جدل في دمشق بشأن المستفيد الحقيقي من ضرب أميركا لـ«داعش».. الأسد أم المعارضة

الحديث عن الضربات يأتي في وقت واجه فيه النظام انتقادات غير مسبوقة من مواليه

جدل في دمشق بشأن المستفيد الحقيقي من ضرب أميركا لـ«داعش».. الأسد أم المعارضة
TT

جدل في دمشق بشأن المستفيد الحقيقي من ضرب أميركا لـ«داعش».. الأسد أم المعارضة

جدل في دمشق بشأن المستفيد الحقيقي من ضرب أميركا لـ«داعش».. الأسد أم المعارضة

ساءت حظوظ الرئيس بشار الأسد على مدار الشهرين الماضيين بسبب الهزائم الميدانية وظهور بوادر جديدة للشكوك بين قاعدته السياسية، في حين تستمر الحرب الأهلية في سوريا دون أن تلوح نهايتها في الأفق.
ولكن في الوقت الحالي، يعتقد الأسد ودائرة مقربيه أنهم حصلوا على مهلة - سياسية على الأقل - بإعلان الرئيس الأميركي باراك أوباما أنه قد يشن ضربات في سوريا ضد تنظيم «داعش»، وفقا لمحللين وأصدقاء الحكومة السورية الذين يقولون إنهم على اتصال مع المسؤولين في دمشق.
ويقول هؤلاء الأشخاص إنه بالنسبة للأسد ومستشاريه المقربين يمثل القرار الأميركي انتصارا لاستراتيجيته القديمة: بالتخلص من أي معارضة معتدلة تواجه حكمه، وإقناع العالم بأنه يواجه خيارا واضحا بينه وبين المسلحين الإسلاميين الذين يهددون الغرب.
ولكن هناك أيضا مخاوف في دمشق من أن الغارات الجوية الأميركية المحتملة في سوريا، التي سوف تكون جزءا من حملة تصعيد ضد «داعش»، تحمل مخاطر جديدة. ويوضح محللون موالون للحكومة إن المسؤولين السوريين غير واثقين ممن سيستفيد عسكريا - سواء قوات الحكومة أم الثوار السوريين والأكراد الانفصاليين، الذين يخوضون أيضا اشتباكات مع مقاتلي «داعش».
لا يبدو أن أيا من الجيش السوري أو الجماعات التي تحظى بدعم غربي من الثوار السوريين قادر على تحقيق استفادة مباشرة من إضعاف «داعش» في أقوى معاقلها في المحافظتين الشرقيتين المتاخمتين للحدود مع العراق: الرقة ودير الزور.
يملك الجيش السوري فرصة ضئيلة لاستعادة الأراضي التي فقدها مؤخرا هناك، ويبدو أنه تخلى تقريبا عن الشرق، وفقا لما صرح به أمين حطيط، العميد اللبناني المتقاعد المقرب من مسؤولين سوريين، الذي تقابل مع بعض منهم في دمشق الشهر الماضي.
يقول أوباما إن المساعدات الجديدة التي ستقدم للثوار السوريين، وتعدهم الإدارة الأميركية معتدلين نسبيا، سوف تسمح لهم بالعمل كقوة برية ضد «داعش»؛ واستبعد إرسال قوات أميركية. ولكن سوف تستغرق عمليات تسليح وتدريب الثوار فترة، وليس من الواضح ما إذا كانوا سيحققون نجاحا أكبر من المحاولات الماضية التي فشلت في تكوين قوة فعالة موحدة.
