تمثيل رمزي للإمبراطوريّة البريطانيّة بكل مثالبها

300 عام على صدور رواية «روبنسون كروزو»

فيلم رسوم متحركة مستوحى من «روبنسون كروزو»
فيلم رسوم متحركة مستوحى من «روبنسون كروزو»
TT

تمثيل رمزي للإمبراطوريّة البريطانيّة بكل مثالبها

فيلم رسوم متحركة مستوحى من «روبنسون كروزو»
فيلم رسوم متحركة مستوحى من «روبنسون كروزو»

بعد أن أصبحت الطباعة شائعة في غير ما بلد أوروبي، وصارت هناك سوق واسعة للكتب بين الناس العاديين المتعطشين للقراءة خارج النصوص الدينيّة وكتب الصلوات، لم يكن غريباً أن رواية مثل «روبنسون كروزو»، بما فيها من مغامرات مشوّقة وغرائبيّات مدهشة، ألهبت فور صدورها عام 1719 خيال القرّاء، فذاع صيتها وتضاعف الطلّب عليها، حتى أنها طبعت أربع مرات قبل انقضاء ذلك العام.
ورغم انتشاء مؤلفها دانيال ديفو بذلك الاستقبال، وسعيه للبناء عليه، بإصدار جزء ثانٍ مكمّل، بل ولاحقاً جزء ثالث على شاكلة تأملات بشأن رحلات بطله «روبنسون كروزو»، فإن الرواية الأصليّة بدت وكأنها خرجت نهائياً عن سلطان ديفو، واكتسبت لنفسها حياة مستقلّة، فتعددت طرق قراءتها وتحليلها، وأُعيدت صياغتها على يد عدد لا نهائي من الكتّاب الآخرين، وألهمت أعمالاً كثيرة. والتحقت شخصيّة كروزو بروايات أخرى لاحقة كتبها مشاهير الأدب العالمي، بينما يصعب الآن حصر النتاجات السينمائيّة والتلفزيونيّة والإذاعيّة والموسيقيّة والغنائيّة والأدبيّة التي اقتبست عنها أو تأثرت بها في الفضاءات الفنيّة الموازية لعالم الرواية، ناهيك عن أكثر من مائة مليون نسخة تداولها القراء عبر الأجيال، بما في ذلك ترجمات إلى لغات العالم كلّه تقريباً، حتى صارت كناية عن نوع أدبي متكامل في أدب الرحلات والمغامرات، يُعرف بين المتخصصين بـ«الروبنسانيات». وقد كتب كثير من النقاد الأدبيين نصوصاً مطوّلة عنها، بعضها يدرس سيرة الرواية ذاتها بعد إطلاقها إلى وقتنا الراهن، بينما يبحث البعض الآخر في المصادر التاريخيّة أو الأدبيّة الممكنة التي ربما يكون ديفو قد استند إليها في صياغة روايته العتيدة. وبالطبع، فقد تعددت الرؤى والآراء حول الجانبين، لكن الإجماع قائم على أنها صارت ظاهرة عالميّة، وجزءاً لا يتجزأ من ذاكرة الكون الأدبي، ورائدة للأدب الواقعيّ، وواحدة من أهم الرّوايات الإنجليزيّة، إن لم تكن أهمها على الإطلاق؛ بل إن البعض يعدّها أول النصوص التي يمكن تصنيفها تحت اسم «الرواية» في الأدب الإنجليزي كلّه.
