ألغاز تحيط بنبأ مقتل حمزة بن لادن وواشنطن تلتزم الصمت

أنباء عن صفقة سرية دفعت بإيران للضغط عليه للخروج من أراضيها ... وخبراء يتساءلون عن مغزى عدم إصدار «القاعدة» بيان تأبين

معقل بن لادن حيث قتل زعيم «القاعدة» في مايو 2011 (غيتي) - في الإطار حمزة بن لادن (إ.ب.أ)
معقل بن لادن حيث قتل زعيم «القاعدة» في مايو 2011 (غيتي) - في الإطار حمزة بن لادن (إ.ب.أ)
TT

ألغاز تحيط بنبأ مقتل حمزة بن لادن وواشنطن تلتزم الصمت

معقل بن لادن حيث قتل زعيم «القاعدة» في مايو 2011 (غيتي) - في الإطار حمزة بن لادن (إ.ب.أ)
معقل بن لادن حيث قتل زعيم «القاعدة» في مايو 2011 (غيتي) - في الإطار حمزة بن لادن (إ.ب.أ)

تحيط الألغاز بخبر مقتل حمزة بن لادن؛ نجل زعيم تنظيم «القاعدة»، الذي أعلنته شبكة «إن بي سي»، مساء أول من أمس الأربعاء، دون التصريح بالتاريخ أو المكان الذي قتل فيه. وتناقلت وسائل الإعلام الأميركية النبأ، وأفادت صحيفة «نيويورك تايمز» بأن الولايات المتحدة «لعبت دوراً» في العملية التي قتل فيها حمزة، وأضافت أنها لم تستطع الوصول إلى تفاصيل أخرى. وليست لدى «إن بي سي» أو «نيويورك تايمز» تفاصيل عن تاريخ أو مكان أو ظروف مقتله، لكن الأخيرة أشارت إلى أنه قتل خلال السنتين الأخيرتين، فيما لم تصدر أي جهة أميركية أي بيانات تؤكد أو تنفي الخبر.
وعلق بول كرويكشانك، محلل شؤون الإرهاب بشبكة «سي إن إن»، قائلا إن هناك شيئاً محيراً للباحثين الذين يتابعون ويحللون تنظيم «القاعدة»، «فإذا كان حمزة بن لادن قد مات بالفعل منذ شهور، فمن المتوقع أن تصدر (القاعدة) شكلاً من أشكال التأبين، وحقيقة أنهم لم يفعلوا تعدّ أمراً غير عادي نظراً إلى وضع حمزة داخل التنظيم». واختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب وكبار المسؤولين بالإدارة عدم التعليق على خبر مقتله، وحينما طلب الصحافيون من ترمب التعليق على التقرير عن وفاة حمزة بن لادن، قال: «لا أريد التعليق».
في غضون ذلك، شكك إسلاميون بالعاصمة البريطانية لندن في مقتل حمزة بن لادن نجل الزعيم الراحل لتنظيم «القاعدة» الذي أُعدّ منذ طفولته للسير على نهج أبيه وأصبح قيادياً بارزاً في الجماعة الإرهابية. وقال قيادي أصولي لـ«الشرق الأوسط»: «من الصعب تصديق مقتله حسبما نقلت وسائل إعلام أميركية في غضون عامين، وسط صمت تام من (القاعدة) التي في العادة تجاهر بإعلان مقتل كوادرها».
وأشارت مصادر أصولية موثوقة لـ«الشرق الأوسط» أن كل من غادر إيران من قيادات التنظيم إلى باكستان قتل، مثل سعد بن لادن؛ نجل زعيم «القاعدة» السابق، الذي قتل في غارة «درون» أميركية عام 2009. وقالت المصادر العليمة: «الظاهر أن الإيرانيين كانوا يزرعون أجهزة ترصد في أجساد كل من خرج من عندهم، وهم من ضغطوا على حمزة وشقيقه سعد لمغادرة أراضيهم عبر الحدود الباكستانية بعد أن أمضيا سنوات رهن الإقامة الجبرية في إيران، ودلّوا عليهم بواسطة أجهزة الرصد أو التتبع الإلكترونية، وأعطوا مواقعهم للأميركيين مقابل صفقات».
وقتل سعد بن لادن بهجوم صاروخي أميركي في باكستان خلال يوليو (تموز) 2009. ورجحت مصادر أميركية أن يكون سعد قد قتل بصاروخ أطلقته طائرة من دون طيار، مشيرة إلى أن هذا الاحتمال وارد بنسبة ما بين 80 و85 في المائة.
وفي إشارة، فيما يبدو، إلى طائرات أميركية مسلحة من دون طيار تحلق في السماء، قال بن لادن في وثائقه ورسائله الخاصة من «أبوت آباد» التي نشرتها «الشرق الأوسط» بعد مقتله عام 2011، إنه يتعين على مفاوضيه «عدم مغادرة منزلهم المستأجر في مدينة بيشاور الباكستانية إلا في يوم غائم». وفي إحدى رسائله أيضاً، يبدي بن لادن قلقه بشأن إرسال إحدى زوجاته (خيرية صابر) إلى طبيب أسنان في إيران قبل انتقالها إلى «أبوت آباد»، حيث كان يخشى من أن جهاز الاستخبارات المركزية الأميركي (سي آي ايه) ربما يكون قد زرع شريحة تعقب خلال إحدى عمليات حشو الأسنان التي خضعت لها قبل مجيئها إليه. وكتب يقول: «حجم الرقيقة بطول حبة قمح وبعرض قطعة رقيقة من الشعرية». وأنهى الخطاب بهذا التوجيه: «برجاء تدمير هذا الخطاب بعد قراءته».
وفي رسائل أخرى، حذّر بن لادن، زعيم «القاعدة» الراحل، أتباعه من أجهزة التعقب المزروعة في أموال الفدية المدفوعة لتحرير الأشخاص الذين تختطفهم «القاعدة»، أو التي ربما يحملها الصحافيون الذين يأتون لمقابلة القيادة العليا للتنظيم، من دون معرفتهم.
وذكرت شبكة «إن بي سي» أن المسؤولين لن يقدموا تفاصيل عن مكان وتوقيت مقتل حمزة بن لادن، أو ما إذا كان للقوات الأميركية أو الاستخبارات دور في وفاته. وأدى نقص المعلومات وعدم التعليق الرسمي إلى ازدياد الشكوك حول مقتل ابن زعيم تنظيم «القاعدة» الذي ينظر إليه على أنه تهديد متزايد الخطورة.