صرح يزيد صايغ، المحلل العسكري في مركز كارنيغي لـ«الشرق الأوسط» في بيروت، بأن ذلك جعل من غير المرجح أن تشن الولايات المتحدة في فترة قريبة أكبر من غارات جوية منتقاة محدودة ودقيقة ضد «داعش»، مثل الغارات التي تستهدف قوافل الصحراء. وقد انخرط مقاتلو التنظيم في الرقة مع السكان مؤخرا، فيما يزيد من خطورة تسبب الغارات في قتل مدنيين، وربما يؤدي ذلك إلى حشد التأييد وراء «داعش».
ويتمتع المسلحون السوريون بقوة أكبر بالقرب من مواقع «داعش» في محافظة حلب غربا. ولكن كذلك الجيش السوري، لذلك قد يعود ضرب التنظيم هناك أيضا بالفائدة على الأسد، وهو ما يكرهه أوباما.
يقول صايغ: «لذلك إذا لم تنجح الولايات المتحدة في قتل قادة داعش في سوريا، سوف يكون تأثيرها العسكري محدودا هناك على المدى القريب وربما المتوسط».
تفيد وجهة نظر أخرى، كما صرح صحافي من دمشق يعمل في إحدى وسائل الإعلام الموالية للحكومة في حديث عبر الهاتف، أنه «سيكون للحملة الأميركية تأثير ميداني ضئيل. ويعتقد كثيرون في الحكومة أن الحملة وضعت لأسباب سياسية لإظهار أن الولايات المتحدة تتخذ إجراء ضد داعش، وأن الخطوة الأولى في أي عمل جاد ستكون بإجبار تركيا، حليفة الولايات المتحدة وعضو الناتو، على وقف تدفق مقاتلي التنظيم عبر حدودها».
بعيدا عن التأثير العسكري، يأمل كل طرف في تحقيق مكاسب سياسية. وتأتي احتمالية شن غارات أميركية في الوقت الذي تواجه حكومة الأسد انتقادات شعبية غير مسبوقة من مؤيديها، الذين يعبرون عن شكاواهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي وفي لقاءات من أن الحكومة سمحت للمتطرفين بالخروج عن السيطرة، وخرج هؤلاء المؤيدون الغاضبون في مظاهرة نادرة في دمشق يطالبون باتخاذ إجراءات أقوى للإفراج عن الرهائن المحتجزين لدى المتطرفين.
يقول صحافيون ومحللون سوريون إن قرار أوباما جدد نشاط أعضاء أساسيين في دائرة المقربين من الأسد الذين يعتقدون أنه يواجه ضغوطا أقل من أجل التنازل، وأن الغرب سوف يتحالف معه في النهاية ضد داعش.
يظل الأسد رئيسا على دولة منقسمة ماديا ومنهكة نفسيا. ومنذ شهرين، كان موقفه أفضل من أي وقت مضى منذ مطلع عام 2012، بعد أن أحكم سيطرته على الخط الاستراتيجي في البلاد الذي يمتد من دمشق إلى الساحل. ولكن تبدو تلك المكاسب والروح المعنوية المرتفعة التي صاحبتها أقل صلابة في الوقت الحالي.
في خطوات تقدم سريعة أحرزها «داعش»، هزم مقاتلو التنظيم الجنود السوريين في ثلاث قواعد بالرقة أخيرا، وأخرجوهم فارين إلى الصحراء، مما جعل بعض مؤيدي الحكومة يشعرون بالسخط من عدم إرسال الجيش مزيدا من التعزيزات.
ويُظهر فيديو الهجوم على قاعدة الطبقة الجوية الجنود وهم يفرون إلى الصحراء، ويبدو أنهم عُزل، بينما يرميهم مقاتلو «داعش» بالرصاص.
