عشرات القتلى في هجومين إرهابيين استهدفا عدن... و«الشرعية» تتوعد

الحوثيون اعترفوا بتنفيذ أول عملية... وترجيح تورط جماعة إرهابية أخرى في الثانية

TT

عشرات القتلى في هجومين إرهابيين استهدفا عدن... و«الشرعية» تتوعد

فتحت العاصمة اليمنية المؤقتة عدن عينيها، أمس، على هجوم حوثي مزدوج بصاروخ باليستي وطائرة إيرانية مسيّرة، استهدف استعراضاً عسكرياً غربي المدينة، وذلك بعد نحو ساعة فقط من هجوم انتحاري آخر بسيارة مفخخة استهدف قسم الشرطة في حي الشيخ عثمان شمال المدينة، وهو ما نجم عنه أكثر من 49 قتيلاً وعشرات الجرحى وفق إحصاء رسمي أولي.
ولقي الهجومان تنديداً يمنياً وسعودياً وأوروبياً، في حين طالب سياسيون وناشطون باستئناف معركة الحديدة رداً على التصعيد الحوثي، وسط اتهامات حكومية بوجود أيادٍ إيرانية نسّقت للهجمات المتزامنة.
وفيما شهدت شوارع المدينة استنفاراً أمنياً واسعاً خشية مزيد من الهجمات، أكدت مصادر عسكرية وأمنية لـ«الشرق الأوسط» أن سيارة مفخخة يقودها انتحاريان يرجح صلتهما بتنظيم «داعش» اقتحمت قسم شرطة الشيخ عثمان قبل أن تنفجر بعد البوابة الرئيسية خلال الطابور الصباحي لعناصر القسم من الضباط والجنود، وهو ما أدى إلى مقتل وجرح العشرات وإصابة المبنى والمنازل المجاورة بأضرار كبيرة.
وأفاد شهود بأن سيارات الإسعاف هرعت إلى مكان الانفجار ونقلت القتلى والجرحى إلى مشفى تابع لمنظمة «أطباء بلا حدود»، في الوقت الذي أكدت فيه مصادر طبية مقتل 13 شرطياً وإصابة نحو 20 آخرين مع عدد من المارة في الجهة المقابلة لقسم الشرطة.
وأكد الشهود أن شظايا من الانفجار الضخم تطايرت إلى المنازل المجاورة التي تعرضت لأضرار كبيرة وتهشمت فيها النوافذ، وسط حالة واسعة من الذعر سيطرت على سكان الأحياء المجاورة، قبل أن تتردد في أجواء المدينة الانفجارات الأخرى الناجمة عن الهجمات الحوثية.
وذكرت مصادر أمنية وعسكرية لـ«الشرق الأوسط» أن الهجوم الحوثي المزدوج بالصاروخ الباليستي والطائرة المسيّرة استهدف استعراضاً عسكرياً لدفعتين من خريجي قوات الأمن التابعة لقوات الحزام الأمني في معسكر الجلاء الواقع في مديرية البريقة على بعد نحو 20 كيلومتراً إلى الغرب من مدينة عدن.
وأدى الهجوم -وفق المصادر- إلى مقتل القيادي البارز في الحزام الأمني وقائد اللواء الأول دعم وإسناد العميد منير اليافعي، المعروف بـ«أبو اليمامة»، إضافة إلى 35 آخرين من الجنود والضباط، فضلاً عن عدد آخر من الجرحى.
وتحدثت المصادر عن سقوط الصاروخ الحوثي خلف منصة المعسكر الذي أُقيم فيه الاستعراض، حيث أظهرت الصور الملتقطة بعد الانفجار حدوث فجوة واسعة في الأرض في مكان سقوط الصاروخ، في الوقت الذي كان فيه القيادي أبو اليمامة يشرف على ترتيبات الاستعراض في الجزء الخلفي من المنصة، حسب روايات شهود.
وتبنّت الميليشيات الحوثية على لسان المتحدث باسمها يحيى سريع، الهجوم الذي قالت إنه تم بطائرة مسيّرة وصاروخ متوسط المدى لم يُكشف عن نوعه بعد، وقالت -وفق المتحدث سريع- إن جميع المعسكرات وقادتها في المحافظات الجنوبية باتت أهدافاً مشروعة –على حد زعمها- لهجماتها الصاروخية ولطائراتها المسيّرة.
كانت الميليشيات الحوثية قد هاجمت استعراضاً عسكرياً مماثلاً في قاعدة العند الجوية (50 كلم شمال عدن) في 10 يناير (كانون الثاني) الماضي، بواسطة طائرة إيرانية مسيّرة، ما أدى إلى مقتل وجرح العشرات من القادة والجنود بينهم رئيس هيئة الاستخبارات العسكرية ونائب رئيس هيئة الأركان في الجيش اليمني.
