الخرطوم وطهران.. فسخ زواج المتعة

تاريخ العلاقة بدأ مع ثورة الخميني.. ولن ينتهي بإغلاق المراكز الثقافية وطرد الملحق الثقافي الإيراني من السودان

الخرطوم وطهران.. فسخ زواج المتعة
TT

الخرطوم وطهران.. فسخ زواج المتعة

الخرطوم وطهران.. فسخ زواج المتعة

يمكن التأريخ للعلاقات السودانية الإيرانية بالعام 1979، بعيد «الثورة الإيرانية»، واستلام الملالي للحكم هناك، فتحرك الإسلاميون السودانيون، ونظموا تظاهرات عارمة في أنحاء مختلفة من البلاد، فرحا وتهليلا لما سموه وقتها «الثورة الإسلامية».
بيد أن العلاقات بين البلدين عادت لتتوتر مرة أخرى إبان الحرب العراقية - الإيرانية، وإرسال حكومة الرئيس الأسبق جعفر النميري، لقوات عسكرية ومتطوعين للقتال إلى جانب القوات العراقية. فيما بدأت النقلة المهمة في تطور العلاقة باستلام «الجبهة الإسلامية القومية» للحكم بانقلاب 30 يونيو (حزيران) 1989، وسيطرة الإسلاميين بقيادة حسن الترابي على الحكم. وقتها وفر نظام الحكم الإيراني دعما سياسيا كبيرا للإسلاميين السودانيين الذين يقودهم الرئيس عمر البشير، باعتباره نمطا سودانيا للثورة الإسلامية، وزودوهم بالوقود في مواجهة الحصار الذي كان مفروضا على السودان.
راج بشكل كبير أن إيران زودت السودان في أيام الإنقاذ الأولى بأسلحة وطائرات، وأرسلت ضباطا في «الحرس الثوري»، للقتال إلى جانب الجيش السوداني في الحرب ضد التمرد الجنوبي. وعلى الرغم من أن كلا من طهران والخرطوم نفيتا هذا المعلومات، فإنها ظلت تحظى برواج كبير من غرماء الطرفين في الإقليم، ثم لقيت رواجا أكثر بعيد تنفيذ الطيران الحربي الإسرائيلي لعمليات داخل الأراضي السودانية، قبل أعوام قليلة، وما نقلته وسائل إعلام إسرائيلية من أن هناك «أسلحة إيرانية» يتم تهريبها عبر الأراضي السودانية لحركة المقاومة الإسلامية «حماس» في غزة، والتي بلغت ذروتها بقصف مصنع «اليرموك» للأسلحة بالخرطوم، في عام 2012 والذي اتهمت الخرطوم به الطيران الحربي الإسرائيلي.
ودشن التعاون العلني بين البلدين، عشية تدمير مصنع اليرموك بالإعلان عن رسو سفن حربية إيرانية في ميناء بورتسودان على البحر الأحمر، وبتوالي وصول السفن الحربية الإيرانية للميناء السوداني الذي غادرته آخرها في 21 يونيو الماضي. وهكذا ظلت إيران حاضرة في جغرافيا وحدث السودان لوقت طويل، إلى أن فوجئ المراقبون والمحللون بقرارات الفاتح من سبتمبر (أيلول) الحالي، والتي قضت بإغلاق الملحقية الثقافية الإيرانية في الخرطوم، والمراكز الثقافية التابعة لها، وطرد الملحق الثقافي والعاملين في الملحقية خلال 72 ساعة.
وعلى الرغم من أن صيغة القرار كانت مفاجئة، فإن المراقبين اعتبروها متوقعة، لا سيما وأن وزارة الخارجية السودانية، والوزير علي كرتي على وجه الخصوص كان قد أبدى تذمره أكثر من مرة لوصول السفن الحربية الإيرانية لموانئ البلاد، وتجاهل الدبلوماسية من قبل جماعات في السلطة بشأن العلاقة مع إيران، وقوله إنه «علم برسو البوارج والسفن الحربية الإيرانية في بورتسودان من وسائل الإعلام». يقول المحلل السياسي عبد الحفيظ مريود، إن إرهاصات توتر العلاقة مع إيران بدأت منذ أن شرع نظام الحكم في السودان في استقطاب واستقدام مجموعات الإسلام السياسي السلفية «غير الجهادية»، وإثر قبوله لضغوط إقليمية لإشراكها في الحكم. ويضيف إن دخول التيار السلفي بشكل مؤثر، على مستوى تأهيل الأئمة والدعاة ومستوى الخطابة وإمامة المساجد، وتغاضيه عن اتساع نفوذ جماعة «أنصار السنة المحمدية»، وعن تدريس كتاب «التوحيد» للإمام محمد عبد الوهاب، يعد دليلا أوليا على أن الخرطوم ترتب لأمر ما بشأن العلاقة مع إيران.
ويوضح أن عمل المجموعات السلفية المناوئ للوجود الإيراني بدأ يتسع، وأعلن عن نفسه أول مرة بتنظيم مؤتمر مكافحة التشيع في قاعة الصداقة 2013. ويرى مريود فيما يحدث انقلابا مفاهيميا وفكريا لنظام حكم الإسلاميين السودانيين، ويقول: إن «نظام الحكم يهدف من خلال تقريب جماعة أنصار السنة، والمجموعات السلفية الأخرى، إلى إيجاد شخص يمكنه تقديم براهين على أن هؤلاء الحاكمين ليسوا هم الإسلاميين القدماء، لذا يمكنه إعادة تقديمهم لدول مهمة في الإقليم».
وأضاف «الحكومة بحاجة لكبش فداء تتقرب به لمن يعيد تقديمها للعالم مجددا، لذا لا ينبغي النظر لقرار إغلاق الملحقية الثقافية الإيرانية باعتباره عربونا مباشرا لتحسين العلاقة مع دول الخليج العربي، بل هو عربون للشركاء الذين سيتولون عملية إعادة التقديم، وهم في هذه الحالات الجماعات السلفية».
ورأى مريود في القرار تراجعا عما سماه قيم الحركة الإسلامية، وانتصارا لقيم مجموعة المصالح على حساب أنصار الفكر، يقول: «الحركة الإسلامية السودانية ليست ضد التشيع أصلا، وهي تعتبر كتابات علي شريعتي، باقر الصدر، مرتضى المطهري، الدكتور بهشتي، من مصادر تثقيف وبناء كادرها، وقد ترجم القيادي الإسلامي المحبوب عبد السلام كتاب الدكتور علي شريعتي (كتاب الحج)، ونشرته دار (الأصالة)، وهي دار نشر الحركة الإسلامية».
ويضيف: «حسين خوجلي، المحبوب عبد السلام، حسن مكي، أمين بناني، محمد طه محمد أحمد، من قادة الحركة الإسلامية، سافروا للتهنئة بانتصار الثورة الإيرانية، بل إن القيادي الإسلامي الذي اغتيل في ظروف غامضة محمد طه محمد أحمد أطلق على ابنه البكر اسم الخميني».