وجرى تداول هذه الصور على نطاق واسع في سوريا، مما أدى إلى إثارة الصدمة لدى مؤيدي الحكومة الذين تعودوا على رؤية الجيش في مشهد بطولي. وتظهر عملية المونتاج التي يجريها التلفزيون الحكومي بانتظام الجنود وهم يسيرون في صفوف منضبطة ويهبطون على الجدران باستخدام الحبال، مع موسيقى تصويرية توحي بالنصر.
وقالت شخصية مهنية تبلغ من العمر 31 عاما، وتؤيد الحكومة بقوة لفترة طويلة في مقابلة أجريت معها عبر الهاتف من مدينة طرطوس الساحلية: «إذا فقدنا المزيد من المناطق، سيكون مآلنا الفشل»، مضيفة: «بعد ثلاث سنوات أصبح الجيش منهكا ومستنزفا».
وقالت الشخصية، التي تحدثت شريطة عدم ذكر اسمها تجنبا لأعمال انتقامية من كلا الجانين: «إننا نترنح ونرقد فوق بركان». وأضافت: «كثير من الأشخاص الذين يكنون المحبة والاحترام للأسد غاضبون منه الآن. لقد نفد صبرهم».
وقالت إن ابن عمها، وهو جندي، سُجن لمدة ثلاث أسابيع بعد أن تحدث في القاعدة عن الهزائم الأخيرة. وتعرض خمسة نشطاء مؤيدون للحكومة للاعتقال مؤخرا بسبب إطلاقهم حملة عبر مواقع التواصل الاجتماعي للبحث عن جنود مفقودين يُطلق عليها «أين هم؟». ودافع آخرون بجرأة عنهم عبر الإنترنت باعتبارهم «وطنيين».
وما زالت تقول امرأة طرطوس وغيرها من المؤيدين للحكومة السورية إنهم لا يرون بديلا للسيد الأسد لحمايتهم من داعش.
ومع ذلك يقول مسؤولون بالولايات المتحدة وبعض الدبلوماسيين الغربيين إنهم يأملون في أن تتمكن الغارات الأميركية ضد «داعش»، إلى جانب المساعدات الجديدة المقدمة إلى المعارضين غير المنتمين للتنظيم، من التخفيف من حدة المخاوف بين صفوف المؤيدين للحكومة، وبالأخص بين الأقلية العلوية التي تشكل قاعدة الأسد. وفي المقابل، يأملون أن يسفر ذلك عن طمأنة العلويين، الذي يتمتعون بالنفوذ، بما فيه الكفاية من أجل إلهامهم، أو الحلفاء الرئيسين للأسد، المتمثلين في إيران وروسيا، من أجل الضغط عليه للتنحي أو تقاسم السلطة.
ولكن يسود بين الدبلوماسيين الغربيين الآخرين، بمن فيهم الكثير من الذين انتقلوا منذ فترة طويلة من دمشق إلى بيروت، شعور بالاكتئاب والاعتقاد بأن التركيز الجديد على «داعش» أفسد ما تبقى من الإرادة السياسية الغربية للإطاحة بالأسد أو تعزيز مسار التسوية السياسية في وقت قريب. وبطرح سؤال حول ما إذا كانت الحكومات الغربية ستبذل الآن الكثير من الجهد إزاء هذه المشاريع، أجاب أحدهم: «بالتأكيد لا. لقد انتهى الأمر. أشعر بالأسف لقول ذلك».
وطرح بعض المسؤولين السوريين وجهة نظر أقل تفاؤلا مقارنة بالأسد والمقربين له بشأن قوته السياسية والعسكرية، وذلك بحسب ما أفاد به حديثا محلل سياسي مؤيد للحكومة ومطلع على الأوضاع بشكل جيد.

