الهجرة الأميركية اللاتينية تحدٍ مزدوج لواشنطن ومكسيكو سيتي

«جدار الفصل» والرسوم الجمركية على خلفية سياسات اليمين واليسار

الهجرة الأميركية اللاتينية تحدٍ مزدوج لواشنطن ومكسيكو سيتي
TT

الهجرة الأميركية اللاتينية تحدٍ مزدوج لواشنطن ومكسيكو سيتي

الهجرة الأميركية اللاتينية تحدٍ مزدوج لواشنطن ومكسيكو سيتي

في التاسع عشر من يونيو (حزيران) الماضي، وقف كيفن ماكلينان، رئيس قسم الهجرة في وزارة الأمن القومي بالولايات المتحدة، أمام لجنة الرقابة والإصلاح التي تعد أهم لجان التحقيق والمساءلة في الكونغرس الأميركي، ليستمع إلى رئيس اللجنة الديمقراطي إليجا كامينغز وهو يؤنبه على التقصير في معاملة المهاجرين غير الشرعيين «المتكدسين كالماشية» في مراكز الاعتقال على الحدود مع المكسيك، ويفتقرون إلى أدنى الخدمات الإنسانية والعناية الصحية.
كامينغز قال يومذاك في تأنيبه: «... ماذا يعني أنكم تقومون بما في وسعكم والعالم بأسره يشاهد صور الأطفال ينامون على برازهم؟! كيف يمكن أن نقبل بذلك؟! ألهذا الحد قد وصلنا؟! سئمت سماع مثل هذا الكلام الفارغ... هذه لم تعد مسألة هجرة فحسب، بل باتت قضية عنصرية!».
كان ذلك مؤشراً آخر على مدى الخطورة التي بلغتها أزمة الهجرة في الولايات المتحدة، وعمق تداعياتها الاجتماعية في إحدى أكثر المراحل السياسية اضطراباً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
عندما بدأ دونالد ترمب مسيرته الحافلة بالمفاجآت إلى سدّة الرئاسة الأميركية في عام 2016، كان فريقه الاستراتيجي، الذي أسسه وأشرف عليه ستيف بانون، قد حدد له مجموعة من الأهداف ليصوب إليها سهام حملته الانتخابية الهجومية، ويعلن قائمة طويلة من الوعود. تلك الوعود بدت عرقوبيّة في حينه، لما كانت تحمله من خروج عن المألوف ومجازفة في تحقيقها، غير أنه تبيّن فيما بعد أنها تشكل الركائز الأساسية لسياسته التي قلبت معظم الموازين والأعراف السائدة، وأحرجت حلفاء الولايات المتحدة وأصدقاءها أكثر من خصومها وأعدائها.
المكسيك، «الجارة الجنوبية» اللدود، كانت على رأس قائمة العناوين التي بنى عليها ترمب حملة أدهشت كثيرين بما حملته من تهديد ووعيد للمهاجرين والأقليات في بلد تأسس عليهم، وتشكلت منهم هويته.
بما يخص المكسيك، أعلن ترمب اعتزامه بناء «جدار فصل» على طول الحدود الجنوبية لأميركا، والإصرار على أن تتحمل المكسيك تكلفته، كما تعهد بطرد المهاجرين المقيمين بصورة غير شرعية في الولايات المتحدة، وخفض المساعدات الاجتماعية للوافدين، وتشديد إجراءات الدخول وشروط طلب اللجوء إلى الأراضي الأميركية.

