سينما لاتينية جديدة تتحدث عن مواطني القارة الأصليين

هل استلهمت من «روما» حوافزها؟

مشهد من «الموتى والآخرون»
مشهد من «الموتى والآخرون»
TT

سينما لاتينية جديدة تتحدث عن مواطني القارة الأصليين

مشهد من «الموتى والآخرون»
مشهد من «الموتى والآخرون»

قبل نحو عام كامل، فاجأنا المخرج ألفونسو كوارون بفيلمه «روما» الذي شهد عرضه الأول في مهرجان فينيسيا الماضي وتلا ذلك فوزه بذهبية ذلك المهرجان لينطلق بعد ذلك مستحوذاً على 3 أوسكارات وجائزتي غولدن غلوبس و4 بافتا البريطانية. هذا كله بالإضافة إلى 211 جائزة أخرى (صغيرة وكبيرة) حصدها حول العالم عدا 187 ترشيحاً لو فاز بها لأصبح عدد الجوائز التي استحوذ عليها 407 جوائز.
لكن «روما» لم يكن فيلم مذكرات شخصية بالكامل. المخرج المكسيكي لم يتناول فصول حياته وسيرة ذاتية تخصه وحده، بل سرد حكاية عايشها وهو صغير. والداخلون إلى فيلمه «روما» باعتقاد إنهم سيرون فيلماً «بيوغرافياً» لحياة ومراحل وأزمنة المخرج اكتشفوا أنهم يتابعون حياة خادمة البيت كليو (ياليتزا أباريثيو) بوضعها ضمن عائلته وفي فترة زمنية كان لا يزال فيها صبياً لا يتعدى الثالثة عشرة من العمر.
كون الخادمة من مواطني المكسيك الأصليين، جرى التقليد على تسميتهم وباقي مواطني القارة الأميركية بأسرها بـ«الهنود الحمر»، زاد من تميّز الفيلم. فكليو بدكانة لون بشرتها وبانتمائها إلى عنصر غير إسباني ثم بحقيقة انتمائها إلى طبقة اقتصادية سفلى في المجتمع حدد لنا معالم الوضع العام لما يتحدث عنه كوارون عندما يصوّر ما عانته الخادمة من أحداث عندما حبلت الخادمة من شاب هندي تركها لمصيرها. المشهد الذي نراها فيه تزوره في مخيم للتدريب على فنون القتال دال على محاولة المواطنين اتخاذ الرياضة وسيلة للدفاع عن النفس بقدر ما قد يكون سبيلاً لتأكيد الذات وهو لا يقل أهمية عن مشهدين لاحقين: المشهد الذي تلد فيه طفلها ميتاً والمشهد الذي تنقذ فيه شقيقة المخرج من الغرق بخوضها البحر الهائج وهي لا تعرف السباحة.
طعم ذاتي
منذ خروج هذا الفيلم للعرض في سبتمبر (أيلول) من العام الماضي وهناك أفلام أخرى قادمة من أميركا اللاتينية تتحدث عن المواطنين الأصليين للبلاد في أفلام تحيط بالواقع المعاش وتنبش فيه. ليس أن السينما اللاتينية (من المكسيك إلى البيرو وتشيلي وكولومبيا وسواها) لم تتناول الموضوع في أفلام ظهرت قبل «روما»، لكن فيلم كوارون يتبدى، مع ازدياد عدد الأفلام التي تدور في رحى تلك البيئة، كما لو لعب دور الدافع الضمني لذلك.
«الموتى والآخرون» لرنيه نادر ميسورا هو أحد هذه الأفلام. شهد عرضه العالمي الأول في دورة مهرجان «كان» هذه السنة ونال جائزة خاصة من لجنة تحكيم مسابقة «نظرة ما». هو أيضاً من تلك الأفلام التي انتشرت في مهرجانات أخرى من بينها فيينا وريو ديجنيرو ومراكش ولندن. وهو إنتاج برازيلي- برتغالي تعمد فيه المخرجة إلى رصد حياة قبيلة كراهو من خلال دراما يقودها شاب تتراءى له أرواح أسلافه. حكيم القرية التي تقع في شمال البلاد يخبره بأن هذه الرؤى تؤكد أنه سيصبح رجلاً حكيماً مثله. لكن إيهياك لا يريد هذا الدور فينزح إلى المدينة لعله يجد حلاً علمياً لأوجاعه التي تصاحب رؤاه. يمر الفيلم هنا على منوال المقارنة بين الحياة في الغابة والشعور بطعم الاستقلال الذاتي في تلك الحياة (على صعوبتها) وبين تحوّله إلى لا أحد في مدينة كبيرة لا يعرف المواطنون البيض فيها كيفية كتابة اسمه في البيانات.