الرواية التي عنوانها الأصلي كما في الطبعة الأولى «حياة روبنسون كروزو»، البحّار المنحدر من مقاطعة يورك، ومغامراته الغريبة المدهشة خلال 28 عاماً عاشها على جزيرة مهجورة في الساحل الأميركي، بالقرب من مصب نهر أورينوج الكبير، إثر تحطم السفينة التي كان يستقلها، وبعد أن هلك جميع ركابها باستثنائه، مع سرد قصة إنقاذه التي لا تقل غرابة من قبل مجموعة قراصنة - دفعت بعض معاصريه إلى الاعتقاد بأنّ النصّ مذكرات سجلتها شخصيّة حقيقيّة، بينما اعتبرها آخرون مستندة إلى وقائع منشورة لحياة بحّار اسكوتلندي من تلك الفترة، يُدعى أليكسندر سيلكريك، عاش منعزلاً بالفعل لأربعة أعوام في جزيرة مقابل سواحل تشيلي (أميركا الجنوبيّة)؛ أعادت سلطات تشيلي تسميتها عام 1966 بجزيرة «روبنسون كروزو». ولعل مردّ ذلك أن فضاء الرواية وأحداثها وكأنها مرآة عاكسة للأجواء الفكريّة، وتصورات سكان الجزيرة البريطانيّة عن أنفسهم وعن العالم في المرحلة ما بين بدايات الاستعمار الأوروبي في القرن السادس عشر (بداية من رحلة كريستوفر كولمبوس 1492) والعصر الإمبراطوري الفيكتوري في القرن التاسع عشر (لغاية 1901). وتمجّد القصّة روح الفردانيّة، وحبّ التمرد والاستقلال عن سلطة الوالدين، بحثاً عن المغامرة في «مستعمرات» ما وراء البحار، وفيها نزعة دينية بروتستانيّة - بيورتانيّة ظاهرة، وتجارة عبيد يقودها المغاربة، وحكايات قراصنة إسبان وبرتغاليين وإنجليز، وتمردات ومؤامرات في قلب البحر، وشعوب محليّة بدائيّة متوحشّة، تتعاطى أكل لحم البشر ولا صلة لها بالحضارة، وهي تمتدح الدّور التنويري لهؤلاء المغامرين الشقر الأوائل في تحرير السكان الأصليين من جهلهم وتعاسة أقدارهم. ورغم أن هذه الثيمات تبدو أوروبيّة حصراً، فإن كثيرين اعتبروها إعادة سرد متأورب لرواية عربيّة كانت ترجمتها متوفرة حينها في إنجلترا، كتبها ابن طفيل القيسي الأندلسي في القرن الثاني عشر، واشتهرت باسم بطلها «حي بن يقظان»، وتنويعاً على مسألة الفرد مقابل المجتمع، وأصل الفطرة البشريّة قبل الحضارة.
ديفو رفض في حياته، وقد عاش 12 عاماً بعد نشر «روبنسون كروزو»، الإقرار بمصدر إلهامه، الأمر الذي تسبب بظهور مجموعة نقاد أدبيين تخصصت في التنقيب، كما علماء الآثار أو المحققين البوليسيين، عن نصوص متداولة كانت متوفرة قبل نشر الرواية عام 1719، ويمكن أن تكون مصادر كليّة أو جزئيّة لشخصياتها وأحداثها. ولعل أكثر كتب هؤلاء المنقبين إثارة هو «البحث عن روبنسون كروزو» (2002)، للناقد البريطاني تيم سيفيرين الذي يضيف إلى قائمة المُلهمين المحتملين شخصيّة هنري بيتمان، وهو بحار إنجليزي خاض تجربة مماثلة في مغامرات البحر، سجلّها لاحقاً كتابة، ودفعها للطبع ناشر بريطاني يدعى جون تايلور، تبيّن - بحسب سيفيرين - أن ابنه ويليام تايلور كان ناشر الطبعة الأولى من رواية ديفو!
