سينما لاتينية جديدة تتحدث عن مواطني القارة الأصليين

هل استلهمت من «روما» حوافزها؟

مشهد من «الموتى والآخرون»
مشهد من «الموتى والآخرون»
TT

سينما لاتينية جديدة تتحدث عن مواطني القارة الأصليين

مشهد من «الموتى والآخرون»
مشهد من «الموتى والآخرون»

قبل نحو عام كامل، فاجأنا المخرج ألفونسو كوارون بفيلمه «روما» الذي شهد عرضه الأول في مهرجان فينيسيا الماضي وتلا ذلك فوزه بذهبية ذلك المهرجان لينطلق بعد ذلك مستحوذاً على 3 أوسكارات وجائزتي غولدن غلوبس و4 بافتا البريطانية. هذا كله بالإضافة إلى 211 جائزة أخرى (صغيرة وكبيرة) حصدها حول العالم عدا 187 ترشيحاً لو فاز بها لأصبح عدد الجوائز التي استحوذ عليها 407 جوائز.
لكن «روما» لم يكن فيلم مذكرات شخصية بالكامل. المخرج المكسيكي لم يتناول فصول حياته وسيرة ذاتية تخصه وحده، بل سرد حكاية عايشها وهو صغير. والداخلون إلى فيلمه «روما» باعتقاد إنهم سيرون فيلماً «بيوغرافياً» لحياة ومراحل وأزمنة المخرج اكتشفوا أنهم يتابعون حياة خادمة البيت كليو (ياليتزا أباريثيو) بوضعها ضمن عائلته وفي فترة زمنية كان لا يزال فيها صبياً لا يتعدى الثالثة عشرة من العمر.
كون الخادمة من مواطني المكسيك الأصليين، جرى التقليد على تسميتهم وباقي مواطني القارة الأميركية بأسرها بـ«الهنود الحمر»، زاد من تميّز الفيلم. فكليو بدكانة لون بشرتها وبانتمائها إلى عنصر غير إسباني ثم بحقيقة انتمائها إلى طبقة اقتصادية سفلى في المجتمع حدد لنا معالم الوضع العام لما يتحدث عنه كوارون عندما يصوّر ما عانته الخادمة من أحداث عندما حبلت الخادمة من شاب هندي تركها لمصيرها. المشهد الذي نراها فيه تزوره في مخيم للتدريب على فنون القتال دال على محاولة المواطنين اتخاذ الرياضة وسيلة للدفاع عن النفس بقدر ما قد يكون سبيلاً لتأكيد الذات وهو لا يقل أهمية عن مشهدين لاحقين: المشهد الذي تلد فيه طفلها ميتاً والمشهد الذي تنقذ فيه شقيقة المخرج من الغرق بخوضها البحر الهائج وهي لا تعرف السباحة.
طعم ذاتي
منذ خروج هذا الفيلم للعرض في سبتمبر (أيلول) من العام الماضي وهناك أفلام أخرى قادمة من أميركا اللاتينية تتحدث عن المواطنين الأصليين للبلاد في أفلام تحيط بالواقع المعاش وتنبش فيه. ليس أن السينما اللاتينية (من المكسيك إلى البيرو وتشيلي وكولومبيا وسواها) لم تتناول الموضوع في أفلام ظهرت قبل «روما»، لكن فيلم كوارون يتبدى، مع ازدياد عدد الأفلام التي تدور في رحى تلك البيئة، كما لو لعب دور الدافع الضمني لذلك.
«الموتى والآخرون» لرنيه نادر ميسورا هو أحد هذه الأفلام. شهد عرضه العالمي الأول في دورة مهرجان «كان» هذه السنة ونال جائزة خاصة من لجنة تحكيم مسابقة «نظرة ما». هو أيضاً من تلك الأفلام التي انتشرت في مهرجانات أخرى من بينها فيينا وريو ديجنيرو ومراكش ولندن. وهو إنتاج برازيلي- برتغالي تعمد فيه المخرجة إلى رصد حياة قبيلة كراهو من خلال دراما يقودها شاب تتراءى له أرواح أسلافه. حكيم القرية التي تقع في شمال البلاد يخبره بأن هذه الرؤى تؤكد أنه سيصبح رجلاً حكيماً مثله. لكن إيهياك لا يريد هذا الدور فينزح إلى المدينة لعله يجد حلاً علمياً لأوجاعه التي تصاحب رؤاه. يمر الفيلم هنا على منوال المقارنة بين الحياة في الغابة والشعور بطعم الاستقلال الذاتي في تلك الحياة (على صعوبتها) وبين تحوّله إلى لا أحد في مدينة كبيرة لا يعرف المواطنون البيض فيها كيفية كتابة اسمه في البيانات.
