مذكرات الحلقة الأخيرة (2): العلاقات الروسية ـ السعودية بين مد وجزر

الملك فيصل خلال زيارته إلى موسكو 1932
الملك فيصل خلال زيارته إلى موسكو 1932
TT

مذكرات الحلقة الأخيرة (2): العلاقات الروسية ـ السعودية بين مد وجزر

الملك فيصل خلال زيارته إلى موسكو 1932
الملك فيصل خلال زيارته إلى موسكو 1932

مرت العلاقات بين روسيا (الاتحاد السوفياتي السابق) والسعودية بمراحل مختلفة على مدى أكثر من تسعين عاماً. في البداية كانت موسكو أول دولة اعترفت بالمملكة العربية السعودية بقيادة الملك عبد العزيز بن سعود، كما كانت بدورها أول بلاد عربية أقام الاتحاد السوفياتي علاقات دبلوماسية معها.
لقد أبدى الاتحاد السوفياتي تأييده للنهج المستقل للملك، وبذل في عشرينيات القرن الماضي، الجهود الدبلوماسية من أجل تحسين العلاقات مع دولتين مستقلتين آخريين في الشرق الأوسط، أقام معهما علاقات وطيدة، وهما تركيا وإيران. وبدأ تطور التعاون الاقتصادي والتجاري. لكن تحقيق تقدم في هذا المضمار كان مآله الفشل.
فقد كان الاتحاد السوفياتي دولة شيوعية ولم يمكن أن تنجح محاولات الرياض، وضمن ذلك في أثناء زيارة الأمير فيصل إلى موسكو وسانت - بطرسبرغ في عام 1932. لزيادة عدد الحجاج إلى الأماكن المقدسة الإسلامية وإلغاء تأميم الأوقاف. كما لم ترغب موسكو، ولم تستطع، تلبية طلب منح المملكة قرضاً كانت بأمس الحاجة إليه في فترة ما قبل اكتشاف النفط هناك.
ووجهت آخر ضربة إلى العلاقات الطيبة بين البلدين حملة التطهير الستالينية في نهاية الثلاثينيات، وخلالها طال القمع الدبلوماسيين السوفيات العاملين في جدة ومنهم كريم حكيموف ونظير تورياكولوف، وكلاهما كانا يتمتعان باحترام الملك. وفي عام 1938 جمدت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين لفترة طويلة تربو على نصف قرن، وكانت الدولتان في معسكرين مختلفين في أزمان العالم ذي القطبين.
وفي عهد روسيا الجديدة مضت العلاقات بين موسكو والرياض في درب الصعود. وتطور التعاون في المجال الاقتصادي، وساعد على ذلك لحد كبير كون البلدين من أكبر منتجي ومصدري موارد الطاقة في العالم، وتطور كذلك في المجال السياسي. وأكسب نهضة مهمة في العلاقات الروسية - السعودية تخلي روسيا عن الآيديولوجية الشيوعية وبدء الصحوة الإسلامية في البلاد. مع ذلك واجه تطورها إلى الأمام في بعض الأوقات بعض التحديات: على سبيل المثال في أثناء الأزمة في جمهورية الشيشان أو الطور الحاد من الأزمة السورية.
وفي الفترة الأخيرة، تم تجاوز مراحل الأزمات واكتسب التعاون بين البلدين نوعية جديدة. وكانت من ضمن المراحل الهامة في هذا المضمار قيام الرئيس فلاديمير بوتين بزيارة المملكة العربية السعودية، وكذلك زيارتا الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى روسيا، ووقعت خلالها اتفاقيات مهمة بين البلدين.
وقبل أيام واجه التقارب بين موسكو والرياض تحديات جديدة، ولو أنها ليست دراماتيكية كالسابق. وكما هو معروف وافقت المملكة العربية السعودية على أن ترابط في أراضيها جنوب الرياض مجموعة من العسكريين الأميركيين والتقنيات الحربية الأميركية، الرامية كما تعتقد الولايات المتحدة إلى تقوية الأمن والاستقرار في المنطقة.
وأثار ذلك رد فعل متعدد الأوجه في موسكو، وذلك ليس لأنها لا تريد تعزيز أمن المملكة، بل إنها تعتبر نشر القوات الأميركية لا يمثل أفضل وسيلة لتحقيق هذا الهدف.
وأضحت موسكو في وضع حساس: فمن جهة إنها لا ترغب في توجيه النقد إلى الرياض، لتفهمها قلقها، واحترامها لقرار قيادتها واعتزازها بتطوير التعاون المستمر معها. ومن جهة أخرى، إنها لا يمكن أن تخفي قلقها من أي زيادة للحضور العسكري الأميركي الذي يعتبر عاملاً في زعزعة الاستقرار (لا سيما أن روسيا تقيم التعاون مع إيران، وبالأخص فيما يتعلق بسوريا). لكن التعاون مع المملكة يواصل تطوره ليس في مجال الاقتصاد فقط، وبالأخص في مجال موارد الطاقة، بل وفي المجالين السياسي والإنساني. وفي بداية العقد الأول من الشهر الحالي وصل إلى موسكو الشيخ محمد عبد الكريم العيسى الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي الذي أجرى في 23 يوليو (تموز) للقاء لا نظير له مع البطريرك كيريل رئيس الكنيسة الأرثوذكسية الروسية.
