مسيحيو لبنان يواجهون الاختلال الديموغرافي بالتمسك بـ«الطائف»

دراسة جديدة تكشف تناقص نسبتهم إلى الثلث... والدستور يفرض المناصفة

مسيحيو لبنان يواجهون الاختلال الديموغرافي بالتمسك بـ«الطائف»
TT

مسيحيو لبنان يواجهون الاختلال الديموغرافي بالتمسك بـ«الطائف»

مسيحيو لبنان يواجهون الاختلال الديموغرافي بالتمسك بـ«الطائف»

مبانٍ قليلة فقط ما زال يسكنها المسيحيون غرب طريق صيدا القديمة في منطقة الحدث في ضاحية بيروت الجنوبية، بعد رحيل المئات، وبيع نحو 60% من مساحتها للمسلمين الذين اتسع انتشارهم شرقاً خلال السنوات الماضية، على غرار عشرات المناطق الأخرى في جبل لبنان وغرب بيروت والجنوب والشمال والبقاع.
وتراجع الممتلكات ليس المتغيّر الوحيد الطارئ على واقع المسيحيين في البلاد، فقد تناقصت أعداد المسيحيين خلال السنوات السبعين الأخيرة على نحو قياسي، كما تراجعت ممتلكاتهم التي باعوا القسم الأكبر منها للمسلمين، وهو ما أثار مخاوف تهدد وجودهم، مع ظهور دراسات، تكشف عن الاختلال في الميزان الديموغرافي، وعن تراجع ملكية المسيحيين للعقارات، رغم أن الدستور اللبناني يكفل حق المسيحيين بالمناصفة في الحكم ووظائف الفئة الأولى، وهو النص الذي يراهن عليه المسيحيون كدرع حماية في وجه النزيف العددي، بالنظر إلى أن «الديمقراطية العددية» يرفضها السياسيون اللبنانيون المتمسكون بـ«الديمقراطية التوافقية».
وتجددت المخاوف أخيراً مع الكشف عن دراسة أجرتها «الدولية للمعلومات» خلصت إلى أن المسيحيين الذين كانوا يشكّلون في عام 1932 نحو 60% من سكان لبنان مقابل 40% من المسلمين، باتوا في عام 2018 30% فقط، بينما أصبح المسلمون 70%. وكشفت الدراسة أن عدد المسيحيين في لبنان يبلغ اليوم مليوناً و686 ألف نسمة، فيما يبلغ عدد المسلمين الشيعة مليوناً و734 ألف نسمة، وعدد المسلمين السنة مليوناً و721 ألف نسمة، أما عدد الدروز فيبلغ 295 ألفاً.
ويرفض المسيحيون إجراء إحصاءات في هذا الوضع السياسي «الدقيق» في لبنان، إذ يرى رئيس المجلس العام الماروني الوزير الأسبق وديع الخازن، أن الكشف عن أعداد المسلمين والمسيحيين «هو أمر مشبوه، وحق يُراد به باطل». وقال لـ«الشرق الأوسط»: «حفاظاً على العيش المشترك ووحدة اللبنانيين وما أُقرّ في اتفاق الطائف وأصبح دستوراً للبلاد، من واجب المعنيين المناصفة بين المسلمين والمسيحيين».
ودعا إلى «العودة إلى جوهر اتفاق الطائف الذي يكرس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين ومضامينه التي تكرس العيش المشترك بين اللبنانيين»، مطالباً بالمضي قدماً «من دون خلق حساسياتٍ لبنان في غنى عنها في هذه الظروف الخطيرة التي تمر بها المنطقة». وأكد «أننا لا نولي اهتماماً للإحصاءات بل لمضمون اتفاق الطائف». وتساءل مستنكراً: «هل نحن على أبواب حرب أهلية جديدة أم نحن في مسار تكريس الاستقرار والسلام وإيجاد السبل الكفيلة باستنهاض البلد؟».