وكانت وزارة الخارجية الأميركية قد أعلنت في وقت سابق هذا العام عن مكافأة مليون دولار للحصول على معلومات حول حمزة بن لادن المتهم بتهديد الولايات المتحدة والدعوة للانتقام لمقتل والده. وأوضح الخبراء أنه قائد محتمل ليحل محل والده في قيادة تنظيم «القاعدة».
ورفض المسؤولون التعليق على تفاصيل الضربة وظروف مقتله، مشيرين إلى أنها تتضمن عمليات حساسة ومعلومات استخباراتية. وشدد بعض المسؤولين على أن مقتل حمزة بن لادن يعد انتصاراً رمزياً للحكومة الأميركية لإزالة أي تهديدات من تنظيم «القاعدة» الذي لم يستطع تنفيذ أي هجوم واسع النطاق منذ سنوات.
من جهته، حذر علي صوفان، الضابط السابق في «مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي)»، والعميل الذي حقق وكتب بشكل مكثف حول تنظيم «القاعدة» الإرهابي، خصوصاً عن حمزة بن لادن نجل مؤسس التنظيم (أسامة بن لادن)، من فكرة أنه من غير المعتاد ألا يعلن التنظيم مقتل أحد زعمائه ، قائلاً: «إذا كان تقييم الحكومة الأميركية دقيقاً، فهو يعني تدمير خطط (القاعدة) للانتقال إلى الجيل الثاني».
وتحدث صوفان في تقرير لـ«نيويورك تايمز» عن أنه على عكس قادة «القاعدة» الآخرين، لم ينتقد حمزة بن لادن تنظيم «داعش» في خطبه العلنية، وهو تكتيك يشير إلى أنه كان يفكر في إمكانية قبوله، في نهاية المطاف، زعيماً من قبل أعضاء «داعش»، الذين بدأوا جماعةً تابعة لـ«القاعدة»، ويشاركونها الآيديولوجية نفسها، ولكنهم خرجوا من تحت سيطرتها.
وبعد مقتل أسامة بن لادن عام 2011 بغارة على أبوت آباد في باكستان، بدأ اثنان من كبار مساعديه إعداد حمزة بن لادن للقيام بدور قيادي بارز، وتزوج حمزة بابنة أحدهما، وتعهد بالانتقام لموت والده. وبالفعل تم تقديم حمزة بوصفه المتحدث باسم التنظيم في أغسطس (آب) 2015؛ حيث وصفوه حينها بأنه «الشبل الذي يحمل هدف التنظيم على عاتقه».
وقد توقفت الرسائل التي اعتاد حمزة إصدارها منذ شهور، ولكن هناك مقال نُسب إليه كان قد نُشر في مايو (أيار) الماضي. ووفقاً لمجموعة «سايت» الاستخباراتية، والتي تتعقب المنظمات الإرهابية، فإن تنظيم «القاعدة» قد قام بتوزيع رسالة في ديسمبر (كانون الأول) 2017، بتاريخ الصيف الذي يسبقه، قال فيها حمزة إن ابنه البالغ من العمر 12 عاماً قد قُتل، ولم تتحدث الرسالة عن ظروف الوفاة، ولكنها أشارت إلى أنه قد قتل، مما يشير إلى أن الصبي ربما يكون قد قُتل في غارة استهدفت والده. ويقول الزميل البارز في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، توماس جوسلين، إن حمزة كان يعمل على الأرجح على الحدود الباكستانية - الأفغانية، وأضاف جوسلين أنه رغم أن فكرة كون الأخير هو الشخص القادم لقيادة التنظيم هي أمر محل شك، فإنه كان له دور مهم؛ سواء من حيث العلاقات مع «طالبان»، أو على أنه متحدث باسم التنظيم. وأوضح: «صحيح أنهم كانوا يعدونه ليكون الزعيم في يوم من الأيام، لكنه لم يكن الوريث الحالي». فيما تقول جين ساسون، المؤلفة المشاركة في كتاب «إنه أسامة بن لادن»، إن مؤسس «القاعدة»، بن لادن، كان يحافظ جيداً على استخدام التنظيم اسم حمزة، وإنه من المحتمل أنه كان يناور لجعله واجهة له... «وحينما سُئل الرئيس (الأميركي دونالد) ترمب، الأربعاء الماضي، عن نبأ موت حمزة، والذي كان أول من نشره شبكة (إن بي سي نيوز) الأميركية، رفض التعليق على الأمر».
وحمزة الابن الخامس عشر من بين نحو 23 ابناً معروفين لزعيم «القاعدة» الراحل. وأسامة بن لادن وضع كامل ثقته به، واختاره ليكون خليفة له بعد رحيله، وذلك حسب وثائق «أبوت آباد» التي كشفت عنها «سي آي إيه» بعد مقتل زعيم القاعدة عام 2011. ولد حمزة في النصف الثاني من الثمانينات، حيث تتراوح معلومات وزارة الخارجية الأميركية عن سنة ميلاده بين عامي 1986 و1989. وهو ابن أسامة بن لادن من خيرية صابر، ثالثة زيجات زعيم «القاعدة»، وعاش طفولته في أبوت أباد بباكستان؛ المدينة ذاتها التي قتل فيها والده عام 2011 على يد قوات أميركية خاصة.
ورافق حمزة والده إلى أفغانستان قبل هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، وهناك تتلمذ على يديه وتعلم استخدام الأسلحة، ويدين بصوته الأميركيين واليهود و«الصليبيين» في تسجيلات فيديو على الإنترنت. وفي أعقاب الهجمات على برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك التي خطط لها أسامة بن لادن، انفصل حمزة عن والده وقضى سنوات عدة من عمره في إيران برفقة أقارب آخرين، تحت حماية مسؤولين كبار في الاستخبارات والجيش الإيرانيين.