وفي 23 يوليو قدمت وزارة الخارجية الروسية إلى ممثلي الدول العربية وإيران وتركيا والأعضاء «الخمسة» الدائمين في مجلس الأمن الدولي والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية وبلدان «بريكس» المعتمدين بموسكو عقيدة الأمن الجماعي في منطقة الخليج.
وأعلنها ميخائيل بوغدانوف الممثل الخاص لرئيس روسيا الاتحادية في الشرق الأوسط وبلدان أفريقيا نائب وزير الخارجية الروسي. إنها تعتمد على مبادئ المرحلية وتعدد الأطراف والشمولية وأحكام القانون الدولي. وتقترح، ضمناً، من بين التدابير الأخرى، عقد اتفاقيات حول الرقابة على التسلح بين بلدان المنطقة، واستحداث مناطق منزوعة السلاح، وإقامة «خطوط ساخنة» بين الدوائر العسكرية، وكذلك بدء الحوار حول تقليص الحضور العسكري الأجنبي في المنطقة.
ونشير بصورة خاصة إلى أهمية الموضوع الأخير في هذا الشأن. وقد تحدثت روسيا لأول مرة في الواقع وبصوت عالٍ حول ضرورة التخلي عن الوجود الدائم للقوات المسلحة للدول الخارجية في المنطقة، وهو ما كانت حتى الآن تبدي التفهم الصامت بشأنه، كما يبدو، علماً أن المقصود ليس فرض المشروع الروسي على دول الخليج التي تقبل بالحضور العسكري للاعبين الدوليين الكبار من أجل ضمان أمنها، أخذاً بنظر الاعتبار الخبرة المريرة السابقة، بل فقط تحديد البارامترات (المعايير) الرئيسية لمشروعها القديم حول استحداث آلية جماعية لبلدان المنطقة هدفها النهائي تكوين منظمة للأمن والتعاون لبلدان الخليج يمكن أن ينضم إليها مراقبون من روسيا والصين والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والهند وبلدان أخرى.
لماذا أقدمت موسكو على هذه الخطوة الآن بالذات؟ لأنها تخشى أن تصعيد التوتر هذا في ظروف تزايد الحضور العسكري للاعبين الخارجيين وتراكم كميات خيالية من الأسلحة في منطقة الخليج، قد يؤدي إلى نشوب حرب كبرى، ربما تؤدي إلى عواقب كارثية، وبالدرجة الأولى لبلدان المنطقة. بالمناسبة، إن بوغدانوف قال بتشكك في إجابته عن سؤال حول موقف بلاده من إعلان الولايات المتحدة عن تشكيل تحالف دولي من أجل «ضمان الملاحة» في مضيق هرمز: «لم يعرض علينا أي أحد شيئاً. وعادة تجري الاتصالات ويتم توضيح الأمر حول ما يريدون، ويطرحون بعض الأفكار».
وجرى في اليوم نفسه، كما لو كان ذلك تأكيداً لما أورده نائب وزير الخارجية، إعلان سيرغي لافروف وزير الخارجية في لقاء مع مجموعة من الصحافيين من بلدان أميركا اللاتينية أن إيران يجب أن تكون جزءاً من حل قضية الأمن في الشرق الأوسط، وألا تعتبر المذنبة في كل ما يحدث هناك. ويرى أن تعزيز تدابير الثقة الجماعية في المنطقة بدعم المنظمات الدولية هو ضرورة أساسية في الخطة التي تطرحها موسكو.
وجدير بالذكر أن الوزير أعرب عن الثقة بأن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لا يريد معالجة النزاع مع إيران بالوسائل العسكرية، لكن «الرؤوس الساخنة» في البنتاغون يمكن أن تدفع البلاد إلى هذا الدرب.
وحسب تقييم الجانب الروسي، فإن مثل هذه المحاولة ستكون تطوراً خطيراً للغاية للأحداث. هل ستعرقل مبادرة موسكو هذه تطور العلاقات قدماً إلى الأمام مع الرياض؟ بالعكس، إن طرحها يدل على أن روسيا تعتبر ضمان الأمن في منطقة مهمة استراتيجياً في العالم، حيث توجد المملكة، من أهم أولويات سياستها الخارجية.
أعتقد أن تطور العلاقات الثنائية بين موسكو والرياض رغم اختلاف وجهات النظر حول عدد من قضايا المنطقة لن يتجمد بل سيكتسب نبضة جديدة. فإن اهتمام البلدين عظيم جداً في ضمان أمن الخليج، وعدم السماح بتنامي التوتر وتحوله إلى حرب كبيرة، وكذلك في مواصلة التعاون المثمر في مجال النفط والغاز وحل طائفة واسعة من مشاكل المنطقة، وفي مقدمتها تسوية الأزمة السورية، حيث تعتبر روسيا لاعباً رئيسياً فيها. ويهتم كلا البلدين بتنويع العلاقات الخارجية لصالح أمنهما والسلام العالمي. لقد شهدت العلاقات بينهما في الماضي اختبارات خطرة، ولكن تتوفر الفرصة اليوم لرفعها إلى درجة أعلى. ولا ريب في أنه ستساعد على ذلك زيارة الرئيس الروسي القادمة إلى المملكة.