وهو فيلم من شقين يتغير فيهما أسلوب الروي لدى المخرجة من الرصد شبه التسجيلي إلى المعالجة الدرامية علماً بأنها لا تدعي أنها تقدم على تنفيذ عمل غير روائي على الإطلاق.
هذا الجهد لن يحظى، على الأغلب ورغم حسناته، بالنجاح الذي ينجزه حالياً «طيور الممر» لكرستينا غاليغو وسيرو غويرا. فيلم كولومبي (مع مساهمة مالية من الدنمارك وألمانيا) يعود بنا إلى السبعينات. مثل الفيلم السابق يبدأ بالإحاطة في الحياة التي تعيشها إحدى القبائل وبذلك يمهد لنقلنا إلى الحياة البديلة التي انتقلت إليها عندما اكتشفت أن التجارة بنبات الماريوانا سيرفع من دخلها.
لكن الثمن مرتفع في هذه الحالة. النمو الاقتصادي لتلك البيئة المهملة من كولومبيا يحدث سريعاً وعلى حساب تقاليد وعادات ومبادئ تقرر العائلة التي تقود القبيلة الانغمار فيها لتحصد في النهاية الموت ودمار الثروة بعد دمار الأنفس.
في الصدد نفسه يدخل «أغنية بلا اسم» لمخرجته مالينا ليون. فيلم من إنتاج البيرو وتشيلي مع مساهمة إسبانية تم كذلك عرضه في مهرجان «كان» إنما في إطار تظاهرة «نصف شهر المخرجين» المستقلة.
ذاكرة جمعية
«أغنية بلا اسم» (بالأبيض والأسود كحال فيلم «روما») هو الفيلم الأول لمخرجته استوحته من تحقيق صحافي اشتغل والدها إسماعيل عليه في الثمانينات. جيورجينا امرأة من مواطني البيرو الأصليين تعيش في إحدى الضواحي المعدمة للعاصمة ليما وتبيع البطاطا في سوق البلدة. هي حامل وتشعر باقتراب موعد الوضع وعندما تسمع إعلاناً إذاعياً لتلك العيادة في العاصمة تقرر الذهاب إليها منفردة وقد اقترب الوضع. تضع المخرجة الكاميرا على جانب وجه بطلتها وتصوّرها وهي تصرخ من آلام الولادة. المكان موحش وعبارة عن غرفة وضيعة مع سرير ضيق ومصباح «نيون» ينير ما تيسر من الغرفة. لكن في مشهد الولادة حيث تلتقط الكاميرا وجه والجزء الأعلى من جسد جيورجينا على ذلك السرير وإلى جانب ذلك الحائط هو أكثر دكانة. لا نرى أحداً آخر (فقط صوت الممرضة ثم للحظات صوت الطفل).
لا تتوقف جيورجينا عن طرق باب العيادة. تعود إليها وحيدة ثم تعود إليها مع زوجها لكن المكان أصبح شاغرا. حين تعلم أنها وقعت في خديعة تتجه إلى الشرطة التي تأخذ أقوالها وتضعها في ملف. جيورجينا مصرّة على أن يستمع إليها أحد. تريد طفلها بأي ثمن. تتجه إلى صحيفة يومية وتصرخ «لقد سرقوا طفلي». ينبري صحافي شاب (تومي باراغا) للتحقيق. يعود وإياها إلى موقع العيادة كما يعود منفرداً. يطرق الباب لكن لا جواب. يسأل ويحقق وتتشكل أمامه صورة لعملية منظمة تنفذها عصابة لديها من يحميها من المسؤولين.
إحدى حسنات الفيلم المتعددة هنا هي أن مخرجته لا تحوّل النص الذي كتبته إلى فيلم تشويقي بل تسيطر على تداعيات أحداثه على نحو يجنبه الانزلاق من شأن الألم الفردي والمعاناة الاجتماعية. بذلك فإن الكشف عن وجود عصابة منظمة لسرقة الأطفال يتضمن بذل الصحافي المخلص من ناحية وتعرضه لاحتمالات الخطر قتلاً إذا لم يتخل عن القضية.
إذا ما كان فيلم ألفونسو كوارون «روما» تناول أحداثاً رواها المخرج من معايشته وضعاً اجتماعياً خاصّاً بخادمة منزل والديه، فإن «أغنية بلا اسم» يغوص في وضع مشابه ولو أن الذاكرة هنا جمعية عوض أن تنتمي إلى فرد واحد.
بسهولة يمكن ضم هذه الأفلام إلى أعمال سابقة مثل «صديق لي» (إكوادور، 1994) و«شوكوياغو» (بوليفيا، 1976) و«صرخة الغابة» (بوليفيا، 2008). لكن تباعد تلك الأفلام وانحسار عروض معظمها في الصالات التجارية المحلية (سوق أميركا اللاتينية وإسبانيا) لم يسعفها تكوين الحافز لتشكيل تيار متواصل على عكس ما نشهده اليوم مع ورود أفلام كتلك التي ترد هنا.