على أن هذي النقاشات والبحوث بشأن مصادر إلهام الرواية - على أهميتها للبعض أقله - تتضاءل قيمتها مقابل القيمة الثقافيّة التي يحملها العمل، وفي ذلك انقسمت الآراء بين مدارس كثيرة، أولها أطلقه جان جاك روسّو، المفكر الفرنسي الشهير في كتابه «إميلي، أو عن التعليم» (1762)، وتبعه معنيون بالتعليم خاصة، معتبراً رواية ديفو وحدها من دون الكتب الأخرى ينبغي أن توفّر للناشئة قبل الـ12 عاماً، ربّما بعد تخليصها من بعد الأجزاء المتطرفة بعض الشيء، ليساعدهم على تحدي ذواتهم، وفتح آفاقهم نحو الاستقلالية والاعتماد على النفس. واعتبر آخرون أن الرّواية المتخمة بالرموز والإشارات الدينيّة ما هي إلا كتاب توجيهي تعليمي ديني لمؤلف شديد التديّن ترك عدّة كتب عن مفاهيم الخلاص والعيش الطهراني تردد المفاهيم ذاتها الموجودة فيها، ويذكرون في معرض تأييدهم لهذه القراءة حقيقة أن زميل ديفو على مقاعد الدراسة وصديقه - يدعى للمصادفة تيموثي كروزو - كان داعية متديناً وضع كتاب «الدّليل في الوصول إلى الله للناشئة» (1695)، وتوفي شاباً قبل نشر ديفو لمغامرات «كروزو» بثمانية أعوام. بينما اعتبر علماء اقتصاد، وعلى رأسهم كارل ماركس، أن الرّواية مثال ممتاز لفهم تطور الرأسماليّة الأولى، ونظريّات الإنتاج، وإمكان التجارة، كما دور مؤسسة العبوديّة كأداة الإمبرياليّة الكلاسيكيّة في تعظيم العوائد.
ومقابل هؤلاء، لحظ جيمس جويس، الروائي الآيرلندي المعروف، أن «روبنسون كروزو» تمثيل رمزي للإمبراطوريّة البريطانيّة بكل مثالبها، من نظرتها الفوقيّة العنصريّة تجاه سكان ما اعتبرته مستوطنات إلى صبغتها الأنجلوساكسونيّة المائلة إلى العنف اللاواعي، وطول الأناة، والبرود الجنسي، كما الأوهام الدينيّة المتأصلة.
ويسرد جويس أمثلة عدّة لتأكيد أنها في نصّها الأصلي توفّر قراءة ممكنة للعقل الاستعماري الأوروبي، ولفضاء تلك المرحلة الفكري والثقافيّ، فكروزو مثلاً يرى نفسه في غير مكان من الرواية (ملكاً) للجزيرة، وهو يشير لها بعد مغادرتها بـ«المستوطنة»، بينما العلاقة المحور بين كروزو وفرايدي (العبد الذي استرقه كروزو) هي وصف مباشر لعلاقة السادة - العبيد التي تحكمت - وربما ما زالت - بالنظرة الأوروبيّة لسكان البلاد الأصليين فيما وراء البحار، الذين هم بدائيّون متخلفون متوحشون، وخلاصهم ممكن إن هم اعتنقوا ديانة أسيادهم، وتعلموا لغتهم، وقبلوا دونيتهم أمام العرق السيّد الأبيض.
هي سخريّة القدر ربمّا! فالسيّد ديفو جمع بعض المال القليل من وراء «روبنسون كروزو» ومغامراته، قبل أن يمضي لقدره المحتوم، ليترك لنا كلّ هذا الجدل، وبطله البحار المتمرّد على سلطة الوالدين، ضحيّة القراصنة وشريكهم، المتديّن حدّ الهلوسة، الرأسمالي طليعة الاستعمار الأبيض، مسترق البشر الملونين، حياً يرزق لـ300 عام إلى الآن، فلا هو بعازم على الرّحيل في وقت قريب، ولا قيمه التي ما تزال رغم كل شيء معشعشة في الثقافة الجمعيّة للغربيين.