«الجدار» مع المكسيك
وبعد وصول ترمب إلى البيت الأبيض، وتأكيده على أن الوعود الانتخابية ما كانت مجرد شعارات جذابة لاستقطاب التأييد الشعبي، بل هي عناوين رئيسة للسياسة التي يعتزم تطبيقها، كانت المكسيك تعد لانتخاب أول رئيس يساري في تاريخها الحديث، وهو الرئيس مانويل لوبيز أوبرادور. وبينما كانت المكسيك تتهيأ للاتجاه يساراً، كانت واشنطن تتوقع أن رياحاً جديدة ستهب عليها من حدودها الجنوبية التي تمتد على أكثر من 3 آلاف كيلومتر، وتتجهز للتحرك في الوقت المناسب من أجل ضبط الإيقاع مع «جارتها» التي قال رئيسها في أحد مهرجاناته الانتخابية عن العلاقة مع الولايات المتحدة: «سنعلمهم من الآن كيف يتعاملون معنا باحترام وندية».
الفريق الاستراتيجي الذي كان يحيط بـ«المرشح» ترمب كان يدرك أن موضوع الهجرة، وبالذات موضوع المهاجرين من أميركا اللاتينية، غدا قنبلة موقوتة بالنسبة للحريصين على «النقاء العرقي» للولايات المتحدة... الذين يشكلون القاعدة الانتخابية التي أوصلت ترمب إلى البيت الأبيض. وكان هذا الفريق يعرف أيضاً، من الاستطلاعات والدراسات الاجتماعية، أن نسبة عالية من المهاجرين الذين يقيمون بصورة شرعية في الولايات المتحدة، ومن المتحدرين حديثاً من أصول أجنبية، يؤيدون سياسة أكثر تشدداً في إجراءات اللجوء والهجرة. ومن هنا كان الإصرار على جعل موضوع «الجدار» أحد العناوين الرئيسية لحملة ترمب، ثم محوراً أساسياً في حربه الداخلية مع خصومه الديمقراطيين، قبل أن «يكتشف» سلاح القصف الضريبي الذي صار أداته المفضلة لتحقيق أهدافه في السياسة الخارجية.

الحاجة المكسيكية بالأرقام
يوم 5 يونيو (حزيران) الفائت، وبعدما تيقن الرئيس الأميركي من استحالة تنفيذ وعده ببناء «الجدار» على الحدود مع المكسيك بسبب المعارضة الشديدة للديمقراطيين الذين صاروا يسيطرون على مجلس النواب، أعلن أنه سيبدأ بفرض رسوم جمركية تصاعدية على الواردات المكسيكية، ما لم تبادر المكسيك إلى اتخاذ التدابير اللازمة لوقف تدفق المهاجرين الآتين من دول أميركا الوسطى عبر أراضيها إلى الولايات المتحدة.
لم يترك إعلان ترمب المفاجئ أي مجال للمناورة أو الرد بالمثل أمام المكسيك التي تعرف جيداً أن أرقام العلاقة مع «جارتها» الكبيرة تجعل من الولايات المتحدة قدراً محتوماً لا بد من التعايش مع مقتضياته، والتكيف مع مزاجيته وشروطه. فالمكسيك هي الدولة المصدرة التاسعة في العالم، بقيمة إجمالية قدرها 418 مليار دولار أميركي سنوياً، منها 307 مليارات إلى الولايات المتحدة. وهذا يعني أن ثلاثة أرباع الدم الذي يجري في عروق الاقتصاد المكسيكي مصدره السوق الأميركية التي تأتي منها أيضاً تحويلات مالية صافية لعائلات المهاجرين تعادل 11 في المائة من إجمالي الناتج القومي المكسيكي، ناهيك عن أن مفاتيح الاستثمارات الأجنبية التي تحتاج إليها المكسيك موجود معظمها في واشنطن.
وهكذا، انحنت الحكومة المكسيكية أمام «العاصفة»، وسارعت إلى إرسال وفد للتفاوض مع الإدارة الأميركية، قبِل بمعظم شروطها لوقف تنفيذ إجراءات فرض الرسوم الجمركية التصاعدية على الصادرات المكسيكية. وكان الشرط الأميركي الوحيد الذي أصرت المكسيك على رفضه اعتبارها «دولة ثالثة آمنة» يفترض بها، بموجب الاتفاقية العالمية للهجرة، أن تستقبل المهاجرين الذين تُرفض طلبات لجوئهم إلى الولايات المتحدة. لكن الشروط الأخرى التي فرضتها واشنطن، مثل عدم البت بطلبات اللجوء إلا في الحالات التي تكون هذه الطلبات قد رُفضت في دولة أخرى، يجعل من المكسيك عملياً «دولة آمنة» يفترض بها أن توفر للمهاجرين العابرين، أو المرحلين من وراء الحدود، فرص العمل والتعليم والعناية الصحية... ريثما تبت الأجهزة الأميركية بطلباتهم. كذلك يتوجب على المكسيك أن تتدبر أمر الذين ترفض السلطات الأميركية دخولهم إلى أراضيها.