مقالات ذات صلة

البحث عن شخص فجّر عبوة ناسفة خارج مدرسة يهودية في أمستردام ولا إصابات

أوروبا أمستردام (رويترز) p-circle

البحث عن شخص فجّر عبوة ناسفة خارج مدرسة يهودية في أمستردام ولا إصابات

البحث عن شخص فجّر عبوة ناسفة خارج مدرسة يهودية في أمستردام ولا إصابات، والسلطات الهولندية توقف 4 أشخاص للاشتباه بتورّطهم في انفجار خارج كنيس يهودي في روتردام.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ الشرطة خارج جامعة أولد دومينيون في ولاية فرجينيا (أ.ب)

«إف بي آي» يحقق في إطلاق نار بجامعة في فرجينيا بوصفه «عملاً إرهابياً»

أعلن مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي أن إطلاق النار الذي وقع، الخميس، في جامعة أولد دومينيون يجري التحقيق فيه بوصفه «عملاً إرهابياً».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا نواب خلال بحث مشروع تعديل قانون مكافحة غسل الأموال (البرلمان)

الجزائر تستعين بتجارب أفريقية ناجحة للخروج من «المنطقة الرمادية»

يوجد وفد جزائري من قطاع المالية، وخبراء في مجال التصدي للجرائم المالية، في السنغال حالياً للاستلهام من تجربة هذا البلد في مغادرة «المنطقة الرمادية»...

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا قائد «لواء البراء بن مالك» المصباح طلحة (وسط) يقف على يمين مساعد القائد العام للجيش السوداني ياسر العطا (متداولة)

ترحيب بين قوى سودانية بتصنيف «الإخوان» جماعة إرهابية

لقي تصنيف الإدارة الأميركية جماعة «الإخوان» في السودان «كياناً إرهابياً عالمياً» ترحيباً بين قوى سياسية ومدنية في البلاد.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شؤون إقليمية مستوطنون مسلحون في بلدة حوارة في الضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

بن غفير يقرر تسليح 300 ألف يهودي في القدس

بن غفير يمنح 300 ألف يهودي في القدس حق الحصول على سلاح إضافة إلى آخرين، ما يعني تسليح كل اليهود في المدينة في خطوة أخرى نحو تشجيع إرهاب المستوطنين المنظم.

كفاح زبون (رام الله)

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.