هاجس ما بعد الحرب
وتوقف البعض عند توقيت الإحصائية التي أتت في ظل أزمة الفائزين في امتحانات مجلس الخدمة المدنية الذين يرفض «التيار الوطني الحر» التحاقهم بوظائفهم في القطاع العام بسبب الخلل في أعداد المسلمين والمسيحيين بينهم. لكن في المجمل، لم تشكل الدراسة مفاجأة كبيرة، إلا على مستوى تعداد سكان لبنان الذي يصل إلى 5.5 مليون نسمة. عدا ذلك، يرى اللبنانيون أن التفاوت في العدد متوقع.
ولطالما مثّل التفاوت في العدد معضلة سياسية إبان الحرب اللبنانية. ففي المناقشات التي سبقت اتفاق الطائف في عام 1989، طالب المسلمون باستفتاء عليه وهو ما رفضه المسيحيون، وجرى التوصل إلى صيغة كرّست المناصفة بين المسلمين والمسيحيين بصرف النظر عن الأعداد التي لطالما رفضها السياسيون من الطرفين. ويذكر المتابعون للأزمات السياسية والمفاوضات في الحرب اللبنانية، أن رئيس الحكومة الأسبق صائب سلام قال في بيان «التجمع الإسلامي» بعد اجتماع في منزله إثر ترشح الرئيس الراحل بشير الجميل للرئاسة في عام 1982: «لبنان لا يُساس بحكم الأرقام».
ورفع الإحصاءُ الأخير الهواجسَ المسيحية من أن يمسّ تفاوت الأعداد حقهم بالمناصفة التي كرسها «الطائف»، وصولاً، تدريجياً، إلى صيغة جديدة للحكم، قد تكون «المثالثة» أحد أشكالها، رغم نفي جميع الأطراف. وأكد عضو «تكتل لبنان القوي» النائب آلان عون، أول من أمس، أن «هاجس الحضور المسيحي في الدولة لا يزال قائماً في ظل النظام الطائفي»، مشدداً على أن «طرح الموضوع على النقاش أساسي وضروريّ».

توظيف سياسي
لكنّ آخرين ينظرون إلى الهواجس على أنها غير مبررة. ويقول عضو المجلس الدستوري الدكتور أنطوان مسرّة: «استناداً إلى علم النفس التاريخي، فإن بعض الجهات من مسيحيي جبل لبنان، لا تزال تمتلك (ذهنية الحماية)، وهو نمط تفكير خطر يعبر عن تدهور في مفهوم القانون وثقافة بعض المسيحيين». ويشدّد على أن المسيحي «لا يحميه أي تحالف إقليمي أو داخلي أو أي حساب ديموغرافي. يحميه فقط الدستور والقانون، ذلك أن المسيحيين في لبنان، وخلافاً لمسيحيين آخرين في المشرق، لديهم موقع معترف به دستورياً، عدا عن جذورهم التاريخية، وهو ما يؤكد أنهم محميون، ومن المحزن أن يُستخدم مصطلح البحث عن حماية على حساب القانون والدستور».
ويرى مسرة أن هذا الملف له ثلاثة أبعاد هي: الثقافي والدستوري والسياسي. يقول إنه في البُعد السياسي، «يُستغل هذا الملف العددي في التعبئة النزاعية بين الطوائف في سبيل بناء علاقات نفوذ، ويُستخدم كآيديولوجيا منذ زمن ويستثمر لادّعاء حماية المسيحيين ووضع الطائفة السنية في مواجهة الطائفة الشيعية»، مشيراً إلى أن استغلاله بين السياسيين يتم لتحصيل مواقع سياسية.
وشدد على «ضرورة أن نكون حذرين تجاه هذا الموضوع». وقال: «أقدّر المؤسسات الإحصائية، لكن يجب أن تكون الإحصاءات في سبيل التخطيط الاجتماعي والاقتصادي وليس التعبئة». ويشدد على أن الموضوع «يطال المسيحيين، كما يطال العلاقات بين السنة والشيعة، ويطال الدروز، وهو استغلال سياسي يشكّل خطراً على الجميع».
ويتطرق مسرّة إلى البُعد الثقافي، موضحاً أن التعديلات الدستورية في اتفاق الطائف «لم تُقرأ جيداً ولم تُفهم جيداً حسبما يقول رئيس البرلمان السابق حسين الحسيني»، مشدداً على أن «اتفاق الطائف اعتمد المناصفة، وهي تقدم مهم وحماية للصيغة اللبنانية». ويقول مسرة إن «ما تجسد في اتفاق الطائف لجهة اعتماد المناصفة، هو للتوقف عن الحسابات الديموغرافية»، لافتاً إلى أن بلجيكا اعتمدت المناصفة بين الفلمنكيين والولونيين وتوقفوا عن طرح الديموغرافيا بالطريقة النزاعية.
وفي البُعد الدستوري، يؤكد مسرة أن «الامتيازات باتت كلمة من الماضي، قبل اتفاق الطائف الذي منع أي طائفة من أن تكون عندها امتيازات، بل فرض توازناً ضمن السياق اللبناني». ويقول: «خلافاً للشعارات والتصريحات، لم تُسحب صلاحيات من الرئيس، لأنه أُعطِي دوراً فوق الصلاحيات، وهو حسب المادة 49 من الدستور أُعطي دور حماية الدستور»، لكنه يشير إلى أن «ذهنية بعض اللبنانيين وبعض القيادات تستخدم هذه الملفات في إطار التعبئة النزاعية وتعمم أنها سحبت صلاحيات من الرئيس».
ورأى أن اللبنانيين «يحتاجون إلى ثقافة دستورية بعد اتفاق الطائف، إذ تجب قراءة الدستور من منظور عقلاني مختلف وليس بمنظور قديم»، لافتاً إلى أن «الوضع العام في لبنان لا يساعد على ذلك». وشدد على ضرورة تطبيق اتفاق الطائف «لأن اللبنانيين باتوا بعيدين عن الدستور، وهو يتطلب من المواطنين أن يكونوا أكثر وعياً ولا ينجرفوا بالتعبئة النزاعية، فهي مضرّة للجميع، على مختلف طوائفهم، ومسدودة الأفق».