* خدمة «نيويورك تايمز»



«نسور الحضارة»... دفعة جديدة للعلاقات العسكرية بين مصر والصين

جانب من فعاليات تدريب نسور الحضارة 2025 (المتحدث العسكري)
جانب من فعاليات تدريب نسور الحضارة 2025 (المتحدث العسكري)
TT

«نسور الحضارة»... دفعة جديدة للعلاقات العسكرية بين مصر والصين

جانب من فعاليات تدريب نسور الحضارة 2025 (المتحدث العسكري)
جانب من فعاليات تدريب نسور الحضارة 2025 (المتحدث العسكري)

تدخل العلاقات العسكرية المصرية الصينية مرحلة جديدة من التعاون، مع انطلاق فعاليات التدريب الجوي المشترك «نسور الحضارة 2026»، وسط توترات تشهدها المنطقة.

وتلك المناورة الثانية من نوعها خلال عامين بين مصر والصين، وتعد بمثابة دفعة جديدة للعلاقات العسكرية بين البلدين، وفق ما يرى خبير عسكري واستراتيجي مصري، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، معتقداً أنها قد تمتد إلى تعاون عسكري أوسع لاحقاً في إطار تنويع مصر مصادر التصنيع العسكري.

ومساء السبت، أعلن الجيش المصري، في بيان، انطلاق فعاليات التدريب الجوي المصري الصيني المشترك «نسور الحضارة 2026»، بمشاركة عدد من الطائرات المقاتلة متعددة المهام من طرازات مختلفة، لافتاً إلى أن التدريبات تُنفذ على مدار عدة أيام في عدد من القواعد الجوية داخل مصر، ضمن النسخة الثانية من المناورات بين البلدين.

فعاليات تدريب نسور الحضارة 2025 (المتحدث العسكري)

وتشمل المراحل الأولى من التدريب مجموعة من المحاضرات النظرية والعملية، بهدف توحيد المفاهيم القتالية بين الجانبين، إلى جانب تنفيذ طلعات جوية مشتركة والتدريب على أعمال التخطيط وإدارة العمليات الجوية المشتركة.

وتستهدف التدريبات تبادل الخبرات وتطوير مهارات القوات المشاركة، ضمن خطة التدريبات المشتركة التي تنفذها القوات المسلحة المصرية مع نظيراتها من الدول الشقيقة والصديقة، بهدف دعم وتعزيز علاقات التعاون في مختلف المجالات العسكرية، حسب البيان المصري.

وفي 14 أغسطس (آب) الحالي، قال المتحدث باسم وزارة الدفاع الوطني الصينية، تشن شي، في مؤتمر صحافي، إن تلك المناورات ستختتم أوائل سبتمبر (أيلول) المقبل، لافتاً إلى أنها ثاني تدريب مشترك بين القوات الجوية في البلدين.

وحسب المتحدث الصيني، ستركز المناورات على تكتيكات القتال الجوي، وعمليات التفوق الجوي، وعمليات البحث والإنقاذ القتالية، فضلاً عن تدريبات على توظيف القوات، مؤكداً أن التدريب المشترك سيواصل تعزيز الثقة المتبادلة والصداقة التقليدية، ويعمق التعاون العملي بين الجيشين، ويسهم في تحقيق السلام والاستقرار على الصعيد الإقليمي.

وكانت النسخة الأولى في أبريل (نيسان) 2025، تحت اسم «نسور الحضارة 2025»، وقد أجريت في إحدى القواعد الجوية المصرية بمشاركة عدد من الطائرات المقاتلة متعددة المهام من طرازات مختلفة.

دفعة للعلاقات العسكرية

ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي، اللواء سمير فرج، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن هذا التدريب يسهم بشكل مباشر في تعزيز العلاقات العسكرية بين البلدين، مؤكداً أن استمرار انعقاد نسخ «نسور الحضارة» يعكس نجاح التدريب الأول، خصوصاً أن وصول طائرات صينية إلى مصر لإجراء تدريب مشترك دليل على أن بكين تحقق استفادة كبيرة جداً من هذا التعاون.

وشدد فرج على ضرورة وضع هذا التعاون في إطاره الطبيعي، باعتباره ضمن سياق العلاقات العسكرية المصرية مع مختلف دول العالم، قائلاً: «يجب ألا نحمّل هذا التدريب أكثر من حجمه، فمصر معروفة بتنوع علاقاتها، وهي أكثر دولة في العالم تجري تدريبات مشتركة، حيث نستفيد نحن وتستفيد الدول الأخرى أيضاً».

تعاون يتسع

وسبق أن كان التعاون العسكري الصيني المصري مسار قلق إسرائيلي، وفي فبراير (شباط) 2025، تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية عن مخاوف حادة لدى الأجهزة الأمنية في إسرائيل من حصول مصر على مقاتلات صينية من طراز J-10C مزودة بصواريخ جو- جو بعيدة المدى.

وقالت المصادر العبرية وقتها، إن ما يقلق إسرائيل ليس الطائرة المقاتلة الصينية، بل الصاروخ الصيني جو-جو بعيد المدى، وهو سلاح لم تمتلكه القوات الجوية المصرية من قبل، حيث ستسمح هذه الصواريخ للقوات الجوية المصرية بمحاولة ضرب الطائرات الإسرائيلية حتى دون أن تكون في مجال رؤيتها.

