إدانة سعودي بالتخطيط مع خالد شيخ لتنفيذ أعمال إرهابية واختطاف طائرات أجنبية

الحكم بالقتل تعزيرا والسجن حتى 35 سنة لـ12 سعوديا ومغربيين ويمني

خالد شيخ محمد
خالد شيخ محمد
TT

إدانة سعودي بالتخطيط مع خالد شيخ لتنفيذ أعمال إرهابية واختطاف طائرات أجنبية

خالد شيخ محمد
خالد شيخ محمد

أدان القضاء السعودي، أمس، خلية إرهابية يتزعمها رئيس المجلس العسكري في تنظيم القاعدة بالسعودية، خططت لاختطاف طائرات ركاب أجنبية وضرب محطات كهرباء ومواقع نفطية في الداخل والخارج، والشروع في تنفيذ عمليات إرهابية داخل المملكة بالتنسيق مع خالد شيخ محمد، المتهم بأنه العقل المدبر لهجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، وفتح جبهات لـ«القاعدة» في اليمن ودول غربية، وشروعها في شراء 3 حقائب بها قنابل «نووية»، فيما تراجع أحد منظري الفكر التكفيري بالخلية عن توبته بعد أن أقسم بطلاق زوجته ثلاثا، وشارك بالتخطيط لأكثر من عملية إرهابية.
وأصدرت المحكمة الجزائية المتخصصة بالرياض، أمس، أحكاما ابتدائية بالقتل تعزيرا لسعوديين، وسجن 13 آخرين بين 18 و35 سنة، بينهم مغربيان ويمني، كانوا ضمن خلية تتكون من 29 شخصا. وعلق المدان الثالث الذي حكم عليه بالقتل تعزيرا بعد النطق بالحكم عليه: «لا فرق بين الشهادة في سبيل الله في ساحة المعركة أو ساحة القصاص، فالموت واحد».
وأقر المدان الأول الذي حكم عليه بالسجن 35 سنة والمنع من السفر لمدد مماثلة لسجنه، بتزعمه الخلية بعد مقابلته القتيل أسامة بن لادن، زعيم تنظيم القاعدة، خلال وجوده في أفغانستان، وبايعه على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وكوّن ما يسمى المجلس العسكري بعد اجتماعه بعدد من أعضاء التنظيم، وتنصيبه من قبلهم أميرا عليهم، وقيامه بتشكيل خلية داخل السجن للقيام بأعمال تخريبية عسكرية فور خروجه من السجن ضد دولة أجنبية، وتجنيده في سبيل ذلك عددا من الموقوفين داخل السجن.
واعترف المدان الذي سلم نفسه لمكتب الأمير محمد بن نايف بن عبد العزيز، مساعد وزير الداخلية للشؤون الأمنية (آنذاك)، بعد أن أدرج اسمه ضمن قائمة الـ19 مطلوبا أمنيا؛ برصد مبالغ كبيرة مقابل إعداده برنامجا للقيام بالعمليات الإرهابية في الداخل والخارج، يتضمن اختطاف طائرات أميركية وبريطانية وإيطالية وأسترالية، وذلك بعد تبني المتهم فكرة استهداف محطات كهرباء ونفط في أميركا من خلال طائرات ركاب بريطانية وإيطالية وأسترالية.
واجتمع المدان الأول مع القتيل أسامة بن لادن في أفغانستان عقب أحداث 11 سبتمبر بـ3 أشهر، وطلب منه مواصلة قتال الأجانب والأميركيين، وفي ضوء ذلك خطط لاختطاف القنصل الأميركي في محافظة جدة، واختار المتهم 3 أشخاص ليكونوا منفذين للعملية، ودعمهم بنحو 50 ألف ريال.