تراجع الممتلكات
ولا تقتصر المتغيرات في أوساط مسيحيي لبنان على تناقص الأعداد نتيجة موجات الهجرة المستمرة التي أنتجت نزيفاً ديموغرافياً. فقد تراجعت ممتلكاتهم منذ الستينات بنسبة تناهز 30% مما كانت عليه في الخمسينات، حسبما تقول مصادر سياسية مسيحية لـ«الشرق الأوسط». وتلفت إلى أن المسيحيين الذين هاجروا من لبنان يتخطى عددهم المسلمين، محذرةً من أنه «إذا بقي الوضع على ما هو عليه من توتر وشد حبال سياسي، فإننا نتخوف من موجة هجرة جديدة للمسيحيين».



للأسبوع الرابع... الجيش اليمني يتصدّى لموجة التصعيد الحوثي

صورة دعائية وضعها الحوثيون خلفية على منصة في صنعاء تُظهر إطلاق مجموعة من الصواريخ (رويترز)
صورة دعائية وضعها الحوثيون خلفية على منصة في صنعاء تُظهر إطلاق مجموعة من الصواريخ (رويترز)
TT

للأسبوع الرابع... الجيش اليمني يتصدّى لموجة التصعيد الحوثي

صورة دعائية وضعها الحوثيون خلفية على منصة في صنعاء تُظهر إطلاق مجموعة من الصواريخ (رويترز)
صورة دعائية وضعها الحوثيون خلفية على منصة في صنعاء تُظهر إطلاق مجموعة من الصواريخ (رويترز)

دخلت أحدث موجة من التصعيد الحوثي العسكري أسبوعها الرابع، مع اتساع نطاق العمليات على امتداد خطوط التماس، بالتزامن مع استهداف مناطق سكنية ومواقع للنازحين، في وقت كثفت فيه القوات الحكومية ردها على هجمات الجماعة المدعومة من إيران، ونفذت، وفق ما أعلنت، أكثر من 400 عملية خلال موجة التصعيد الحالية، شملت استخدام الطائرات المسيّرة والمدفعية واستهداف مواقع وتحركات وتعزيزات حوثية، إلى جانب إحباط محاولات التسلل.

وشهدت التطورات الميدانية خلال الساعات الـ24 الأخيرة نمطاً أقل نشاطاً؛ إذ اقتصر الأمر على تبادل القصف وعمليات الرصد والاستهداف على أكثر من جبهة؛ من مأرب والجوف شرقاً، إلى الحديدة وباب المندب والساحل الغربي، وسط مؤشرات على استمرار الجماعة في تهديدها العسكري ورفع مستوى المخاطر على المدنيين والممرات البحرية.

وفي شمال غربي وجنوب مأرب، استهدفت مدفعية القوات المسلحة اليمنية مواقع وثكنات تابعة للحوثيين، في إطار الرد على تحركات الجماعة وتصعيدها على خطوط التماس. وفي جبهة البرح بالساحل الغربي، أعلنت القوات الحكومية إحباط محاولة تسلل نفذتها عناصر حوثية، في وقت تواصل فيه الجماعة تحريك عناصرها ووسائلها القتالية في المناطق القريبة من خطوط المواجهة.

مدفعية تابعة للقوات الحكومية اليمنية في الساحل الغربي تقصف مواقع للحوثيين (إعلام عسكري)

وفي شرق الجوف اليمنية، استهدفت الجماعة بصاروخ باليستي محيط مناطق تضم مخيمات للنازحين والبدو الرحل؛ مما يضيف تهديداً جديداً على السكان المدنيين الذين يعيشون أصلاً في ظروف هشة. وفق ما نقله الإعلام العسكري.

وبالتوازي مع العمليات البرية، كثفت القوات الحكومية عمليات الرصد والاستطلاع والاستهداف، ونشرت مشاهد قالت إنها توثق ملاحقة قيادات حوثيين وتحركاتهم، إلى جانب استهداف تعزيزات ومواقع وتحصينات تابعة للجماعة في عدد من الجبهات.