وهو فيلم من شقين يتغير فيهما أسلوب الروي لدى المخرجة من الرصد شبه التسجيلي إلى المعالجة الدرامية علماً بأنها لا تدعي أنها تقدم على تنفيذ عمل غير روائي على الإطلاق.
هذا الجهد لن يحظى، على الأغلب ورغم حسناته، بالنجاح الذي ينجزه حالياً «طيور الممر» لكرستينا غاليغو وسيرو غويرا. فيلم كولومبي (مع مساهمة مالية من الدنمارك وألمانيا) يعود بنا إلى السبعينات. مثل الفيلم السابق يبدأ بالإحاطة في الحياة التي تعيشها إحدى القبائل وبذلك يمهد لنقلنا إلى الحياة البديلة التي انتقلت إليها عندما اكتشفت أن التجارة بنبات الماريوانا سيرفع من دخلها.
لكن الثمن مرتفع في هذه الحالة. النمو الاقتصادي لتلك البيئة المهملة من كولومبيا يحدث سريعاً وعلى حساب تقاليد وعادات ومبادئ تقرر العائلة التي تقود القبيلة الانغمار فيها لتحصد في النهاية الموت ودمار الثروة بعد دمار الأنفس.
في الصدد نفسه يدخل «أغنية بلا اسم» لمخرجته مالينا ليون. فيلم من إنتاج البيرو وتشيلي مع مساهمة إسبانية تم كذلك عرضه في مهرجان «كان» إنما في إطار تظاهرة «نصف شهر المخرجين» المستقلة.
ذاكرة جمعية
«أغنية بلا اسم» (بالأبيض والأسود كحال فيلم «روما») هو الفيلم الأول لمخرجته استوحته من تحقيق صحافي اشتغل والدها إسماعيل عليه في الثمانينات. جيورجينا امرأة من مواطني البيرو الأصليين تعيش في إحدى الضواحي المعدمة للعاصمة ليما وتبيع البطاطا في سوق البلدة. هي حامل وتشعر باقتراب موعد الوضع وعندما تسمع إعلاناً إذاعياً لتلك العيادة في العاصمة تقرر الذهاب إليها منفردة وقد اقترب الوضع. تضع المخرجة الكاميرا على جانب وجه بطلتها وتصوّرها وهي تصرخ من آلام الولادة. المكان موحش وعبارة عن غرفة وضيعة مع سرير ضيق ومصباح «نيون» ينير ما تيسر من الغرفة. لكن في مشهد الولادة حيث تلتقط الكاميرا وجه والجزء الأعلى من جسد جيورجينا على ذلك السرير وإلى جانب ذلك الحائط هو أكثر دكانة. لا نرى أحداً آخر (فقط صوت الممرضة ثم للحظات صوت الطفل).
لا تتوقف جيورجينا عن طرق باب العيادة. تعود إليها وحيدة ثم تعود إليها مع زوجها لكن المكان أصبح شاغرا. حين تعلم أنها وقعت في خديعة تتجه إلى الشرطة التي تأخذ أقوالها وتضعها في ملف. جيورجينا مصرّة على أن يستمع إليها أحد. تريد طفلها بأي ثمن. تتجه إلى صحيفة يومية وتصرخ «لقد سرقوا طفلي». ينبري صحافي شاب (تومي باراغا) للتحقيق. يعود وإياها إلى موقع العيادة كما يعود منفرداً. يطرق الباب لكن لا جواب. يسأل ويحقق وتتشكل أمامه صورة لعملية منظمة تنفذها عصابة لديها من يحميها من المسؤولين.
إحدى حسنات الفيلم المتعددة هنا هي أن مخرجته لا تحوّل النص الذي كتبته إلى فيلم تشويقي بل تسيطر على تداعيات أحداثه على نحو يجنبه الانزلاق من شأن الألم الفردي والمعاناة الاجتماعية. بذلك فإن الكشف عن وجود عصابة منظمة لسرقة الأطفال يتضمن بذل الصحافي المخلص من ناحية وتعرضه لاحتمالات الخطر قتلاً إذا لم يتخل عن القضية.
إذا ما كان فيلم ألفونسو كوارون «روما» تناول أحداثاً رواها المخرج من معايشته وضعاً اجتماعياً خاصّاً بخادمة منزل والديه، فإن «أغنية بلا اسم» يغوص في وضع مشابه ولو أن الذاكرة هنا جمعية عوض أن تنتمي إلى فرد واحد.
بسهولة يمكن ضم هذه الأفلام إلى أعمال سابقة مثل «صديق لي» (إكوادور، 1994) و«شوكوياغو» (بوليفيا، 1976) و«صرخة الغابة» (بوليفيا، 2008). لكن تباعد تلك الأفلام وانحسار عروض معظمها في الصالات التجارية المحلية (سوق أميركا اللاتينية وإسبانيا) لم يسعفها تكوين الحافز لتشكيل تيار متواصل على عكس ما نشهده اليوم مع ورود أفلام كتلك التي ترد هنا.