ويواصل: «وصلت الحركة الإسلامية لمرحلة المبادئ والرؤى السياسية المتغيرة، وهو ما أدى لبروز هذا الصراع بصورة واضحة، وانتصر فيه تيار المصالح على تيار المبادئ، فلا عجب أن يتنكر علي كرتي – وزير الخارجية - لمصادر فكر الحركة الإسلامية ويخرج على الناس بمصطلح الأمن الفكري الذي يهدده التشيع». غير بعيد عن التحليل السابق، فإن خبراء سودانيين يرجحون أن يكون سبب توتر العلاقات السودانية الإيرانية «صفقة» عقدتها الخرطوم منفردة، وقدمت بموجبها علاقتها بطهران قربانا لتحسين علاقاتها مع بلدان الخليج العربي.
وقال أكاديمي إسلامي شهير في حديث لـ«الشرق الأوسط» – طلب عدم كشف هويته – إن أسباب القرار داخلية لا علاقة لها بالصراع الإقليمي، لأن دول الخليج والسعودية غير مهتمة كثيرا، أو غير منشغلة بالعلاقات السودانية - الإيرانية، وأنها تتهم الخرطوم بدعم جماعات «الإسلام السياسي» وجماعة الإخوان المسلمين تحديدا، وبرعايتها في المنطقة.
ويربط الأكاديمي بين نيات الحزب الحاكم وخططه للانتخابات المقبلة وتوقيت اتخاذ قراره بتضييق الخناق على الشيعة وتجفيف النشاط الإيراني في البلاد بقوله: «حزب المؤتمر الوطني الحاكم يخطط للانتخابات المقبلة، ولأنه يعتمد في مشروعيته السياسية على الخطاب الديني والمؤسسات الدينية التقليدية، فإن حملته الانتخابية تحتاج لهذه القوى، وأن قراره هذا مجرد مصالحة معها بعد أن ضجت بما يمكن تسميته الانتشار والتمدد الشيعي في البلاد».
ويوغل في نظرية المؤامرة ويقول: «دعوة الرئيس عمر البشير للحوار، مجرد إشغال للناس لحين موعد الانتخابات، والقرار ضد الشيعة واحد من أدوات الإشغال هذه».
ويضيف: «لا يمكن إغفال أثر الحملة المناوئة للتمدد الشيعي في البلاد، وأطرافها، من حلف السلفية الجهادية والسلفية والصوفية، وهي قوى مؤثرة وحاسمة في تأييد الإسلاميين الحاكمين، وما لم يسترضها نظام الحكم، بمثل هذا القرار، فإنها قد تؤثر على مشروعيته السياسية القائمة على الشعارات الدينية». ويلحظ الأكاديمي البارز التقاء طرفي النقيض «الصوفية والسلفية التقليدية»، وتناسيهما لخلافاتهما الفقهية العميقة ضد ما يطلقان عليه «خطر التمدد الشيعي» القادم من المراكز الثقافية الإيرانية، ويشير إلى الحملات التي شنوها بالتوازي ضد المراكز الثقافية الإيرانية، مستندين على «طبيعة التدين السوداني»، ذي التوجهات السنية المالكية. ويضيف قائلا: «أما الصوفية التقليدية، فهي قلقة جدا من هذا التمدد الشيعي لأنه يهدد قواعدها، مما جعلها تفضل الوقوف مع السلفية الجهادية ضده، بينما تستهدف الحركات السلفية الوجود الإيراني نفسه، استنادا إلى فتاوى دينية ومواقف إقليمية».
وحسب الأكاديمي فإن الحكومة نفسها، واستنادا إلى الشحن الديني الذي قامت وتقوم به الجماعات الدينية المؤتلفة ضد التشيع في البلاد، تخشى من تحول حملات التعبئة الدينية إلى مخاطر أمنية، ومن أن تؤدي لاشتعال حرب بين السلفيين الجهاديين من جهة، والمجموعات الشيعية في البلاد من الجهة الأخرى، وهي حرب حسب وجهة نظرة إذا اشتعلت فستفتح بوابات جحيم على الحاكمين، وتلحق البلاد بمنظومة البلدان التي تفجر فيها الصراع المذهبي الدامي، سيما وأنها لا ينقصها السلاح ولا المجموعات المحاربة. ويذهب أبعد ليقول: «حكومة الخرطوم رغم دوافعها الفعلية غير المعلنة لهذا القرار، فهي تسعى إلى تسويق موقفها الجديد ضد التمدد الإيراني لدول خليجية».
من جهته يقول المحلل السياسي عبد الله رزق إن إغلاق المركز الثقافي لن يغير كثيرا في طبيعة العلاقات مع إيران، بما يجعله ضئيل الأثر في استعادة علاقات السودان مع دول الخليج العربي ومصر، وإعادة بناء الثقة بين السودان والخليج.
ويضيف في تحليل نقلته صحيفة «الطريق» على الإنترنت إن المطلوبات من السودان الإسلاموي، أكثر مما هو مطلوب من قطر الدولة الراعية للإخوان المسلمين، على الأقل فيما يختص بعلاقته بإيران من جهة، وبعلاقته مع جماعة الإخوان المسلمين ومشتقاتها، المصنفة خليجيا ومصريا ضمن نطاق المنظمات الإرهابية.
ويوضح رزق أن المطلوب خليجيا لتنصلح العلاقات هو «قطيعة كاملة بين الخرطوم مع مصادر تهديد أمن دول مجلس التعاون الخليجي ومصر، باعتباره الحد الأدنى من مطلوبات تطبيع العلاقات مع تلك البلدان». واتفق المحلان السياسيان على أسباب القرار السوداني الداخلية، ويؤكدان أن بلدان الخليج «غير منزعجة كثيرا»، من العلاقة مع إيران بقدر انزعاجها من محاولات الخرطوم لتكون عرابا للإسلام السياسي، وهو الدور الذي تحاول أن تلعبه، سيما بعد ثورات الربيع العربي.
وصف القيادي في حزب المؤتمر الشعبي بشير آدم رحمة ويتزعمه حسن الترابي، القرار لـ«الشرق الأوسط» بغير المستبعد، تبعا لمتغيرات داخل نظام الحكم ومتغيرات إقليمية، ملمحا لتوتر بين المجموعات الشيعية ونظام الحكم، وتلك الدعوة التي أطلقها أحد قادة الشيعة بحمل السلاح لتغيير نظام الحكم في السودان.
ويقول رحمة إن «ضغوطا من المتصوفة والجهاديين والسلفيين، بالإضافة إلى ضغوط رجال السلك الخارجي في الحزب الحاكم ودبلوماسييه لعبت دورا بارزا في الدفع باتجاه اتخاذ القرار بتلك الكيفية».
