جاسوسة فلسطينية سابقة تلقي الضوء على عالم الجواسيس وكيف تجندهم تل أبيب

الأمن الإسرائيلي يستغل حاجتهم للمال.. وكثيرون يجندون عند معبر إيريز

صورة أرشيفية لعناصر من «الجهاد» الإسلامي وهم يقتادون «متعاونا» مع إسرائيل في قطاع غزة (أ.ب)
صورة أرشيفية لعناصر من «الجهاد» الإسلامي وهم يقتادون «متعاونا» مع إسرائيل في قطاع غزة (أ.ب)
TT

جاسوسة فلسطينية سابقة تلقي الضوء على عالم الجواسيس وكيف تجندهم تل أبيب

صورة أرشيفية لعناصر من «الجهاد» الإسلامي وهم يقتادون «متعاونا» مع إسرائيل في قطاع غزة (أ.ب)
صورة أرشيفية لعناصر من «الجهاد» الإسلامي وهم يقتادون «متعاونا» مع إسرائيل في قطاع غزة (أ.ب)

ألقت رواية أرملة فلسطينية، (48 سنة)، كانت حركة حماس اتهمتها هي وزوجها بالتجسس لمصلحة إسرائيل عام 2012، نظرة نادرة إلى جانب الجاسوسية السري في الحرب بين إسرائيل و«الحركة الإسلامية».
وقتل زوج هذه الفلسطينية في ذلك العام على يد مسلحين بالقطاع بسبب التجسس لمصلحة إسرائيل، واعتقلت هي أيضا، وهي أم لـ7 أبناء، على يد عناصر حماس بسبب تقديمها المساعدة لزوجها.
بناء على ذكرته هذه الفلسطينية، استغل عملاء أمنيون إسرائيليون مرور زوجها بضائقة مالية منذ 10 سنوات، وأغروه للتعاون معهم بأن عرضوا عليه تصريحا بالعمل في إسرائيل، ثم جندت هي أيضا لاحقا عندما سُمح لها باصطحاب أحد أبنائها إلى إسرائيل لتلقي علاج طبي.
ووصفت هذه المرأة الفلسطينية، في مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس»، السنوات التي قدمت خلالها، هي وزوجها، المعلومات إلى إسرائيل، بالقول: «كانت حياتنا جحيما. كنا مذعورين. كنت أنظر خلفي عندما أخرج إلى السوق وأشعر بالخوف لرؤية أي سيارة شرطة».
أفرج عن هذه السيدة، التي اشترطت حجب اسمها لأن حماس لا تسمح للعملاء المفرج عنهم بالحديث إلى الصحف، في ديسمبر (كانون الأول) الماضي.
وتعتمد إسرائيل، على مدار التاريخ، على عملاء يتعاونون معها ضد الحركات الفلسطينية والنشطاء، وكانت تجند هؤلاء بوسائل تتنوع ما بين الإيقاع في المصيدة، والابتزاز، إلى النقود والإكراميات. وبدورها، تبذل حماس كل ما في وسعها لوقف العملاء، خاصة بإعدامهم علنا لردع الآخرين، إذ إنها تحمّلهم مسؤولية مساعدة إسرائيل على اغتيال عشرات من كبار قادتها.
وقالت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط»، إن طرقا مختلفة تؤدي إلى كشف العملاء، مثلا عن طريق تصرفاتهم كمشاهدتهم مرارا في محيط مقر أمني تقصفه إسرائيل لاحقا، أو استفساراتهم من الآخرين عن ناشطين. ويعتقل آخرون لأسباب أخرى مثل حيازة المخدرات، لكنهم يعترفون أثناء التحقيق بتورطهم في العمالة. بينما يعتقل آخرون بعد وشاية من عملاء آخرين.
ظهرت قضية العملاء من جديد مع الجولة الأخيرة من الحرب في غزة، بعدما أعدم مسلحون 22 عميلا في يوم واحد علنا، إثر مقتل 3 من كبار قادة حماس في غارة جوية إسرائيلية، في عملية يبدو أنها نفذت بمساعدة عملاء.