مخاوف مكسيكية حقيقية
في الواقع، تحذر أوساط سياسية في المكسيك من أن القبول بكل الشروط التي فرضتها واشنطن، والتي يمكن أن تضاف إليها شروط أخرى في حال العودة إلى طاولة المفاوضات إذا فشلت التدابير الأولى في الحد من تدفق المهاجرين بعد 90 يوماً كما يلحظ الاتفاق، من شأنه أن يحقق الحلم الذي يراود الحكومات الأميركية منذ عقود بتحويل المكسيك، رغماً عنها، إلى «بلد مستضيف للمهاجرين» من البلدان المجاورة. وللعلم، تتوقع المنظمات الدولية أن ترتفع أعدادهم بشكل كبير خلال السنوات المقبلة.
وكانت الحكومة المكسيكية قد أعلنت في مايو (أيار) الماضي عن خطة للتنمية المتكاملة في أميركا الوسطى، بالتعاون مع اللجنة الاقتصادية للأمم المتحدة في أميركا اللاتينية، بهدف التشجيع على الاستثمار في مشاريع لمكافحة البطالة، ومعالجة أسباب الهجرة في بلدان المصدر، مثل غواتيمالا وهندوراس والسلفادور. ولقد تعهدت الولايات المتحدة بالمساهمة في تمويل هذه الخطة التي تبلغ تكاليفها 11 مليار دولار على مدى 5 سنوات، وتشارك المكسيك في تمويل ثلثها لتنفيذ مشاريع في المناطق الحدودية مع هذه البلدان. وتشمل هذه الخطة إنشاء محطات لتوليد الطاقة الكهربائية، وتوسيع شبكات توزيع الطاقة في المنطقة، وبناء شبكة جديدة للطرقات السريعة، ومد خطوط أنابيب لنقل الغاز من خليج المكسيك إلى المنطقة الصناعية في هندوراس، وكلها مشاريع ينتظر أن توفّر عشرات آلاف فرص العمل خلال فترة تنفيذها، ونحو 7 آلاف فرصة عمل دائمة في المرحلة التالية.
وراهناً، تحاول الحكومة المكسيكية إقناع واشنطن بضرورة الإسراع في تنفيذ هذه الخطة التي قال عنها الرئيس المكسيكي لوبيز أوبرادور إنها «السبيل الحضاري الوحيد لمعالجة هذه الأزمة من جذورها، قبل أن تتفاقم وتنفجر في وجوهنا جميعاً».
وكانت المكسيك قد سارعت حقاً، بعد تهديدات واشنطن، بنشر آلاف الجنود من «الحرس الوطني» على حدودها الشرقية مع غواتيمالا، لمنع تدفق المهاجرين الذين كانوا يعبرون أراضيها في قوافل بشرية طويلة باتجاه الولايات المتحدة. كما تعرضت المكسيك لانتقادات شديدة من منظمات دولية تدافع عن المهاجرين وعن حقوق الإنسان بسبب «العسكرة المُفرطة» لحدودها، وتجريم العابرين لأراضيها، عوضاً عن اتخاذ إجراءات لمعالجة أسباب الهجرة في «مثلث الشمال» الذي يسوده العنف والبؤس والفقر. وتحذر المنظمات الدولية من تحول هذا «المثلث» إلى بركان اجتماعي قد ينفجر في أي لحظة، بينما تجهد المنطقة بصعوبة فائقة لمواجهة أزمة النزوح الكثيفة من فنزويلا.