وندد السفير السعودي لدى اليمن محمد آل جابر بالهجمات الحوثية والداعشية في أول تعليق سعودي رسمي، إذ قال في تغريدة على «تويتر» إن الاستهداف المتزامن من الميليشيات الحوثية الإرهابية المدعومة من إيران لأمن واستقرار العاصمة عدن مؤشر قوي على توحد أهدافها مع أخويها الإرهابيين تنظيمي «داعش» و«القاعدة» اللذين يستحلان الدماء ولا يعترفان بالدولة ولا بالقوانين ولا بحرمة الإنسان.
من جهته أدان رئيس الحكومة اليمنية معين عبد الملك، الهجمات على عدن، متهماً إيران بالتنسيق بين الجماعة والتنظيم. وقال في تغريدة على «تويتر» إن «الاستهداف المتزامن من قِبل قوى التمرد الحوثي والجماعات الإرهابية لأمن واستقرار العاصمة عدن يؤكد التنسيق والتكامل تحت إدارة إيرانية واضحة».
وأثارت الهجمات غضباً واسعاً واستياءً في أوساط السياسيين والناشطين اليمنيين، وقال رئيس الحكومة اليمنية السابق أحمد عبيد بن دغر، في تغريدة على «تويتر» إن «حماية عدن وكل المناطق المحررة تبدأ بتحرير صنعاء من سلطة الميليشيات الغاشمة، واستعادة الدولة وهزيمة الانقلاب».
واعتبر السياسي اليمني علي البخيتي أن الرد الأنسب على الهجمات الحوثية في عدن هو أن تطلب الحكومة الشرعية من بعثة المراقبين الأمميين في الحديدة (غرب) المغادرة خلال 24 ساعة، تمهيداً لاستئناف معركة تحريرها، وقال البخيتي في تغريدة إن «تفويت هذه الفرصة بعد نقض الحوثيين للتهدئة خطأ استراتيجي آخر يوازي خطأ إيقاف معركة تحرير الحديدة».
وفيما أكدت مصادر طبية رسمية لـ«الشرق الأوسط» أن عدد ضحايا الهجومين وفق إحصائية أولية بلغ 49 قتيلاً و48 جريحاً توقعت ارتفاع أعداد القتلى في الساعات المقبلة بسبب الإصابات البليغة في أوساط الجرحى.
وقالت الحكومة اليمنية إن «الهجومين يثبتان أن ميليشيات التمرد الحوثية وغيرها من الجماعات الإرهابية المتطرفة تتقاسم الأدوار ويكمل بعضها بعضاً في حربها على الشعب اليمني وسعيها لضرب الاستقرار والأمن».
وتابعت بالقول: «مجدداً يبرز الدور الإيراني المعادي والتدميري في اليمن من خلال دعمها ورعايتها لميليشيا الحوثي الإجرامية وتزويدهم بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والأسلحة النوعية، بغية نشر الفوضى وتمكين مشروعها العنصري».
وفي بيان توضيحي كشفت وزارة الداخلية اليمنية عن سقوط 13 شرطياً في الهجوم الإرهابي على قسم شرطة الشيخ عثمان وجرح عدد آخر. وقالت إنها «قامت باتخاذ كل الإجراءات والتدابير الأمنية اللازمة للتعامل مع هذه الأحداث بعد أن تم إسعاف الجرحى ونقل الجثث إلى مستشفيي: أطباء بلا حدود، والبريهي».
وبيّنت الوزارة أن الهجوم الحوثي المزدوج الذي تم بطائرة مسيّرة وصاروخ باليستي قصير المدى استهدف حفلاً استعراضياً وتدريبياً عسكرياً في معسكر الجلاء بالعاصمة المؤقتة عدن، مما أدى إلى سقوط 36 قتيلاً بينهم قائد اللواء الأول دعم وإسناد العميد منير أبو اليمامة وعدد من رفاقه.
وأوضحت أن الهجومين «يثبتان أن ميليشيات التمرد الحوثية وغيرها من الجماعات الإرهابية المتطرفة تتقاسم الأدوار ويكمل بعضها بعضاً في حربها على الشعب اليمني وسعيها لضرب الأمن والاستقرار».