عروض جديدة
White Snake(جيد)
* إخراج: أمب وونغ.‬
* النوع: رسوم
فيلم وونغ مبني على حكاية فولكلورية حول أفعى بيضاء تنقلب إلى امرأة جميلة حالما تتعرف على الرجل الذي تقع في حبه. الإنتاج تم مع شركة وورنر الأميركية وسجل 67 مليون دولار في عروضه الصينية حتى الآن.

The Bull (جيد)
* إخراج: بوريس أكوبوف
* النوع: دراما.
الفيلم الأول لمخرجه مُستخلص من ملفات الواقع حول خريج سجون سابق يقوم بالتخطيط لمواصلة حياة الجريمة اسمه أنطون مكنى بـ«الثور».
يسبر المخرج غور الموضوع إلى حد مقبول (من عروض مهرجان كارلوفي فاري).

Lying and Stealing (لم يُشاهد بعد)
• إخراج: ‪مات أسلتون‬
• النوع: تشويق بوليسي.
حكاية لص ماهر يعرف دخول المنازل وسلبها من المجوهرات ثم الخروج منها بكل مهارة.
تقع الأحداث في الزمن الحالي، لكن معالجة المخرج مستلهمة من أفلام الستينات. بطولة ثيو جيمس وفرد ميلامد



محمد حمَّاد لـ«الشرق الأوسط»: في «خروج آمن» أطرح قضايا وأسئلة لا أجوبة عليها

لقطة من «خروج آمن» (ماد سوليوشن)
لقطة من «خروج آمن» (ماد سوليوشن)
TT

محمد حمَّاد لـ«الشرق الأوسط»: في «خروج آمن» أطرح قضايا وأسئلة لا أجوبة عليها

لقطة من «خروج آمن» (ماد سوليوشن)
لقطة من «خروج آمن» (ماد سوليوشن)

بعد 10 سنوات على تحقيقه فيلمه الأول «أخضر يابس»، يعود المخرج محمد حمَّاد ومنتجته خلود سعد للعمل معاً في فيلم آخر بعنوان «خروج آمن»، عُرض في «مهرجان برلين» حيث أُجريت هذه المقابلة. الفيلم عن شاب تسكنه مخاوف من الآخرين، وحيد في عالم متشابك. لكن هذا ليس سوى جزء مما يشيّده المخرج، وواحد من أهداف فيلم درامي يسعى إلى تقديم نماذج واقعية لشخصيات من السهل التعرّف إليها درامياً وعلى صعيد وجداني أيضاً.

إنجاز مستقل

* بوصفك منتجة هل دخلت هذا المشروع من دون تمويل مسبق؟

- خلود: صحيح. لم نُقدم على طلب أي دعم من أي طرف قبل انتهاء التصوير والحصول على نسخة أولى من الفيلم صالحة للعرض. بعد ذلك تقدَّمنا بالفيلم إلى مؤسسات الدوحة و«آفاق» و«أطلس». هذا، بالمناسبة عكس ما قمنا به في الفيلم السابق «أخضر يابس» إذ حققناه بمعزل عن أي تمويل خارجي.