- رئيس مجلس الاستشراق التابع لأكاديمية العلوم الروسية في موسكو - خاص بـ«الشرق الأوسط»



«التعاون الإسلامي» تؤكد دعمها وتضامنها مع الأسرى الفلسطينيين في سجون إسرائيل

شعار منظمة التعاون الإسلامي (متداولة)
شعار منظمة التعاون الإسلامي (متداولة)
TT

«التعاون الإسلامي» تؤكد دعمها وتضامنها مع الأسرى الفلسطينيين في سجون إسرائيل

شعار منظمة التعاون الإسلامي (متداولة)
شعار منظمة التعاون الإسلامي (متداولة)

أعربت الأمانة العامة لمنظمة «التعاون الإسلامي» عن بالغ القلق إزاء تدهور أوضاع الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، البالغ عددهم أكثر من 9500 أسير، من بينهم 73 أسيرة و350 طفلاً، علاوة على المعتقلين من قطاع غزة الذين لا يُعرَف عددهم.

وحذّرت الأمانة العامة من خطورة ما يتعرّض له الأسرى الفلسطينيون في سجون الاحتلال الإسرائيلي «من جرائم ممنهجة وغير إنسانية، وآخرها المصادقة على عقوبة الإعدام بحقهم، وحرمانهم من أبسط الحقوق الإنسانية التي كفلها لهم القانون الدولي الإنساني، من تعليم وعلاج واتصال بالعالم الخارجي، علاوةً على إخضاعهم للتعذيب والاعتداء عليهم بشكل متعمَّد ومنهجي، والتجريد من الإنسانية والإرهاب النفسي، والعنف الجنسي، والاغتصاب، والتجويع، والحبس الانفرادي، وغيرها من الإجراءات التي ترتقي إلى مستوى جريمة حرب وجريمة إبادة جماعية، بموجب القانون الجنائي الدولي»، وفقاً لـ«وكالة الأنباء السعودية (واس)».