عروض جديدة
White Snake(جيد)
* إخراج: أمب وونغ.‬
* النوع: رسوم
فيلم وونغ مبني على حكاية فولكلورية حول أفعى بيضاء تنقلب إلى امرأة جميلة حالما تتعرف على الرجل الذي تقع في حبه. الإنتاج تم مع شركة وورنر الأميركية وسجل 67 مليون دولار في عروضه الصينية حتى الآن.

The Bull (جيد)
* إخراج: بوريس أكوبوف
* النوع: دراما.
الفيلم الأول لمخرجه مُستخلص من ملفات الواقع حول خريج سجون سابق يقوم بالتخطيط لمواصلة حياة الجريمة اسمه أنطون مكنى بـ«الثور».
يسبر المخرج غور الموضوع إلى حد مقبول (من عروض مهرجان كارلوفي فاري).

Lying and Stealing (لم يُشاهد بعد)
• إخراج: ‪مات أسلتون‬
• النوع: تشويق بوليسي.
حكاية لص ماهر يعرف دخول المنازل وسلبها من المجوهرات ثم الخروج منها بكل مهارة.
تقع الأحداث في الزمن الحالي، لكن معالجة المخرج مستلهمة من أفلام الستينات. بطولة ثيو جيمس وفرد ميلامد



مهرجان «لوكارنو» يستحضر الفترة الحالكة لهوليوود

«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
TT

مهرجان «لوكارنو» يستحضر الفترة الحالكة لهوليوود

«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)

أعلن مهرجان «لوكارنو»، الذي ستنطلق دورته المقبلة ما بين 5 و15 أغسطس (آب) المقبل، عن تخصيص تظاهرة سينمائية للفترة «المكارثية الأميركية» التي شهدت الحملة المعادية للشيوعية في الولايات المتحدة، والتي بدأت تحقيقاتها في هوليوود عام 1947، وتضمنت محاكمة فنانين وكتّاب سينمائيين بتهمة الانتماء إلى الحزب الشيوعي أو تبنّي ميول يسارية.

وتبنّت هذه المحاكمات لجنة قادها السيناتور جوزيف مكارثي، واشتهرت باسمه.