تعقب القيادات

أظهرت المشاهد التي بثتها القوات المسلحة اليمنية عمليات تعقب بواسطة طائرات مسيّرة لقيادات حوثيين، قالت إنها تمكنت من استهدافهم، إضافة إلى عمليات استهداف لعربات عسكرية وتحركات وتعزيزات، في نمط يعكس توسع الاعتماد على الطائرات المسيّرة في مراقبة ساحة المعركة وتحديد الأهداف، على نحو بات أوسع حضوراً في هذه الموجة من التصعيد.

كما بث الإعلام العسكري اليمني مشاهد لعمليات استهداف تحصينات ومواقع وآليات عسكرية تابعة للحوثيين، في إطار ما تصفه القوات الحكومية بأنه رد متواصل على التصعيد الذي بدأ قبل نحو 20 يوماً، ولم يعد مقتصراً على جبهة واحدة.

جانب من استعراض القوات المسلحة اليمنية طيرانها المسيّر (إكس)

وتقول القوات الحكومية إن حصيلة عملياتها خلال هذه الفترة تجاوزت 400 عملية في عموم مناطق التماس، مستخدمة الطائرات المسيّرة والمدفعية ووسائل الاستطلاع، بالتوازي مع التصدي لمحاولات التسلل والهجمات الحوثية على مواقعها.

ويبرز الساحل الغربي اليمني بوصفه أحد أكبر مسارح التصعيد تأثراً، خصوصاً مع استمرار القصف الحوثي على المناطق السكنية وتحركات الجماعة البحرية في محيط باب المندب.

في الأثناء، أعلنت قوات المقاومة الوطنية الحكومية العثور على لغم بحري تابع للحوثيين في باب المندب، بالتزامن مع تدمير زورق مفخخ، في تطور يسلط الضوء مجدداً على المخاطر التي تمثلها الأنشطة الحوثية في أحد أهم الممرات البحرية الدولية.

وعلى اليابسة، قالت مصادر محلية إن مدنيين اثنين أصيبا بشظايا قذائف «هاون» أطلقتها الجماعة على منطقة الحيمة الساحلية في مديرية التحيتا جنوب الحديدة، في أحدث مثال على امتداد القصف إلى المناطق المأهولة بالسكان.

أثر أوسع

في ظل هذه التطورات الميدانية كان الأثر الأوسع للتصعيد يظهر في موجات النزوح المتواصلة من القرى الواقعة قرب خطوط التماس، خصوصاً في الساحل الغربي.

ففي منطقة دُباس شمال مديرية حيس (جنوب الحديدة)، أجبرت الهجمات الحوثية أكثر من 100 أسرة على مغادرة منازلها، بعد تصاعد القصف المدفعي والصاروخي واستهداف المناطق السكنية، بالتزامن مع زراعة الألغام والعبوات في محيط القرى.

يمني داخل مستشفى يحمل طفلة مصابة في هجوم حوثي (أ.ف.ب)

وقال مسؤول الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين في حيس، إبراهيم ناصر مشهور، إن التصعيد الحوثي المتواصل شمال المديرية تسبب في نزوح 104 أسر منذ مطلع يوليو (تموز) الماضي، داعياً الحكومة والمنظمات المحلية والدولية إلى الإسراع في توفير المأوى والغذاء والدواء، خصوصاً للأطفال.

واضطرت الأسر النازحة، وفق المصادر المحلية، إلى الاحتماء في مناطق جبلية وعرة وتحت الصخور الكبيرة، بعد أن فقدت منازلها ومصادر رزقها؛ في حين تسبب القصف في نفوق عدد من المواشي التي تعتمد عليها الأسر في معيشتها.

ولا تقف تداعيات التصعيد عند حدود دُباس، إذ تحدث مسؤولون محليون عن وصول عشرات الأسر يومياً إلى حيس من مناطق في مديريتي الجراحي وجبل راس، بعد تعرضها لضغوط أمنية وعسكرية دفعتها إلى مغادرة منازلها.

وقال نائب مدير «مكتب حقوق الإنسان» في محافظة الحديدة، غالب القديمي، إن الحوثيين يمارسون تهجيراً قسرياً بحق سكان قرى جنوب الجراحي وجبل راس، ويجبرون السكان تحت تهديد السلاح على مغادرة منازلهم، التي يحولونها لاحقاً، وفق إفادته، مواقعَ وثكناتٍ عسكرية.