ووجهت جماعات حقوقية فلسطينية انتقادات حادة لحماس بسبب تنفيذ هذه الإعدامات خارج إطار القضاء. ويقول صلاح عبد العاطي، من الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان في غزة: «كانت رسالة مفزعة إلى المجتمع ورادعة للعملاء الآخرين».
ولكن تلك المخاوف الحقوقية لا تحظى إلا بقليل من التعاطف بين الفلسطينيين الذين يعدون إبلاغ إسرائيل معلومات «خيانة لا تغتفر»، حتى بين أولئك الذي يعارضون قبضة حماس الحديدية على القطاع منذ عام 2007. ويقول رامز أبو جزار، وهو من سكان غزة، قُتل شقيقه على يد حماس خلال قتال داخلي بين الفصائل الفلسطينية عام2007، إنه يؤيد تماما قتل العملاء. وأضاف أنهم «مثل السرطان في المجتمع، وباعوا أنفسهم إلى الشيطان».
توجد أمثلة لبعض الفلسطينيين الذين تعاونوا مع إسرائيل بدافع من قناعة سياسية. وكان أكثر عملية تجسس تسببت في الإحراج لحركة حماس، تخص نجل مؤسس الحركة الشيخ حسن يوسف لمصلحة إسرائيل من عام 1997 إلى 2007، الذي وصف بـ«الأمير الأخضر». وكتب مصعب يوسف، الذي يقيم حاليا بالولايات المتحدة، لاحقا، إنه فعل ذلك بسبب كراهيته تصرفات حماس.
ولكن، من المعتقد أن الغالبية العظمى من العملاء يفعلون ذلك بسبب الابتزاز أو لتحقيق مكاسب مالية.
وقال أحد المسؤولين بوكالة الاستخبارات الداخلية في إسرائيل (شين بيت) التي تدير ملف العملاء الفلسطينيين: «كل شيء يبدأ وينتهي بالمال». ويجند كثيرون عند معبر إيريز الحدودي بين إسرائيل وغزة، عندما يطلبون الحصول على تصريح بالدخول، على حد قول المسؤول الذي اشترط عدم ذكر اسمه.
في جانب غزة من المعبر، توجد لافتة كبيرة وضعتها حماس لتحذير الفلسطينيين من الوقوع في شرّك التجنيد على يد الإسرائيليين.
ونقلت «أسوشييتد برس» مشاهداتها لتجربة مباشرة لكيفية استخدام الجيش الإسرائيلي المعبر للحصول على معلومات من الفلسطينيين المارين خلاله. وعلى الجانب الإسرائيلي، خارج المعبر، جلس رجل أعمال فلسطيني دخل لتوه من غزة، وكان ينتظر شقيقه الذي كان يمر معه من المعبر، لكن مسؤولي المعبر احتجزوه في الداخل.
اقترب ملازم في الجيش يرتدي الزي العسكري ويتحدث بالعربية من الرجل ووعده بمساعدة شقيقه، ولكنه طرح عليه أولا عشرات الأسئلة عن الحياة في غزة وعدد المصانع المتضررة في الحرب الأخيرة، والمزاج السائد في الشوارع وإمدادات الكهرباء. استمرت الأسئلة، التي حملت نبرة عادية، 15 دقيقة، وأجاب عنها الرجل بقليل من التردد.
وفي النهاية، أصر الضابط على الحصول على رقم هاتف الرجل. وظهر شقيقه سريعا بعد ذلك.
وكانت وزارة الداخلية التابعة لحماس أعلنت أنها أعدمت 12 عميلا منذ عام 2007 بعد محاكمات سرية. وتقول جماعات حقوقية، إن 53 ممن يزعم تورطهم في العمالة أعدموا على يد مسلحين من حماس في الفترة ذاتها.
جند زوج الأرملة الفلسطينية منذ 10 سنوات تقريبا، عندما كانت إسرائيل تملك سيطرة مباشرة على غزة قبل انسحابها من القطاع عام 2005. عمل الرجل في السابق جامع قمامة بإسرائيل، وقتما كان الآلاف من سكان غزة مسموح لهم بالدخول إلى إسرائيل يوميا للعمل. ولكن ألغي تصريحه بسبب تورطه في سرقة سيارة، على حد قول زوجته.