تلا ذلك حديث مجلة ناشونال إنترست الأميركية، في ديسمبر (كانون الأول)، عن أن مصر لجأت إلى الصين لصُنع أسطول متطوّر من الطائرات المسيّرة، في خطوة تهدف إلى مواجهة تصرفات إسرائيل العدوانية على حدودها الشرقية.

وحول ما يثار عن ارتباط هذه المناورات بصفقات تسليح معينة، أشار فرج إلى أن الحديث عن شراء طائرات من طراز جي 10 أو غيرها أمر يقع خارج نطاق المناورة الحالية، مؤكداً أن «المناورة ليست لها علاقة بهذا الأمر».

ولفت إلى أن العلاقات العسكرية المصرية الصينية تتجه نحو مزيد من الشراكة الأكبر، لا سيما في ظل التعاون القائم في مجال الطائرات المسيرة التي يتم تصنيعها محلياً في مصر، مؤكداً أن هناك مزيداً من التعاون العسكري في مجال التدريب المشترك، وفي مجال التصنيع الحربي المشترك.

وعلاقات مصر والصين لها تاريخ قديم، وفي مايو (أيار) الماضي، احتفلت مصر والصين بالذكرى السبعين لتأسيس علاقاتهما الدبلوماسية، التي انطلقت في 30 مايو 1956، حين بادرت مصر إلى أن تكون أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات رسمية مع الصين.

وأعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الصيني شي جينبينغ، في بكين، في مايو 2024 تدشين عام «الشراكة المصرية – الصينية» بمناسبة مرور 10 سنوات على إطلاق «الشراكة الاستراتيجية الشاملة».


«انشقاقات» عسكرية تضرب «أرض الصومال» وتهدد نفوذه

منظر عام لمدينة هرجيسا عاصمة «أرض الصومال» وأكبر مدنها (أ.ف.ب)
منظر عام لمدينة هرجيسا عاصمة «أرض الصومال» وأكبر مدنها (أ.ف.ب)
TT

«انشقاقات» عسكرية تضرب «أرض الصومال» وتهدد نفوذه

منظر عام لمدينة هرجيسا عاصمة «أرض الصومال» وأكبر مدنها (أ.ف.ب)
منظر عام لمدينة هرجيسا عاصمة «أرض الصومال» وأكبر مدنها (أ.ف.ب)

وسط مساعٍ حثيثة لنزع اعتراف دولي، مبني على اعتراف إسرائيلي «مستهجن إقليمياً»، يواجه إقليم «أرض الصومال» الانفصالي «انشقاقات» عسكرية متصاعدة باتت تهدد استقرار قواته، لصالح الجيش الفيدرالي الصومالي.

وقال العقيد علي أحمد إسماعيل، المعروف بـ«أشكاتو»، والمنشق مؤخراً، في تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط»، إن قوات الإقليم الانفصالي «لم يعد لديها أي تمثيل عسكري محلي من أبناء مناطق سول وسناغ وتوغدير»، المتنازع عليها مع ولاية «الشمال الشرقي».

العقيد أشكاتو مع جنوده (مقطع من فيديو يتحدث فيه إلى قواته)

وتشكلت «ولاية شمال شرقي الصومال»، قبل نحو عام فقط، وتطالب ببعض المناطق الشرقية من «أرض الصومال».

ووفق أشكاتو، فإن «الوحدة العسكرية التي كان يقودها كانت آخر قوة من أبناء تلك المناطق داخل قوات الإقليم قبل انتقالها إلى صفوف الجيش الفيدرالي الصومالي».

وأوضح أشكاتو أن «الانشقاق لم يكن مجرد انتقال محدود لعدد من الجنود، بل جاء نتيجة اختيارهم الوقوف إلى جانب سكان مناطقهم وعائلاتهم»، مضيفاً: «كنا آخر فصيل متبقياً لدى أرض الصومال من محافظات المنطقة الشمالية الشرقية... واخترنا أن نوحد صفوفنا مع عائلاتنا وأهلنا في منطقتنا، وننضم إلى الشمال الشرقي».