محمد حمّاد (أرشيف المخرج)

* كيف وصل هذا المشروع إليك؟

- خلود: عملتُ مع حمّاد عليه منذ البداية. بعد فيلمنا الأول كتب حمّاد فيلماً آخر لم يُحقق، ثم كتب هذا الفيلم. خلال هذه المدّة تناقشنا كثيراً، وكنا متفقين على أهمية الموضوع المطروح والخطوات التي اعتمدناها لتحقيقه.

* قرأت اسم المنتجة التونسية درة بو شوشة والمخرج المصري إبراهيم البطوط. كيف كان التعامل معهما؟

- خلود: درّة بو شوشة شاركت منذ البداية وساعدتنا كثيراً. أما إبراهيم البطوط فكان إضافة رائعة إلى المشروع. شخصية ملائكية وخلاّقة.

ثلاث طبقات

* بالنسبة إليك مخرجاً، لفتني التشكيل البصري للمشاهد، خصوصاً من حيث التأطير والزوايا والأحجام. هل كان ذلك نتيجة تخطيط مسبق؟

- حمَّاد: ليس نتيجة تخطيط أساساً، بل تشكيلاً لكيف يمكن للمشهد أن يروي أكثر مما تستطيع اللقطة الواحدة توفيره بحد ذاتها. منذ البداية كنت أرغب في تحقيق فيلم ذي طبقات متعددة. هناك حالة اجتماعية لشاب قبطي يعمل رجل أمن في بناية ويسعى إلى كتابة رواية تعكس وضعه، وعنوان الرواية «أنا مين؟»، وهو عنوان استقاه من حياته. وهناك أيضاً الطرح السياسي، فوالد عصام قُتل في ليبيا في حادثة وقعت فعلاً وراح ضحيتها كثيرٌ من المصريين الأقباط. ثم هناك الجانب الوجودي من خلال أسئلة يطرحها الشاب على نفسه، ومن خلال علاقة إنسانية مع فاطمة التي تماثله في وضعها الاجتماعي.

مروان وليد ونهى فؤاد في لقطة (ماد سوليوشن)

* هناك لحظات يبدو فيها الفيلم كما لو كان متجهاً إلى تشييد علاقة حب بين عصام وفاطمة، لكنك توقفت عند مفهوم وجداني لتلك العلاقة.

- حمّاد: صحيح. فاطمة شخصية ضرورية في الفيلم كحالة اجتماعية أخرى. عصام يفتقد الشعور بالأمان، وهي كذلك، إذ لا تملك أوراقاً شخصية ولا تأميناً صحياً. كلاهما شخصيتان تعيشان حالة اضطراب واحدة.

فيلم مستقل يعتمد على شخصيات واقعية وبناء بصري دقيق

مخاوف

* الفيلم مقسّم إلى 3 أجزاء: الأول «أبي قال لي»، والثاني «فاطمة قالت لي»، والثالث «عبد الله قال لي». لماذا؟

- حمّاد: أنا معجب بأشعار محمود درويش، ولديه قصيدة عنوانها «أبي قال لي ذات مرّة». طبعاً لا يذكر الجزء الثاني قولاً محدداً من فاطمة، لكنه نوع من الاستنتاج. كذلك لا يوجد في «عبد الله قال لي» أي شيء محدد. الفيلم اشتغال على حالات وجدانية لا تُقال بل تُشاهد.

* أحد المشاهد المهمة هو المشهد الذي يطلب فيه عصام مالاً من أم عبد الله. ويبدو الطلب صعباً عليه، لأن ابنها عبد الله ينتمي إلى جماعة إرهابية ويرمقه بنظرات عدائية.

- حمّاد: نعم. هذا نوع من المشاهد التي كانت تتطلّب تشكيلاً خاصاً. أم عبد الله وابنها يستغلان عصام. نراها في مشاهد سابقة تطلب منه شراء حاجياتها على الرغم من أن عمله حارس أمن فقط. ابنها يكرهه لأنه قبطي. كان عليَّ اختيار موضع الكاميرا والتشكيل العام لكي تحكي الصورة الدراما الموزعة بين هذه الشخصيات الثلاثة في المشهد الواحد.