وأكدت الأمانة العامة أن هذه الإجراءات، التي يرتكبها الجيش الإسرائيلي، «تشكل انتهاكاً لجميع المعايير والقواعد التي ينص عليها القانون الدولي الإنساني، وميثاق حقوق الإنسان، واتفاقيات جنيف، وغيرها من المواثيق الدولية ذات الصلة؛ الأمر الذي يتطلب مضاعفة الجهود لملاحقة ومساءلة إسرائيل، وفق القانون الجنائي الدولي».

وحمّلت الأمانة العامة للمنظمة إسرائيل «المسؤولية الكاملة عن حياة جميع الأسرى الفلسطينيين، لا سيما الأطفال والنساء والمرضى وكبار السن». وجدَّدت دعوتها جميع أطراف المجتمع الدولي إلى «تحمّل مسؤولياتها وإلزام الاحتلال الإسرائيلي باحترام واجباته تجاه حقوق الأسرى الفلسطينيين».


السعودية ترحب بإعلان وقف النار في لبنان

TT

السعودية ترحب بإعلان وقف النار في لبنان

لقاء مباشر بين ممثلي لبنان وإسرائيل بحضور دبلوماسيين أميركيين في واشنطن الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب)
لقاء مباشر بين ممثلي لبنان وإسرائيل بحضور دبلوماسيين أميركيين في واشنطن الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب)

رحَّبت السعودية، الخميس، بإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن وقف إطلاق النار في لبنان، مُعرِبة عن تثمينها للدور الإيجابي الكبير الذي قام به نظيره اللبناني جوزيف عون، ورئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، ورئيس البرلمان نبيه بري.

وجدَّد بيان لوزارة الخارجية التأكيد على وقوف السعودية إلى جانب لبنان في بسط السيادة وحصر السلاح بيد الدولة ومؤسساتها الشرعية، والخطوات الإصلاحية التي اتخذتها، ومساعيها للحفاظ على مقدرات لبنان وسلامة ووحدة أراضيه.


الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

TT

الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وصف محللون تصاعد العلاقات السعودية - الباكستانية بأنها تحولت من الشراكة إلى صناعة الاستقرار والسلام، عادِّين زيارة رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف للمملكة؛ تجسيداً لعمق العلاقة الاستثنائية بين البلدين، وتنسيقهما الاستراتيجي بشأن تطورات المنطقة الراهنة.

وتحدث المحللون مع «الشرق الأوسط» في إطار المشاورات السياسية التي يجريها البلدان لتكثيف المساعي المشتركة لخفض التصعيد بالمنطقة، والتوصل لاتفاق ينهي الحرب الإيرانية، بما يحقق الأمن والاستقرار الإقليمي.

وجرت في جدة (غرب السعودية)، الأربعاء، نقاشات بين الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، ومحمد شهباز شريف، رئيس الوزراء الباكستاني، حول مجريات أوضاع المنطقة، والمستجدات المتعلقة بالمحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد.

توحيد الرؤى

يُوضِّح علي عواض عسيري، السفير السعودي الأسبق لدى باكستان، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الزيارة تأتي ضمن التواصل المكثف والزيارات المستمرة بين البلدين حول مختلف القضايا الإقليمية والدولية، وتعكس حرص إسلام آباد على التنسيق الوثيق وتوحيد الرؤى مع الرياض فيما يتعلق بمستجدات المنطقة والإقليم.