من رأى ليس كمن سمع!

وفي ردّه على تقارير قلّلت من حجم القوات المنشقة، قال إن «أهمية الخطوة لا تقاس بعدد الأفراد المنشقين». وأضاف قائلاً: «ليس الخبر كالمعاينة، ومن رأى ليس كمن سمع!».

وكشف النقاب عن أن أفراد وحدته أنهوا إجراءات التسجيل والدمج ضمن قوات الجيش الصومالي، قائلاً إنهم «سُجلوا في تعداد الجيش، ومررنا جميعاً للتنظيم، وانضممنا إلى الجيش الفيدرالي كوحدة نظامية»، لافتاً إلى أن «الجزء المتبقي سيجري تسجيله لاحقاً».

وأضاف: «لم يتبقَ في أرض الصومال أي تمثيل عسكري أو وجود عسكري لمناطقنا، كنت آخر وحدة موجودة معهم، واخترت الشمال الشرقي».

وميّز بين وجود قوات «أرض الصومال» في مناطقها التقليدية وبين قدرتها على تمثيل أو السيطرة على المناطق التي ينتمي إليها.

امتداد المجتمعات المحلية

وتعود جذور التوتر في محافظات سول وسناغ وأجزاء من توغدير (منطقة عَين)، حيث يدعى «إقليم أرض الصومال» سيطرته على هذه المناطق، ضمن حدود محمية الصومال البريطانية السابقة التي أعلنت استقلالها عام 1991. أما ولاية شمال شرقي الصومال، التي تطورت محلياً واعترفت بها الحكومة الفيدرالية العام الماضي، فتراها امتداداً لمجتمعاتها المحلية، خاصة عشيرة الدولباهانتي.

وبعد قتال عنيف عام 2023، انسحبت قوات الإقليم من لاسعانود ومناطق واسعة من سول، وبقيت خطوط التماس متوترة في سناغ ومحيط بوهودلي، حيث شهدت المنطقة منذ ذلك الحين انشقاقات متبادلة على المستويين السياسي والعسكري.

ونفى أشكاتو أي علاقة مباشرة بين قرار انشقاقه والتطبيع مع إسرائيل، موضحاً: «ليست هناك علاقة مباشرة بين قراري والتطبيع مع إسرائيل». وأضاف: «لكن لن يكون هناك تطبيع في شمال شرقي الصومال مع أي جهة لا نريدها».

إسرائيل... وزيارة واشنطن

وفي ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أعلنت إسرائيل اعترافها باستقلال الإقليم، لتصبح بذلك أول دولة عضو في الأمم المتحدة تقدم على هذه الخطوة، حيث تم تبادل السفراء وفتح سفارة لأرض الصومال في القدس، وزيارة رسمية لرئيس الإقليم إلى إسرائيل في يونيو (حزيران) الماضي.

ورغم أن الاعتراف الإسرائيلي شكّل اختراقاً دبلوماسياً مهماً للإقليم، فإنه لم يسفر حتى الآن عن موجة اعترافات دولية.

وبحسب تقارير محلية، فإنه من المزمع أن يتوجه رئيس أرض الصومال، عبد الرحمن محمد عبد الله (عرو)، إلى العاصمة الأميركية واشنطن الشهر المقبل، ضمن وفد كبير يهدف إلى تعزيز فرص الاعتراف الأميركي بالإقليم.

وحاول العقيد أشكاتو تقديم انشقاقه باعتباره قراراً سياسياً واجتماعياً مرتبطاً بالانتماء إلى سكان المنطقة، قائلاً إن «أبناء مناطق سول وسناغ اختاروا بناء كيانهم السياسي الخاص»، داعياً أي شخصيات أو أفراد ما زالوا يتلقون رواتب من هياكل تابعة لأرض الصومال إلى الانضمام إلى ولاية شمال شرقي الصومال.