ومما يرجح التحليلات السابقة، ما لقيه القرار من ترحيب بين جماعات دينية سياسية، وحالة الارتياح التي عمت بين مناوئي المذهب الشيعي، وفي ذات الوقت لا تخلو فرضيه تسويقه لدول الخليج من وجاهة. لا يعد التوتر في العلاقة بين بلدان الخليج والخرطوم خفيا، لكنه ظل مكتوما إلى أن رست سفن إيرانية حربية في الساحل السوداني على البحر الأحمر في أكتوبر (تشرين الأول) وديسمبر (كانون الأول) من عام 2012، بعيد أيام من القصف الإسرائيلي لمجمع اليرموك للصناعات الحربية جنوب الخرطوم. وقصفت إسرائيل أهدافا داخل الأراضي السودانية منذ 2009، تحت ذريعة وقف تهريب الأسلحة الإيرانية من السودان عبر سيناء إلى قطاع غزة، على الرغم من النفي الرسمي الذي دأبت الخرطوم عليه بشأن اتهامها بدعم حركة المقاومة الإسلامية «حماس». وفي سبتمبر 2013 استقبلت البحرية السودانية مرة أخرى سفنا حربية إيرانية، كما ودعت ميناء بورتسودان مايو (أيار) الماضي آخر السفن الحربية الإيرانية التي استقبلها السودان.
ويواجه السودان أزمة اقتصادية خانقة تتمثل في تدهور الجنيه السوداني مقابل العملات الأجنبية، وضعف أرصدة الدولة من العملات الأجنبية، وبلوغ التضخم مستويات قياسية (46.5 في المائة) في يونيو الماضي، أضيف لها إعلان بنوك سعودية عن وقف تعاملاتها المصرفية مع البنوك السودانية، وقلصت الرياض وارداتها من المواشي السودانية المقدرة بـ50 في المائة من حاجة المملكة، الأمر الذي اعتبره خبراء إجراءات عقابية للخرطوم.
وهو ما جعل وزير الخارجية السوداني علي كرتي يكشف في مايو الماضي للمرة الأولى عن وجود «توتر في العلاقات السودانية السعودية»، مثلما كشف عن رفض حكومته لإنشاء منصة دفاع جوي إيرانية على ساحل البحر الأحمر، لمواجهة العمليات الإسرائيلية داخل الأراضي السودانية. وأدت الضغوط الاقتصادية، لانتصار التيار الداعم لإعادة بناء العلاقات مع دول الخليج داخل المجموعة الحاكمة، وإن استدعى الأمر قطع العلاقات مع إيران، وهو ما ذهب إليه القيادي الإسلامي في حديثه للصحيفة يقول: «أصلا العلاقة مع إيران كانت تقوم على تزويده بالسلاح أيام الحصار المشدد، لكن اعتماد السودان على السلاح الإيراني تراجع كثيرا، إضافة إلى أن العمليات العسكرية التي تقوم الحركات المسلحة تقلص حجمها كثيرا وضعف، وهو ما الذي يشجع الدولة لتحسين علاقاتها ببلدان الخليج مجددا».
وعلى اختلاف دوافعه، فإن قرار الخارجية السودانية بوقف نشاط المركز الثقافي الإيراني، لقي ترحيبا واسعا وسارعت المجموعات الدينية المناوئة لما يمكن أن يطلق عليه «المد الشيعي» لمباركة الخطوة. وفي تحالف نادر بين مجموعات المتصوفة، وجماعة أنصار السنة، اعتبرا فيه الخطوة خيرا كبيرا للبلاد، خطوة يمكن أن تسهم في تحسين العلاقات مع بلدان الخليج، واجتثاث الفكر الشيعي.
لا توجد إحصائيات دقيقة بأعداد الشيعة أو من تشيعوا في البلاد، ففيما تقلل دوائر رسمية من أعدادهم، تقول جماعات دينية أن أعدادهم تجاوزت 12 ألفا، وأن عدد المراكز الشيعية في البلاد حسب تلك الجماعات يتجاوز 15 مركزا، لكن مصادر أخرى ترى أن الأمر مضخم جدا.
يقول مصدر شيعي سابق للصحيفة، إن أعداد وحجم المجموعات التي تشيعت في البلاد أقل كثيرا من الأرقام المتداولة، وحتى عام 2000، فإن العدد لم يكن يتجاوز 2.5 ألف. ويضيف إن المجموعات الشيعية السودانية متفرقة وغير مرتبطة ببعضها البعض، ومتأثرة بخلافات المرجعيات، ويوضح أن الشيعة السودانيين التابعين لمرجعية «قم»، أو جماعة – خط الإمام - هم الأقل عددا وتأثيرا، وأن المجموعة الأكبر بين الشيعة السودانيين والأكثر نشاطا، هي المنتمية لمرجعية «النجف» بالعراق، وأن هناك مجموعات تتبع المجلس الشيعي الأعلى في لبنان، خصوصا أيام محمد مهدي شمس الدين. وينفي المصدر وجود دعم إيراني مباشر بقوله: «إيران غير قادرة على تقديم دعم للحسينات، وهي تدعم مركزا واحدا، هو مركز الزهراء للتدريب النسوي، وأنها لم تنشط في التوجه لكسب النساء، أما معهد الإمام الصادق، فهو معهد تابع لوزارة التعليم السودانية».
ذكر وزير الخارجية السوداني علي كرتي في تصريحات نشرتها «الشرق الأوسط» عشية قراره، أن الرئاسة السودانية رفضت طلبا إيرانيا بوقف قرار إغلاق المركز الثقافي الإيراني. وقال كرتي: «كنا نتابع نشاط المركز الثقافي الإيراني في الخرطوم عن كثب للتحقق من التزامه بالأنشطة الثقافية، بعيدا عن تحقيق مكاسب طائفية شيعية دخيلة على المجتمع السوداني».
ووصف نشاط المركز بأنه تهديد للأمن الفكري للبلاد، وأن الإيرانيين كانوا يعتقدون أن الحكومة السودانية راضية عن دوره في نشر المذهب الشيعي، مما جعل ممارساتهم مكشوفة، وأن صبر الخرطوم على طهران قد نفد، وأن السودان يريد تعزيز المصالح بعيدا عن «الإيذاء»، وأنه لن يسمح لإيران باستغلال حاجته على الصعيد الاقتصادي أو السياسي، أو العسكري، لتحقيق مآربه على حساب المجتمع، والدين، والجوار، والصداقة، عربية كانت أو أفريقية.
من جهتها، فإن الحكومة الإيرانية لم تعلق على ما حدث، ومارست «التقية»، ما خلا تصريحات نقلتها وكالة الأنباء الرسمية «فارس» عن مساعد وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان: «بعض التيارات السودانية تحاول التأثير على العلاقات الطيبة بين طهران والخرطوم».
يجمع المحللون على أن زواج المتعة السوداني الإيراني، يعيش أحلك أيامه، وأن القرار المحدود الذي اتخذته الخرطوم ضد طهران، يعد إعلانا وإيذانا بنهاية عسل ذلك الزواج الذي لم تحظ فيه الخرطوم بعلاقة زوجية يحترم فيها الجيران.
أما طهران فكعادتها ستمارس منهاجها في «التقية»، وقد لا تعامل الخرطوم بالمثل، وهو ما لم يرشح حتى الآن فعلا، فكلتا الحكومتين تضع حساب عودتهما لبيت الزوجية مرة أخرى، فزواج المتعة قابل لدفع المهر أكثر من مرة، خصوصا وأن الزوجين مطاريد جمعتهما «وحدة قاتلة» بين مجتمع الإقليم، بل مجتمعات العالم.



ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
TT

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد، من وجهة نظر كثيرين، «القوة القادرة» على كسر ثنائية الصراع التقليدي بين شرق البلاد وغربها. وبسقوط هذا «الرهان»، لم تعد العملية السياسية في ليبيا تُقرأ بوصفها خريطة نفوذ انتخابي مقسّمة بين «الثلاثة الكبار» كما كانت. إذ زاد «زلزال» اغتيال سيف من تعقيدات المشهد المعقّد بالأساس، ما يؤثر أولاً على مسار «المصالحة الوطنية»، ومن ثم يمدّد الصراع السياسي ويطيل أمد عقد الانتخابات المأمولة.

هاتا تيتيه (وكالة الأنباء الليبية)

 

سيف الإسلام القذافي، الذي رحل عن عمر (53 سنة)، ظل ليبيون - من بينهم أنصاره - يعدونه الوجه الإصلاحي لنظام والده، والوريث المحتمل للسلطة، و«الخيار الثالث» في مواجهة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس.

أما الآن، فيتوقّع لهذه المساحة التي تركها «الخيار الثالث» خلفه أن تتحوّل إلى ساحة للصراع بين القوى المهيمنة التي تسابق الزمن لاستقطاب ما تبقى من هذا التيار، في محاولة لإعادة التوازن لمركب سياسي بات يغرق في لجة التجاذبات الإقليمية والجمود الدستوري.

مع هذا، يرى سياسيون ومحللون التقتهم «الشرق الأوسط» أن موت سيف «لن يترتب عليه أي شيء يتعلق بحلحلة الأزمة، ما دام بقيت الأطراف والأجسام السياسية الحالية تتصدر المشهد العام»، بينما يَعِدُ موالون لتياره بـ«لملمة شملهم والاصطفاف من جديد خلف قيادة مرتقبة».

مفترق طرق تاريخي

والحقيقة، أن ليبيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يؤدي التشظي السياسي إلى ولادة بدائل وطنية جديدة تنقذ البلاد، وإما تظل الأوراق مبعثرة بانتظار معجزة تلمّ الشمل في مشهد لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات أو المماطلة.

فليبيا تعاني منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، صراعاً مريراً على السلطة بين جبهتي غرب ليبيا وشرقها. وتسعى البعثة الأممية منذ قدومها إلى ليبيا من أجل العمل على تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة، من دون تقدم حتى الآن.

والمبعوثة الأممية هانا تيتيه تواصل مسارها التحاوري مع الساسة والنخب الليبية، سعياً من أجل التوصل إلى نتيجة قبل الاتجاه إلى مجلس الأمن الدولي في 18 فبراير (شباط) الحالي لتقديم إحاطتها الجديدة، بينما يتمسك المتحكمون في السلطة بـ«اشتراطاتهم» من أجل إجراء الانتخابات. كذلك يستبق ذهاب تيتيه إلى مجلس الأمن تعقيدات عدة تتحكم في المشهد العام، وتصلّب في المواقف بين رئيسي مجلس النواب و«الأعلى للدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة، فضلاً عن دم سيف المسفوح، الذي لم يُعلم - حتى الآن - قاتله، وسط استنتاجات عدة بتمدد الصراع وليس طيه.

بمناطق عدة في وسط وشمال وجنوب ليبيا، لا يزال أنصار سيف الإسلام والقبائل المحبّة له يتلقون فيها العزاء، آملين في «الاقتصاص لدمه» قريباً، وعاقدين العزم على «رصّ الصفوف من جديد». إذ ظلت مدينة الزنتان (غرب ليبيا) تأوي سيف القذافي منذ اعتقلته «كتيبة أبو بكر الصديق» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، وبقي تحت حمايتها حتى سقط قتيلاً بعد اغتياله مساء 3 فبراير الحالي.

التحقيق في الاغتيال

النيابة العامة في طرابلس فتحت تحقيقاً في مقتل سيف. إذ أوفد مكتب النائب العام الصديق الصور فريقاً يضمّ أطباء شرعيين وخبراء إلى الزنتان وفحصوا جثته، التي أفادت تقارير غير رسمية بأنها تلقت 18 رصاصة.

وخلّفت جنازة سيف الحاشدة، التي احتضنتها مدينة بني وليد، حالة من التجاذب الحاد؛ فالأنصار - ومن بينهم شقيقه الساعدي - عدّوها «استفتاءً شعبياً ووطنياً على شعبية الرجل الذي فاز بالانتخابات وهو ميت»، بينما رآها المعارضون «صُنعت على مواقع التواصل وبواسطة الذكاء الاصطناعي».

«التهويل» و«التهوين» اللذان اكتنفا الجنازة عكسَا قدراً من الاحتقان المتراكم والمرشح للظهور أكثر في مقبل الأيام، الأمر الذي استدعى الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس الفريق السابق لسيف القذافي بملف «المصالحة الوطنية»، للدخول على خط الأزمة. أبو سبيحة عدّ «الجموع الزاحفة» لحضور جنازة سيف، أنها «تريد القول بصوت واحد للذين يحلمون بسقوط مشروعه: أنتم واهمون»، مصعداً من حديثه توبيخاً دون أن يأتي على اسم أحد: «لقد سقط مشروعكم بإذلال الشعب الليبي وتفتيته ورهن خيراته وإرادته وحريته واستقلاله لأعدائه».

إرباك المشهد السياسي

كان ظهور سيف الإسلام - بعد اختفائه لدى الزنتان قرابة 10 سنوات، لتقديم ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021 - قد تسبب في إرباك المشهد السياسي وحسابات «خصومه». وفي هذه الأثناء، طعنت مفوضية الانتخابات بترشحه، لكن بعد مداولات ومظاهرات من أنصاره قضت محكمة سبها (جنوب ليبيا) برفض الطعن وإلزامها بإعادته إلى السباق، علماً بأن الانتخابات أُجلت بداعي وجود «قوة قاهرة» حالت دون استكمالها.