كان للمحاكمات «المكارثية» تأثيرٌ كبير على صناعة السينما وروافدها، وعلى الحياة الفنية والثقافية عموماً، وكذلك على قطاعات أخرى مختلفة. وحسب كتاب لإيلين شريكر صدر عام 2002 بعنوان «عصر المكارثية» (وهو واحد من عشرات الكتب التي تناولت هذه الحقبة)، جُرِّد نحو 12 ألف موظف في قطاعات متعددة، من بينها القطاع الحكومي، من وظائفهم بسبب شكوك المحققين في مدى ولائهم للولايات المتحدة. وتراوح عدد عناصر مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) المشاركين في التحقيق بين 3500 و7000 فرد.كانت تلك فترة عصيبة لهوليوود، نتج عنها منع كثير من العاملين في مختلف المهن من العمل، إما بسبب الريبة في انتماءاتهم السياسية أو بسبب التأكد منها. وضمن هذه الأجواء، وُضع 10 سينمائيين على «القائمة السوداء» بسبب رفضهم الإجابة عن أسئلة المحققين خلال جلسات الاستماع، وتمسكهم بالبند الخامس من الدستور الذي يتيح للمتهم عدم الإدلاء بشهادة قد تضر به. ومن أبرز هؤلاء المخرج إدوارد دميتريك، والمنتج أدريان سكوت، والسيناريست دالتون ترمبو.

ولم يكن جميع الذين خضعوا للاستجواب قد امتنعوا عن الإدلاء بشهاداتهم أو تسمية زملاء لهم يُشتبه في ميولهم اليسارية؛ إذ تراجع بعضهم سريعاً وقرروا الإدلاء بشهادات ضد رفاقهم، ومن بينهم، وربما أشهرهم، إيليا كازان.

لقطة من «مرمى النيران» لإدوارد ديمتريك» (آر كي أ راديو)

مع كازان

في مقابلة أُجريت معه خلال زيارته لمهرجان «القاهرة السينمائي» في تسعينات القرن الماضي، سألته عن هذا الموضوع. بدا عليه الانزعاج؛ أشاح بوجهه لبعض الوقت، ثم قال بعد صمت: «كنت أتمنى لو لم تسألني هذا السؤال. الجميع يريد أن يعرف لماذا فعلت ذلك. يطاردونني دوماً بهذا السؤال... والآن أنت».

كنت على وشك التعقيب، لكنه أكمل فجأة: «فعلت ذلك لأن أميركا أفضل من أن تنتشر فيها أفكار مناوئة لها، وكان دافعي وطنياً». ثم أضاف مبتسماً ابتسامة خفيفة: «هل لديك أسئلة أخرى لا تتعلق بهذا الموضوع؟».

غيّرت مجرى الحديث، وسألته عن بعض أفلامه الشهيرة مثل «عند الميناء» (On the Waterfront)، الذي هاجم فيه النقابات العمالية، و«عربة اسمها الرغبة» (A Streetcar Named Desire)، و«اتفاق جنتلماني» (A Gentleman’s Agreement)، الذي نال عنه جائزة «أوسكار» أفضل إخراج عام 1948.

وفي عام 1999، نال كازان جائزة «أوسكار» شرفية، ما دفع بعضهم إلى انتقاد الأكاديمية، ومن بينهم المخرج إدوارد دميتريك (الذي توفي لاحقاً في العام نفسه)، والذي كان قد هاجم كازان سابقاً بسبب وشايته، علماً بأن دميتريك نفسه اضطر لاحقاً إلى الكشف عن أسماء زملاء آخرين عندما قرر، في مثل هذا الشهر من عام 1951، التعاون مع اللجنة. ومن بين الذين تضرروا من شهادته المخرج فرانك تاتل، وهربرت بييبرمان، وزميلهما جول داسن.

«عند الميناء»لإيليا كازان (كولمبيا)

اختيارات لوكارنو

أدَّت تلك الحملة وما تبعها من تداعيات إلى لجوء عدد من مخرجي تلك الفترة إلى أوروبا لتجنُّب المنع من العمل أو السجن. ومن بينهم تشارلي تشابلن، وجول داسن، وجوزيف لوزي، الذين واصلوا نشاطهم السينمائي بعيداً عن هوليوود.

ويأتي تخصيص مهرجان «لوكارنو» برنامجاً لاستعادة تلك المرحلة، تحت عنوان: «أحمر وأسود: اليسار الهوليوودي والقائمة السوداء»، ليشمل عرض 50 فيلماً من أعمال (إخراجاً أو كتابة) سينمائيين اتُّهموا خلال تلك الحقبة، مثل دوروثي باركر، وريتشارد راي، وتشارلي تشابلن، ودالتون ترمبو، وجوزيف لوزي.