مقالات ذات صلة

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

كتب «البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

في مايو (أيار) من عام 1950، وفي مدينة سان فرانسيسكو، كبرى مدن الغرب الأميركي، أعلنت الأميرة أو «البرنسيسة» فتحية ابنة الملك فؤاد وصغرى شقيقات الملك فاروق

رشا أحمد ( القاهرة)
كتب «فلسفتي» لخالد الغنامي

«فلسفتي» لخالد الغنامي

صدر عن «مؤسسة الانتشار العربي» كتابُ «فلسفتي» للكاتب السعودي الزميل خالد الغنامي. جاء الكتاب في 360 صفحة، وهو عبارة عن مقالات كثيرة متوسطة الحجم،

«الشرق الأوسط» (الرياض)
ثقافة وفنون «صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «تمويه»... يكفي أن تكون فلسطينياً كي تعيش مختلفاً

«تمويه»... يكفي أن تكون فلسطينياً كي تعيش مختلفاً

تتقدم عدنية شبلي ببطء في روايتها «تمويه» الصادرة عن «دار الآداب» في بيروت، لترسم صورة إنسانية شفيفة لعائلة صغيرة، تعيش في ظل الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين.

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون رواية ساخرة عن حال المغرب قبل الاستقلال

رواية ساخرة عن حال المغرب قبل الاستقلال

صدر حديثاً، بالتعاون بين «دار نوفل» (هاشيت أنطون)، ودار «الفاضل للنشر»، رواية «اللّاروب» للكاتب والسياسي المغربي حسن أوريد.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص
TT

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

في مايو (أيار) من عام 1950، وفي مدينة سان فرانسيسكو، كبرى مدن الغرب الأميركي، أعلنت الأميرة أو «البرنسيسة» فتحية ابنة الملك فؤاد وصغرى شقيقات الملك فاروق زواجها من رياض غالي الذي لا يحمل إلا لقباً متواضعاً يمتلكه عامة الناس ويمنحه الناس بعضهم البعض على سبيل المجاملة وهو لقب «الأفندي».

كما أن الزوج فضلاً عن ذلك قبطي ينتمي إلى الكنيسة الأرثوذكسية، وكان طبيعياً أن يثير إعلان زواج أميرة مسلمة من شاب قبطي حملة صحافية شهرّت بالسلوك الاجتماعي للأسرة المالكة في مصر، وأن يفجر أزمة سياسية بدأت بأمر ملكي يقضي بتجريد «صاحبة السمو الملكي» الأميرة فتحية ووالدتها «صاحبة الجلالة» الملكة نازلي من ألقابهما الملكية لتصبحا فتحية هانم فؤاد ونازلي هانم صبري، وانتهت بالقضاء على النظام الملكي بعد ذلك بأعوام قليلة. تلك هى اللحظة الدرامية المتفجرة بالأسئلة والمشحونة بحقائق تشبه الخيال، التي يعيد كتابتها من كل أوجهها السياسية والاجتماعية والثقافية المؤرخ المصري الراحل صلاح عيسى في كتابه الشهير «البرنسيسة والأفندي»، الذي صدرت منه طبعةٌ جديدةٌ في جزأين عن «دار الكرمة» بالقاهرة.

يتميز الكتاب بجمال الطرح الأدبي وعمق تفكيك الحدث وبراعة قراءة دلالاته، لا سيما أنه بعده بسنوات عديدة أطلق الأفندي رياض غالي خمس رصاصات على رأس زوجته البرنسيسة فتحية ثم أطلق الرصاصة السادسة والأخيرة على رأسه. وذلك عقب مغادرة البرنسيسة الصغيرة جناحها المزين باللونين الأبيض والأخضر، اللذين كانا يتألف منهما العلم المصري آنذاك، في فندق «فيرمونت» بالولايات المتحدة لتظهر بعد قليل في مدخل البهو حتى تدافع الصحافيون ليحتشدوا حولها يطلبون في أصوات متداخلة تعليقها على البيان الرسمي الذي أذاعه الديوان الملكي في القاهرة بإحالة قضيتها إلى مجلس البلاط، فردت بصوت لم يخل من توتر خفيف: «إن كثيرات من صديقاتي الأميركيات لا يرين فيما فعلت شيئاً يدعو للعجب فلماذا كل هذه الضجة التي تثور في مصر؟».

ويعود السبب الرئيسي لإطلاق رياض النار على حبيبته وزوجته هو رغبتها القاطعة في الانفصال عنه نهائياً والعودة إلى مصر، وذلك بعد أن ساءت حالتهما المادية وأعلنا الإفلاس نتيجة خسارتها كل أموالها وأموال والدتها الملكة نازلي في مضاربات البورصة والاستثمارات الفاشلة. وظل رياض غالي بجانب الجثة لعدة ساعات، ثم وجه المسدس إلى رأسه، وأطلق النار محاولاً الانتحار، غير أن الرصاصة لم تقتله، بل أصابته بتهتك في خلايا المخ أدى إلى إصابته بالشلل التام والعمى لاحقاً حيث قضى نحبه داخل السجن.

فيما رأى البعض الأمر وكأنه عقاب على ما فعلته البرنسيسة حفيدة الخديو إسماعيل، التي تزوجت من شاب من أواسط الناس وليس بين أصول شجرة عائلته من حمل يوماً لقباً من ألقاب التشريف.