حينها، قال عماد السايح، رئيس المفوضية، إن عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكّلت «قوة قاهرة» منعت عقدها في موعدها، مشترطاً زوالها ومصادقة مجلس النواب لإجرائها، وذلك بالنظر إلى وجود ما سميت «شخصيات جدلية» أرادت خوض السباق الانتخابي.

أما الآن، بعد خروج سيف من دائرة الضوء، لم يتبقَّ من تلك الشخصيات، وفق مراقبين، سوى رئيس حكومة «الوحدة»، بالإضافة إلى القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويسود اعتقاد لدى بعض المتابعين أنه برحيل سيف الإسلام، زالت إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا، لكن هذه النظرة التفاؤلية تصطدم بواقع يكرّسه العداء والجهوية و«الدم الجديد» الذي سال في مكان قصي بالزنتان.

محللون كثيرون، منهم ناصر أبو ديب، يرون أن الوضع في ليبيا بعد موت سيف لا يختلف عما قبله، ويعتقدون أن الأمر «سيبقى على ما هو عليه» ما دام ارتبط بـ«سلطة الأمر الواقع». بل إن محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف الوضع في ليبيا بأنه «عدميٌّ وعبثيٌّ». ودافع بعيو عن وجهة نظره في حوار مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا يوجد شيء يسمى كتلة النظام السابق، وأن سيف الإسلام كان يمثل نتوءاً للغاضبين». وأردف: «هؤلاء ليسوا كتلة بقدر ما هم حالة هلامية، ومَن حضر جنازته ليسوا ملايين بقدر ما كانوا 20 ألفاً على الأكثر». ثم تابع: «لم يكن لدى سيف أي حظوظ لحكم البلاد؛ وليبيا لن يحكمها أحد بعد معمر القذافي؛ وكنت أقول هذا الكلام وهو على قيد الحياة... وأعتقد الوضع في ليبيا سيظل هكذا في حالة سيولة بعيداً عن سلطة موحدة؛ فالدولة لن تتشكل في المدى المنظور، وستكون البلاد ساحة صراعات دولية وتصفية حسابات».

الأسرة القذافية... والولاءات المحلية

تنتمي أسرة القذافي إلى مدينة سرت (وسط ليبيا) الخاضعة حالياً لحكم المشير حفتر، في حين تقع مدينة بني وليد في (شمال غرب)، وكان سيف الإسلام يحظى فيها بدعم اجتماعي وسياسي.

وظلّ فريق سيف القذافي - الذي يقوده أبو سبيحة - منخرطاً في كل الفعاليات السياسية المتعلقة بـ«المصالحة الوطنية» حتى قبل اغتيال سيف بقرابة شهر، إذ حضر الاحتفال الذي عقده المجلس الرئاسي في 7 يناير (كانون الثاني) الماضي للتوقيع على «الميثاق الوطني للمصالحة».

راهناً، يتخوّف متابعون من عودة العنف السياسي على خلفية غضبة موالين لسيف، خصوصاً إذا ما عُرف الطرف الذي قتله، لكن هذا التخوّف يترجم إلى معطى آخر يتمثل في تعطّل مسار «المصالحة» الذي كان يشارك فيه أنصاره، وهو ما يراكم الضغينة والغضب في النفوس.

وحقاً، تتصارع في المشهد الليبي المعاصر عدة تيارات آيديولوجية وسياسية، يسعى كل منها لفرض رؤيته وتثبيت سيطرته على مفاصل الدولة، ما خلق حالة من الاستقطاب الحاد. وتتوزّع الولاءات في ليبيا بين ثلاث كتل رئيسية تمثل محطات مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، هي:

- التيار «السبتمبري» أو «الخضر»، وهم الموالون لنظام القذافي.

- تيار «17 فبراير» وتمثله القوى التي ثارت عام 2011، وترفض أي عودة لحكم الفرد أو «النظام الجماهيري».

- وتيار «الكرامة»، وهو التكتل الذي يلتف حول عملية الكرامة والقوات المسلحة بشرق ليبيا.

وهنا يسلّط أبو ديب الضوء على الوضع الراهن، معتقداً أن ليبيا «لن تشهد أي حلحلة سياسية ما دام بقيت ما تسمى (الأجسام الفاعلة في المشهد) التي تحرك الخيوط في شرق البلاد وغربها»، ومن ثم تُمدِّد الصراع، وقال إن «سيف القذافي على مدى 15 عاماً لم يفعل شيئاً، ولم يقدم مشروعاً سياسياً لوطنه». وأضاف: «الأجسام الموجودة في المشهد تعطّل أي حراك سياسي، وتبدد أي نقطة ضوء في الأفق البعيد؛ وبالتالي أعتقد أن المشهد سيبقى على ما هو عليه».

«ليبيا الغد»

جدير بالذكر، أن سيف الإسلام القذافي أطلق مشروع «ليبيا الغد» قبل عام 2011 بوصفه رؤية إصلاحية شاملة لبناء دولة حديثة عبر مشاريع تنموية، تتضمن جامعات ومناطق حرة، أبرزها تطوير «زوارة - رأس أجدير». وهو المشروع الذي توقف بسقوط نظام والده.

ويرجع أبو ديب خلال كلامه إلى «الشرق الأوسط» إشكالية ما يجري في بلده «إلى الليبيين أنفسهم؛ وتأزّم الأمر بوجود بعثة الأمم المتحدة وما تسميه الحوار المهيكل، والتدخلات الأميركية من جهة ثانية، وصفقات البيزنس»، ويزيد: «لن تكون هناك حلحلة سياسية بوجود هذه الأطراف، بل أعتقد أن المسألة ستزداد تعقيداً».

وانتهى أبو ديب إلى أن «الخيار الثالث ذهب دون رجعة؛ ولن يجد أنصار سيف رمزية يضعونها في المقدمة لصعوبة التوافق على شخصية يمكن أن تقود هذا الخيار. فبمقتل سيف انتهى هذا الخيار، وسيذوب المؤيدون في المجتمع الليبي من أجل الإصلاح».

هذا، ولا تزال في ليبيا مدن عدة على ولائها للنظام السابق، من بينها سرت (في الوسط) وبني وليد (شمال غرب)، بالإضافة إلى غات وأوباري (جنوباً) وزليتن وصبراتة (غرباً). وكل عام تلوّح بصور القذافي ونجله سيف الإسلام، والرايات الخضراء المعبرة عن الحقبة «الجماهيرية» أثناء الاحتفال بـ«ثورة الفاتح». ويُعتقد تصادم أصحاب هذه المشاريع الثلاثة وهم: «السبتمبريون» و«الفبرايريون» و«الكرامة». يبقى الصراع على السلطة هو المحرك الأساسي الذي يعيق الوصول إلى توافق وطني شامل يجمع شتات هذه التوجهات تحت مظلة دولة مدنية واحدة. ويخلص الدكتور مصطفى الزايدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية» أمين «اللجنة التنفيذية للحركة الشعبية» إلى أن جريمة اغتيال سيف الإسلام سيكون لها تأثير مدمر على عملية «المصالحة الوطنية»، ذلك أن «الرصاصات الغادرة التي أُطلقت عليه أصابت، فيمن أصابت، مشروعَ المصالحة الذي رُفع كشعار من كثير من القوى الوطنية للخروج من المأساة التي سببتها (مؤامرة 2011) على ليبيا والليبيين».