بدوره، أكد الدكتور عبد الله الرفاعي، أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود، في حديثٍ لـ«الشرق الأوسط»، أن «الشراكة السعودية - الباكستانية تجاوزت مرحلة التنسيق إلى صناعة الاستقرار»، وقال إن «الزيارة تأتي في لحظة إقليمية مضطربة تتداخل فيها الأزمات والمصالح؛ لهذا لا تكون التحركات الدبلوماسية بين البلدين مجرد لقاءات بروتوكولية، بل خطوات فاعلة لإعادة تشكيل موازين الاستقرار»

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وحسب الرفاعي، تكتسب زيارات المسؤولين الباكستانيين المتواصلة إلى السعودية «أهمية خاصة، بوصفها تعبيراً عن عمل استراتيجي عميق يتجاوز الظرف الآني إلى بناء موقف مشترك تجاه تحولات المنطقة»، ويرى أنه «لا يمكن قراءة هذه الزيارات بمعزل عن الدور الذي تضطلع به باكستان في مسارات الوساطة الإقليمية».

عمق العلاقات

العلاقات التاريخية الراسخة بين السعودية وباكستان ارتقت إلى مستوى «الشراكة الاستراتيجية»، ويصفها السفير الأسبق بأنها «مميزة ومستدامة، ومبنية أساساً على العقيدة»، موضحاً أنه «لم يشُبها أي شيء منذ نشأت، ولم تتغير بتغير القيادات في البلدين كلياً، بل بالعكس تنمو مع كل قيادة».

وبينما يُنظر إلى السعودية بوصفها ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة والعالم، يقول عسيري إن «باكستان تعتمد على رأي القيادة السعودية، وتتشاور معها سواءً في علاقاتها مع الدول الأخرى، أو فيما يتعلق بالحرب ما بين إيران وأميركا وإسرائيل، ونجحت في التوصل إلى هدنة لمدة أسبوعين، وهناك أمل بتمديد أسبوعين إضافيين، ويوجد حوار ربما ينهي هذه الحرب».

وصرَّح الدكتور مطلق المطيري، أستاذ الإعلام السياسي بجامعة الملك سعود، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «العلاقة بين السعودية وباكستان تطوَّرت من تحالف تقليدي إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد (سياسية، أمنية، اقتصادية)، هدفها الأساسي إدارة الأزمات، ومنع التصعيد، وبناء استقرار مستدام في المنطقة».

ويستدل المطيري بأن الزيارات المتكررة تعكس أن «العلاقة ليست بروتوكولية بل تشاورية مستمرة، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية مضطربة»، منوهاً بأن «هذه اللقاءات تسعى لتنسيق المواقف تجاه التوترات الإقليمية وقضايا الأمن البحري والطاقة».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال لقائه رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة (واس)

تغليب السلام

عن المساعي المشتركة تجاه تطورات المنطقة، يقول السفير عسيري إن «السعودية ليست بلد حرب»، ويضيف أن «جهودها داعمة لاستضافة باكستان المشاورات الأميركية – الإيرانية في إسلام آباد»، كما يرى أن باكستان مؤهلة لحيادها بين الطرفين، «فعلاقتها مميَّزة بأميركا منذ عام 1971، حيث كان لها دور ممتاز في علاقة أميركا مع الصين وإيقاف حرب فيتنام، وكانت خير حليف لأميركا في الحرب على الإرهاب، وفي الوقت نفسه ساعدتها في خروج آمن من أفغانستان، فضلاً عن أنها جارة لإيران وعلاقتها طيبة معها».

يوافقه الرفاعي والمطيري الرأي، حيث أشار الأول إلى «محاولة إسلام آباد استثمار علاقاتها المتوازنة لفتح نوافذ للحلول السياسية، مستفيدة من الدعم السعودي لهذه الجهود بوصفه امتداداً لنهج ثابت يقوم على تغليب الحلول السلمية، وتجنب الانزلاق إلى مسارات التصعيد»، وأفاد الآخر بأن دعم الرياض لوساطة إسلام آباد يعكس تقاسم أدوار ذكي، ففي حين لباكستان علاقات متقاربة مع أميركا وإيران، تحظى السعودية بثقلٍ سياسي واقتصادي عالمي؛ ما يمنح الوساطة قوة دفع، ويُعزز فرص الوصول إلى حلول سلمية».