وفي حين أكدت الداخلية اليمنية أنها «تُدين وبأشد العبارات هذه الأعمال الإرهابية»، قالت إنها «ومعها القوى الوطنية كافة، وبمساندة دول التحالف العربي، ماضية في حربها لاستئصال الإرهاب والقوى التي تقف خلفه وتطهير اليمن من دنس ورجس الميليشيات الحوثية المدعومة من إيران والقضاء على مشروعها التدميري البغيض». حسبما جاء في البيان.
في السياق نفسه، ذكرت المصادر الرسمية أن الرئيس عبد ربه منصور هادي، بعث بالتعازي لذوي الضحايا جراء التفجير الإرهابي في قسم الشيخ عثمان والهجوم الحوثي على معسكر الجلاء في البريقة، وقال إن «تلك العناصر المارقة والغادرة التي تحاول عبثاً زعزعة أمن واستقرار المناطق الأمنية وسفك دماء الأبرياء لن تنجو مطلقاً من أفعالها المشينة وستطالها يد العدالة لتنال عقابها وجزاءها الرادع بما اقترفته بحق المجتمع».
ونقلت وكالة «سبأ» عن الرئيس هادي أنه «حض قيادات مختلف الأجهزة الأمنية والعسكرية على رفع اليقظة والجاهزية الأمنية لمواجهة ورصد تلك الأعمال المشينة للميليشيات الحوثية الإيرانية وقوى التطرف والإرهاب المساندة والحليفة لها».
وعلى صعيد التحرك الحكومي في عدن أفادت المصادر الرسمية بأن نائب رئيس الوزراء سالم الخنبشي، قام مع عدد من القيادات الحكومية بزيارة الجرحى في عدد من المستشفيات الحكومية والخاصة الذين أُصيبوا جراء العمل الإجرامي المتزامن الذي نفّذته ميليشيات الحوثي الانقلابية واستهدف معسكر الجلاء التابع لقوات الحزام الأمني في مديرية البريقة.
وشددت الحكومة على ضرورة الاهتمام بكل الجرحى الذين أُصيبوا ورعايتهم رعاية كاملة بجميع المستشفيات وتشكيل لجنه لحصر الأضرار في الممتلكات العامة والخاصة واتخاذ المعالجات السريعة للأسر التي تضررت مساكنها بما في ذلك توفير مساكن بديلة للمنازل التي أصبحت غير صالحة للسكن.
إلى ذلك وجه رئيس الحكومة معين عبد الملك، بمضاعفة الجهود للتعامل مع تبعات وآثار هذه العمليات التي وصفها بـ«الإجرامية»، وتقديم الخدمات الإسعافية والعلاجية للمصابين ووضع الخطط العاجلة من القيادات العسكرية والأمنية لتفادي تكرار حدوث مثل هذه الأعمال... مشدداً على ضرورة عدم التهاون والبقاء في أعلى درجات اليقظة الأمنية العالية حتى استئصال مشروع إيران عبر وكلائها من ميليشيات الحوثي الانقلابية. ويعتقد الكثير من السياسيين اليمنيين أن الميليشيات الحوثية وجدت في اتفاق السويد والهدنة الأممية في الحديدة فرصة للتفرغ للجبهات الأخرى بما في ذلك تكثيف الهجمات الصاروخية وتعزيز عناصرها في خطوط التماسّ باتجاه المحافظات الجنوبية، إلى جانب تفرغها لترسيخ وجودها الانقلابي في صنعاء وبقية المناطق الخاضعة لها.
وتوعد قادة الميليشيات في أوقات سابقة باستمرار الهجمات بالصواريخ الإيرانية والطائرات المسيّرة على المدن السعودية ومناطق وجود القوات الحكومية في المحافظات المحررة، بعد أن كشفت عن أجيال جديدة –على حد زعمها- من الصواريخ والطائرات المسيّرة.
دولياً، أدان الاتحاد الأوروبي الهجوم، وأعرب في بيان أصدره مكتب خدمة العمل الخارجي في بروكسل أمس، عن خالص تعازيه لعائلات وأقارب المتضررين، متمنياً الشفاء العاجل للمصابين.
ودعا الاتحاد الأوروبي جميع الأطراف في اليمن إلى ضبط النفس واللجوء إلى الحوار والتعامل مع المبعوث الخاص للأمم المتحدة بروح بنّاءة، للتوصل إلى اتفاق سياسي شامل يضع اليمن على طريق السلام المستدام.