وأضاف الزايدي في مقال لصحيفة «الموقف الليبي» عن أن «نسبة كبيرة من (الخضر)، وفي مقدمتهم الشهيد الدكتور سيف الإسلام، صدَّقوا أو تقبَّلوا لأسباب أخلاقية، كذبة روّجها المجتمع الدولي بأن انتخابات حرة ونزيهة قد تكون نقطة البداية لعملية مصالحة تاريخية، هدفها مساعدة الليبيين في طيِّ ملف الأزمة». واختتم: «لكن مع مضي الوقت ثبت أن ذلك لم يكن سوى دعاية في محاولة لمكياج وجه المؤامرة، وإعادة تقديمها في صورة مقبولة لليبيين».

 

حقائق

ليبيا: جرائم كثيرة... و«الفاعل مجهول»

اتسعت قائمة الجرائم التي تعذّر التوصل إلى مرتكبيها في ليبيا لتشمل فئات متنوعة من المجتمع، بجانب عمليات الإخفاء القسري منذ إسقاط النظام السابق في عام 2011، لكنها تبرز نمط «الإفلات من العقاب» الذي ساد في فترات كثيرة.

وخلال الحروب والمعارك التي شهدتها ليبيا، حدثت اشتباكات واسعة وانتهاكات ضد المدنيين أدّت إلى قتل واختفاء عشرات الأشخاص في مناطق متعددة، وأحياناً بقيت هويات من ارتكبوا أعمال القتل مجهولة بسبب تداخل الجماعات المسلحة وتغيّر السيطرة على الأراضي. واستهلت عملية الاغتيالات في ليبيا بمقتل اللواء عبد الفتاح يونس رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الأسبق عام 2011، في ظروف غامضة بعد استدعائه للتحقيق، رغم وجود اتهامات لجهات معينة، من بينها ما كان يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي». وفيما يلي بعض أبرز جرائم الاغتيال:

- عام 2013: اغتيال المحامي والناشط السياسي عبد السلام المسماري، في مدينة بنغازي.

- عام 2014: اغتيال كل من الصحافية نصيب ميلود وخطيبها في مدينة سبها. ومفتاح بوزيد رئيس تحرير صحيفة «برنيق»، وسلوى بوقعيقيص المحامية والناشطة الحقوقية البارزة في بنغازي. والشيخ محمد بن عثمان في مصراتة. وفريحة البركاوي عضو «المؤتمر الوطني العام» السابقة، في درنة.

- عام 2016: اختطاف الشيخ نادر العمراني عضو دار الإفتاء بطرابلس، وتصفيته في ظروف غامضة.

- عام 2019: تصفية عضوة مجلس النواب سهام سرقيوة في بنغازي.

يضاف إلى ما سبق، صُدم المجتمع الليبي عام 2025 إثر مشاهدة مقاطع مصورة «مسربة» للنائب إبراهيم الدرسي، وهو على ما يبدو معتقلاً في زنزانة، والأغلال معلقة في عنقه، وكانت أسرته أعلنت عن خطفه في 18 مايو (أيار) 2024 من منزله ببنغازي، ومذاك التاريخ لم يكشف عن مصيره ولا عن الجناة.

 


أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
TT

أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة

منذ الأحد الماضي، تهبّ على البرتغال «رياح ثورية» جديدة، فيها من نكهة «ثورة القرنفل» التي أطاحت ديكتاتورية الدكتور أنطونيو سالازار في ربيع عام 1974 من غير إطلاق رصاصة واحدة، وتجدّد الأمل المتلاشي منذ سنوات في تغليب الخطاب السياسي المعتدل والجامع على جموح التطرّف اليميني والشعبوي الذي يهدد بإعادة أوروبا إلى عهد الظلمات الذي قطّع أوصالها في النصف الأول من القرن الفائت. هذه الرياح الثورية الجديدة تحمل اسم الاشتراكي أنطونيو خوسيه سيغورو، الذي كان غائباً عن المشهد السياسي البرتغالي مند عشر سنوات، لكنه عاد ليقرّر، ضد رغبة القيادات التاريخية للحزب، خوض الانتخابات الرئاسية التي أجريت دورتها الثانية مطلع هذا الشهر. وهذا ما حصل، بالفعل، وحقق سيغورو فوزاً كاسحاً على منافسه الشعبوي أندريه فنتورا، حامل لواء اليمين المتطرف والمفعم بالحنين إلى الحقبة الديكتاتورية التي طوى البرتغاليون صفحتها منذ خمسين سنة.

ثمة انتصارات عدة في الانتصار الذي حققه أنطونيو سيغورو، الأحد الماضي، في انتخابات البرتغال الرئاسية، منها: انتصار الأسلوب التوافقي الرزين على أسلوب التفرقة والتحريض الذي اتسم به الخطاب اليميني والشعبوي المتطرّف. ومنها أيضاً انتصار النهج اليساري الوسطي الذي يواجه أصعب مراحله في البرتغال منذ سقوط الحكم العسكري، ويعاني من تراجع مطّرد على امتداد المشهد السياسي الأوروبي. وهذا، ناهيك من انتصار الرجل الذي قرّر وحده الإبحار عكس رياح حزبه وخاض معركته منفرداً ضد الزعامات الاشتراكية الراسخة.

بالتالي، ليس مستغرباً أن قوى وأوساطاً أوروبية عدة، يسارية ومحافظة، سارعت إلى الإعراب عن ارتياحها لهذا الفوز، كونها ترى فيه تباشير انعطاف في المشهد السياسي الأوروبي القلق من تمدّد اليمين المتطرّف الذي بات يدقّ أبواب الحكم في أكثر من عاصمة.

النشأة والمسيرة

أبصر أنطونيو خوسيه سيغورو النور قبل 63 سنة في واحدة من أفقر القرى البرتغالية. وكان قد قرر العودة إليها عام 2014 عندما تخلّى عن النشاط السياسي بعدما خسر الانتخابات الأولية في حزبه ضد أنطونيو كوستا، الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي.