كان هذا «الأفندي» موظفاً حكومياً في الدرجة الخامسة بالكادر الفني العالي في وزارة الخارجية إلا أنه كان قد استقال من عمله قبل إتمام زواجه من «البرنسيسة» بشهور حين أصدرت الوزارة قراراً بنقله من وظيفته كسكرتير ثالث بالقنصلية المصرية بمرسيليا في محاولة لإبعاده عن الأميرة الصغيرة، فأصبح بذلك لا يستحق على الأكثر إلا لقب «أفندي سابق».

ولأن البرنسيسة الصغيرة الجميلة والأفندي القبطي كانا يسيران طيلة السنوات الأربع السابقة على ذلك التاريخ فوق خريطة القارتين الأميركية والأوروبية بصحبة الملكة الوالدة نازلي إلى أن استقرا أخيراً في سان فرانسيسكو، فإن الضجة العلنية التي ثارت في القاهرة كانت خاتمة شهور من المباحثات السرية بين العاصمة المصرية وعدد من المدن الأميركية عبر اتصالات شخصية وتليفونية وبرقية سريعة ومكثفة غاضبة ومهددة وراجية ومستعطفة على كل مستوى وعلى أعلى مستوى تحاول منع هذا الزواج.

ولكن البرنسيسة الصغيرة الرقيقة تمسكت بغرامها العنيف للأفندي، وأعلنت لكل الوسطاء تصميمها على الزواج، حتى بدا لهؤلاء الوسطاء أنها تقمصت دور البطولة في فيلم سينمائي أميركي من النوع الذي ينتهي عادة بزواج الفتاة الجميلة ابنة المليونير من فارس الأحلام الوسيم متواضع الأصل والثروة.

وكان لافتاً مساندة الملكة نازلي للأميرة، فدفعتها بذلك إلى العناد، وحين أشهرت القاهرة في وجه الملكة الأم سيف التهديد بتجريدها من لقبها الملكي قالت بحزم: «لن أكسر قلب ابنتي الصغيرة من أجل لقب تافه هو صاحبة الجلالة».

ويرى صلاح عيسى أن قصة زواج البرنسيسة فتحية من رياض أفندي غالي عام 1950 تعيد طرح الأسئلة ذاتها التي طرحتها الدعوى التي رفعها عام 1904 عبد الخالق السادات أمام محكمة مصر الشرعية العليا يطلب فيها التفرقة بين ابنته صفية السادات وبين زوجها الشيخ علي يوسف، أشهر الصحافيين العرب المسلمين في عصره، لعدم التكافؤ بينهما في النسب وفي المهنة. وقالت الدعوى إن الزوجة تنتمي إلى أسرة من الأشراف بينما الزوج فلاح بسيط بلا أصل معروف، والد الزوجة - لا الزوجة نفسها - يعمل بمهنة شريفة هي مشيخة السادة، بينما يعمل الشيخ علي يوسف في أخس المهن وأدناها، وهي مهنة الصحافة، بحسب ما قيل آنذاك.

وخلال نصف القرن الذي فصل بين القضيتين، شُغل المجتمع المصري بعشرات من القضايا كان موضوعها هو الزواج بين «أولاد وبنات الذوات» من ناحية وبين «أولاد وبنات الشعب» من ناحية أخرى، من أشهرها زواج السيدة صفية السادات نفسها بعد وفاة الشيخ علي يوسف من المطرب زكي عكاشة، وزواج الوجيه محمد بك شعراوي من المطربة فاطمة سرس، وزواج أكثر من أمير وأميرة من العائلة المالكة من أجنبيات وأجانب.

ويتوقف صلاح عيسى عند مفارقة صارخة على مستوى الوعي الثقافي في هذا السياق، حيث كانت الثورات القومية العربية تتقدم خلال تلك العقود وهي ترفع أعلام الحرية والإخاء والمساواة في حقوق المواطنة، وتحظر التفرقة بين المواطنين بسبب اللون أو الجنس أو الدين أو المعتقد، وتجعل صيانة الحريات العامة أو الشخصية أحد أهم حقوق المواطنة التي يكفلها الدستور كعقد اجتماعي بين المحكومين والحاكمين للجميع دون تمييز.