المقطري لـ«الشرق الأوسط»: نوثق اعتداءات الحوثيين... ولا حصانة لمرتكبي الجرائم الجسيمة في أي تسوية

اليمن بحاجة إلى مراجعة تشريعية شاملة لمعالجة آثار الحرب والانقلاب والانقسام وفق المقطري (سبأ)
اليمن بحاجة إلى مراجعة تشريعية شاملة لمعالجة آثار الحرب والانقلاب والانقسام وفق المقطري (سبأ)
TT

المقطري لـ«الشرق الأوسط»: نوثق اعتداءات الحوثيين... ولا حصانة لمرتكبي الجرائم الجسيمة في أي تسوية

اليمن بحاجة إلى مراجعة تشريعية شاملة لمعالجة آثار الحرب والانقلاب والانقسام وفق المقطري (سبأ)
اليمن بحاجة إلى مراجعة تشريعية شاملة لمعالجة آثار الحرب والانقلاب والانقسام وفق المقطري (سبأ)

أكدت وزيرة الشؤون القانونية اليمنية، القاضية إشراق المقطري، أن أي تسوية سياسية مقبلة لن تمنح حصانة لمرتكبي الجرائم الجسيمة، مشددة على أن المسؤولية القانونية لن تقتصر على المنفذين المباشرين، بل ستمتد إلى القيادات التي خططت وأصدرت الأوامر، وموّلت وسهّلت التنفيذ.

وقالت إشراق المقطري، في حوار مع «الشرق الأوسط»، إن الجهات الوطنية المختصة تعمل على توثيق انتهاكات الجماعة الحوثية المدعومة من إيران، وجمع الأدلة المتعلقة بجرائمها ضد المدن والموانئ والمنشآت الاقتصادية والبنية التحتية في البلاد.

أكد القاضية إشراق المقطري أن أي تسوية سياسية مقبلة لن تمنح حصانة لمرتكبي الجرائم الجسيمة (سبأ)

وأوضحت أن اليمن يحتاج إلى مراجعة تشريعية شاملة لمعالجة آثار الحرب والانقلاب والانقسام، ومواكبة التحولات الاقتصادية والتقنية والاجتماعية، مشيرة إلى أن خريطة الإصلاح التشريعي ترتكز على 3 مسارات: تحديث التشريعات السيادية والمؤسسية، وتطوير البيئة الاقتصادية والاستثمارية، ومواكبة التحول الرقمي وحماية الحقوق.

تشوهات الانقلاب

وقالت إشراق المقطري إن انقلاب الميليشيات الحوثية الإرهابية وحربها على الدولة أحدثا تشوهات عميقة في البنية الدستورية والمؤسسية؛ تمثلت في تعطيل مؤسسات الدولة، وتقويض استقلال القضاء، وفرض أجهزة موازية، ونهب الموارد العامة، وإصدار قرارات خارج إطار الدستور والقانون، إلى جانب انتشار السلاح خارج مؤسسات الدولة.

وأضافت أن إعادة الاعتبار لسيادة القانون تبدأ بإنهاء الانقلاب، واستعادة مؤسسات الدولة، وحصر السلاح بيدها، وتوحيد القضاء وأجهزة إنفاذ القانون، وتمكين الحكومة الشرعية من ممارسة اختصاصاتها على كامل التراب الوطني.

وتابعت: «لا يمكن قيام دولة قانون في ظل ميليشيات طائفية مسلحة تفرض إرادتها بالقوة، وتتعامل مع مؤسسات الدولة ومواردها بوصفها أدوات لخدمة مشروعها».

كشفت الوزيرة أن الانقلاب الحوثي أحدث تشوهات عميقة في البنية الدستورية والمؤسسية (سبأ)

المسؤولية تطول القيادات

وعدّت الوزيرة الهجمات التي تنفذها الميليشيات الحوثية ضد المدن والموانئ والمنشآت الاقتصادية والبنية التحتية جرائم يعاقب عليها القانون اليمني، وانتهاكات جسيمة لقواعد القانون الدولي الإنساني، لا سيما عندما تستهدف المدنيين والأعيان المدنية، أو تُنفذ بصورة عشوائية أو غير مناسبة.

وشددت على أن المسؤولية «لا تقتصر على المنفذين المباشرين، بل تمتد إلى القيادات التي خططت وأصدرت الأوامر وموّلت وسهّلت التنفيذ».

وأكدت أن أي تسوية سياسية مستقبلية لن تمنح حصانة لمرتكبي الجرائم الجسيمة، كما لن تمحو حقوق الضحايا أو تحول دون ملاحقة المسؤولين عنها ومساءلتهم.

توثيق جرائم الحوثيين

وعن توثيق الانتهاكات، أفادت إشراق المقطري بأن الجهات الوطنية المختصة تجمع الأدلة المتعلقة بالجرائم التي ارتكبتها الميليشيات الحوثية، موضحة أن اللجنة الوطنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان، بوصفها جهة وطنية مستقلة ومختصة ومعتمدة لدى مجلس حقوق الإنسان، تضطلع بدور أساسي في التحقيق والتوثيق وفق المعايير القانونية الدولية.