تلك كانت معركة قاسية جداً، بل من أبشع المعارك التي دارت داخل «البيت الاشتراكي» البرتغالي، شبيهة بتلك التي دارت ذات يوم بين الزعيم التاريخي خورخي سامبايو وأنطونيو غوتيريش، الأمين العام الحالي لمنظمة الأمم المتحدة. ويومذاك انتهت بشرخ حزبي عميق بقيت آثاره حتى اليوم، وساعدت اليمين المتطرف على مواصلة صعوده.

سيغورو تولّى حقائب وزارية عدة في الحكومات الاشتراكية السابقة، وكان عضواً في البرلمان الأوروبي. وهو ينتمي إلى «تيار» غوتيرّيش الذي سبق أن ترأس عدة حكومات برتغالية نهجت خطاً يسارياً معتدلاً، وتميّز بالانفتاح على الحوار مع القوى الأخرى. وعندما وقعت البرتغال تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة - وكانت حينذاك تخضع لحكومة يمينية محافظة - أيّد سيغورو التدابير التقشّفية القاسية التي فرضها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وبرّر موقفه هذا بأن رئيس الوزراء الاشتراكي السابق جوسيه سقراط هو الذي كان تقدّم بطلب المساعدة من المؤسسات الدولية للخروج من الأزمة. وأطلق يومها عبارته الشهيرة التي تحولّت إلى شعاره السياسي الذي خاض به الانتخابات الرئاسية؛ إذ قال: «الحوار هو الأداة الأساسية لأي عمل سياسي».

لغة الحوار

من ثم، لعل انفتاح سيغورو الدائم على الحوار كان السبب الرئيس في حصوله على دعم قوى سياسية أخرى، من كتل اليمين واليسار؛ إذ أيّده كل من الرئيس اليميني السابق هنيبعل كافاكو سيلفا، والمرشح الشيوعي أنطونيو فيليبي الذي نافسه في الجولة الأولى. لكن الأغرب من ذلك كان الدعم الذي حصل عليه من أنصار رئيس المجلس الأوروبي والأمين العام السابق للحزب الاشتراكي، أنطونيو كوستا، الذي يعدّ ألدّ خصومه السياسيين داخل الحزب منذ سنوات. وكان كوستا قد سرّب عشية الانتخابات قراره دعم سيغورو، رغم تمايز الأخير عن نهجه، مردّداً: «كوستا يمثّل رجال الأعمال والشركات داخل الحزب الاشتراكي».

ما يُذكر أنه عندما أعلن سيغورو، مطالع الصيف الماضي، ترشحه للانتخابات الرئاسية، واجه معارضة واسعة وشديدة داخل الحزب الاشتراكي الذي ما زال يخضع لتأثير قوي من أنطونيو كوستا والقيادات الموالية له. إلا أن إصراره على الترشّح سواء بتأييد من الحزب أو من دونه، دفع معارضيه إلى التراجع، خاصة أن الشخصيات الاشتراكية النافذة فشلت في التوافق حول مرشح آخر، بل ربما لأن حظوظ أي مرشح اشتراكي في الفوز بدت شبه معدومة، كما كانت تظهر استطلاعات الرأي.

التدريس بعيداً عن السياسة

خلال السنوات الـ12 التي انكفأ سيغورو طيلتها عن العمل السياسي، انصرف إلى التدريس في جامعة لشبونة المستقلة والمعهد العالي للعلوم الاجتماعية والسياسية. وأسّس عدة مؤسسات صغيرة للسياحة الريفية والتصنيع الزراعي في مسقط رأسه بيناماكور. إلا أنه لمح بعد إعلان فوزه في الانتخابات أنه سيتخلّى عن أنشطته التجارية قبل تسلّم مهامه، مدركاً أن الحكومة السابقة التي شكّلها اليميني لويس مونتينغرو بعد هزيمة الاشتراكيين الأخيرة، إنما سقطت بسبب تضارب المصالح الذي نشأ عن إبقائه على المؤسسة العائلية التي كان يديرها بعد توليه رئاسة الحكومة.

لكن يبدو سيغورو مصراً على ألا يتخلّى عن حياته العائلية العادية؛ إذ أفاد بأن زوجته ستواصل نشاطها المهني في إدارة الصيدلية التي تملكها في العاصمة، وأنه لن يقيم في قصر بيليم (بيت لحم) الرئاسي إلا في الحالات الاستثنائية، بل سيقيم في منزله الواقع على بعد 90 كيلومتراً من لشبونة.

وللعلم، الرئيس المنتخب أمضى الأسبوعين الأخيرين من حملته الانتخابية في زيارات إلى المناطق المنكوبة بسبب الأعاصير المتلاحقة التي ضربت البرتغال وما زالت تداعياتها الكارثية ظاهرة إلى اليوم. ولقد وعد بتخصيص قدر كبير من اهتمامه في الأسابيع الأولى من ولايته لمتابعة ملف الأضرار التي نجمت عن تلك الأعاصير.

فوز تحدّى التوقعات

أبرز ما في الفوز الذي حققه سيغورو، ضد كل التوقعات، كان حصوله على ضعفي الأصوات التي نالها في الجولة الأولى من الانتخابات. وهو ما يؤكد تضافر الغالبية الساحقة من الناخبين لتأييد مرشح رئاسي يحترم قواعد اللعبة الديمقراطية بمواجهة منافسه الشعبوي المتطرف فنتورا، الذي أظهر غير مرة مناسبة ازدراءه بهذه القواعد واستعداده لتجاوز الأحكام الدستورية من أجل تحقيق أهداف مشروعه السياسي.

ناهزت حصيلة سيغورو 67 في المائة من الأصوات، بينما لم يتعدّى فنتورا الـ33 في المائة، مع أن هذا الأخير كان جمع في الجولة الأولى نسبة 31 في المائة متقدماً على 11 مرشحاً.

انعكاسات وتوقعات

في تصريحاته الأولى بعد الفوز، أعرب سيغورو عن شديد تأثره بالدعم الواسع الذي ناله من «الناخبين الذين يحرصون على القيم والمبادئ الدستورية التي رسختها ثورة القرنفل»، مذكراً ومفتخراً بانتمائه إلى الطبقة المتواضعة. وقال إن الغالبية التي صوّتت له أصبحت اليوم مجمل الشعب البرتغالي، وكرّر ما ردده مراراً خلال الحملة الانتخابية: «أنا حرّ، أعيش حياتي من غير مَراسٍ، وحريتي هي ضمان استقلاليتي». وكذلك شدّد على التزامه الثابت بـ«ثقافة الوفاق» لمعالجة المشاكل التي تعاني منها البلاد، معترفاً بأن نتيجة الاقتراع تجاوزت توقعاته.

وحقاً، يشكّل انتصار سيغورو أيضاً عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد عشرين سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية محافظة على رأس الدولة، لكنه بالتأكيد ليس انتصاراً للحزب الاشتراكي. أولاً، لأن الترشيحات لمنصب رئيس الجمهورية لها طابع شخصي وليست حزبية بموجب الدستور. وثانياً لأن ترشح سيغورو كان مرفوضاً في المرحلة الأولى من القيادات الاشتراكية.