ويشرح أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود بالقول إن «المملكة، التي راكمت خبرة طويلة في إدارة الأزمات، تدرك أن الاستقرار لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى عبر التفاهمات والتوازنات الدقيقة»، متابعاً: «في المقابل، تعكس هذه التحركات مكانة الرياض باعتبارها ركيزة أساسية في معادلة الاستقرار الإقليمي والدولي». بينما يؤكد المطيري أن «التحرك السعودي لا يقتصر على البعد السياسي، بل يرتبط أيضاً بحماية أسواق الطاقة العالمية، وتأمين خطوط التجارة، وتعزيز بيئة الاستثمار؛ ما يجعل المملكة ركيزة استقرار إقليمي ودولي».

رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف لدى وصوله إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي في جدة الأربعاء (إمارة مكة المكرمة)

رؤية استراتيجية

شدَّد الرفاعي على أن «السعودية لم تعد مجرد لاعب مؤثر في سوق الطاقة، بل أصبحت فاعلاً سياسياً واقتصادياً قادراً على التأثير في مسارات الأزمات، وصياغة المبادرات، وبناء التحالفات التي تعزز الأمن الجماعي»، مؤكداً أن «هذا الدور المتنامي لا يأتي من فراغ، بل يستند إلى ثقل سياسي، واقتصاد متماسك، ورؤية استراتيجية واضحة تسعى لتحويل الاستقرار مشروعاً دائماً، لا مجرد استجابة مؤقتة للأزمات».

وحول الموقف من طهران، اعتبر عسيري في حديثه إيران «عاملاً للقلاقل الموجودة في المنطقة، والرئيسان الأميركيان السابقان باراك أوباما وجو بايدن كانت لهما توجهات مختلفة عن الرئيس دونالد ترمب الذي بحنكته عرف أن هناك مخاطر من إيجاد سلاح نووي مع إيران، وانسحب من الاتفاق المبرم معها»، متابعاً: «ما ترجوه السعودية أن تكون إيران بلداً جاراً آمناً ومستقراً، وليس مزعجاً لجيرانه، ولا يسبب أي قلق في المنطقة نفسها».

بموازاة ذلك، أوضح السفير الأسبق أن «توجهات السعودية سلمية، و(رؤية 2030) خير برهان، إذ تُمثّل خطة أمن وسلام ونهضة وتنمية، وتوجهات حضارية وليست عدائية لأحد»، مردفاً: «سعت المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى إيجاد حل مع الإيرانيين بأي شكل، وتم ذلك باتفاق بكين بين الرياض وطهران، لكن إيران وبكل أسف لم تحترم المساعي الحميدة التي أُنجز فيها الاتفاق، لم تحترمها إيران باعتداءاتها على المملكة ودول الخليج جيرانها والذين ليس لهم علاقة بالحرب».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان التقى رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة 12 مارس 2026 (واس)

حماية متوازنة

بشأن التعاون العسكري السعودي - الباكستاني، يروي عسيري أنه «بدأ من السبعينات، وكان تدريب جميع القوات السعودية البرية والبحرية والجوية بعناصر باكستانية، واستمر ذلك، وكان هناك اتفاقية عام 1982»، مبيناً أن «وجود القوة العسكرية الباكستانية التي وصلت مؤخراً إلى المملكة -ضمن اتفاقية الدفاع المشترك- يعكس حرص إسلام آباد على وقوفها بجانب الرياض، كما يبرهن على تنفيذ ما اتفق عليه الجانبين»، ومؤكداً أن «باكستان بحبها للسعودية وقيادتها والحرمين الشريفين، لن تتخلى عنها في حال هُوجِمت حتى لو لم تكن هناك اتفاقية».

وطبقاً لذلك؛ أرجع المطيري الحضور العسكري الباكستاني إلى «الامتداد التاريخي للعلاقات العسكرية بين البلدين، ويعكس الثقة الاستراتيجية المتبادلة»، منوهاً بأنه «يأتي في إطار التعاون الدفاعي المشروع بين دولتين ذاتي سيادة، وتعزيز الجاهزية والتدريب المشترك، ودعم أمن المنطقة دون نية عدائية».