مقالات ذات صلة

دعوة يمنية لمعالجة جذور الأزمة المرتبطة بإيران

العالم العربي العليمي استقبل في الرياض المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (سبأ)

دعوة يمنية لمعالجة جذور الأزمة المرتبطة بإيران

لقاء العليمي وغروندبرغ ناقش السلام والمحتجزين والتصعيد الإقليمي، بالتزامن مع إصلاحات اقتصادية وتحذيرات من مخاطر الحوثيين على الأمن والملاحة الدولية

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)

الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

أعلنت وزارة المالية اليمنية إطلاق برنامج تصحيح مالي وهيكلي شامل؛ لاستئناف تنفيذ خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية التي تقودها الحكومة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي أكد وزير الدفاع اليمني أن التحولات الإقليمية في صالح اليمن ويجب استثمارها (سبأ)

وزير الدفاع اليمني: التحولات الإقليمية لصالح اليمن... ولدينا غرفة عمليات عسكرية موحدة

أكد وزير الدفاع اليمني اللواء الركن طاهر العقيلي أن التحولات الإقليمية والدولية لصالح اليمن وأن التنسيق العسكري بلغ مراحل متقدمة 

عبد الهادي حبتور (الرياض)
الخليج أحبطت الكتيبة محاولة تهريب 450 قرصاً من حبوب «بريجابالين» المخدر (كتيبة أمن المنفذ)

«الوديعة» يحبط محاولة تهريب حبوب مخدرة في طريقها إلى السعودية

معظم شحنات المخدرات المضبوطة عبر المنفذ مصدرها مناطق خاضعة لسيطرة ميليشيا الحوثي الإرهابية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تحليل إخباري عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

تحليل إخباري هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عبد الهادي حبتور (الرياض)

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».


الحوثيون يغذّون النزاعات القبلية لترسيخ السيطرة في إب

الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يغذّون النزاعات القبلية لترسيخ السيطرة في إب

الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)

كشف تقرير دولي حديث عن تصاعد مقلق في وتيرة النزاعات المحلية داخل محافظة إب اليمنية، مرجعاً ذلك إلى سياسة ممنهجة تتبعها الجماعة الحوثية تقوم على تغذية الصراعات القبلية والتدخل المباشر فيها، بهدف إحكام السيطرة على المحافظة ومنع تحولها إلى بؤرة مقاومة مجتمعية.

وحسب التقرير الصادر عن مشروع بيانات مواقع النزاعات المسلحة، فإن الجماعة تعتمد استراتيجية «إدارة الفوضى» أداةً للضبط الأمني والسياسي، عبر تأجيج النزاعات المحلية بدلاً من احتوائها، وهو ما أدى إلى تحويل إب، الواقعة على بُعد نحو 192 كيلومتراً جنوب صنعاء، إلى واحدة من أكثر المحافظات اضطراباً في مناطق سيطرتها.

وأشار التقرير إلى أن محافظة إب تصدرت قائمة مناطق الاقتتال الداخلي، إذ سجلت نحو 40 في المائة من إجمالي النزاعات المحلية في مناطق سيطرة الحوثيين خلال الفترة بين 2022 و2025، في مؤشر يعكس حجم الاستهداف الذي تتعرض له المحافظة ذات الكثافة السكانية العالية والثقل القبلي المؤثر.