* أعتقد أن ما يجمع بين فيلمك السابق «أخضر يابس» و«خروج آمن» هو أن بطلة الأول وبطل الثاني يبحثان عن هوية. هل توافق؟

- حمّاد: سمعان لا يبحث عن هويته. هو مدرك تماماً لوضعه. إنه شاب يعرف ما هو الخوف ويعرف أنه من الأقلية. يخاف من عبد الله، ثم لا يجد بداً من قتل هذا الخوف بالتخلّص من سببه. يتحوّل إلى قاتل.

* كيف اخترت ممثليك مروان وليد ونهى فؤاد، لدوري عصام وفاطمة؟

- حمّاد: مروان جاء من خلال «الكاستينغ». قابلت عدداً من المرشحين قبل التصوير، لكنه لفت اهتمامي لأنه قريب في الشكل من الشخصية التي كتبتها. المفارقة أنه جاء من وضع اجتماعي مريح. سألته: «سعر الطماطم كام؟» فوجئ بسؤالي. قلت له: «أريدك أن تعيش بمبلغ 100 جنيه في الأسبوع لمدة أسبوعين». كنت أريده أن يلتحم مع شخصية عصام وأن يعايشها فعلاً.

أما الممثلة نهى فؤاد فهي صديقة منذ سنوات عدة. كنت أعلم أنها تطمح إلى التمثيل، وكنت أعرف كذلك أنها موهوبة. كدت أن أختارها للدور الرئيسي في فيلمي السابق «أخضر يابس».

* الدور الذي لعبته هبة علي؟

- حمَّاد: نعم، لكنها كانت صغيرة على ذلك الدور.


شاشة الناقد: ثلاث قراءات نقدية لأفلام حديثة

نيڤ كامبل في مشهد من «صراخ 7» (باراماونت)
نيڤ كامبل في مشهد من «صراخ 7» (باراماونت)
TT

شاشة الناقد: ثلاث قراءات نقدية لأفلام حديثة

نيڤ كامبل في مشهد من «صراخ 7» (باراماونت)
نيڤ كامبل في مشهد من «صراخ 7» (باراماونت)

SCREEAM 7

★★

* إخراج:‫ كَڤن وليامسن.‬

* النوع: رعب | الولايات المتحدة (2026)

* عروض تجارية.

الجزء السابع من سلسلة لا معنى لها

مرت 30 سنة على قيام المخرج الراحل (والجيد في تحقيق هذا النوع) وِس كراڤن بابتداع هذه السلسلة، و4 سنوات على آخر حلقة منها في عام 2022 (أخرجها مات بتينللي - أولبن وتايلر جيليت). كَڤن وليامسن هو كاتب السيناريو للأفلام الثلاثة الأولى، وقد آل إليه إخراج هذا العمل الذي يشكو من التخمة في القتل والنحافة الزائدة في كل شيء آخر.

يبدأ الفيلم بضحيّتين تدخلان منزلاً كبيراً. الرجل مبتهج بذلك، مدركاً أن هذا المكان شهد قتل أبرياء سابقاً. صديقته أقل بهجة وأكثر حذراً بقليل، لكن لا بهجة الأول ولا حذر الثانية سيدومان. القاتل (بزي أسود ورسم لفم مفتوح باعوجاج مضحك) يتكفل بقتلهما.

كل ما يحاول الفيلم توفيره هو عرض الكيفية التي سيقوم بها القاتل المعروف باسم غوستفايس بقتل الضحية التالية. يبتدع المخرج بعض المواقف العنيفة، لكن القليل منها خالٍ من التوقعات المسبقة.

هذا ما يذكرني بأن الغاية المشتركة بين هذه السلسلة وسلسلة «Nightmare on Elm Street»، وشيخ هذه المسلسلات «Halloween» لا تختلف كثيراً في المبدأ: قاتل بسلاح أبيض لا يمكن قتله، بل يمكن فقط إدخاله «البراد» حفظاً له لجزء لاحق. الفارق أن جون كاربنتر (مخرج الفيلم الأول من سلسلة «هالووين») عرف كيف يربط القاتل بهدف، في حين تفتقد السلسلة الحالية (وسواها) إلى هذا المضمون، إلى جانب افتقادها لعناصر أخرى.