كما كانت الجماهير العربية تخرج في مظاهرات عارمة غضباً لانتهاك تلك الدساتير، وتستبسل دفاعاً عنها إلى درجة الاستشهاد أحياناً، كما أن كثيرين من الكتاب والمفكرين والزعماء السياسيين من منظري وقادة العصر الليبرالي العربي كانوا يتحمسون نظرياً للدفاع عن هذه المبادئ، إلا أن هذا النمط من الزيجات المختلطة بين أولاد الأصول و«من لا أصل لهم» كان ينفجر كالقنابل تحت أقدام الجميع فيخل باتزانهم ويكشف عن التناقض بين ما يذيعونه من آراء وما يتخذونه من مواقف عملية، فإذا بحشود الجماهير التي تفتح صدرها للرصاص ببسالة دفاعاً عن الدستور تندفع بالدرجة نفسها من البسالة للتظاهر دفاعاً عن نقاء الدم واحتجاجاً على تهجين البذور!


«فلسفتي» لخالد الغنامي

«فلسفتي» لخالد الغنامي
TT

«فلسفتي» لخالد الغنامي

«فلسفتي» لخالد الغنامي

صدر عن «مؤسسة الانتشار العربي» كتابُ «فلسفتي» للكاتب السعودي الزميل خالد الغنامي. جاء الكتاب في 360 صفحة، وهو عبارة عن مقالات كثيرة متوسطة الحجم، قُسّمت إلى أربعة أبواب: «الفلسفة والقلق والمعرفة» و«التصوف» و«الفن بوصفه تجربة ومعرفة» و«الأخلاق والحياة».

جاء في تقديم الكتاب:

لم تتشكل هذه الصفحات وفق خطة مسبقة، ولا انطلقت من تصور كتابي واضح. ما حدث أقرب إلى تراكم بطيء لأفكار متفرقة، ثم إلى لحظة شعرتُ فيها بأن هذا التراكم لم يعد محتملاً في صمته، وأنه يطلب شكلاً ما، لا لأنه نضج أو اكتمل، بل لأنه صار يضغط عليّ بوصفه تجربة فكرية عشتها أكثر مما كتبتها.

كثير مما يرد هنا لم يصدر عن رغبة في بناء موقف، ولا عن ثقة بامتلاك رؤية مميزة، بل عن احتكاك مباشر بما تطرحه الحياة من أسئلة صغيرة ومزعجة، وعن شعور متكرر بأن الإجابات الجاهزة، مهما بدت مطمئنة، تُغفل توترات أساسية، أو تؤجل التفكير فيها بدل مواجهتها. من هنا جاءت الكتابة بوصفها محاولة للفهم قبل أي شيء، ومحاولة للإصغاء للتجربة وهي تتشكل، لا لتقنينها أو إغلاقها.


تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص
TT

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

في روايته «السماء الثامنة»، يطرح الكاتب والروائي المصري محمد سلماوي الحب بوصفه آصرة لا يمكن عزلها عن التاريخ والذاكرة الجمعية، فيتداخل معهما ليطرح سؤالاً مركزياً حول إمكانية «النجاة» في عالم يتعرض فيه كل شيء للهدم والاقتلاع القسري.

صدرت الرواية أخيراً عن «دار الكرمة» للنشر بالقاهرة، وتبدأ من لحظة ذروة؛ من خبر منشور عن استشهاد الطبيب المصري «عمر المهدي» في أثناء قيامه بجراحة لطفل بالمستشفى المعمداني في «غزة»، وهي اللحظة التي تُصيب البطلة «إيمان» بصدمة عنيفة، لتفتح السرد على مسارين متوازيين؛ الأول يعود بها إلى سنوات الجامعة وبدايات علاقتها العاطفية بـ«عمر»، بينما يتتبع المسار الثاني حياتها المعاصرة بعد أن أصبحت زوجة لمهندس زراعي طموح، اختارته امتثالاً لضغوط أسرتها للابتعاد عن حبيب سنواتها الجامعية، وزواجها ممن «تنطبق عليه شروط عائلتها الميسورة»، ليصبح اقتلاع الحب من منابته الأولى أحد الاختبارات المبكرة التي ستترك أصداءها العميقة في حياة البطلين لاحقاً.