وتيرة هجرة... وتهم
وما يستحق الإشارة أن وكالة الجمارك وحماية الحدود في الولايات المتحدة كانت قد أفادت بأنها أوقفت 133 ألف مهاجر دخلوا الأراضي الأميركية عبر الحدود المكسيكية في شهر مايو (أيار) الماضي وحده، أي بزيادة 32 في المائة عن الشهر السابق. وأفادت السلطات المكسيكية من ناحيتها بأنها أوقفت 45 ألف مهاجر وأعادتهم إلى بلدانهم.
وبالمناسبة، كانت الإدارة الأميركية قد احتجت بقوة على ما سمته سياسة «الأبواب المفتوحة» التي أعلنها الرئيس المكسيكي اليساري بعد تسلمه مهامه مطلع هذا العام، والتي كانت - في رأي واشنطن - من الأسباب الرئيسية التي أدت إلى تزايد تدفق المهاجرين غير الشرعيين إلى الولايات المتحدة. ولقد رصدت الأجهزة الأميركية خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الجاري، إضافة إلى المهاجرين من أميركا الوسطى، أعداداً كبيرة من المهاجرين وصلوا من الكاميرون والكونغو والهند وبنغلاديش وكوبا وهاييتي. وأيضاً لاحظت هذه الأجهزة أن عدد الأطفال بين المهاجرين قد ازداد بنسبة 81 في المائة، وازداد عدد النساء بنسبة 88 في المائة، مقارنة بالفترة نفسها من العام الفائت.
ولكن يوم الأحد الماضي، تنفست الحكومة المكسيكية الصعداء بعد التصريحات التي أدلى بها وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، في نهاية المباحثات التي أجراها مع نظيره المكسيكي مارسيلو إيبرارد في مكسيكو، حيث قال بومبيو: «بعد 45 يوماً على توقيع الاتفاق بين الحكومتين الأميركية والمكسيكية للحد من التدفق الكثيف للمهاجرين غير الشرعيين عبر الحدود المشتركة باتجاه الولايات المتحدة، سجلت أجهزة المراقبة تراجعاً في عدد المهاجرين بنسبة 29 في المائة، مما يدل على أن السلطات المكسيكية قد قامت بخطوات مهمة لتنفيذ الاتفاق».

تحدي الاستقرار الداخلي
ومن جهته، أكد الوزير المكسيكي أن بلاده ترفض مبدأ اعتبارها «دولة ثالثة آمنة»، بالمفهوم المتداول في عالم الهجرة، وأردف أنها ستواصل تطبيق سياسة اللجوء التقليدية، بغض النظر عن القواعد الجديدة التي ينص عليها الاتفاق الموقع مع الولايات المتحدة. لكن من الواضح أن المكسيك تواجه صعوبة كبيرة في تطبيق هذه السياسة، بعدما تضاعف عدد الذين يطلبون اللجوء إلى أراضيها ثلاث مرات في أقل من شهرين، وفي ظل الإجراءات التقشفية الصارمة التي فرضها الرئيس لوبيز أوبرادور لخفض العجز الكبير الذي تعاني منه الخزينة المكسيكية. ويخشى مراقبون حالياً أن تتحول أزمة المهاجرين من أميركا الوسطى نحو الولايات المتحدة إلى أزمة اجتماعية أخرى متفجرة في المكسيك، خصوصاً أن المهاجرين الذين يدخلون عبر الحدود مع غواتيمالا ينتظرون فترات طويلة في الولايات المتاخمة (أقصى جنوب شرقي البلاد)، وهي أفقر الولايات في المكسيك وأكثرها عنفاً، مثل ولاية تشياباس، قبل أن تبت السلطات في طلباتهم.
ومن جهة أخرى، تبدو حكومات غواتيمالا وهندوراس والسلفادور عاجزة عن إدارة هذه الأزمة بسبب الأوضاع الاقتصادية والمعيشية المتدهورة فيها، وانتشار العنف الذي يدفع بعائلات كاملة إلى الهجرة، سعياً وراء الأمان وسراب الحياة الأفضل. أما في الولايات المتحدة، فبات من المؤكد أن الهجرة ستكون أحد المحاور الرئيسية، بل الرحى التي ستدور حولها حملة الانتخابات الرئاسية المقبلة، بينما يواصل الرئيس دونالد ترمب رشّ الملح على الجرح العرقي الذي يكتشف الأميركيون من فترة لأخرى أنه لم يندمل بعد.

