقوق الإنسان بصنعاء والتابع للسلطة المحلية الشرعية إن الانتهاكات التي رصدها خلال عامي 2024 و2025 توزعت على 14 نمطاً إجرامياً، شملت القتل خارج نطاق القانون، والاختطاف والإخفاء القسري، والتهجير، والتعذيب المفضي إلى الوفاة، والمحاكمات السياسية، والانتهاكات بحق النساء والأطفال، وقمع الحريات، ونهب الممتلكات، وفرض الإتاوات والجبايات غير القانونية.

وأوضح المكتب، في تقرير حمل عنوان «ذاكرة الألم»، أنه وثق 105 حالات قتل، بينها 71 حالة قتل مباشر و34 وفاة تحت التعذيب، إضافة إلى 135 حالة تعذيب جسدي ونفسي، و483 حالة اختطاف وإخفاء قسري، و268 حالة اعتداء وإصابة.

وسجَّل التقرير أكثر من 1537 انتهاكاً خلال عام 2024، قبل أن يرتفع العدد إلى 1682 انتهاكاً في 2025، بزيادة بلغت 145 انتهاكاً، أو ما نسبته 9.4 في المائة.

كما وثَّق المكتب 307 محاكمات ذات طابع سياسي، صدرت خلالها 39 حكماً بالإعدام بحق معارضين وناشطين، في مؤشر، بحسب التقرير، على استخدام القضاء أداة في ملاحقة الخصوم السياسيين والمعارضين للجماعة.

بائع متجول يعرض ملابس شتوية مستعملة للبيع في صنعاء (إ.ب.أ)

وطالت الانتهاكات كذلك الفئات الأكثر هشاشة، إذ رصد التقرير 299 انتهاكاً بحق الأطفال و102 انتهاكاً بحق النساء، فضلاً عن أكثر من 382 حالة تعسف وإقصاء وظيفي، و199 اعتداء على الحريات العامة، و167 انتهاكاً لحرية التنقل.

وفي ملف الممتلكات، سجَّل التقرير 302 حالة نهب واعتداء على ممتلكات عامة وخاصة، إلى جانب 125 حالة تهجير قسري وهدم منازل، في سياق ما وصفه المكتب باتساع أنماط السيطرة الحوثية على حياة السكان وممتلكاتهم.

قمع المنظمات وتجويع السكان

لم تقتصر الانتهاكات، وفق التقرير الحكومي، على المدنيين، بل امتدت إلى موظفي الأمم المتحدة والعاملين في المنظمات الدولية والإنسانية، حيث تحدث عن تصعيد شمل الاعتقال والاختطاف والإخفاء القسري واقتحام مقرات المنظمات ومصادرة محتوياتها.

ويتقاطع ذلك مع تقرير صادر عن «منظمة دي يمنت للحقوق والتنمية»، وثَّق 129 انتهاكاً بحق المنظمات الإنسانية والأممية خلال العام الماضي، بينها اختطاف 52 موظفاً وإخفاء 31 آخرين قسراً في معتقلات سرية.

واتهم التقرير الجماعة الحوثية باستخدام الاقتصاد وسيلة للعقاب الجماعي، مشيراً إلى استمرار انقطاع مرتبات نحو 70 في المائة من موظفي القطاع العام، بالتزامن مع فرض الإتاوات والجبايات، وهو ما قال إنه أسهم في تراجع القدرة الشرائية بنحو 80 في المائة.

سكان صنعاء يتخوفون من انهيار معيشي جراء التصعيد الحوثي (رويترز)

ووفق التقرير، دفعت هذه السياسات نحو 80 في المائة من الأسر إلى ما دون خط الفقر، بينما وصل نصف سكان العاصمة إلى مرحلة العجز الغذائي الحاد، في صورة تعكس، بحسب معديه، انتقال القمع من الاعتقال والملاحقة إلى أدوات اقتصادية تمس القدرة اليومية على البقاء.

وتكتسب هذه المعطيات أهمية خاصة في صنعاء، التي تضم كتلة سكانية كبيرة وتخضع منذ سنوات لسيطرة الجماعة الحوثية، فيما يعتمد جزء واسع من السكان على رواتب القطاع العام والمساعدات والأنشطة الاقتصادية الصغيرة.