وسيتضمن البرنامج أفلاماً مثل «متطفل في الغبار» (Intruder in the Dust) لكليرنس براون (1949)، الذي كان من أوائل الأفلام التي نددت بالعنصرية، و«مرمى النيران» (Crossfire) للمخرج إدوارد دميترك (1947)، وهو عمل درامي بارز عن الكراهية، و«النجمة الشمالية» (The North Star) للويس مايلستون (1943)، الذي يتناول الغزو النازي لأوكرانيا عام 1941، إضافة إلى «أزمنة حديثة» (Modern Times) لتشارلي تشابلن.

هذا هو العام الثاني على التوالي الذي يختار فيه المهرجان السويسري برنامجاً يُسلط الضوء على مرحلة تاريخية ذات أبعاد سياسية في السينما؛ ففي العام الماضي، نظَّم «لوكارنو» تظاهرة بعنوان «توقعات عظيمة» خُصصت لأفلام فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية.

ومع انطلاق المهرجان بهذا الزخم، إلى جانب ما سيُعلن عنه من أفلام جديدة ضمن برنامجه الرسمي في يوليو (تموز)، تجدر الإشارة إلى أنه واحدٌ من أقدم 6 مهرجانات سينمائية في العالم، إلى جانب مهرجانات «ڤينيسيا» (82 سنة، إيطاليا)، و«كان» (78 سنة، فرنسا)، و«سان فرانسيسكو» (69 سنة، الولايات المتحدة)، و«سان سابستيان» (74 سنة، إسبانيا)، و«برلين» (63 سنة، ألمانيا).


شاشة الناقد: ثلاثية عن الوحدة وعنف المجتمع والاستيطان

«ذباب» (مهرجان برلين)
«ذباب» (مهرجان برلين)
TT

شاشة الناقد: ثلاثية عن الوحدة وعنف المجتمع والاستيطان

«ذباب» (مهرجان برلين)
«ذباب» (مهرجان برلين)

FLIES

★★★1‪/‬2

إخراج: فرناندو أيمبك | المكسيك (2026)

دراما عن امرأة جميلة الصورة ومحدودة التأثير

«أولغا» (تريسيتا سانشيز)، بطلة «ذباب»، امرأة وحيدة تجاوزت سنوات الشباب، تعاني زيادة في الوزن وافتقاراً إلى الجمال. تستيقظ، في مطلع هذا الفيلم الذي عُرض عالمياً للمرة الأولى في مهرجان «برلين» الأخير، على طنين ذبابة. تفتح النافذة لتخرجها ثم تغلقها، لكن ذبابة أخرى تظهر في الغرفة. ترشها بالمبيد، فيتسبب لها بالسعال، فتعود إلى فتح النافذة طلباً للهواء.

يمكن قراءة هذه البداية بوصفها استعارة مجازية لحياة امرأة اعتادت أن تعزل نفسها عن العالم، تغلق عينيها وأذنيها عمَّا حولها. ومع اختيار المخرج التصوير بالأبيض والأسود، يغدو هذا العالم أقل بهجة.

لاحقاً، تضطر أولغا إلى تأجير غرفة إضافية في منزلها لتغطية نفقات المعيشة. المستأجر رجل يُدعى توليو (أوغو راميريز)، ترقد زوجته في المستشفى، فتوافق على استضافته بشروط صارمة (ألا يستخدم المطبخ، وألا يطيل البقاء في الحمّام). غير أنه يُخفي وجود ابنه الصغير كريستيان (بستيان إسكوبار)، إلى أن تكتشفه أولغا. تمنحهما أسبوعاً للمغادرة، لكن هذا الأسبوع يكفي لبدء تحوّل داخلي في نظرتها إلى الحياة، بفعل حضور ذلك الصبي.