واللافت أن اعتراض زملائه على ترشحه في البداية، تبدّد فور إعلان فوزه؛ إذ سارع الجميع إلى إعلان اصطفافهم بجانبه، بينما كان هو يؤكد طي صفحة الماضي بقوله: «ما يهمني هو المستقبل الذي سنبنيه معاً».

في المقابل، لا شك في أن هذا الفوز يعطي جرعة زائدة من التفاؤل للحزب الاشتراكي الذي يمرّ في أصعب مرحلة من تاريخه، لا سيما بعد الهزيمة القاسية التي تعرّض لها في الانتخابات العامة الأخيرة عندما حلّ في المرتبة الثالثة، وراء حزب «شيغا» اليميني المتطرف الذي أسسه فنتورا عام 2019.

وكان أوّل المحتفلين بفوز سيغورو، زعيم الحزب الاشتراكي جوزيه لويس كارنيرو، الذي وصف هذا الفوز بأنه انتصار «لجميع الديمقراطيين وللحقوق الدستورية»، ونوّه بالدعم الواسع الذي حظي به سيغورو خارج الدائرة الاشتراكية، بدليل نيله دعم العديد من الشخصيات اليمينية.

وعلى غرار ما فعل خلال الحملة الانتخابية، تعهّد سيغورو باحترام الولاء الدستوري للحكومة التي يقودها اليميني لويس مونتينغرو. وقال إنه لن يقف حجر عثرة في وجه تنفيذها برنامجها، لكنه نبّه إلى أنه سيكون حازماً في مطالبتها بالحلول الناجعة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وكان تفاقم بعضها بفعل الأعاصير الشديدة التي ضربت البرتغال خلال الأسابيع المنصرمة، وأحدثت دماراً واسعاً في المصانع والمحاصيل الزراعية والبنى التحتية. وشملت الخسائر وفاة العشرات وتشرّد الآلاف من المواطنين، ما استوجب تدخل القوات المسلحة إلى جانب أجهزة الدفاع المدني والإسعاف.

وفي المقابل، لقد أكد الرئيس المنتخب أنه لن يصادق على مشروع تعديل قانون العمل الذي وضعته الحكومة ولاقى معارضة شعبية واسعة انتهت بإضراب عام شلّ الحركة في البلاد.

أما فنتورا، فقد سارع من ناحيته إلى الاعتراف بفوز سيغورو، لكنه اعتبر أن نيله أكثر من ثلث الأصوات يشكّل إنجازاً بحد ذاته؛ لأنه كان يواجه «كل المنظومة التي أعلنت الحرب» ضد ترشحه.ويطمح فنتورا، الآن، من خلال هذا التأييد الذي ناله إلى تجاوز شعبية التحالف الحاكم بقيادة رئيس الحكومة مونتينغرو، ثم تشكيل الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، معتبراً أن حصوله على 1.7 مليون صوت بعد ست سنوات فقط من تأسيس «شيغا»، يمنحه الحق في قيادة اليمين البرتغالي، ومتوقعاً الوصول إلى سدة الحكم قريباً.


«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
TT

«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)

شاعت تسمية «ثورة القرنفل» (Revolucao dos Carvos) على الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام الديكتاتوري في البرتغال الذي كان يُعرف باسم «الدولة الجديدة»، وكان يحكم سيطرته على البلاد منذ عام 1926. أما سبب التسمية فكان أن الضبّاط والجنود الذين نفّذوا الانقلاب - والذين ينتمون إلى «تيار القوات المسلحة» - كانوا يجوبون شوارع العاصمة لشبونة صباح 25 أبريل (نيسان) 1974 واضعين أزهار القرنفل في فوهات بنادقهم ومدافع دباباتهم، بعدما أسقطوا النظام من غير إطلاق رصاصة واحدة.

ذلك الانقلاب قادته مجموعة من الضباط الشيوعيين واليساريين الذين سئموا الحروب التي زجّهم فيها النظام ضد الانتفاضات الشعبية والحركات المسلحة في المستعمرات البرتغالية. ولقد كانت إشارة انطلاقه أغنية بعنوان «وبعد الوداع» منتصف ليل 24 أبريل.

كان الانقلاب بداية مسار سريع تمخّض عن إعادة النظام الديمقراطي، وإجراء أول انتخابات حرة في العام التالي. وقبل نهاية ذلك العام، كانت جميع مستعمرات البرتغال في أفريقيا وآسيا؛ أي أنغولا والرأس الأخضر وغينيا بيساو وموزامبيق وسانتو تومي/ برنسيبي وتيمور الشرقية، قد نالت استقلالها. وبجانب ذلك تنازلت السلطة البرتغالية الجديدة عن جزيرة ماكاو لصالح الصين الشعبية (التي ضمّت الجزيرة رسمياً إليها عام 1999).

بعد أيام قليلة من إسقاط الديكتاتورية أطلق الانقلابيون سراح جميع المعتقلين السياسيين، وعاد الزعماء المنفيون في الخارج، يتقدّمهم الاشتراكي ماريو سواريش، والشيوعي آلفارو كونيال، اللذان لعبا دوراً سياسياً رئيساً في السنوات اللاحقة.

بعدها حاول الضباط الشيوعيون في الحركة الانقلابية توجيه دفّة التغيير نحو نظام اشتراكي إثر تأميم القطاع المصرفي بكامله، ومعظم الشركات الصناعية الكبرى. ولكن في الانتخابات الأولى التي أُجريت ربيع العام التالي كان الفوز حليف الاشتراكيين الديمقراطيين الذين كانوا يتمتعون بدعم من الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) في ألمانيا، ومن الحزب الاشتراكي الفرنسي.

وفي خريف عام 1975 فشلت مجموعة من الضباط الشيوعيين في محاولتها لقلب النظام، فأجرت الحكومة حملة تطهير واسعة في صفوف القوات المسلحة؛ أبعدت الشيوعيين عن المراكز القيادية، وأحالت المسؤولين عن المحاولة الانقلابية إلى المحاكمة.

وكان من الطبيعي أن يكون لـ«ثورة القرنفل» تأثير على الوضع في «الجارة» إسبانيا، حيث كان النظام الديكتاتوري يعيش مرحلة صعبة مع تدهور صحة الجنرال فرنشيسكو فرنكو، وبات يخشى تكرار التجربة البرتغالية التي شكّلت قفزة نوعية في الانتقال السلمي والسريع إلى الديمقراطية.

وهذا ما حصل فعلاً بعد وفاة فرنكو خريف عام 1975؛ إذ انتقلت إسبانيا بشكل سلمي إلى نظام ملكي دستوري، في عملية انتقال مثالية أصبحت مادة تدرّس في العديد من كليات العلوم السياسية في العالم.