وبينما رحّبت ولاية شمال شرقي الصومال بالخطوة، لم يصدر عن سلطات أرض الصومال أي موقف رسمي حتى الآن. وبحسب رواية أشكاتو، فإن «الانشقاق قد يمثل أكثر من مجرد خسارة عسكرية محدودة، وقد يكون مؤشراً على مشكلة أعمق تواجه أرض الصومال في الشرق، ومدى قدرتها على الاحتفاظ بنفوذها في مناطق متنازع عليها من دون قاعدة محلية عسكرية وسياسية تستطيع الاعتماد عليها».


للأسبوع الرابع... الجيش اليمني يتصدّى لموجة التصعيد الحوثي

صورة دعائية وضعها الحوثيون خلفية على منصة في صنعاء تُظهر إطلاق مجموعة من الصواريخ (رويترز)
صورة دعائية وضعها الحوثيون خلفية على منصة في صنعاء تُظهر إطلاق مجموعة من الصواريخ (رويترز)
TT

للأسبوع الرابع... الجيش اليمني يتصدّى لموجة التصعيد الحوثي

صورة دعائية وضعها الحوثيون خلفية على منصة في صنعاء تُظهر إطلاق مجموعة من الصواريخ (رويترز)
صورة دعائية وضعها الحوثيون خلفية على منصة في صنعاء تُظهر إطلاق مجموعة من الصواريخ (رويترز)

دخلت أحدث موجة من التصعيد الحوثي العسكري أسبوعها الرابع، مع اتساع نطاق العمليات على امتداد خطوط التماس، بالتزامن مع استهداف مناطق سكنية ومواقع للنازحين، في وقت كثفت فيه القوات الحكومية ردها على هجمات الجماعة المدعومة من إيران، ونفذت، وفق ما أعلنت، أكثر من 400 عملية خلال موجة التصعيد الحالية، شملت استخدام الطائرات المسيّرة والمدفعية واستهداف مواقع وتحركات وتعزيزات حوثية، إلى جانب إحباط محاولات التسلل.

وشهدت التطورات الميدانية خلال الساعات الـ24 الأخيرة نمطاً أقل نشاطاً؛ إذ اقتصر الأمر على تبادل القصف وعمليات الرصد والاستهداف على أكثر من جبهة؛ من مأرب والجوف شرقاً، إلى الحديدة وباب المندب والساحل الغربي، وسط مؤشرات على استمرار الجماعة في تهديدها العسكري ورفع مستوى المخاطر على المدنيين والممرات البحرية.

وفي شمال غربي وجنوب مأرب، استهدفت مدفعية القوات المسلحة اليمنية مواقع وثكنات تابعة للحوثيين، في إطار الرد على تحركات الجماعة وتصعيدها على خطوط التماس. وفي جبهة البرح بالساحل الغربي، أعلنت القوات الحكومية إحباط محاولة تسلل نفذتها عناصر حوثية، في وقت تواصل فيه الجماعة تحريك عناصرها ووسائلها القتالية في المناطق القريبة من خطوط المواجهة.

مدفعية تابعة للقوات الحكومية اليمنية في الساحل الغربي تقصف مواقع للحوثيين (إعلام عسكري)

وفي شرق الجوف اليمنية، استهدفت الجماعة بصاروخ باليستي محيط مناطق تضم مخيمات للنازحين والبدو الرحل؛ مما يضيف تهديداً جديداً على السكان المدنيين الذين يعيشون أصلاً في ظروف هشة. وفق ما نقله الإعلام العسكري.

وبالتوازي مع العمليات البرية، كثفت القوات الحكومية عمليات الرصد والاستطلاع والاستهداف، ونشرت مشاهد قالت إنها توثق ملاحقة قيادات حوثيين وتحركاتهم، إلى جانب استهداف تعزيزات ومواقع وتحصينات تابعة للجماعة في عدد من الجبهات.

تعقب القيادات

أظهرت المشاهد التي بثتها القوات المسلحة اليمنية عمليات تعقب بواسطة طائرات مسيّرة لقيادات حوثيين، قالت إنها تمكنت من استهدافهم، إضافة إلى عمليات استهداف لعربات عسكرية وتحركات وتعزيزات، في نمط يعكس توسع الاعتماد على الطائرات المسيّرة في مراقبة ساحة المعركة وتحديد الأهداف، على نحو بات أوسع حضوراً في هذه الموجة من التصعيد.