التحولات العاطفية لا تأتي مقنعة تماماً، لكنها تخدم غاية الفيلم في استكشاف المشاعر المكبوتة التي تبدأ أولغا في استعادتها تدريجياً. الحوار مبتسر، والإخراج يعتمد على قوة الصورة ودلالاتها، ضمن معالجة هادئة وفعالة لموضوع بسيط.

THE GARDEN WE DREAMT

★★★

إخراج: خواكين دل باسو

المكسيك (2026)

عائلة مهاجرة تبحث عن ذلك الحلم الجميل

لفيلمه الثالث «الحديقة التي حلمنا بها»، اختار المخرج دل باسو مدير التصوير التركي غوخان تيرياكي لمنح فيلمه الجمال المستوحى من طبيعة المكان. ترياكي هو مدير التصوير الذي عمل أكثر من مرة مع مواطنه المخرج نوري بيلج جيلان، وإذا كان لا بد من المقارنة بين رسم الكاميرا لأماكن التصوير التركية وبين تلك التي تتبدى في هذا الفيلم، فإنه لزاماً الإشارة إلى أن البون شاسع، رغم أن القيمة الفنية لشغل مدير التصوير بديعة كالعادة. لكن المختلف بتميُّز مثير هو أن تصوير الغابات الداكنة والرغبة في متابعة الشخصيات من كثب (عوض تلك المشاهد البعيدة والمتوسطة في أفلام بيلج) مثيران للاهتمام والتقدير.

«الحديقة التي حلمنا بها» (مهرجان برلين)

يبدأ الفيلم بمشهد عند الفجر: غابة شاسعة ما زالت في الظلام، وأصوات الطيور تنتشر فوقها، قبل أن يعلو صوت شاحنتين تتقدمان صوب الكاميرا، مهاجمتين وداعة الغابة وجمالها وحتى وحشتها.

تتمحور الحكاية حول عائلة من 3 أفراد كانت قد نزحت من تاهيتي إلى المكسيك بحثاً عن حياة أفضل. المكان الذي وجد فيه رب العائلة عملاً، والكوخ الذي يأويهم، يؤكدان للعائلة صعوبة العيش في المحيط الاجتماعي الجديد لها، ليس فقط في ذلك الكوخ، بل أيضاً من حيث العيش مع عمال مكسيكيين يعانون من مشاق الحياة بدورهم. كون العائلة غريبة يفرض عليها عزلة أكبر.

إنه فيلم جيد آخر عن الهجرة، جديدةٌ تلك الغابة التي تعكس عالماً ضخماً وغامضاً، عصيّاً على الاستيطان.

FOREST UP IN THE MOUNTAIN

★★★

إخراج: صوفيا بوردناييڤ

الأرجنتين (2026)

تسجيلي عن العنف في الزمن الغابر واليوم

صوفيا بوردناييڤ ربما هي أول محامية تمارس مهنة الإخراج. أرجنتينية حققت فيلمها الأول سنة 2021، وذلك بعد نحو 30 عاماً من الاهتمام بحقوق الإنسان في مجال عملها الأول. ليست هناك طريقة متاحة لمشاهدة ذلك الفيلم، لكن فيلمها الجديد يبدو نابعاً من تلك الاهتمامات الإنسانية، وعرضه في مهرجان «برلين» هو خطوتها الأولى صوب حضور دولي كبير.

«غابة في أعلى الجبل» (ماليزا برودكشن).‬

يجمع الفيلم بين زمانين: حاضر قريب، وأمس بعيد، لكن ما يوحِّد بينهما هو العنف الممارس على البيئة الطبيعية المحيطة بقرية ڤيللا ماسكاردي، التي تنتمي إلى مقاطعة «ريو نيغرو» («النهر الأسود»)، والتي عاشت في جبالها وربوعها قبيلة مابوتشي. ينطلق الفيلم من حادثة ذهب ضحيتها شاب من القبيلة عندما فتح البوليس النار عليه. تهتم المخرجة بالقضية، لكنها تحفر في الزمن لتعرض أن هذه القبيلة كانت دوماً عرضة لأطماع الوافدين البيض. تمضي بعيداً صوب القرن الـ19 لتسرد أحداثاً أخرى مماثلة وتاريخاً مليئاً بالعنف والأطماع.