ويوثق التقرير انخراط قيادات ومشرفين حوثيين بشكل مباشر في تأجيج النزاعات القبلية، من خلال دعم أطراف معينة بالسلاح والمال، أو عرقلة مسارات الحلول القضائية والقبلية التي لطالما شكلت آلية تقليدية لاحتواء الخلافات في المجتمع اليمني.

عناصر حوثيون خلال تجمع في صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

ويرى معدّو التقرير أن هذه السياسة تهدف إلى تحقيق جملة من الأهداف، أبرزها إضعاف البنية القبلية وتفكيك تماسكها، وتحويل طاقاتها نحو صراعات داخلية تستنزف قدراتها البشرية والمادية. كما تسعى الجماعة، وفق التقرير، إلى إبقاء المجتمع في حالة انشغال دائم بالنزاعات، بما يحد من قدرته على تنظيم أي حراك موحد ضد سلطتها.

ولا تقتصر هذه الاستراتيجية على إشعال الصراعات، بل تمتد إلى التدخل لاحقاً كـ«وسيط»، مما يمنح الحوثيين فرصة فرض شروطهم وإخضاع شيوخ القبائل والوجاهات الاجتماعية لسلطتهم مقابل ترتيبات صلح توصف بأنها شكلية، تعزز نفوذ الجماعة أكثر مما تُنهي النزاع.

مركز ثقل مقاوم

وتكتسب محافظة إب أهمية خاصة في الحسابات الحوثية، كونها تمثل مركز ثقل سكاني ومدني، فضلاً عن موقعها الجغرافي الذي يربط بين عدة محافظات استراتيجية. ويشير مراقبون إلى أن هذه العوامل تجعل من إب نقطة حساسة قد تتحول إلى جبهة مقاومة مؤثرة في حال توحدت القوى المجتمعية داخلها.

ويؤكد التقرير أن الجماعة كثفت من سياساتها في المحافظة خلال السنوات الأخيرة، بالتزامن مع تنامي المعارضة الشعبية لمشروعها، ورفض محاولات التغيير المذهبي. كما أن أي اختراق عسكري أو شعبي في إب قد ينعكس على محافظات مجاورة مثل تعز والضالع والبيضاء، ويمتد تأثيره إلى ذمار، التي تعد البوابة الجنوبية للعاصمة صنعاء.

خلال السنوات الأخيرة تحولت إب إلى معقل للمعارضة المناهضة للحوثيين (رويترز)

ويرى محللون أن إب تمثل «خاصرة رخوة» نسبياً في خريطة سيطرة الحوثيين، وهو ما يفسر الحرص على إبقائها في حالة اضطراب دائم، بما يمنع تبلور أي حراك منظم قد يهدد نفوذ الجماعة في المنطقة.

وعلى الرغم من الضغوط الأمنية وتغذية الصراعات، يؤكد ناشطون أن المجتمع في إب لا يزال يبدي أشكالاً من المقاومة السلمية، من خلال رفضه السياسات المفروضة عليه، ومحاولاته الحفاظ على تماسكه الاجتماعي.

ويشير التقرير إلى أن استمرار هذه الروح الرافضة يمثل تحدياً حقيقياً للجماعة، التي تسعى بكل الوسائل إلى تفكيك أي بنية مجتمعية قد تشكل نواة لمعارضة منظمة. ومع ذلك، فإن تراكم المظالم والانتهاكات قد يدفع باتجاه انفجار اجتماعي في حال توفرت الظروف المناسبة لذلك.

تصاعد الانتهاكات

بالتوازي مع تغذية النزاعات، يشير التقرير ومصادر محلية إلى تصاعد ملحوظ في الانتهاكات الأمنية، بما في ذلك حملات الاعتقال الواسعة التي استهدفت شرائح مختلفة من المجتمع، من بينهم سياسيون وأكاديميون ونشطاء وأطباء.

ويؤكد مراقبون أن تعيين شخصيات أمنية مرتبطة بقيادة الجماعة في مواقع حساسة داخل المحافظة ترافق مع ارتفاع غير مسبوق في معدلات العنف والاقتتال الداخلي، مما جعل إب في صدارة المحافظات من حيث مستوى الانفلات الأمني.