فسيفساء المجتمع الأميركي... وتعداد المهاجرين
> مجتمع الولايات المتحدة من أكثر المجتمعات تمازجاً على الصعيد العرقي في العالم، والهجرة التي تُعتبر من سماته الأساسية كانت مثار جدل في مراحل عدة من تاريخه.
في عام 1870، كانت نسبة المهاجرين 9 في المائة في المجتمع الأميركي، وبلغت 15 في المائة في عام 1910. وعندما قررت الحكومة وضع حدود قصوى لعدد المهاجرين من بلدان معينة، تراجع العدد إلى 4 في المائة في عام 1970. لكن في أواسط ثمانينات القرن الماضي، أصدرت الحكومة الأميركية عفواً عاماً عن كل المقيمين بصورة غير شرعية، وأصدرت قانوناً يسمح بلم شمل العائلات، فعاد العدد للارتفاع إلى 14 في المائة في عام 2017.
جدير بالذكر أنه في عام 1950، كانت نسبة المتحدرين من أصول أميركية لاتينية 1 في المائة من مجموع سكان الولايات المتحدة، لكنه ارتفع إلى 10 في المائة في عام 1995، ليصل إلى 14.6 في المائة العام الماضي. ومن المتوقّع أن تبلغ هذه النسبة 24.5 في المائة في عام 2050، في حين تقدر بعض الجهات أنها قد تصل إلى 30 في المائة.
في المقابل، في عام 1910، كان الأوروبيون يشكلون 90 في المائة من المهاجرين الذين يصلون إلى الولايات المتحدة. أما اليوم، فإن نسبتهم لا تتجاوز 10 في المائة. وبتفصيل أكثر، ففي القرن الماضي كانت الغالبية الساحقة من المهاجرين تأتي من أوروبا، موزعة على الشكل التالي: 19 في المائة من ألمانيا، 12.5 من النمسا والمجر، و12 في المائة من روسيا، و10 في المائة من آيرلندا، و10 في المائة من إيطاليا، و9 في المائة من كندا، و9 في المائة من بريطانيا، و9.3 من البلدان الاسكندنافية. أما اليوم، فإن غالبية المهاجرين تأتي من دول أميركا اللاتينية وآسيا.
ونشير إلى أنه في عام 1910، كانت نسبة المكسيكيين بين الأجانب المقيمين بصورة شرعية في الولايات المتحدة لا تتجاوز 2 في المائة، أما اليوم فقد بلغت نسبتهم 27 في المائة.
وعلى صعيد التوزع داخل البلاد، فإن معظم الولايات الكبرى يزيد عدد الأميركيين اللاتينيين بين سكانها على 20 في المائة، وقد أصبحوا يشكلون ما لا يقل عن 5 في المائة في ولايات الجنوب الشرقي التي نادراً ما كانت تصل إليها موجات المهاجرين في الماضي.
كذلك تفيد الإحصاءات الأميركية الرسمية بأن عدد المهاجرين الذين يصلون اليوم إلى الولايات المتحدة هو نصف عدد الذين كانوا يصلون مطالع القرن الماضي، لكن عدد المقيمين الذين ولدوا في الخارج ما زال كما هو، وذلك لأسباب عدة، من بينها تدني نسبة الإنجاب عند المولودين في الولايات المتحدة. ثم إن أكثر من 700 ألف أجنبي يحصلون كل عام على الجنسية الأميركية، بينما يقدر عدد الذين يقيمون بصورة غير شرعية في الولايات المتحدة حالياً بـ11 مليون نسمة.



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.