بوصلة اهتمام المخرجة موجهة صوب نبش الحقائق التي دائماً ما تمحورت حول ارتكاب البيض جرائم قتل للمواطنين. ليس لديها فيلم تستعين به لتناول مقتل الشاب رفائيل في العام 2017، لكنها تنتج فيلماً ناقداً للموضوع، استنتجت حيثياته من المحكمة التي نظرت في تلك القضية.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي
TT

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

بعد سنوات عدة من عودة السينما في السعودية، باتت تتضح ملامح السوق بشكل أكبر؛ حيث تتقدم أنماط معينة من الأفلام، وتترسخ اختيارات الجمهور، ويتحول بعضها إلى حضور متكرر داخل شباك التذاكر، وهو ما يبدو واضحاً في التقرير السنوي الذي أصدرته هيئة الأفلام مساء أمس (الاثنين) وحمل عنوان «تقرير شباك التذاكر السعودي- عام 2025» الذي سلَّط الضوء على إيقاع صالات السينما على مدار العام الماضي.

وحسب التقرير؛ بلغ إجمالي الإيرادات 920.8 مليون ريال، جراء بيع 18.8 مليون تذكرة، في حين وصل عدد الأفلام المعروضة إلى 538 فيلماً، بمتوسط سعر تذكرة يصل إلى 49 ريالاً، وهي أرقام تعكس سوقاً مستقرة عند مستوى مرتفع من النشاط، مع اتجاهات أكثر وضوحاً في سلوك المشاهدة.

سوق كبيرة... تقودها المدن الكبرى

وكما كان متوقعاً، تركزت القوة الشرائية في المدن الكبرى؛ حيث تصدَّرت الرياض المشهد بإيرادات بلغت 434.4 مليون ريال، مع بيع 8 ملايين تذكرة، تلتها مكة المكرمة بـ241.9 مليون ريال و5.1 مليون تذكرة، ثم المنطقة الشرقية بإيرادات 143.4 مليون ريال و3.2 مليون تذكرة.

ولا يعكس هذا التوزيع الكثافة السكانية فقط؛ بل يشير إلى أن تجربة السينما ما زالت مرتبطة بالمدن الرئيسية؛ سواء من حيث توفر الصالات أو طبيعة الجمهور. ففي هذه المدن، تتحوَّل السينما إلى نشاط متكرر، وتصبح جزءاً من نمط الحياة الأسبوعي، بينما تتحرك بقية المناطق ضمن وتيرة أبطأ؛ حيث سجلت المدينة المنورة 24 مليون ريال، وعسير 23.4 مليون ريال، والقصيم 22.5 مليون ريال، بينما تظهر جازان وتبوك وحائل بأرقام أقل، ولكنها مستقرة، ما يعزز فكرة أن السوق تتوسع جغرافياً، مع بقاء مركز الثقل واضحاً في المدن الكبرى.

في حين بلغ عدد دور العرض في السعودية 62 داراً، تضم 603 شاشات موزعة على 10 مناطق، ويعمل في السوق 8 مشغلين. ويُظهر هذا الاتساع في البنية التشغيلية قدرة السوق على استيعاب 538 فيلماً خلال عام واحد، ويمنح الجمهور خيارات متعددة على مدار العام.

المواسم... عامل حاسم في الحركة

وتُظهر البيانات الشهرية للتقرير السنوي، أن السوق لا تتحرك بوتيرة ثابتة طوال العام، فقد سجل شهر يوليو (تموز) أعلى الإيرادات بـ122.5 مليون ريال، تلاه يونيو (حزيران) بـ118.5 مليون ريال، ثم أغسطس (آب) بـ102.4 مليون ريال، وهي فترة ترتبط بالإجازات وارتفاع النشاط الترفيهي.