بدأت الزوجة بزيارات متكررة إلى مصر لشراء بعض السلع لتبيعها في غزة. وعندما حاول أن يفعل زوجها مثلها، أوقفه عملاء الأمن الإسرائيليون على الحدود من جانب القطاع. وقالت زوجته بأنهم عرضوا عليه إعادة تصريحه للعمل في إسرائيل مقابل التعاون معهم. بعد ذلك، ساورت الشكوك زوجته لأنه كان يصعد إلى سطح منزلهم باستمرار لإجراء مكالمات هاتفية. وعندما واجهته، اعترف لها وقال لها: «أنا لا أؤذي أحدا. أعطيهم فقط رقم هاتف أو اسم أو معلومة عن أحد الأنفاق».
ولكنها لم تنضم إلى زوجها في العمالة إلا في عام 2008، عندما سُمح لها باصطحاب أحد أبنائها لتلقي العلاج في مستشفى إسرائيلي. وطُلب منها التوجه إلى مكتب الأمن في المستشفى، وهناك أعطاها شخص إسرائيلي مالا لشراء هدايا لها ولأبنائها. وبعد عدة أيام، أعطاها 14 ألف دولار أميركي وتعليمات بترك المال في نقاط متعددة بغزة لدفع مستحقات عملاء آخرين. وقالت: «تركنا المال تحت الصخور، وفي صناديق القمامة، وإلى جانب الجدران».
وتابعت السيدة قائلة إنه قبل اعتقالهما بفترة قصيرة عام 2011، تلقى زوجها اتصالا من الإسرائيليين وصفوا له سيارة وطلبوا منه التوجه فورا إلى الطريق الرئيس خارج منزله وانتظارها. عندما رأى السيارة، اتصل بالإسرائيليين وأخبرهم بأن رجلين بداخلها. وبعد أكثر من ساعة، فجّر الإسرائيليون السيارة، وقتلوا من فيها، وفيما يبدو كانا من المقاتلين.
وكشفت تحقيقات فلسطينية مستفيضة عن أن كل عملية اغتيال نفذتها إسرائيل في الضفة الغربية أو غزة شارك فيها، بصورة أو بأخرى، عملاء فلسطينيون، حتى إن بعضهم شاركوا في تنفيذ هذه الاغتيالات.
وخلال حرب 2012 بين إسرائيل وحماس، قتل الكثير من قيادات حماس في غارات جوية، اقتاد، على أثرها، رجال ملثمون زوج الأرملة و5 آخرين من العملاء من السجن وأعدموهم رميا بالرصاص عند أحد التقاطعات في غزة، ثم سحلت جثة واحد على الأقل من الستة في الشارع بواسطة دراجة نارية، رغم أنه من غير المعلوم ما إذا كان ذلك جثمان زوجها أم لا.
أدينت الأرملة أيضا في محكمة أقامتها حماس وصدر ضدها حكم بالحبس 7 سنوات. ولكن، صدر عفو عنها في ديسمبر (كانون الأول) كي ترعى أطفالها.
واستخدمت حماس في سنوات سابقة سياسة فتح الباب للتوبة مع العملاء، لكن وفقا لمدى تورطهم مع إسرائيل.
وتكافح الأرملة الآن من أجل تربية أبنائها بدخل قليل، ولم تذكر التعرض لمضايقات بسبب الحكم الصادر بإدانتها، ولكنها قالت: «يبدي لي الجيران ابتسامات غير صادقة، ولكني أعلم ماذا يدور في أذهانهم تجاهنا».
وعن صحة أو خطأ العمل مع إسرائيل، تظهر على وجه الأرملة تعابير هي مزيج من الإنكار والرغبة في الدفاع عن سمعة زوجها، والشعور بالارتياح لانتهاء أعوام الخوف. وأكدت: «كان زوجي رجلا طيبا. لم يكن يضر أي شخص».



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.