وفي الإطار نفسه، يشير الرفاعي إلى أن هذا «يعكس عمق الشراكة الأمنية بين البلدين، التي تعزز استقرار المنطقة، وتؤكد أن أمن المملكة جزء لا يتجزأ من منظومة أمن إقليمي أوسع»، ويُبيِّن قدرة هذه الشراكة الاستراتيجية على «توفير مظلات حماية متوازنة دون الانجرار إلى مواجهات مفتوحة».

من لقاء ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة بحضور عاصم منير قائد قوات الدفاع رئيس أركان الجيش الباكستاني 12 مارس 2026 (واس)

من ناحية أخرى، لفت عسيري إلى أن «السعودية خير حليف وأخ لباكستان، ودائماً تقف معها في أزماتها، ولها مواقف مُشرِّفة، منها دعمها البنك المركزي الباكستاني بعد زلزال 2005 الذي راح ضحيته أكثر من 80 ألف شخص، وكانت أول دولة تسيّر جسراً جوياً ومستشفيين ميدانيين بأطباء سعوديين وممرضين لمعالجة المصابين».

شراكة عميقة

وفقاً للرفاعي، فإن «التقارب السعودي - الباكستاني لا يقتصر على الأبعاد السياسية والأمنية، بل يمتد ليشمل آفاقاً اقتصادية واعدة؛ فالبلدان يدركان أن الشراكة الحقيقية تُبنى على المصالح المتبادلة، واستثمار الفرص، وخلق مسارات تنموية مشتركة»، وأكمل بالقول: «من هنا، تتجه الجهود نحو دفع التعاون الاقتصادي إلى مستويات أكثر عمقاً، سواء عبر الاستثمارات، أو المشاريع المشتركة، أو استكشاف قطاعات جديدة قادرة على تحقيق قيمة مضافة للطرفين».

المطيري ذهب إلى صعود الجانب الاقتصادي، وأنه أصبح محوراً رئيسياً في العلاقات بين الرياض وإسلام آباد، خاصة مع «رؤية السعودية 2030»، وحاجة باكستان إلى الاستثمار والطاقة، مؤكداً تركيز التوجه الحالي على الاستثمارات المشتركة، والطاقة والبنية التحتية، والتعدين والزراعة، وهذا يحول العلاقة من سياسية وعسكرية إلى شراكة تنموية طويلة الأمد.

وعن الوديعة السعودية الحالية بمليارات الدولارات، يقول عسيري إنها «ليست أول مرة تدعم المملكة البنك المركزي الباكستاني، وهذا الدعم له جانبان رئيسيان دائماً، أولهما بالسيولة عندما يهتز الاقتصاد الباكستاني أو العملة الباكستانية، والآخر بتأجيل مدفوعات نفطية، وهذان أهم عنصرين، فضلاً عن المساعدات الإغاثية».

مصافحة بين وزير المالية السعودي محمد الجدعان ونظيره الباكستاني محمد أورنغزيب عقب الاتفاق على دعم الرياض الإضافي لإسلام آباد (وزارة المالية الباكستانية)

تفعيل الاتفاقيات

تحدَّث عسيري عن الاتفاقيات التي شهدتها زيارات ولي العهد السعودي لإسلام آباد، وأن «المطلوب هو تفعيلها»، مشيراً إلى «وجود فرص لدى باكستان في شركات تسليح وتصنيع، وتصديرها أجهزة جراحية لدول أوروبا، والقطن لشركات معروفة في أميركا، لكن تنقصها الخبرة في تسويق الفرص التي لا يعرف عنها القطاع الخاص السعودي ولم يبحث عنها».

ولتحقيق الأهداف المرجوة؛ اقترح السفير الأسبق «عقد ندوات أو إجراءات زيارة وفود من الغرف التجارية السعودية إلى باكستان، للاطلاع على الفرص الموجودة، كذلك الحال بالنسبة للجانب الباكستاني»، متطرقاً في الوقت نفسه إلى «وجود أكثر من 120 شركة باكستانية مستثمرة في المملكة بمجالات التقنية وغيرها».