ملاحقة العلم اليمني

وثَّق تقرير منظمة «دي يمنت» نمطاً آخر من الانتهاكات المرتبطة بالمناسبات الوطنية والرموز اليمنية، إذ قال إنه سجَّل 156 انتهاكاً خلال شهر واحد بحق مواطنين على خلفية رفع العلم اليمني أو إحياء مناسبة وطنية.

وشملت هذه الانتهاكات، بحسب التقرير، اختطاف 103 أشخاص، بينهم نساء وأطفال، وإخفاء 27 آخرين قسراً، إلى جانب مداهمة 12 منزلاً.

ويرسم هذا النوع من الانتهاكات، وفق التقرير، صورة عن طبيعة القيود التي تفرضها الجماعة على المجال العام، حيث لم تعد الملاحقة مرتبطة فقط بالنشاط السياسي المباشر، وإنما امتدت إلى مظاهر التعبير عن الهوية الوطنية والاحتفاء بالمناسبات العامة.

أشخاص يستقلون الجزء الخلفي من شاحنة صغيرة في أحد شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

وأكَّد مكتب حقوق الإنسان بصنعاء أن الأرقام الواردة في تقريره لا تمثل جميع الانتهاكات التي ارتكبتها الجماعة خلال الفترة محل الرصد، وإنما الحالات التي تمكن فريقه من الوصول إليها والتحقق منها، مما يرجح أن يكون الحجم الفعلي للانتهاكات أكبر من الأرقام الموثقة.

ودعا المكتب المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية والإعلامية إلى التحرك وعدم السماح بمرور الانتهاكات من دون مساءلة، والعمل على إنصاف الضحايا ومحاسبة المتورطين.

وتأتي هذه الدعوات في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية والحقوقية العاملة في مناطق سيطرة الحوثيين قيوداً متزايدة على الحركة والنشاط، بينما لا تزال قضايا المعتقلين والمخفيين قسراً والمحاكمات ذات الطابع السياسي من أبرز الملفات التي تعيق أي تقدم في مسار معالجة آثار الصراع اليمني.


قبضة حوثية مشددة على الإعلام تواكب تصعيد الجبهات

الجماعة الحوثية تحشد أنصارها وتشدد الرقابة على الإعلام الدولي (أ.ف.ب)
الجماعة الحوثية تحشد أنصارها وتشدد الرقابة على الإعلام الدولي (أ.ف.ب)
TT

قبضة حوثية مشددة على الإعلام تواكب تصعيد الجبهات

الجماعة الحوثية تحشد أنصارها وتشدد الرقابة على الإعلام الدولي (أ.ف.ب)
الجماعة الحوثية تحشد أنصارها وتشدد الرقابة على الإعلام الدولي (أ.ف.ب)

تشهد الماكينة الإعلامية للجماعة الحوثية، خلال الأسابيع الأخيرة، تحولاً في وتيرة خطابها المُوجَّه، بالتزامن مع ازدياد التصعيد العسكري داخلياً، والهجمات على الملاحة الدولية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، بينما تسعى إلى فرض خطاب إعلامي مُوجَّه على وسائل الإعلام العربية والدولية التي تمتلك مكاتب في مناطق سيطرتها.

ويواجه العمل الصحافي المستقل في مناطق سيطرة الحوثيِّين رقابة مشدَّدة فرضتها الجماعة على الصحافيِّين والمراسلين، تشمل حظر التغطية الميدانية المستقلة، وفرض تصاريح أمنية مشدَّدة، وتعليمات صارمة لكل مَن ينقل تفاصيل ميدانية بعدم مخالفة الرواية الحوثية، أو الحصول على رواية غير مطابقة لها من السكان، أو التعاطي مع رواية الحكومة الشرعية.

وذكرت مصادر إعلامية في صنعاء لـ«الشرق الأوسط» أنَّ الجماعة الحوثية أصدرت قائمةً بالتعليمات التي وجهت مراسلي وسائل الإعلام الخارجية ووكالات الأنباء بالالتزام بها ضمن تحديثات السياسة الإعلامية المصاحَبة للتصعيد العسكري سواء في الجبهات الداخلية، أو خارجياً بالاعتداء على دول الجوار والملاحة في البحر الأحمر.