كما بث الإعلام العسكري اليمني مشاهد لعمليات استهداف تحصينات ومواقع وآليات عسكرية تابعة للحوثيين، في إطار ما تصفه القوات الحكومية بأنه رد متواصل على التصعيد الذي بدأ قبل نحو 20 يوماً، ولم يعد مقتصراً على جبهة واحدة.

جانب من استعراض القوات المسلحة اليمنية طيرانها المسيّر (إكس)

وتقول القوات الحكومية إن حصيلة عملياتها خلال هذه الفترة تجاوزت 400 عملية في عموم مناطق التماس، مستخدمة الطائرات المسيّرة والمدفعية ووسائل الاستطلاع، بالتوازي مع التصدي لمحاولات التسلل والهجمات الحوثية على مواقعها.

ويبرز الساحل الغربي اليمني بوصفه أحد أكبر مسارح التصعيد تأثراً، خصوصاً مع استمرار القصف الحوثي على المناطق السكنية وتحركات الجماعة البحرية في محيط باب المندب.

في الأثناء، أعلنت قوات المقاومة الوطنية الحكومية العثور على لغم بحري تابع للحوثيين في باب المندب، بالتزامن مع تدمير زورق مفخخ، في تطور يسلط الضوء مجدداً على المخاطر التي تمثلها الأنشطة الحوثية في أحد أهم الممرات البحرية الدولية.

وعلى اليابسة، قالت مصادر محلية إن مدنيين اثنين أصيبا بشظايا قذائف «هاون» أطلقتها الجماعة على منطقة الحيمة الساحلية في مديرية التحيتا جنوب الحديدة، في أحدث مثال على امتداد القصف إلى المناطق المأهولة بالسكان.

أثر أوسع

في ظل هذه التطورات الميدانية كان الأثر الأوسع للتصعيد يظهر في موجات النزوح المتواصلة من القرى الواقعة قرب خطوط التماس، خصوصاً في الساحل الغربي.

ففي منطقة دُباس شمال مديرية حيس (جنوب الحديدة)، أجبرت الهجمات الحوثية أكثر من 100 أسرة على مغادرة منازلها، بعد تصاعد القصف المدفعي والصاروخي واستهداف المناطق السكنية، بالتزامن مع زراعة الألغام والعبوات في محيط القرى.

يمني داخل مستشفى يحمل طفلة مصابة في هجوم حوثي (أ.ف.ب)

وقال مسؤول الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين في حيس، إبراهيم ناصر مشهور، إن التصعيد الحوثي المتواصل شمال المديرية تسبب في نزوح 104 أسر منذ مطلع يوليو (تموز) الماضي، داعياً الحكومة والمنظمات المحلية والدولية إلى الإسراع في توفير المأوى والغذاء والدواء، خصوصاً للأطفال.

واضطرت الأسر النازحة، وفق المصادر المحلية، إلى الاحتماء في مناطق جبلية وعرة وتحت الصخور الكبيرة، بعد أن فقدت منازلها ومصادر رزقها؛ في حين تسبب القصف في نفوق عدد من المواشي التي تعتمد عليها الأسر في معيشتها.

ولا تقف تداعيات التصعيد عند حدود دُباس، إذ تحدث مسؤولون محليون عن وصول عشرات الأسر يومياً إلى حيس من مناطق في مديريتي الجراحي وجبل راس، بعد تعرضها لضغوط أمنية وعسكرية دفعتها إلى مغادرة منازلها.

وقال نائب مدير «مكتب حقوق الإنسان» في محافظة الحديدة، غالب القديمي، إن الحوثيين يمارسون تهجيراً قسرياً بحق سكان قرى جنوب الجراحي وجبل راس، ويجبرون السكان تحت تهديد السلاح على مغادرة منازلهم، التي يحولونها لاحقاً، وفق إفادته، مواقعَ وثكناتٍ عسكرية.