في سياق متصل، أثارت حادثة وفاة أحد السجناء، ويدعى حسن اليافعي، جدلاً واسعاً في الأوساط المحلية، بعد العثور عليه مشنوقاً داخل زنزانته في ظروف غامضة، رغم انتهاء مدة محكوميته.

ألف سجين غادروا سجون الحوثيين في إب خلال شهر واحد (أ.ف.ب)

وتشير مصادر إلى أن إدارة السجن الحوثية أبقته محتجزاً لفترة إضافية بسبب عجزه عن دفع غرامة مالية، رغم معاناته من اضطرابات نفسية.

ودعا ناشطون إلى فتح تحقيق مستقل في ملابسات الحادثة، في ظل تكرار حالات وفاة مشابهة داخل السجون، غالباً ما يتم تسجيلها كحالات انتحار، وسط اتهامات بإهمال طبي متعمد أو سوء معاملة قد ترقى إلى انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

ويرى حقوقيون أن هذه الحوادث تعكس نمطاً أوسع من الانتهاكات داخل مراكز الاحتجاز الحوثية، حيث يواجه السجناء ظروفاً قاسية تشمل الحرمان من الرعاية الصحية والتغذية الكافية، مما يزيد من المخاوف بشأن أوضاع حقوق الإنسان في مناطق سيطرة الجماعة.


العليمي يطالب بردع حازم لإنهاء خطر الحوثيين وإيران

عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
TT

العليمي يطالب بردع حازم لإنهاء خطر الحوثيين وإيران

عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

على وقع الحصار الذي أمر به الرئيس الأميركي دونالد ترمب على الموانئ الإيرانية ابتداءً من الاثنين، هددت الجماعة الحوثية في اليمن بالعودة إلى مساندة طهران عسكرياً إذا ما تجددت الحرب، في حين طالب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي بردع حازم لإنهاء خطر الجماعة والنظام الإيراني.

وخلال استقباله سفير الولايات المتحدة، ستيفن فاجن، شدد العليمي على أن التهدئة الراهنة التي أعقبت الضغوط على إيران قد تتحول فرصةً لإعادة تموضع الميليشيات الحوثية، بما يسمح لها باستعادة قدراتها واستغلال المرحلة أداةَ ابتزازٍ سياسي وعسكري لتحسين شروطها التفاوضية.

وأكد العليمي أن الخطر لا يكمن فقط في استمرار الدعم الإيراني، بل في قدرة هذه الجماعات على إعادة صياغة هزائمها بوصفها انتصارات، مستفيدة من الخطاب الآيديولوجي المرتبط بالعقيدة الإيرانية؛ وهو ما يتطلب – حسب تعبيره – تفكيك هذه السرديات وفضح أهدافها الحقيقية.

وركز رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني في تصريحاته التي نقلها الإعلام الرسمي، على البعد الاستراتيجي لدور الحوثيين، عادَّاً أنهم جزء من منظومة إيرانية أوسع تسعى لزعزعة استقرار المنطقة وتهديد المصالح الدولية، وفي مقدمتها أمن الملاحة البحرية.

العليمي استقبل في مقر إقامته بالرياض السفير الأميركي لدى اليمن (سبأ)

وأشار إلى أن استمرار التعامل مع هذه الجماعات دون حزم سيؤدي إلى تكريس نمط من السلوك القائم على استغلال فترات التهدئة لإعادة التموضع، وليس لتغيير النهج العدائي؛ ما يعزز الحاجة إلى موقف دولي أكثر صرامة.

كما أشاد العليمي بالدعم الأميركي، خصوصاً قرار تصنيف الحوثيين منظمة إرهابية أجنبية، والإجراءات اللاحقة التي استهدفت شبكات التمويل والتهريب، عادَّاً ذلك خطوة مهمة في مسار تقويض قدراتها.

ولم يغفل رئيس مجلس القيادة اليمني الإشارة إلى الدور المحوري للسعودية، التي وصف مواقفها بأنها داعمة بشكل حاسم للشعب اليمني وقيادته، سواء في المجال السياسي أو الاقتصادي أو الإنساني.