في المقابل، ينخفض النشاط خلال شهر رمضان، ويظهر مارس (آذار) أضعف الأشهر بإيرادات بلغت 14.9 مليون ريال، قبل أن تستعيد السوق جزءاً من نشاطها في نهاية العام، كما يعكس هذا التذبذب ارتباط السينما بالمواسم؛ حيث يلعب عامل الوقت دوراً لا يقل أهمية عن نوعية الفيلم. وكذلك تشير بيانات التذاكر إلى النمط نفسه؛ إذ ترتفع الأرقام في أشهر الصيف، وتتراجع في الفترات الأقل نشاطاً، ما يعزز فكرة أن الإقبال يرتبط بإيقاع الحياة اليومية أكثر من ارتباطه بعرض فيلم بعينه.

جمهور واضح الذائقة

وبالنظر إلى نوعية الأفلام الأكثر تحقيقاً للإيرادات، يبدو أن الجمهور يميل إلى الأفلام السريعة والمباشرة. وتصدَّرت أفلام «الأكشن» القائمة بإيرادات بلغت 297.8 مليون ريال، تلتها «الكوميديا» بـ237.7 مليون ريال، ثم «الرعب» بـ111.4 مليون ريال، بينما جاءت «الدراما» في مرتبة لاحقة بإيرادات 96.3 مليون ريال. وتبدو هذه النتيجة امتداداً طبيعياً لطبيعة السوق؛ حيث تتكرر أنماط النجاح، وتتحول إلى معادلة شبه ثابتة بين نوع الفيلم وحجم الإقبال.

وتعزز التصنيفات العمرية هذه الصورة؛ حيث استحوذت أفلام «R18» على الحصة الأكبر من السوق بإيرادات بلغت 418.3 مليون ريال، أي ما يقارب نصف إجمالي الإيرادات، مع بيع 8.3 مليون تذكرة. وتأتي بعد ذلك أفلام: «R15»، و«PG15»، و«PG» بنسب أقل، ما يعكس حضوراً قوياً للفئات العمرية الأكبر داخل صالات السينما.

الأفلام السعودية... الثالثة جماهيرياً

وعلى مستوى الإنتاج المحلي؛ بلغ عدد الأفلام السعودية المعروضة خلال 2025 أحد عشر فيلماً، حققت مجتمعة 122.6 مليون ريال، مع بيع 2.8 مليون تذكرة. ورغم أن هذه الأرقام تعكس حضوراً واضحاً، فإنها تضع السينما السعودية في موقع ثالث من حيث الحصة السوقية بنسبة 13.3 في المائة، خلف الأفلام الأميركية التي استحوذت على 55.2 في المائة من السوق، والمصرية بنسبة 22.2 في المائة.

وضمن قائمة الأفلام السعودية، برزت مجموعة أعمال حققت نتائج قوية، في مقدمتها «الزرفة» بإيرادات بلغت 30.7 مليون ريال، يليه «شباب البومب 2» بـ27.2 مليون ريال، ثم «هوبال» بـ24.6 مليون ريال، إلى جانب أفلام مثل: «إسعاف»، و«سوار»، و«فخر السويدي».

في المقابل، تظهر فجوة واضحة مع بقية الأفلام التي تحقق أرقاماً أقل، ما يعكس تركز النجاح في عدد محدود من العناوين.

أفلام عالمية في الصدارة

على مستوى السوق كلها، تصدَّر فيلم «F1: The Movie» قائمة أعلى الأفلام إيراداً بـ39.1 مليون ريال، تلاه «Lilo & Stitch»، ثم «الزرفة» في المرتبة الثالثة، ما يعكس تنوعاً في الجنسيات والأنواع، ولكنه في الوقت نفسه يؤكد استمرار الثقل الأميركي في قيادة السوق، سواء من حيث عدد الأفلام أو حجم الإيرادات.

وبالمقارنة مع السنوات السابقة، تبدو أرقام 2025 قريبة جداً من 2023، وأعلى من 2024، وهو ما يعزز صورة سوق استقرت عند مستوى مرتفع من النشاط، كما يعكس هذا الاستقرار مرحلة أكثر وضوحاً في ملامح السينما في السعودية؛ حيث تتحدد الاتجاهات، وتترسخ أنماط المشاهدة، وتصبح قراءة الأداء مرتبطة بطبيعة الاختيارات، بقدر ارتباطها بحجم الإيرادات.

اقرأ أيضاً