كما اتفق المدان الأول مع العقل المدبر لأحداث 11 سبتمبر عندما كان في باكستان، على الشروع في تنفيذ عمليات انتحارية داخل السعودية وخارجها ضد المستأمنين والمعاهدين، ووصف الجهاد ضد الغرب، خصوصا الأميركيين، بفرض العين، حيث توجه المدان إلى سوريا بعد أن أمره خالد شيخ بذلك حتى يتمكن من إزالة الأختام من جوازات سفر المغرر بهم، ثم دخول المملكة.
وارتبط المدان قبل أن يسلم نفسه للسلطات السعودية في 2003 بعدد من أعضاء «القاعدة» بالخارج، من أبرزهم: سيف العدل الذي تعرف عليه في أفغانستان بحكم أنه مدرب، وكان يراسله عن طريق شبكة «البالتوك» عبر الإنترنت، حيث تستر على ما أبلغه به سيف العدل من أنه لا مانع من العمل في أي مكان طالما أن الهدف هو «الصليبيون»، وكان المدان يراسل أبو محمد المصري من مكانه في أفغانستان على البريد الإلكتروني.
ووافق المدان الأول على ما عرضه عليه المطلوب في قائمة الـ19 سلطان جبران القحطاني (لقي حتفه في شقة بإسكان الملك فهد بجازان في سبتمبر 2003)، من شراء 3 حقائب نووية من اليمن، وبلغت قيمتها نحو 1.5 مليون دولار، وجرى تجهيز المبلغ من قبل يوسف العييري (قتل على طريق حائل البري في 2003)، لكن العملية لم تجر لعدم مصداقية الطرف الآخر في اليمن.
وحاول المدان، قائد المجلس العسكري بالتنظيم، مرات عدة صناعة صاروخ، لكنه لم ينجح، واضطر إلى الحصول على معلومات التجربة من مواقع الإنترنت، وأحضر مواسير وحشوات تستخدم في صناعة الصاروخ نفسه، واستأجر أحد عناصر التنظيم وكنيته «مبارك» بعد تكليفه من المتهم، ورشة لخراطة الحديد، وصنع أجرام صواريخ لحفظها بها، لا سيما أنه قام بتجارب للتوصّل إلى وقود لمدفع الصاروخ بواسطة إحدى المواد الأولية التي تستخدم لهذا الغرض.
فيما كفّر المدان 14 الذي حكم عليه بالسجن 31 سنة والمنع من السفر لمدد مماثلة لسجنه، القيادة السعودية، وأصر على منهجه بعد أن أظهر تراجعه عنه خلال برنامج معه بالتلفزيون السعودي، وإقراره بندمه الشديد على هذا التراجع الذي سماه «تراجع التراجع، والتوبة من التوبة الكاذبة». ووصف ظهوره في البرنامج بأنه لم يكن حقيقيا وإنما مداهنة للدولة لتعفو عنه، وأنه لم يزدد في كفر الدولة إلا بصيرة، وأقسم بالله ثلاثا أنه لن يغير موقفه أبدا مهما كانت النتائج.
وكان أحد القضاة الذين نظروا في قضية المدان 14 اختلف في الحكم عليه، وكان قراره الحكم بالقتل تعزيرا بسبب أن المدان داعية إلى فتنة وبدعة من خلال كتبه ورسائله وخطاباته حتى داخل السجن، وإصراره على ذلك بعد إعلان توبته، وافتخاره بهذه الكتب والمؤلفات التي تدعو إلى التكفير والفتنة، وأنه لن يرجع عن ذلك، بل أقسم على عدم الرجوع ثلاث مرات، وأنه إن حنث فزوجته طالق بالثلاث، ما يدل على أن الشر متأصل في نفسه ولم يردعه السجن الذي أمضى فيه ما يقارب 10 سنوات، بل لا ينقطع شره إلا بقتله.