وبحسب المصادر، تضمَّنت التعليمات عدم نقل أي أخبار عن القصف الذي تتعرَّض له مناطق سيطرة الجماعة والمواقع العسكرية والمقرات التابعة لها وأي منشآت تحت إدارتها، إلا بعد الحصول على إذن من الجهات الإعلامية المعنية بالسماح بنشر ونقل المعلومات الخاصة بمثل هذه الأحداث، والاعتماد على ما يرد في وسائل إعلام الجماعة.

بالتزامن مع التصعيد العسكري تفرض الجماعة الحوثية رقابة مشددة على الإعلام (أ.ف.ب)

وشدَّدت على أن يكون تصوير أي موقع تعرَّض لقصف القوات الجوية الحكومية أو أي طرف خارجي تحت إشراف من اللجان التابعة لها الموجودة فيه، داعية إلى تغطية التجمعات التي تنظمها الجماعة لأنصارها في الميادين العامة وإبراز أعداد المشاركين والشعارات التي تُرفَع فيها.

كما تضمَّنت التعليمات عدم نقل معلومات من الميدان أو من شهود عيان في أي شأن سياسي أو عسكري، والتحذير من نقل شهادات السكان وشهود العيان إلا إذا توافقت مع الروايات الرسمية للجماعة والتي تتم إذاعتها ونشرها على وسائل الإعلام التابعة لها.

تحديث السردية

بيَّنت المصادر أنَّ الصحافيِّين والمراسلين أبدوا اعتراضهم على التعليمات التي تخصُّ نقل التصريحات والبيانات الصادرة عن الحكومة الشرعية ومسؤوليها، بوصف ذلك يخلُّ تماماً بالمهنية الإعلامية، ويحرجهم أمام وسائل الإعلام التي يمثلونها، إلا أنَّ القادة الحوثيين طلبوا منهم أن يوكلوا تلك المهام لزملائهم المقيمين في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، أو أن يرفقوا أي بيانات أو تصريحات حكومية بما ينفيها من طرف الجماعة.

استهداف المنشآت المدنية والحيوية يترافق مع مزاعم حوثية مضللة (أ.ف.ب)

ويرى مراقبون أنَّ الخطاب الإعلامي للجماعة لم يعد يقتصر على الصياغات التعبوية التقليدية، بل بات يتحرَّك ضمن استراتيجية منسقة تهدف إلى فرض واقع جيوسياسي جديد، وحجب التصدعات الداخلية المتزايدة.

وفي ملف الملاحة الدولية، انتقل الخطاب الحوثي إلى مرحلة جديدة عنوانها فرض «الحظر الملاحي» الشامل في البحر الأحمر وباب المندب.

ويقول أحمد عباس، المحلل السياسي اليمني لـ«الشرق الأوسط» إنَّ السياسة الإعلامية الحوثية المصاحبة للتصعيد الأخير لم تشهد تغيُّراً نوعياً، بل تُظهر استمرارية في التعبئة والتحشيد الذي تنتهجه الجماعة، إلا أنَّ الملاحظ هو وجود بعض التغيير في الأولويات والمبررات والذرائع.

ويشير إلى أنه، وبعد تراجع مبرر المعركة مع إسرائيل، والذي سيطر على خطاب الحركة الحوثية خلال الأعوام الـ3 الماضية، انتقلت إلى معادلة أكثر عنفاً وتطرفاً، فبعد أن كانت في السابق تعتمد على تغليفه أخلاقياً وقومياً عند توجيهه إلى الداخل والشارع العربي أيضاً، فقد أعادت توجيه ماكينتها الإعلامية نحو الشحن والتخوين الداخلي، واعتبار الحكومة الشرعية من أدوات العدو الخارجي المزعوم.