منذ تلك اللحظة المبكرة، لا تبدو الحرب على «غزة» مجرد خلفية سياسية للرواية، بل تتحوّل إلى لحظة استرداد لوعي قديم، واكتشاف لهوية دفنتها البطلة طويلاً تحت حياة أكثر امتثالاً واستقراراً ظاهرياً، قبل أن يُعيد استشهاد «عمر» استدعاء نبوءة «السماء الثامنة» التي أخبرها بها ذات يوم، تحت ظلال أشجار عتيقة، حين تبادلا الحديث عن الحب وسماواته السبع وهما في سنوات الجامعة، وهي السماء التي ستدرك إيمان معناها بعد أن صار الوصول إليها مستحيلاً.

دين قديم

يطل السرد على سنوات الجامعة، وتشكّل حب «إيمان» و«عمر» داخل فضاء مُشبّع برومانسية البدايات وجسارة الأحلام، وتبدو نزهات الحبيبين وثيقة الصلة بالأماكن التي يعبرانها معاً، كاشفةً عن وعيهما بامتدادها التاريخي؛ لا سيما في حديقة الحيوان، بأشجارها العتيقة الممتدة منذ عصر الخديو إسماعيل.

وعبر جولات تتقاطع فيها الثقافة بالفن والتاريخ، تظهر المدينة كذاكرة حيّة مُهددة، خاصة مع الإشارات المتكررة في الرواية إلى هدم الفيلات ذات الطُرز المعمارية التاريخية، وتحويل البيوت القديمة إلى أبراج سكنية، وكأن الرواية تضع مصير العلاقات الإنسانية ومصير المدينة داخل المسار نفسه؛ فكما يُنتزع العاشقان من حلمهما القديم، تُنتزع الأمكنة بدورها من ذاكرتها، لتتحول القاهرة تدريجياً من فضاء حميمي للتجوال والحب، إلى مدينة تفقد ملامحها القديمة تدريجياً.

يعتني السرد برسم شخصية «عمر» بوصفه نموذجاً متسقاً مع الحب والقضية معاً؛ فهو طالب كلية الطب الحالِم الذي يقود مظاهرات منذ كان طالباً ضد الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين حتى يستشهد بعد سنوات وهو يمارس مهنته متطوعاً في غزة، يتحدث عن «السماوات السبع للعشق»، حيث تمثل المرتبة السابعة «الهُيام»، قبل أن يلمّح إلى معنى آخر للحب يتجاوز المشاعر الفردية: «لا تقتصر السماء الثامنة على المشاعر التي تجمع العاشقين، إنما تسمو بهما معاً إلى مرحلة التضحية في سبيل القضايا الكبرى».

إلا أن حلم «عمر» بالوصول مع حبيبته إلى «السماء الثامنة» لا يكاد يتجاوز عتبة الحلم، بعد أن تخضع «إيمان» لضغوط أسرتها وتبتعد عنه، لتتحوّل تلك السماء تدريجياً إلى ما يشبه النبوءة الروحية التي تظل الرواية تستدعيها باستمرار.

ولا تدرك «إيمان» المعنى الحقيقي لهذه النبوءة إلا متأخرة، عبر الفقد والذنب، حين يتحوّل خبر استشهاد «عمر» من مجرد صدمة عاطفية إلى لحظة تعيد فيها تقييم حياتها التي تكتشف زيفها، فتغدو رحلتها إلى «رفح» محاولة متأخرة لإنقاذ ما تبقّى من ذاتها القديمة، وسداد دين قديم تجاه رجل عجزت يوماً عن التمسك باختياره له: «اعذرني يا عمر، تأخرت في اتخاذ قراري ولكني اتخذته أخيراً، وهأنذا قد جئتك بكامل إرادتي».