جاهزية عسكرية

على الصعيد الميداني، عكست تصريحات وزير الدفاع اليمني، الفريق الركن طاهر العقيلي، توجهاً واضحاً نحو رفع مستوى الجاهزية العسكرية، في ظل احتمالات التصعيد.

وخلال اجتماع موسع في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، استعرض العقيلي نتائج زياراته الميدانية، مشيراً إلى وجود انضباط عالٍ ومعنويات مرتفعة لدى القوات المسلحة، مع تأكيده على ضرورة الحفاظ على هذا المستوى من الاستعداد لمواجهة أي تحديات.

وأكد أن التنسيق بين مختلف التشكيلات العسكرية يشهد تطوراً ملحوظاً، خاصة في ظل العمل ضمن غرفة عمليات موحدة بقيادة رئيس مجلس القيادة الرئاسي؛ وهو ما يعزز فاعلية الأداء العسكري.

وزير الدفاع اليمني يرأس في عدن اجتماعاً لكبار القادة العسكريين (سبأ)

وشدد وزير الدفاع على أن الهدف الاستراتيجي المتمثل في استعادة العاصمة صنعاء وإنهاء الانقلاب الحوثي لا رجعة عنه، وعدّ أن تحقيق الأمن والاستقرار في اليمن يظل مرهوناً بالقضاء على المشروع المدعوم من إيران.

في موازاة المواقف الرسمية، برزت موجة تضامن واسعة من قِبل منظمات المجتمع المدني اليمنية مع السعودية، في مواجهة ما وصفته بالاعتداءات الإيرانية المتكررة.

فقد أدانت نحو 200 منظمة ومؤسسة مدنية هذه الهجمات، مؤكدة أنها تستهدف أمن واستقرار دول الخليج، وتمثل امتداداً مباشراً للسياسات الإيرانية في اليمن.

وعدّت هذه المنظمات أن السعودية تمثل «صمام أمان» للمنطقة، وركيزة أساسية في دعم الشعب اليمني، مشددة على أن أي محاولات لزعزعة استقرارها لن تؤدي إلا إلى تعزيز التلاحم بين الشعبين.

كما دعت المجتمع الدولي والأمم المتحدة إلى اتخاذ موقف حازم يستند إلى القانون الدولي الإنساني، لوضع حد لهذه الاعتداءات، خاصة تلك التي تستهدف الأعيان المدنية والمنشآت الحيوية.

تهديد حوثي

في المقابل، جاء موقف الحوثيين ليعكس تصعيداً في الخطاب، حيث زعموا أن صمود إيران على طاولة المفاوضات مع أميركا يمثل «انتصاراً» لمحور المقاومة، في إشارة إلى ما يعرف بـ«وحدة الساحات» التي تضم بقيادة إيران «حزب الله» اللبناني وفصائل عراقية، بالإضافة إلى الحوثيين.

وفي بيان لخارجية الجماعة الانقلابية، حذَّر من أن أي تصعيد أميركي جديد، سواء ضد إيران أو في البحر، ستكون له تداعيات واسعة على الاقتصاد العالمي، بما في ذلك سلاسل التوريد وأسعار الطاقة.

زعيم الحوثيين أمر جماعته بالاحتفال مدعياً انتصار إيران في الحرب على أميركا وإسرائيل (إ.ب.أ)

والأكثر أهمية كان تهديدهم الصريح بالعودة إلى المشاركة العسكرية الفاعلة إلى جانب إيران، في حال استئناف الضربات الأميركية أو الإسرائيلية، مشيرين إلى أن ذلك سيتم ضمن مسار تصاعدي في العمليات، حسب ما جاء في بيانهم.

كما أبدى الحوثيون رفضهم لما وصفوه بمحاولات فرض شروط سياسية عبر القوة العسكرية، عادّين أن هذه الاستراتيجية فشلت في السابق ولن تحقق أهدافها مستقبلاً.

وخلال الجولة السابقة من الحرب التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الماضي بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، انتظرت الجماعة الحوثية شهراً كاملاً قبل أن تبدأ العمليات المساندة لإيران من خلال تبني خمس عمليات إطلاق للصواريخ والمسيرات باتجاه إسرائيل.