الحوثيون يكثفون نشر مجسمات وصور لأسلحتهم في شوارع المدن الخاضعة لسيطرتهم (أ.ب)

فالجماعة، وفقاً لعباس، تعتمد على مبدأ العدو الدائم، وحين يغيب العنوان الإقليمي البرّاق، تستدعى النبرة ذاتها لتبرير التصعيد الداخلي والهروب من الاستحقاقات المحلية، ويتم تحويل الخطاب من المعركة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، إلى لغة أخرى لتبرير استهداف السفن في البحر الأحمر، وربط ذلك بالمعاناة التي تسببت بها للمجتمع، ملقيةً بالمسؤولية عنها على خصومها.

مزامنة مع التصعيد

يتعمد خطاب الجماعة الحوثية تسمية العقوبات الأميركية المفروضة عليها والقيود الأممية على نشاط تهريب الأسلحة والمعدات العسكرية بـ«الحصار» الذي تتهم به الحكومة الشرعية وحلفائها، وتحملهم المسؤولية عمّا تسببت به ممارساتها من تدهور معيشي في مناطق سيطرتها وإضرار بالاقتصاد المحلي والخدمات وتراجع أعمال الإغاثة.

وتركز وسائل إعلام الجماعة على الترويج لمعادلة «الحصار بالحصار»، بحسب ادعاءاتها، في محاولة لشرعنة استهداف السفن التجارية والمنشآت الحيوية، وربط هذه التَّحرُّكات بالتوترات الإقليمية الأوسع بين واشنطن وطهران.

ويرى أحد الباحثين في الشؤون الإعلامية والسياسية، يقيم في صنعاء، أنَّ خطاب الجماعة بات يستخدم توظيف الممرات المائية بوصفه ورقة ضغط استراتيجية بشكل صريح، بعد أن كان يؤدي ذلك بلهجة مواربة نوعاً ما، مرفقة ذلك بحالة من الاستنفار القصوى تزامناً مع المؤشرات الوشيكة لعودة الحرب البرية.

الهجوم الحوثي على ميناء المخا يعزز من التهديدات التي تطال الملاحة في البحر الأحمر (رويترز)

ويوضِّح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ الجماعة تسعى من خلال ما يسميها «بروباغندا القوة الجيوسياسية» لتعويض تراجع شعبيتها؛ وتصدير صورتها لاعباً إقليمياً نداً للقوى الكبرى، وتعزيز حملات التجنيد الإجباري الواسعة لتغطية النزف البشري الحاد في جبهات القتال، وشيطنة الأصوات المحلية المحتجة على تدهور الأوضاع المعيشية.

ويعد متابعون للشأن اليمني أنَّ إقدام الجماعة الحوثية على استهداف المنشآت الحيوية في مدينة المخا على الساحل الغربي للبلاد، والقريبة من مضيق باب المندب، يأتي في سياق واحد لتصعيدها الداخلي ومساندتها لإيران في المواجهة الإقليمية المحتدمة منذ قرابة نصف عام.

وبينما تسعى الجماعة إلى تعزيز نفوذها الداخلي وتوسيع مساحة سيطرتها على حساب الحكومة الشرعية، تحاول فرض واقع عسكري بالقرب من خطوط الملاحة الدولية، لتمكين إيران من الاستمرار في المفاوضات مع الولايات المتحدة بسقف مرتفع.


الجيش اليمني يعلن تنفيذ 181 عملية ضد مواقع حوثية خلال 24 ساعة

العقيد الركن ماجد النزيلي المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية (سبأ)
العقيد الركن ماجد النزيلي المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية (سبأ)
TT

الجيش اليمني يعلن تنفيذ 181 عملية ضد مواقع حوثية خلال 24 ساعة

العقيد الركن ماجد النزيلي المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية (سبأ)
العقيد الركن ماجد النزيلي المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية (سبأ)

أعلن الجيش اليمني، الأحد، تنفيذ 181 عملية عسكرية خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، استهدفت مواقع ومصادر نيران وقدرات تابعة للجماعة الحوثية على امتداد جبهات القتال، مؤكداً أن الضربات أسفرت عن مقتل وإصابة عشرات من عناصر الجماعة، وتدمير مخازن أسلحة ومعدات وآليات عسكرية.