رغم غلبة القضية الفلسطينية على عالم الرواية، فإن حضورها لا يأتي بوصفه مساراً منفصلاً عن الحياة الشخصية للأبطال، بل يتسلل تدريجياً داخل نسيجهم العاطفي والإنساني، بحيث تبدو التحوّلات السياسية جزءاً من تكوين الوعي نفسه، لا مجرد خلفية للأحداث، فمنذ الإحالة إلى الحرب الأخيرة على غزة، تفتح الرواية طبقات متعددة من الذاكرة السياسية المصرية، عبر استدعاء مظاهرات الطلبة ضد الاحتلال الإسرائيلي في زمن الرئيس السادات، وما ارتبط بها من لحظات استقطاب سياسي، في إشارة إلى التشققات التي أصابت المجال العام مبكراً، وإلى هشاشة فكرة التضامن نفسها تحت ضغط الانقسامات السياسية.

في هذا السياق، لا تظهر جماعات «الإسلام السياسي» في الرواية كعنصر منفصل عن المشهد، بل كقوة تتغلغل تدريجياً داخل النسيج الوطني، مستفيدة من مساحات سمحت بها الدولة ذاتها في لحظات معينة، قبل أن تتحوّل إلى بنية تعمل في الخفاء وتعيد تشكيل المجال الاجتماعي والسياسي من الداخل، غير أن الرواية لا تتوقف طويلاً عند التحليل المباشر، بقدر ما تترك هذه التحوّلات تنعكس على مصائر الشخصيات.

لا تبدو الحرب على «غزة» مجرد خلفية سياسية للرواية، بل تتحوّل إلى لحظة استرداد لوعي قديم

إحالات فنية

ومع انتقال السرد إلى غزة، يقترب النص من الجانب الأكثر قسوة في الحرب، خاصة عبر تفاصيل العمل داخل مستشفياتها، حيث يصبح الجسد الفلسطيني نفسه مساحة يومية للعنف والحصار، ليقترب السرد مع نهاية الرواية من المشهد الذي يضطر فيه «عمر» إلى إجراء عملية بتر لمصاب من دون استخدام «مُخدر»، بعدما منع الاحتلال الإسرائيلي دخول الإمدادات الطبية، هنا لا تكتفي الرواية بإدانة الحرب من بعيد، بل تقترب من أثرها المادي المباشر على الجسد الإنساني، كاشفة كيف يتحوّل الطب نفسه من فعل إنقاذ إلى مواجهة شبه مستحيلة مع الألم.

تمتلئ الرواية بإحالات فنية وأدبية بوصفها امتداداً شعورياً للشخصيات نفسها، فعندما تُزيّن «إيمان» شعر «عمر» بزهور البنفسج، يحيلنا السرد إلى صورة الإله «باخوس» في لوحة «كارافاجيو» الشهيرة، وحين تعثر البطلة لاحقاً بين أشيائها القديمة على الرواية الفرنسية «الأميرة دي كليف» تجد نفسها متقاطعة مصيرياً مع بطلتها؛ امرأة ممزقة بين حب حقيقي وحياة اختارتها تحت ضغط، قبل أن يفيض بها الذنب هي الأخرى، وتستدعي الرواية تحديداً قرار «الأميرة دي كليف» في نهايتها «باللجوء إلى الخدمة العامة للتكفير عن ذنبها»، وهو ما ينعكس بدوره على رحلة «إيمان» إلى رفح، بوصفها محاولة متأخرة للخلاص، أو لسداد دين عاطفي وأخلاقي قديم، ليصبح توظيف الفنون في الرواية أقرب إلى انعكاسات مرآوية شجية.

ولا تبدو هذه الإحالات الفنية والأدبية منفصلة عن التكوين النفسي للأبطال، بقدر ما تكشف عن الطريقة التي يرى بها «عمر» و«إيمان» العالم؛ فالحب عندهما لا يتشكل في فراغ، بل عبر الفن، والموسيقى، والكتب، والمدينة القديمة بكل طبقاتها الثقافية والرمزية لذلك تأتي استعادة اللوحات والروايات والأماكن التاريخية بوصفها محاولة لمقاومة القبح والعنف المحيطين بهما، وكأن الشخصيتين تحاولان الاحتماء بالجمال من عالم يتآكل تدريجياً تحت وطأة الحرب والهدم والخسارات المتتالية.

من ثم، في موازاة رثاء الحب، تبدو «السماء الثامنة» في أحد مستوياتها رثاءً لأبرياء الحرب، ومحاولة للتمسك بما تبقى من الحب والحقوق والذاكرة، في عالم يتآكل فيه البشر والمدن معاً.