وأضافت أن وزارة الشؤون القانونية تعمل، في حدود اختصاصها وبالتنسيق مع الجهات المعنية، على تعزيز الأساس القانوني لهذه الجهود، بما يحفظ حق الدولة والضحايا في المساءلة، ويتيح الاستفادة مستقبلاً من الملفات الموثقة أمام القضاء الوطني والهيئات والآليات الدولية المختصة.

اليمن بحاجة إلى مراجعة تشريعية شاملة لمعالجة آثار الحرب والانقلاب والانقسام وفق المقطري (سبأ)

إجراءات فاقدة المشروعية

ورفضت إشراق المقطري وصف الوضع القائم قانوناً بوجود «سلطتين»، موضحة أن السلطة الشرعية هي السلطة الدستورية التي تُمثل الدولة اليمنية، وتحظى بالاعتراف الوطني والدولي، في حين أن الميليشيات الحوثية جماعة انقلابية متمردة استولت على مؤسسات الدولة بقوة السلاح، ولا تكتسب من ذلك أي شرعية دستورية أو قانونية.

وبناءً على ذلك، قالت إن الميليشيات لا تملك صلاحية التشريع أو تعديل النظام القانوني للدولة، وإن الإجراءات التي أصدرتها في المسائل السيادية، أو التي مسّت مؤسسات الدولة والحقوق والحريات والأموال العامة، فاقدة السند الدستوري والمشروعية.

وأشارت إشراق المقطري إلى أنه عند استعادة مؤسسات الدولة في صنعاء ستخضع جميع تلك الإجراءات لمراجعة قانونية منظمة، مع مراعاة حماية حقوق المواطنين حسني النية، واستقرار معاملاتهم المدنية والإدارية اليومية، من دون إضفاء أي شرعية على الانقلاب أو آثاره.

مراجعة تشريعية شاملة

ووفق الوزيرة، فإن اليمن بحاجة إلى مراجعة تشريعية شاملة لمعالجة آثار الحرب والانقلاب والانقسام، ومواكبة التحولات الاقتصادية والتقنية والاجتماعية التي لم تعد بعض القوانين النافذة قادرة على استيعابها.

وأوضحت أن وزارة الشؤون القانونية بدأت بالفعل ممارسة صلاحياتها في هذا الجانب، من خلال مراجعة القوانين التي تحتاج إلى تحديث أو تعديل، وإعداد قائمة بالتشريعات ذات الأولوية.

وذكرت أن لجاناً فنية تشريعية في الوزارة تعمل حالياً على هذه القوانين، وفقاً للأولويات الوطنية واحتياجات مؤسسات الدولة والمجتمع.

وزيرة الشؤون القانونية بمعية رئيس الوزراء في مناسبة أخيرة بالعاصمة المؤقتة عدن (سبأ)

3 مسارات للإصلاح

وبشأن خريطة الإصلاح التشريعي، قالت إشراق المقطري إنها ترتكز على 3 مسارات، تشمل تحديث التشريعات السيادية والمؤسسية، وتطوير البيئة الاقتصادية والاستثمارية، ومواكبة التحول الرقمي وحماية الحقوق.

وأوضحت أن الأولويات تشمل تنظيم حماية البيانات والمعلومات الشخصية، ومكافحة الجرائم الإلكترونية، وصياغة التشريعات المنظمة لقطاع النفط، وزراعة الأعضاء البشرية، وصندوق دعم مرضى السرطان، والشراكة بين القطاعين العام والخاص، إلى جانب مراجعة قوانين الصحافة والإعلام والاستثمار.

وأضافت: «نعتمد في ذلك على تحديد الحاجة التشريعية الفعلية، ومدى قدرة القانون على حماية المصلحة العامة، ومواكبة احتياجات الدولة والاقتصاد والمجتمع».

حماية المال العام

ووصفت الوزيرة القانون بأنه الأساس الذي يمنح الإصلاحات الاقتصادية مشروعيتها واستدامتها، مؤكدة أنه لا يمكن حماية المال العام أو مكافحة الفساد من دون رقابة فاعلة ومساءلة حقيقية.

ولفتت إلى أن الدولة تمتلك جانباً مهماً من الأطر القانونية المنظمة للرقابة والمناقصات والمحاسبة، لكن الإشكالية الأساسية تكمن في ضعف التنفيذ، وتداخل الاختصاصات، وبطء إجراءات المساءلة.

وأفادت بأنه ضمن توجه الحكومة برئاسة الدكتور شائع الزنداني، تمارس وزارة الشؤون القانونية حالياً مهامها الأصيلة في المراجعة القانونية للعقود الجديدة التي تعتزم مؤسسات الدولة إبرامها، للتحقق من سلامتها، وحماية حقوق الدولة والمال العام، ومنع ترتيب التزامات مالية أو قانونية غير واضحة أو مخالفة للتشريعات النافذة.