SOUND OF FALLING

★★★

* إخراج: ماشا شلينسكي

* النوع: دراما تاريخية | ألمانيا (2025)

* الجائزة الأولى في مهرجان بافاريا هذا العام

نظرة داكنة على 4 فتيات من 4 أجيال

نظرة المخرجة ماشا شلينسكي إلى معاناة المرأة عبر التاريخ لا تحيط بالمسببات، بل تلتزم بتوفير الحالة بوصفها جزءاً من حكاية استغلال جنسي وعاطفي للإناث (من سن مبكرة) ما بين القرنين العشرين والحادي والعشرين.

إنه فيلم صادق في محاولته الحديث عن أوضاع المرأة عبر 4 عقود تبدأ من العقد الأول من القرن الماضي وتنتهي في القرن الحادي والعشرين. ليس هناك، من حسن الحظ، سرد مباشر لكل هذا التاريخ، لكن الغائب أيضاً وضعه في إطار تعليق اجتماعي.

«صوت السقوط» (ستديو سنترال)

كذلك هو فيلم يحتوي على لمسات فنية مؤكدة واستخدام مجازي للحالات العاطفية، إلى جانب أخرى مباشرة. تقع أحداثه في منزل واحد عند ضفاف نهر إلبي في شمال ألمانيا. تدخل شخصيات الفيلم، بما تحمله من عواطف مختلفة، هذا البيت وتخرج منه وفق موقعها من الزمن.

ما توفره المخرجة هو نظرة داكنة لكل شيء، كما لو أن الشمس لا تشرق أبداً على شخصياتها. هناك بعض المشاهد التي ربما كان القصد منها ترطيب الأجواء، لكنها لا تنجح في ذلك لأنها تعكس دواخل سوداوية.

كل أنثى هنا تعاني من السيطرة والاستغلال، رغم أن بعضهن يحاول مجاراة الوضع مدفوعات بالرغبة في استحواذ الاهتمام أو تفعيل العاطفة وتوجيهها. الفيلم جيد في مزج الفترات المتباعدة (ولو على نحو مفاجئ في البداية)، وفي إدارته الشاملة كما في تصويره وبعض تمثيله، لكن تركيزه على سوداوية الوضع يستمر حتى نهايته، ويثير في النهاية سؤالاً: كيف تغاضت مخرجته، عند وصول السرد إلى القرن الحالي، عن التقدم الكبير الذي حققته المرأة منذ مطلع القرن الماضي وحتى الآن؟

TRIAL OF HEIN

★★

* إخراج: كاي شتاينك

* النوع: دراما | ألمانيا

* عروض مهرجان برلين (2026)

عودة شاب لوطن مفقود

يصل بطل هذا الفيلم الشاب إلى جزيرة نائية تضم بلدة بعيدة عن المحيط الخارجي، وذلك في زمن بعيد قبل طغيان عصر الصناعات. وصوله يجذب إليه السكان القلائل الذين يعيشون في هذا المكان. يسألونه من هو، فيجيبهم بأنه «هاين» العائد إلى بلدته بعد غياب 14 سنة.

«محاكمة هاين» (مهرجان برلين)

لا أحد يتذكره، ومن يتذكره لا يعترف بذلك. لكن «هاين» باقٍ، وسيسعى إلى الانخراط في هذا المجتمع لأنه، كما يقول لسواه: «أنا واحد منكم».

هل يمكن أن تكون له غايات أخرى؟ نعم. هناك علاقات صداقة منذ الصغر، لكن هذه تبدو مدعاة للتساؤل. كيف يعود فرد إلى حيث وُلد من أجل استعادة صداقة؟ هل هذا دافع كافٍ؟

هذا التساؤل لا جواب عليه في الفيلم، بل هناك محاولة لتفاديه. من ناحية أخرى، لا شيء يحدث هنا سوى سرد حكاية يمكن أن تمر أمام ناظري المشاهد كما لو كان راكب قطار يتطلع من النافذة إلى مناظر خارجية. ليس لأن الفيلم سريع السرد، بل لأنه معالج بتكرار المواقف والمشاهد ورتابة الإيقاع.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


أسباب «باراماونت» الفعلية لاحتواء «وورنر»

«مهمّة مستحيلة: الحساب الأخير» نجاح محدود (باراماونت)
«مهمّة مستحيلة: الحساب الأخير» نجاح محدود (باراماونت)
TT

أسباب «باراماونت» الفعلية لاحتواء «وورنر»

«مهمّة مستحيلة: الحساب الأخير» نجاح محدود (باراماونت)
«مهمّة مستحيلة: الحساب الأخير» نجاح محدود (باراماونت)

اشتهر أحد رؤساء شركة «مترو - غولدوين - ماير» المعروفة بـ«M.G.M» في الثمانينات بأنه كان يملك دُرجَين في مكتبه؛ أحدهما لعقود البيع، والآخر لعقود الشراء. وكان يفتح الدُّرج الأول لبيع أقسام من الشركة وأملاكها في يوم، ويستردها في يوم آخر، ويقبض نسبته من العقود في كلتا الحالتين.