وقال المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة اليمنية، العقيد الركن ماجد النزيلي، إن العمليات نُفذت باستخدام الطائرات المسيّرة والمدفعية وراجمات الصواريخ، واستهدفت مواقع وأهدافاً عسكرية ومصادر تهديد حوثية في عدد من محاور القتال.

العقيد الركن ماجد النزيلي المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية (سبأ)

وكانت ميليشيا الحوثي قد استهدفت، مساء السبت، الأحياء السكنية في مدينة مأرب بستة صواريخ باليستية و4 طائرات مسيّرة.

وبحسب مكتب الإعلام بمحافظة مأرب، أسفرت الهجمات الحوثية عن وقوع جرحى ومصابين، وإلحاق أضرار مادية بعدد من المنازل والسيارات وممتلكات المواطنين.

وأضاف الناطق الرسمي في بيان أن الضربات أدت إلى تدمير عشرات المعدات والآليات، إلى جانب عدد من مخازن الأسلحة والوسائل العسكرية، مشيراً إلى تحقيق «إصابات مباشرة في الأهداف المحددة».

وبحسب النزيلي، تركزت العمليات على مصادر النيران والقدرات المستخدمة في تنفيذ الهجمات، وامتدت إلى جبهات ومحاور في تعز ومأرب والحديدة والضالع وأبين وشبوة ولحج، من بينها المخا والبرح والضباب ومقبنة وصرواح وهيلان وحريب وبيحان وطور الباحة.

وأكد المتحدث العسكري أن القوات الحكومية تمتلك «القدرة والجاهزية اللازمتين للوصول إلى مصادر التهديد وتحييدها ومنعها من مواصلة أعمالها العدائية»، وفق مقتضيات الموقف الميداني، وفي الزمان والمكان وبالوسائل التي تحددها القيادة العسكرية.

وشدد على أن الوحدات المشاركة نفذت مهامها «بكفاءة وانضباط عملياتي عالٍ»، مع الالتزام بقواعد الاشتباك وأحكام القانون الدولي الإنساني، واتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين وتجنيبهم تداعيات العمليات العسكرية.

وأرجع العقيد ماجد النزيلي هذه الضربات إلى ما وصفه بـ«الاعتداءات الحوثية الإرهابية المتكررة» التي استهدفت المدنيين والأعيان المدنية والمنشآت الاقتصادية والموانئ، إلى جانب وحدات ومواقع تابعة للقوات الحكومية.

ودعا المتحدث العسكري اليمنيين إلى الابتعاد عن المواقع والمنشآت والتجمعات العسكرية التابعة للجماعة الحوثية، وعدم الاقتراب منها أو الانخراط في صفوفها، محذراً من استخدام الحوثيين للمدنيين والمناطق السكنية في خدمة ما وصفه بـ«أجندة النظام الإيراني ومشروعه الذي يهدد أمن اليمن والمنطقة والملاحة والمصالح الإقليمية والدولية».

وأشار النزيلي إلى أن القوات المسلحة اليمنية في «أعلى درجات الجاهزية»، وقادرة على المبادرة وفرض معادلة ميدانية جديدة، مؤكداً استعدادها لتنفيذ المهام الموكلة إليها، والتعامل مع مختلف التطورات وفق توجيهات القيادة السياسية والعسكرية.

جانب من عمليات الجيش اليمني ضد الحوثيين في محور تعز (سبأ)

وأضاف أن أي مصدر تهديد للقوات الحكومية أو للمدنيين والأعيان المدنية ومقدرات الشعب اليمني «لن يكون بمنأى عن التعامل العسكري المشروع»، مؤكداً استمرار القوات في أداء مهامها لحماية السكان ومصالحهم وسيادة الدولة وأمنها واستقرارها.

وكانت الحكومة اليمنية قد حذرت من أن استمرار الجماعة المدعومة من إيران في امتلاك الصواريخ والطائرات المسيّرة والأسلحة النوعية، إلى جانب تهديد الملاحة واستهداف المنشآت المدنية، يهدّدان بإعادة البلاد إلى دوامة جديدة من العنف، ويقوّضان فرص السلام التي استثمرت فيها الحكومة والأمم المتحدة والمجتمع الدولي لسنوات.