قالت وزيرة الشؤون القانونية إن ملف العدالة الانتقالية سيكون في مقدمة التحديات المقبلة (سبأ)

العدالة لا تعني الإفلات من العقاب

وشددت إشراق المقطري على أن اليمن بحاجة ملحّة إلى مشروع وطني شامل للعدالة الانتقالية، يضع الضحايا وحقوقهم في صميم أي عملية سياسية، ويشمل كشف الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر ورد الاعتبار والإصلاح المؤسسي وضمان عدم تكرار الانتهاكات.

وأكدت أن المصالحة لا تعني طمس الجرائم أو المساواة بين الدولة وميليشيات انقلابية حملت السلاح ضدها، كما لا يجوز أن تتحول التسوية السياسية إلى غطاء لمنح الحصانة لمرتكبي الجرائم الجسيمة، على حد تعبيرها.

وقالت: «السلام المستدام لا يقوم على النسيان أو الإفلات من المساءلة، وإنما على الإنصاف وحفظ حقوق الضحايا وبناء دولة تحمي مواطنيها بالقانون».

ملفات ما بعد الحرب

وتوقعت الوزيرة أن تتمثل أصعب الملفات في معالجة آثار القرارات التي أصدرتها الميليشيات الحوثية في مناطق سيطرتها، ونزع السلاح وحصره في مؤسسات الدولة، واستعادة الأموال والأصول العامة، وتسوية أوضاع الموظفين والعسكريين، ومعالجة قضايا الملكية والمصادرات والنازحين والمفقودين والمحتجزين.

واختتمت بتأكيد أن ملف العدالة الانتقالية سيكون في مقدمة هذه التحديات؛ لأن نجاح أي تسوية سيُقاس بقدرتها على استعادة الدولة ومؤسساتها، وحماية الحقوق، ومنع الإفلات من المساءلة، وليس مجرد وقف العمليات العسكرية.


نازحو عدن ينتقلون من التلقي إلى المشاركة المجتمعية

اللجان المجتمعية في عدن تعزز التواصل بين النازحين والجهات المعنية (إعلام محلي)
اللجان المجتمعية في عدن تعزز التواصل بين النازحين والجهات المعنية (إعلام محلي)
TT

نازحو عدن ينتقلون من التلقي إلى المشاركة المجتمعية

اللجان المجتمعية في عدن تعزز التواصل بين النازحين والجهات المعنية (إعلام محلي)
اللجان المجتمعية في عدن تعزز التواصل بين النازحين والجهات المعنية (إعلام محلي)

في أحد مواقع النزوح بمدينة عدن حيث العاصمة اليمنية المؤقتة، لم يعد دور السكان يقتصر على انتظار المساعدات أو تلقي الخدمات؛ إذ بات بعضهم يشارك بصورة مباشرة في تحديد احتياجات مجتمعه ونقلها إلى السلطات المحلية والمنظمات الإنسانية، في تجربة تسعى إلى تحويل النازحين «من متلقين للاستجابة» إلى «شركاء في تنظيمها».

ومن داخل مخيم «الشروق»، يقود سميح، الذي نزح من منزله عام 2015، لجنة مجتمعية تمثل السكان وتعمل حلقة وصل بينهم وبين إدارة الموقع والجهات الإنسانية والسلطات المحلية.

ويقول سميح إن نقص الخدمات يمثل التحدي الأكبر أمام سكان المخيم، مشيراً إلى أن وجود لجنة منتخبة من المجتمع يساعد على إيصال الاحتياجات بصورة أعلى تنظيماً إلى الجهات المعنية.

ويضيف: «أنسق مع مختلف الشركاء ومدير المخيم، وأساعد في تيسير تنفيذ الأنشطة».

وتأتي تجربة سميح ضمن نموذج أوسع لتشكيل لجان مجتمعية في مواقع النزوح؛ بهدف إشراك السكان في تحديد أولوياتهم والإسهام في القرارات المرتبطة بالخدمات التي يحتاجون إليها.

نازحون يعيشون في مواقع تفتقر إلى الخدمات الأساسية في عدن (إعلام محلي)

وتُختار اللجان من داخل المجتمعات النازحة في عدن؛ إذ يرشح السكان أشخاصاً يثقون بهم ويعرفون طبيعة المشكلات التي تواجههم، قبل اختيار ممثليهم في عملية تهدف إلى نقل مطالب السكان إلى مقدمي الخدمات والسلطات.