هذا الوضع يبدو اليوم أقل أهمية مما كان عليه آنذاك، وما انكشف عنه يومها من فضيحة لم يؤذِ أحداً، وغلَّفه التاريخ بالنسيان. وبالمقارنة مع ما يحدث في «هوليوود» اليوم من عمليات شراء بين المؤسسات وعمليات دمج يصعب تتبّعها، تبدو عمليات الأمس طبيعية؛ لأنها لم تقع في فخاخ الأوضاع الاقتصادية المتعثرة التي سادت خلال السنوات العشر الأخيرة.

رؤوس متعددة

قبل 3 أيام، رفعت شركة «باراماونت» السعر الذي عرضته للاستحواذ على شركة «وورنر»، التي كانت على وشك الموافقة النهائية على عرض قدَّمته «نتفليكس» في الشهر الأخير من العام الماضي. وما إن علمت «باراماونت» أن «وورنر برذرز» تدرس جدياً عرض «نتفليكس»، حتى عرضت شراءها بمبلغ تجاوز 100 مليار دولار، مقابل مبلغ 87.2 مليار دولار عرضته منصة «نتفليكس».

السعر الجديد الذي تُواجِهُ به «باراماونت» تردّدَ «وورنر» في القبول هو الآن 108 مليارات و500 مليون دولار.

«معركة بعد أخرى» أحد أهم نجاحات «وورنر» الأخيرة (وورنر)

الأهداف هنا متعددة؛ فمن ناحية، يحتوي أرشيف «وورنر» آلاف الأفلام التي أنتجتها الشركة، أو أنتجتها شركة «نيولاين سينما» التابعة لها. ومن ناحية أخرى، ستؤدي عملية الشراء إلى تعزيز حجم شركة «باراماونت»، التي تمتلك بدورها أرشيفاً ضخماً من الأفلام. كذلك تسعى «باراماونت» إلى تحسين وضعها بعدما سجَّلت في نهاية العام الماضي أضعف دخل لها، وحلَّت خامسة بين الاستوديوهات السينمائية الخمسة الكبرى («ديزني»، و«وورنر»، و«يونيڤرسال»، و«سوني»، و«باراماونت»)، إذ بلغت عائدات أفلامها ملياراً و419 مليون دولار، بفارق 5 مليارات و161 مليون دولار عن الشركة التي حلّت في المرتبة الأولى؛ «ديزني».

ما تبحث عنه «باراماونت» أيضاً هو ضم إدارة أعلى فاعلية حققت نجاحات تجارية ملحوظة في الأشهر الأخيرة من خلال إنتاج فيلمي «معركة بعد أخرى» و«خاطئون». يضاف إلى ذلك امتلاك «وورنر» حقوق إنتاج أفلام مؤسسة «دي سي (DC)» للكوميكس، التي تضم شخصيتي «سوبرمان» و«باتمان»، وتستعد لإطلاق نسخة جديدة من «سوبرغيرل».

وكان أنجح أفلام «باراماونت» في العام الماضي «مهمة: مستحيلة: الحساب الأخير (Mission: Impossible - The Final Reckoning)»؛ إذ سجّل 598 مليون دولار عالمياً، لكن ذلك لا يعني بالضرورة تحقيق ربح؛ لأن تكلفة إنتاجه بلغت 400 مليون دولار.

من يد إلى يد

تاريخ «هوليوود»، خصوصاً استوديوهاتها الكبرى، مليء بعمليات الاستحواذ مقابل مبالغ خيالية. فشركة «مترو» نفسها بيعت لـ«أمازون» العام الماضي بـ8 مليارات و500 مليون دولار، وأصبح اسمها الآن «أمازون م.ج.م».