وأيّد المدان 14 الذي حضر إلى المحكمة بالقوة الجبرية وكان على كرسي متحرك، القتيل أسامة بن لادن، وبين أنه نادم على عدم علاقته الشخصية به، حيث أرسل رسالة إليه بواسطة المدان الأول مبديا فيها محبته ودعاءه وتشبيهه بالإمام أحمد بن حنبل، حيث استقبل في منزله بالرياض زعيم الخلية رئيس المجلس العسكري في التنظيم، وأعلن انضمامه إلى عناصر الخلية، واستجاب إلى طلبه في التخفي لديه، وانتقل بعد ذلك إلى مقر الخلية في المدينة المنورة الأول متخفيا في عباءة نسائية بعد أن جرى الإعلان عن قائمة المطلوبين، وقيامه بعد أن علم بأنه مطلوب أمنيا بالانتقال إلى مقر تلك الخلية في المدينة المنورة حتى لا يجري انكشاف أمره.
وتستر المدان 14 على زميله زعيم الخلية وقام بإعداد مجموعة من الشباب للقيام بعمليات إرهابية في دولة أجنبية، من بينها خطف طائرات، وتكوين خلايا، وأنه سيقوم بتسليحهم بأسلحة لا يُعلم عنها، عبارة عن كاميرات وفلاشات وساعات يجعلها قنابل، وسيتولى تدريبهم على طريقة التشريك، وتستره أيضا على الأول عندما أخبره بتمكنه من الحصول على 3 حقائب نووية من مخلفات اليمن الجنوبي بعد أن فشل في الحصول عليها بالمرة الأولى، وأنهم سيقومون بعملية هائلة تتضاءل أمامها هجمات 11 سبتمبر 2001، وتستره على أحد المنحرفين من الجنسية اليمنية يدعى «وحيد» عندما زارهم في المدينة بعد أن علم من الأول أن هذا الشخص جرى تعيينه ممثلا لـ«القاعدة» في الخليج بدلا من «الملا بلال»، وأنه سيكمل بعض العمليات الإرهابية في مياه الخليج العربي على غرار عملية «كول».
وحضر المدان 14 الجلسة ولم ينطق بكلمة واحدة، بل وضع «طاقية» الرأس على عينيه من أجل ألا يرى أحدا، وأدين باشتراكه في إصدار ونشر بيان يحتوي على مناصرة وتأييد 19 مطلوبا أمنيا ممن نشرت أسماؤهم عبر وسائل الإعلام في 2003، بعد العثور على متفجرات بأحد المنازل في حي الجزيرة بالرياض مارس (آذار) من العام نفسه، وورد فيه تزكية هؤلاء المطلوبين وحرمة خذلانهم أو التبليغ عنهم أو تتبّعهم، كما اشترك في إصدار فتوى بعنوان «رسالة إلى رجل المباحث» وصف فيها رجال قطاع المباحث العامة بالاشتراك في الحرب الصليبية ضد الإسلام وأهله.
ووزع المدان، وهو يعد المنظر الشرعي للتنظيم، خطابا كتبه داخل السجن ونسخه بقلمه على أكثر من 30 نسخة، على بعض السجناء وحرض على نشره وطباعته، ليضمن وصوله إلى العالم الخارجي، وانتشاره على الشبكة المعلوماتية، حسب اعترافه، وما تضمنه الخطاب من وصف الدولة بأن منهجها تكفيري، والتعبير بأن ذلك من الصدع بالحق، وقيامه أيضا داخل السجن بتوزيع مجموعة من القصائد والمقالات المنحرفة بقصد نشرها.
وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر مطلعة أن نجل المدان 14 قبض عليه الأسبوع الماضي للتحقيق معه حول تورطه في التنظيمات الإرهابية التي ظهرت أخيرا في سوريا والعراق.
وحكم القضاة بالإجماع على المدان الثاني والثالث بالقتل تعزيرا لانضمامهما إلى خلية رئيس المجلس العسكري في التنظيم، واشتراكهما في مواجهات أمنية مع رجال الأمن نتج عنها مقتل رجل أمن وإصابة 12 آخرين.



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.