وترى الجهات الإنسانية العاملة في إدارة وتنسيق مواقع النزوح أن إشراك السكان في هذه العملية يساعد على تحسين التواصل، وفهم الاحتياجات بصورة أدق، وتعزيز المساءلة تجاه الخدمات المقدمة.

وتعكس مسيرة سميح هذا التحول؛ فقد بدأ بالمشاركة في الأنشطة المجتمعية، قبل أن يختاره سكان منطقته رئيساً لـ«اللجنة».

ويقول عن دوافعه لتولي هذه المسؤولية: «لأنني أحب خدمة مجتمعي ودعم النازحين. وبصفتي شخصاً عانى من النزوح، فأنا أتفهم معاناتهم».

ولا تقتصر مهمة «اللجنة» على نقل الاحتياجات، بل تشمل أيضاً العمل على ضمان مشاركة النساء والأشخاص ذوي الإعاقة والفئات الأضعف في النقاشات المتعلقة بالخدمات والقرارات التي تمس بحياتهم اليومية.

ويقول سميح: «نشركهم في اجتماعات دورية، ونضمن مشاركتهم الفعالة في تحديد احتياجات المنطقة».

ويرى أن هذا النهج جعل سكان الموقع أكبر حضوراً في القرارات المتعلقة بحياتهم اليومية، بدلاً من أن تقتصر «الاستجابة الإنسانية» على قرارات تتخذها جهات خارج المجتمع.

التدريب يعزز المهارات

وتتصل تجربة اللجان المجتمعية بجهود أوسع لتحسين إدارة مواقع النزوح في عدن، من خلال تعزيز التواصل بين النازحين والمجتمع المضيف والسلطات والمنظمات الإنسانية.

وفي مايو (أيار) الماضي، شارك سميح، إلى جانب ممثلين آخرين عن المجتمعات المحلية، في تدريب بشأن إدارة وتنسيق المخيمات، تناول مبادئ التواصل والتنسيق والمشاركة المجتمعية وحل المشكلات.

ويقول إن التدريب منحه مهارات جديدة وفهماً أوسع لطبيعة العمل الإنساني، مضيفاً: «تلقيت تدريباً على بناء القدرات واكتسبت معرفة واسعة في مجال العمل الإنساني».

تجربة اللجان المجتمعية في عدن ساعدت على تحديد احتياجات السكان (إعلام محلي)

وتعمل منظمة «أكتد»، من خلال مشروع ممول من «الاتحاد الأوروبي»، على تعزيز مشاركة المجتمعات المحلية في مواقع النزوح، وإنشاء لجان تمثل السكان، وتحسين قنوات التواصل معهم بهدف نقل احتياجاتهم إلى مقدمي الخدمات والسلطات.

ووفق بيانات المنظمة، فقد استفاد أكثر من 89 ألف شخص في 101 موقع نزوح من أنشطة المشروع، التي شملت تنسيق المواقع، وإشراك المجتمعات المحلية، والإحالة، وتحسين البنية التحتية وأعمال الصيانة.

كما تضمنت الأنشطة تدريب 434 من أصحاب المصلحة في إدارة وتنسيق مراكز الإيواء، والتعامل مع أكثر من 6700 شكوى وحالة تقييم، في مسعى لتعزيز المساءلة وتحسين وصول النازحين إلى الخدمات.

من متلقين إلى شركاء

تكتسب هذه الجهود أهمية في ظل استمرار أزمة النزوح بوصفها من أكبر التحديات الإنسانية في اليمن، حيث يعيش ملايين الأشخاص بعيداً عن منازلهم، فيما تفتقر مواقع نزوح كثيرة إلى الخدمات الأساسية.

وكان سميح واحداً من هؤلاء الذين أجبرهم النزاع على ترك منازلهم عام 2015، قبل أن يصل إلى عدن برفقة أسرته المؤلفة من 8 أفراد ويبدأ حياة جديدة في ظروف النزوح.

عائلة يمنية شردها الحوثيون تعيش تحت إحدى الصخور الضخمة (إعلام محلي)

لكن السنوات التي قضاها في موقع النزوح دفعته إلى الانتقال من البحث عن الخدمات لنفسه وأسرته إلى تمثيل سكان الموقع والتواصل نيابة عنهم مع الجهات الإنسانية والسلطات المحلية.

ويقول إن التدريب والخبرة اللذين اكتسبهما ساعداه، إلى جانب أعضاء «اللجنة»، على التعامل مع المشكلات الداخلية وإدارة جانب من شؤون المخيم.

ويأمل استمرار التنسيق بين اللجان المجتمعية والسلطات والمنظمات الإنسانية، بما يضمن وصول الخدمات إلى الأسر النازحة ويمنح السكان دوراً أكبر في تحديد أولوياتهم والتعامل مع المشكلات التي تواجههم.