وعبر هذا التاريخ شهدنا عقوداً عدَّة، منها شراء شركة «سوني» اليابانية العملاقة في عام 1990 «كولومبيا» وشريكتيها «تراي - ستار» و«سكرين غمز (Gems)». ولم تكن «كولومبيا» الأولى ولا الأخيرة؛ فمنذ الثلاثينات تم شراء ودمج وبيع كثير من الشركات، توقف كثير منها لاحقاً (مثل «آر كي أو» و«ريبابلك»)، لتبقى المؤسسات السبع الكبرى المعروفة: «كولومبيا»، و«م.ج.م»، و«يونيڤرسال»، و«باراماونت»، و«وورنر»، و«ولت ديزني»، و«فوكس».

لكن هذا التاريخ لم يشهد عقداً بحجم العرض الذي قدَّمته «باراماونت» مؤخراً لشراء «وورنر». فمبلغ 108 مليارات و500 مليون دولار هو سعر مرتفع، ويتضمّن 7 مليارات دولار لتغطية أي تأخير في تنفيذ الصفقة، إضافة إلى رفع قيمة السهم الواحد إلى 31 دولاراً، مع ضمان عدم انخفاض هذا المبلغ تحت أي ظرف.

الأكبر إغراءً أن المبلغ سيُدفع نقداً، وليس عبر ودائع أو تحويلات مصرفية. وفي المقابل، تحصل «باراماونت» على الشركة وقنواتها التلفزيونية (بما فيها «سي إن إن - CNN») ومنصاتها الخاصة. وكانت «وورنر» تميل إلى قبول عرض «نتفليكس» عندما رفعت الأخيرة عرضها إلى 72.2 مليار دولار، لكنها تنظر الآن بعين التقدير إلى العرض الجديد، في حين لا يبدو أن «نتفليكس» ترغب في تجاوز هذا الرقم الخيالي بعرض منافس.

عين «باراماونت» على «سوبرمان» (وورنر)

أفلام ناجحة ولكن...

السؤال الأبرز هو: لماذا تعرض «وورنر» نفسها للبيع على الرغم مما حققته في العامين الماضيين من نتائج تجارية جيدة عبر أفلام مثل «سوبرمان»، و«معركة بعد أخرى»، و«خاطئون»؟

سؤال وجيه لأكثر من سبب؛ منها احتلال الشركة المركز الثاني تجارياً بين شركات «هوليوود»، إذ بلغت عائداتها مع نهاية العام الماضي 4 مليارات و379 مليون دولار، مقابل 6 مليارات و580 مليون دولار لـ«ديزني».

وتكشف صحيفة «لوس أنجليس تايمز» عن أن أحد أهم الأسباب يعود إلى بضع عمليات اندماج نفذتها الشركة خلال السنوات الماضية؛ مما حمَّلها أعباءً مالية كبيرة، بعدما جاءت النتائج دون التوقعات. ومن بين هذه العمليات شراء مؤسسة «تايم» الإعلامية عام 1990، والأسوأ منها شراء شركة «إيه أو إل (AOL)» عام 2001، وهي صفقة وُصفت بأنها من أسوأ عمليات الدمج في تاريخ «هوليوود».

كما استحوذت «وورنر» على محطات غير ربحية مثل «تي إن تي (TNT)»، و«تي بي إس (TBS)»، و«تي سي إم (TCM)». وفي عام 2016 اشترت الشركة العملاقة «إيه تي آند تي (AT&T)» شركة «وورنر»، لكن ذلك لم يحل الأزمة، إذ لا تزال الشركة تعاني من ديون تبلغ 53 مليار دولار منذ عام 2022.

وعند إضافة هذه العمليات الخاسرة والديون المتراكمة إلى حقيقة أن «هوليوود» بأسرها تمرُّ بأزمة سببها منافسة المنصات الكبرى («أمازون»، و«نتفليكس»، و«أبل»)، التي تمارس ضغوطاً متصاعدة على استوديوهات «هوليوود» التقليدية، (كما حدث عندما اشترت «أمازون» «م.ج.م»)، ومع غياب خطة فعلية لمواجهة هذه المنصات التي استحوذت على نحو 50 في المائة من جمهور السينما، يصبح السبب النهائي واضحاً: تخلُّص «وورنر» من أعبائها عبر بيع أصولها لمن يرغب.